موقع السيد حسن النمر الموسوي

الأخبار

جديد الموقع

أجرت مجلة البصائر حوار مع سماحة العلاّمة السيد حسن النمر الموسوي حول «الحراك الجماهيري» تحت عنوان «قراءة في مستقبل الإصلاح والتغيير في الأمة» نشر في عددها 49.

 

نص الحوار الذي أجرته مجلة البصائر في ( ٢٥ / مايو / ٢٠١١ ) :

 

 

تواكب الأمة الإسلامية اليوم هبوب رياح التغيير والإصلاح السياسي والاجتماعي, تلك الرياح التي بدأت دوامتها من (سيدي بوعزيـز) في تونس, فما لبثت أن اجتاحت مصر, ووصلت إلى ليبيا والبحرين واليمن وسوريا والأردن. وقد آتت بعض ثمارها في مناطق مثل تونس ومصر, ولا زالت تصارع من أجل النجاح في مناطق أخرى.

والمثقف - الديني وغير الديني - يرى نفسه إزاء هذه التغييرات أمام مسؤولية عظيمة تتطلب منه البوح لا الصمت, والفعل لا السكون, والموقف لا التفرّج, وأن يثري هذه المسيرة بفكره : قراءةً واستلهاماً وتوجيهاً ومشاركةً فاعلةً وديناميةً, ويرى نفسه أمام لحظة تاريخية هامة, وحدثاً مصيرياً رائداً, ربما لم تشهده الأمة منذ قرون في حياتها السياسية والاجتماعية أو اجتماعها السياسي, فهو يشهد قيام حركة شعبية تغييرية استفاقت لتطيح بالكثير من العروش التي عبر عنها ب(الراسخة) و ( المستقرة) , وتسعى لرسم خارطة جديدة في القيم والفكر والفعل معاً, والإسهام في عملية التنظير والتطبيق على حد سواء, في مشهد يحكي سأمها من تلك الدساتير الباردة التي قضت على الأمة بالسكون والخدر والتخلف, ويحكي سأمها من تلك التطبيقات الديكتاتورية التي كممت حرية الفكر وحرية التعبير وحرية الفعل.

وهكذا استفاقت في الأمة حركة إصلاحية تغييرية يجمع المحللون على أنها تميزت بسمات منها :

-    التحرك الشعبي الجماهيري بدلاً من النخبوي والفئوي.

-    سيادة الطابع الشبابي, والتحلي بمواصفات التغيير الناجح بدءاً من الإصرار على الوصول إلى الهدف, ومروراً بامتلاك الرؤية والحكمة والشجاعة والسلم, وانتهاء بالمشاركة في تشكيل المنظومة القيمية والمعرفية للدستور الجديد , والمساهمة الفعلية في قيادة دفة السياسة والحكم.

ومن ثم آثرنا - في مجلة البصائر- ونحن نعيش هذه الأحداث العظيمة المفصلية التي تمرّ بها الأمة أن لا نفوت هذه الأحداث دون القيام بقراءة واعية مركّزة لها, تسعى لتلمس مكامن القوة, ومعرفة مناطق الضعف, لتكريس أولاها في جسد الأمة, وتلافي ثانيها.

وسعينا من أجل الوصول إلى هذه القراءة المعمقة للواقع, واستشراف المستقبل, أن نقدم مجموعة من الأسئلة لنخبة الإعلام والمطلعين ؛ ليسهموا في عملية العطاء المعرفي والترشيد العلمي لهذه النهضة الفريدة, علّ الله يكحل عين أمتنا برؤية ثمارها يانعة.

بين يدي الحوار : 

-    قراءة في واقع الأمة :

السؤال (1) : بدءاً .. تشهد الساحة العربية والإسلامية حراكاً جماهيري يطالب بالتغيير على المستوى السياسي, وهذا الحراك ربما يعبّر عنه بالاحتقان الداخلي, والنتائج التي حققها هذا الحراك  الإطاحة بنظامي - تونس ومصر - اللذين جثما على صدر الأمة عقوداً من الزمن, لم تشهد الساحة العربية والإسلامية خلالها إلا الظلم والاستبداد والتقهقر.

س ۱ - كيف تقرؤون هذا الحراك المطالب بالتغيير من حيث دلالات شموليته للعالم العربي والإسلامي، ومن حيث تأثير العامل الدولي، وما هي نتائجه المستقبلية؟

الجواب - لا يمكن قراءة هذا الحراك بعيداً عن دوافعه، ليسهل الحديث بعد ذلك عن: شموليته، وتأثره بالعامل الدولي، ثم نتائجه. 

لذلك سأجيب عن كل ذلك في مقدمة وثلاثة محاور. وأنوه إلى أن الحديث لن يكون عن دولة بعينها وإنما عن مجمل الحراك؛ بحيث يصلح تطبيقه على كل قطر، باستثناء مسائل بعينها قد نشير إلى خصوصيتها في حينه.

أولاً - مقدمة في الدوافع

يمكن أن نجمل القول في دوافع هذا الحراك في ثلاثة عوامل هي:

۱ - الأسباب

وأعني بـ(الأسباب): تلكم الدوافع العميقة التي يمكن أن تكون بمثابة العلل البعيدة - كما تسمى في الفلسفة -. وهذه الأسباب / الدوافع متأصلةٌ في نفوس البشر جميعاً والمسلمين خاصةً؛ حيث تستبشع الظلم والاستبداد والطغيان، حتى في حده الأدنى فكيف به إذا عم واستشرى واستبشع. وبلداننا التي حصل فيها حراك التغيير هي بلدان يغلب على أهلها الانتماء لدين الإسلام وقلة منهم مسيحيون وتتفق ثقافة الجميع معرفياًّ على استقباح الظلم ونفسياًّ على الاشمئزاز منه.

وحتى أولئك الذين ينطلقون من إيديولوجية غير دينية؛ ممن يوسمون ويوصفون بالعلمانيين أو الوطنيين وغير ذلك من أسماء وأوصاف، هؤلاء أيضاً يتبنون الموقف الرافض للظلم معرفياًّ ونفسياًّ.

وقد اتفق الجميع على أن بلداننا تحكمها أنظمةٌ سياسيةٌ لا تراعي العدل وتعتمد الاستبداد في إدارة شؤون الدولة؛ وإن تفاوتت درجات هذا الاستبداد وتنوعت صيغه وتلونت مبرراته.

ومن ثم، فإن الحراك الشعبي المطالِب بالتغيير من أجل التخلص من السياسة الظالمة ورموزها كان سيحصل عاجلاً أو آجلاً ما دامت هذه الأيديولوجية الدينية والإنسانية حاضرةً في وعي الأمة ونفوسها.

ومن هنا، سعت الأنظمة المستبدة، كما هو ديدن الاستبداد في كل زمان ومكان، إلى محاربة الأديان خصوصاً والوعي الإنساني عموماً؛ بوأده، كما فعلت الأنظمة الملحدة، أو بتحريفه وتزييفه، كما فعلت ولا تزال تفعل الأنظمة المنافقة؛ إذ توظِّف مَن يُسمَّوْن بفقهاء السلطة ومثقفيها، ليكونوا أدواتها الضاربة؛ في معركة تفتيت التدين الصادق والوعي السليم بما يملكه هؤلاء السلطويون من قدرات شيطانية ونفوس رخيصة لقلب الحق باطلاً والباطل حقاًّ، وإلى جانب ذلك يعملون على رسم صورة زاهية لطاغية هنا وآخر هناك فيلهو الناس ويشتغلوا عن حقوقهم المسلوبة. 

۲ - الظروف

وأعني بـ(الظروف): تلكم العلل المتوسطة التي تُمارَس يومياًّ وتكون شغلهم الشاغل رغبةً أو رهبةً.

والمستقرئ للواقع الإسلامي عامة، والعربي خاصة، يجد أن الأمة تلهث يومياًّ للحصول على الحد الأدنى مما يصنف ضرورةً أو كمالاً، فالحريةُ مفقودةٌ والكرامةُ مسلوبةٌ والخوفُ من أجهزة الأمن صار هو العادة وحتى لقمة العيش تحولت إلى معاناة يبتهج الناس معها بالمعونات والهبات. وأما ظاهرة التخلف فماثلة ولا يجادل فيها إلا مكابر. 

وكذلك يجد المستقرئ بلا مؤونة أو صعوبة أن فقدان القانون والالتزام به هو العرف السائد فالمحسوبيات والشللية - كما يقال - هي الطريق المتاح والأيسر للوصول إلى الحق وإن كان شرعياًّ بمنطق المستبد نفسه.

فالمواطن إذا كان غير مصنف من جماعة السلطة؛ لاختلاف مذهبي أو حزبي أو جهوي ... ، فإن أبواب الأجهزة التنفيذية تكاد تكون مغلقة. فالقانون إذا كان يتيح التداول السلمي للسلطة يتحول؛ بفعل المحازبين للحاكم، إلى أداة طيِّعة تُبقي الرئيس رئيساً مدى الحياة، وإن طالب الناس بتغييره أو حلَّ قدر الله به فمات عُدِّل القانون بحيث يكون خلفه هو ابنه. وكذلك إذا كان القانون يجيز تأسيس الأحزاب فإن التشريعات أو الأدوات التنفيذية تحول بين المعارضين والحظوة بذلك.

وأما إذا كان القانون لا يتيح ذلك، أعني تداول السلطة، فعلى الناس أن لا يقتربوا من أصل النظام السياسي فهي الشرعية والأسرة الحاكمة تملك حقاًّ أشبه ما يكون بالحق الإلهي، وإن لم يقولوا ذلك صراحةً، ومن يقترب من هذا الخط الأحمر فهو خائنٌ للبلاد ومفسدٌ بين العباد.

ولا يسعنا الاستقصاء في مصاديق الظروف فالأمثلة واضحة وكثيرة.

۳ - المحركات

وأعني بها العلل القريبة والتي هي أشبه بالشرارة التي تكون السبب المباشر في اشتعال النار فيمكن أن تتعدد ولكنها ابتدأت - تقريباً - بإشعال الراحل محمد البوعزيزي النارَ في جسده؛ احتجاجاً على إهانته في مخفر الشرطة على يد شرطية قيل إنها لطمته بسبب منعه من بيع حاجيات بسيطة بذريعة واهية.

فلم يجد البوعزيزي (رحمه الله) بداًّ من التعبير عن سخطه واحتجاجه فاهتدى - حسب تقديره - إلى أن إحراق جسده هو الطريقة الفضلى، ولعلها بالنسبة له كانت الوحيدة، لبيان ما لحق به من ظلم والأسلوب الناجع لاستعادة حقه السليب، ولعله استحضر معاناة شعبه في تونس وأمته في بقية البلدان.

وكذلك احتجاج شباب مصر على الظلم المستمر وبخاصة عدد من الظلامات الأخيرة ومنها استشهاد خالد سعيد (رحمه الله) في مخفر شرطة بالإسكندرية.

ومن نافلة القول، التأكيد على هذه الأحداث، ونظائرها في بلدان أخرى، هي القشة التي قصمت ظهر البعير.  

***

المحور الأول / شمولية الحراك

لكي نتعرف على أن هذا الحراك سيكون له طابع شمولي من جهة، وما هي دلالاته من جهة أخرى ؟ يجب علينا أن نعرف أن الأمة الإسلامية، ومنها العرب، هي أمة واحدة وإن وزعها الاستعمار على دول في معاهدة سايكس بيكو الشهيرة، لذلك لا يدرِك هذا الواقع مَن يقرأ الحدث التونسي معزولاً عن واقع الأمة وكذلك الحدث المصري وهكذا الحدث البحريني واليمني والليبي والسوري ...

وكمؤشر على هذا الترابط يمكنك - عزيزي القارئ – أن تلمسه في شعار (الشعب يريد ...) الذي تكرر في جميع الثورات، الأمر الذي يؤكد: وحدة الأمة من جهة، ووحدة المعاناة من جهة ثانية، ووحدة المعالجة من جهة ثالثة.

لذلك أعتقد أن ما يحصل، هنا وهناك، هو حراك واحد وإن تعددت صوره في جوانب معينة لأسباب طبيعية تنبع من بعض الخصوصيات المحلية في هذا القُطر وذاك.

ومن نتائج هذه الوحدة هو أن ما حدث في تونس ومصر وتم إنجازه فعلاً وبقي استثماره وحمايته، لن يكون بمنأى عن التأثير في الأقطار الأخرى، فهاهي ليبيا استجابت وإن تصدع حراكها بدخول أعداء الأمة بطريقة مريبة. وكذلك استجابت – قبلها – البحرين؛ وإن استشاط الطائفيون غضباً وسعوا في تشويه صورة الحراك ووصمه بالطائفية وسعوا بشكل حثيث لإجهاضه. وكذلك استجابت اليمن والتي لا تزال - حتى كتابة هذه الأسطر - تراوح بين الإنجاز وبين الالتفاف على الحراك خشية أن يكون له تأثيره القوي والسريع على دول الخليج التي تعاني شعوبها ما يعانيه شعوب البلدان الأخرى.

المحور الثاني / تأثير العامل الدولي

إن العامل الدولي لا يمكن إغفاله بوجه من الوجوه في هذا الحراك. والسؤال هو : هل إن الحراك مستقل أم أنه موجه من عوامل دولية؟

الجواب : هناك في هذا الصدد نظريات ثلاث

النظرية الأولى: نظرية المؤامرة

ومفاد هذه النظرية هو : أن هذا الحراك إنما هو صنيعة أجنبية. فما حصل في تونس ومصر وكذلك ليبيا وسوريا هو تخطيط وتحفيز من دول أجنبية، والذين نزلوا إلى الشوارع احتجاجاً على الحكومات ليسوا - عند أصحاب هذه النظرية - سوى عملاء وفي أحسن الأحوال هم من فئة المغرر بهم من عملاء لدول أجنبية.

ويتبنى هذه النظرية فئتان:

۱ - السلطويون

ونعني بهم الفئة الحاكمة ومثقفوها وفقهاؤها. وقد صرح بذلك رسميون على مستوى رؤساء دول ونواب رؤساء ومن هم دون ذلك، في كلٍّ من تونس ومصر واليمن وليبيا والبحرين وسوريا.

۲ - المؤمراتيون

وأعني بهذه الفئة بعض المؤدلجين الذين وقعوا، من حيث يدركون أو لا يدركون، في شباك الشعور بعجز الأمة التام من النهوض والثورة، وفي شباك الشعور بالقدرة الخارقة لدول الاستبداد بحيث يصعب إلى حد الاستحالة – حسب تصورهم – الإذعان بأن بذور الثورة لم تستأصل من روح الأمة.

النظرية الثانية : نظرية الصدق

ومفاد هذه النظرية هو : أن الأمة لا تزال بخير، فالمتدينون يعتقدون أن ثمة وعوداً إلهيةً لا تتخلف تؤكد أن المكر السيء يحيق بأهله (43/فاطر)، وأن الله تعالى ينصر مَن نصره (40/الحج). وغير المتدينين يعتقدون أن سنن التاريخ لا تسمح لهؤلاء المستبدين بالاستمرار فلو دامت لغيرك ما وصلت إليك.

النظرية الثالثة : الوسطية

ومفاد هذه النظرية هو : أن أسباب الثورة قد اكتملت وثمرتها أينعت؛ باجتماع العامل الذاتي، من حيث قوة الأمة وضعف الاستبداد، والعامل الموضوعي وذلك أن الظروف الدولية تعدلت باتجاه السماح بالتغيير برفع الغطاء عن المستبد.

وهذه النظرية يؤكدها نجاح الثورة في تونس ومصر في زمن قياسي حيث سقط أحدهما بعد أربعة وعشرين يوماً والثاني في أقل من عشرين يوماً مع أنهما كانا تابعين للغرب بكل ما للكلمة من معنى. وأما التابع في اليمن فلا يزال الغطاء الدولي والإقليمي لم يرفع عنه، لذلك لم يسقط مع أن جميع عوامل السقوط الداخلية قد توفرت. وأما الطاغية في ليبيا فلا يزال الغطاء الدولي غير محسوم بشكل حقيقي لعدم الانتهاء من حسم مسألة ما بعد الثورة فالبلد نفطي وليس كمصر وتونس واليمن.

أما البحرين فقد حصل تآمر مكشوف أجهض الثورة - مؤقتاً - لحسابات الصراع مع طرف إقليمي هو إيران التي يمكن أن تكون المستفيد الأكبر من سقوط النظام أو ضعفه في البحرين.

وأما الحراك في سورية فإن العامل الدولي متوفر تماماً لأنها دولة ممانعة ومؤيدة بقوة لمقاومة إسرائيل، لكن يبقى العامل الداخلي غير محسوم بشكل كامل وذلك أن إسقاط النظام ليس خيار جميع المنخرطين في الحراك، بل إن بعضهم يصح القول إنه مرعوب من مجرد التفكير في سقوط النظام أو السعي في إسقاطه، خصوصاً بعد وقوع الليبيين في ما وقعوا فيه من مواجهة نقترب من عنوان الحرب الأهلية التي لا يعلم متى تنتهي ولا الخسائر التي يجب دفعها ولا إمكانية ترميم الوضع حتى بعد أن تضح الحرب أوزارها.

والذي أحسبه أن هذه النظرية الوسطية هي الأقرب للصواب، ففعل الثورة هو شعبيٌّ بامتياز وهو متوفرٌ منذ زمنٍ بعيدٍ، فالمقتضِي - كما يقال في الفلسفة - موجودٌ، غير أن سحب الغطاء الدولي هو الذي يتيح للفعل الثوري الشعبي أن يحقق أثره، وذاك هو العنصر الثاني الذي هو - بلغة الفلسفة أيضاً - ارتفاع المانع، هذا العامل مفقود. 

المحور الثالث / النتائج المستقبلية

أعتقد أن هذه الثورات والانتفاضات انتقلت بالأمة من وضع إلى وضع آخر. 

أ - ومن أهم مظاهر هذا الانتقال هو ضعف السلطات عن كبت الرأي الشعبي كما كانت تفعل في السابق، كما أن الشعوب لم تعد تخشى من التعبير كما كان حالها من قبل.

ب - ومن الآثار المنطقية لحرية التعبير حتى في حدودها الدنيا هو أن الحراك الفكري سيكون أفضل من وجهين:

۱ - التفاعل مع ما يطرح من آراء، إذ لا يمكن أن لا يتأثر المفكر بما يسمع مطلقاً أو يؤثر في الآخر بالمطلق.

۲ - التحول في الانتماءات الفكرية على مستوى الأفراد والجماعات، لما نعرفه من أن كثيراً من الناس إنما آمنوا بهذا الخيار الفكري أو ذاك نتيجة الأحادية التي لم تجعل بين يديه خيارات متعددة ليختار ما يراه الأفضل والأجود.

ج - ومن الآثار المنطقية أيضاً هو التحول على مستوى الممارسة السياسية لأن من شأن حرية التعبير أن يراقب الناس بعضهم بعضاً في الفكر والسياسة والاقتصاد والاجتماع.

د - ومن الآثار المنطقية هو التنمية في أبعادها الشاملة.

وبطبيعة الحال، فإن من نافلة القول أن ذلك قد لا يتحقق ما لم تكن الأمة على درجة عالية من الوعي حتى لا تسرق ثوراتها أو تخترق أو تعرقل. وقد ظهرت بوادر ذلك، أعني الاختراق والسرقة والعرقلة، في جميع هذه الثورات.

السؤال الثاني : الوصول إلى الغاية لا يتم من دون وسائل موصِلة، ويدور حاليا حوار ساخن حول أساليب العمل التغييري على الساحة الإسلامية ، فهناك من يطرح الأسلوب الصدامي (الأنموذج الليبي) ، وهناك من يتبنى أساليب سلمية قوامها المظاهرات، وربما ترقت إلى العصيان المدني (الأنموذج التونسي والمصري). ومن جهة أخرى نجد أن المشهد السياسي يكشف عن حضور العامل الدولي في حراك المجتمعات، فماهي الوسائل الملائمة للإصلاح في الأمة؟

الجواب : ما أشرتم إليه في السؤال من مواجهة مسلحة أو اعتصامات ومظاهرات، إنما هي وسائل لتحقيق الهدف المشروع الذي هو التغيير في السلطة السياسية لاستبدال جماعة فقدت الأهلية للقيادة (بغض النظر عن المناقشة في أصل الكفاءة وشرعية وصولها للحكم)، بجماعة بأخرى تختارها الأمة بالطرق المشروعة لقيادة البلاد.

وكمسلمين وعقلاء يجب المسارعة إلى القول إن الطريقة السلمية، التي ينتظم فيها المظاهرات والاعتصامات والعصيان المدني، هي الأصل الذي لا يجوز تخطيه إلى العمل المسلح؛ إلا في حالات نادرة جداًّ، مع توفر ما يجعله طريقاً وحيداً، ومع عدم ترتب مفاسد أعظم من الصمت على الوضع الفاسد الأول. وفي المقام تفصيلاتٌ كثيرةٌ تُراجَع في البحوث الموسعة.

وحسناً فعلتم بالإشارة إلى العامل الدولي حيث إنه متربص بالأمة، لعوامل كثيرة، ولا يرجى من تدخله خيرٌ مهما كان ملمعاً. وما يحصل في ليبيا نموذجٌ صارخٌ على التدخل الذي لا يمكن تسويقه؛ كإعانة للشعب الليبي في مقابل الطاغية القذافي. لذلك فإن من معرقلات الحراك الاجتماعي هو أن العامل الدولي هو نفسه الحامي للطغاة، وهو الذي يدفع إلى الثورة عليهم في الوقت نفسه. وهي معادلة قد تكون غريبة ولكنه الواقع المر الذي تؤكده حقائق التاريخ الماضي ووقائع الحاضر.

السؤال الثالث : من معوقات الإصلاح وتكريس سبات الأمة مسألة الطاعة للحاكم. وظاهراً هي مؤسسة على آية (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله والرسول وأولي الأمر منكم)، وحينما نلتفت إلى أن الدين مؤسس على فلسفة الحق وثنائية الإيمان بالحق والكفر بالباطل ..  تتولد جملة من الأسئلة، من هو ولي الأمر ؟ ومن أين ينبع أساس حق الطاعة لولي الأمر ؟ وأين تتموضع شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ؟ وهل يعتبر الحاكم رمز الدولة والأمة فالخروج عليه خروج على الأمة والوطن ؟

الجواب : مما يؤسف له أن الدين الإسلامي قد تعرَّض، منذ فجر الإسلام، إلى تشويه عميق وتخريب شامل، أسهم في ذلك عدة عوامل:

منها: التطبيق السيء لتعاليم الدين في الشؤون كلها، وفي صدارتها الشأن السياسي (محل البحث).

ومنها : الفهم السقيم حيث تصدى للحديث باسمه من لم يتحل بصفات العالم المؤهل للحديث على مستوى الفتوى والتأصيل.

ومنها : التلاعب بمضامينه الفكرية وتحريفها وتأويلها لأهداف شخصية وجهوية منذ صدر الإسلام وبالتحديد منذ وفاة الرسول (ص).

هذه العوامل، وما يتشعب منها، هي التي تفرض علينا أن نتثبت من صحة كثير من الأحكام والرؤى المنسوبة للإسلام وخاصة في الفقه السياسي.

ومن ضحايا تلك العوامل هو تفسير الآية مورد السؤال، ليستخلص منها أصحاب نظرية طاعة الحاكم بالمطلق أن المراد بأولي الأمر فيها هم مَن تبوأ منصب الخليفة أو السلطان ولاحقاً الملك والرئيس، لتكون النتيجة هي موادعته وحرمة التعرض لسلطانه وإن جار وطغى، حتى تبناه تيارٌ معروفٌ وجعله من أصوله الفقهية بل الاعتقادية.

وقد وقع أصحاب هذه النظرية، التي سادت في أوساط غالبية كبيرة من أبناء الأمة وعرقل مسيرة الإصلاح فيها كل هذه السنين، بسبب حسن ظن أغلبهم بمن سبقهم من السلف، غافلين عن وقائع التاريخ من جهة، وعن القراءة الموضوعية التي لابد فيها من توفر عناصر، من أهمها :

۱ - الدقة والابتعاد عن السطحية، وهي ما كادت أن تتحول إلى ظاهرة في عقليات هؤلاء.

۲ - الشمولية، بالابتعاد عن التجزئة والابتسار، فالدين (كتاباً وسنةً) لا يصح تقطيع آياته ورواياته بل يجب النظر إليها، وفيها، ككل حتى قيل إن القرآن يفسر بعضه بعضاً.

۳ - التحرر من قراءات السابقين وتفسيراتهم نظرية وتطبيقاً( ).

فالقراءة الموضوعية للآيات والروايات، وهما المصدران للأحكام الشرعية، تؤكد على حقيقة أن الإسلام لا يقر ظالماً على ظلمه ولا يرى شرعية الحكم لظالم مستبد، قال تعالى :{إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وِمِنْ ذُرِّيَّتِي قّالَ لا يَنَالَ عَهْدِي الظَّالِمِيْنَ} [البقرة/124].

وبالنسبة للآية المسؤول عنها، وهي قوله تعالى :{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ ...} [النساء/ 59]، فإن التأمل فيها لا يخدم الغرض الذي ساقوها له، أعني طاعة الحكام مطلقاً حتى الجائر منهم.

ولا بأس بالإشارة إلى مفادها لنتعرف على أنها لأصحاب هذه النظرية أم عليهم. ولنقرأ هذا النص من زاويتين:

الزاوية الأولى : نظرية فقهاء السلطان

وفقهاء السلطان، ولسنا بصدد التعرف على خلفيات هذا الفقه ومبررات نشأته، يرون أن الآية دالة على أن الله تعالى أمر المؤمنين، المخاطبين بالآية، أن يطيعوه وأن يطيعوا رسوله (ص) ومن بعده ولاة الأمر، ورأوا في كل من تصدى لشأن الخلافة مصداقاً لأولي الأمر الذي تجب طاعته وفقاً للآية.  

ولا يفوتنا بيان أننا نعني بـ(فقهاء السلطان) هم تلك الطبقة من الفقهاء الذين احتضنتهم السلطة السياسية قديماًً، وتقربت منهم وقربتهم منها، من أجل تبرير كينونتها وممارساتها، ثم تولد عبر الزمن في حضن هذه المدرسة الفقهية تلامذة لم يدركوا حقيقة ما هم فيه لحسن ظنهم بأساتذتهم، فتناسلت هذه المدرسة حتى آل واقع الأمة إلى أن ينظروا لمن يعرفون أنه غير مرضي عنه بمنطق القرآن، بل قد ينتهي بهم الحال إلى الانتصار لهذا الظالم على حساب المظلومين. 

الزاوية الثانية : فقهاء القرآن

أما فقهاء القرآن فرأوا في الآية الشريفة دلالةً على شرطية الصلاح في الحكام. بغض النظر عن مصداقها الأتم الذي هو الإمام المنصوص عليه والمنصوب من قِبَل رسول الله (ص). ويمكن أن يساق على تصحيح هذا التفسير - دون سابقه - عددٌ من القرائن.

ونلخص تلكم القرائن في ما يلي:

القرينة الأولى : أن الآية تخاطب المؤمنين أن يطيعوا أولي الأمر المؤمنين، والظالم خرج في ظلمه من دائرة المؤمنين، فلا تجوز طاعته، فضلاً عن أن يحكم بوجوبها، فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.

القرينة الثانية : أن الآية تخاطب المؤمنين أن يطيعوا أولي الأمر دون قيد أو شرط، وهذا لا يصح إلا في صورتين:

الصورة الأولى: أن يكون المأمور بطاعته معصوماً حيث لا يقع في خطأً ولا خطيئة، وهذا لا ينطبق إلا على الرسول (ص) المتفق على عصمته عند المسلمين جميعاً ،وعلى أحد الأئمة المعصومين كما يعتقد به الشيعة في أئمتهم الاثني عشر().

الصورة الثانية: أن يكون المأمور بطاعته عادلاً في الرعية وآمراً لهم بطاعة، وخلاف ذلك يخرج من دائرة من تجب طاعته، لأن الله لا يأمر بالقبيح، والظلم مصداق للمعصية ومصداق للقبيح والله لا يرضى به فضلاً عن أن يأمر به.

وفي كلتا الصورتين لا يصح الاستدلال بالآية على لزوم طاعة الحاكم الظالم.

القرينة الثالثة : فإذا أضفنا إلى هذه الآية - بتفسير فقهاء القرآن -  حشداً من الآيات يؤكد على أن الله عز وجل يحض الناس على العدل والقسط ويثيب فاعله، وأنه يستقبح الظلم ويعاقب فاعله، فسننتهي إلى أن الرؤية الإسلامية الأصيلة لا تسمح - مطلقاً - بالحكم بشرعية حكم الظالم لأنه لن ينتهي عن الظلم والجور.

أجل، في الفقه الإسلامي مرونة قد تتيح للمسلم أن يساير الظالم ويهادنه دون مواجهة، وذلك إذا لم يتأت له تقويمه وعزله، أو أمكن ذلك لكن بخسائر لا يصح شرعاً تبريرها.

وتأسيساً على ما قدمناه، نؤكد أن الإسلام إذا فسر بطريقة موضوعية ونزيهة فلن تكون تعاليمه معيقة للإصلاح بل إنها الدعامة الرئيسة للحركة الإصلاحية.

فولي الأمر  - إذن – هو:

أولاً : النبي (صلى الله عليه وآله)، وهو المعصوم الذي لا يظلم أبداً.

ثانياً : ومن بعده ففي الفكر الشيعي، والإمامية تحديداً، هو الإمام (عليه السلام) المنصوب من قبل الله الذي يتصف بالعصمة، ومثله لا يتصور أن يقع في الظلم. ومن بعده الفقيه العادل أو الفقهاء العدول ممن تختاره أو تختارهم الأمة، وإن لم يتيسر الفقيه فعدول المؤمنين. 

وأما الفكر السني فالإمام أو الخليفة -كما تقرره قواعد الفقه السياسي - هو: من تختاره جموع الأمة بالاختيار الحر من خلال أهل الحل والعقد. وعند تطويرها يمكن تبني آليات الانتخاب الحديثة.

هذا ما تقتضيه القراءة الفقهية، أما الواقع الفعلي فلا خليفة، وإنما هناك أنظمة سياسية (ملكية أو جمهورية) فرضت نفسها عبر انقلابات عسكرية أو ثورات شعبية، ثم رضيت الأمة بهذا الواقع بعيداً عن القواعد الفقهية المقررة عند الفقهاء. فسمي الحكام بأولي الأمر الواجب طاعتهم، وهنا اختلط الحابل بالنابل، بحيث تداخلت الأحكام الفقهية بالضرورات السياسية والاجتماعية.

وفتح الباب، بعد بناء أصل السلطة ومن له حق الولاية، الحديث والتنظير والتأصيل لصور الإصلاح، من خلال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهل هو جائز ؟ وإذا جاز فكيف يجب أن يكون ؟ وهل تجوز النصيحة علناً أم يجب أن تكون سرية ؟ ويتفرع عن ذلك الكثير من الأسئلة.

بل إن الأمر تطور في تطرفه حتى أصبح وصف الشخص بالإصلاحي تهمة يفر منها كثيرون ويعاقب عليها كثيرون.

ثم اشتد التداخل حتى صور فقهاء السلطان أن الولاء للوطن الذي هو أمر فطري لا ينبغي أن تتم المزايدة عليه، ليكون المعيار فيه هو مقدار القرب من السلطة فكلما كان الشخص أقرب للسلطان فهو الأشد ولاءً حتى إذا ما صنف ضمن المعارضين له فما أيسر أن يتهم بأن ولاءه للخارج ثم يحل عليه الغضب الذي قد يودي بحياته فيقتل أو بحريته فيسجن أو بكرامته فيشهر به.

ولا شك أن ذلك هو خروجٌ عما يقتضيه العدل الإسلامي، فالولاء لا يجب أن يكون للحاكم وإنما لله أولاً ثم لشريعته التي يجب على السلطان والسلطة أن يكونوا حراساً مخلصين لها لا لأهوائهم. 

السؤال الثالث : نجاح النموذج الإصلاحي السياسي في بلد ما .. يشجع تكراره في بلد آخر، هذا ما شهدناه في انتقال حراك الإصلاح من تونس إلى مصر، ومنهما إلى البحرين واليمن وليبيا، فما هي مشجِّعات الانتقال؟ وما هي عوامل نجاحه؟ وهل تشكل الذريعة التقليدية – وجود (خصوصيات) اجتماعية تميز مجتمعاً عن آخر – سدوداً فعليةً؟

الجواب: يجب أن لا يغيب عن البال أن توزع الأمة على أقطار أصبحت دولاً منفصلة بعد سقوط الدولة العثمانية وبعد حقبة الاستعمار والانتداب لا يعني أن أجزاء الأمة انفصلت عن بعضها، فالأوساط الشعبية لا تزال تعيش بين جوانحها روح الأمة الواحدة التي استلهمتها من طبيعة الدين الإسلامي.

وانطلاقاً من هذه الحقيقة فإن ما يحدث في بلد إسلامي، مما يدعو إلى الفرح أو السرور معاً، يتفاعل معه المسلمون في الأقطار الأخرى. وما من شك في أن الانتفاضات أو الثورات الإصلاحية في بعض الأقطار العربية قد حققت ما يصبو إليه كل شعب عربي في كل قطر، لأن القناعة الشعبية الراسخة هي أن الأنظمة السياسية الحاكمة إما أنها فاسدة أو متخلفة، سواء صرح الشعب بذلك أو لم يصرح.

والعاجزون عن التصريح هم في الغالب أشد فرحاً بالتغيير لأنهم يرون فيه كوة أمل يرجون أن تتسع لتصل إليهم ولو بعد حين.

 فوحدة الأمة - إذن – محفز رئيس لانتقال الحراك، كما أن قدرة شعب من هذه الشعوب على كسر حاجز الصمت وهدم أسس العجز التي سعت الأنظمة إلى تشييدها في النفوس، سيكون محفزاً آخر على انتقال العدوى الحميدة. وهذا ما حصل تماماً.

وقد أسهم الإعلام الجديد في توسعة شبكة التواصل بين أبناء الأمة وعجلت بالثورة إلى الحد الذي يصح أن نصفها بالمفاجأة الصاعقة لكثير من المتابعين.

أجل، لا مجال للتنكر أن ثمة خصوصيات لكل بقعة جغرافية ولكل شريحة اجتماعية تجعل منها تحمل خصائص تميزها على مستوى اللهجة والميول والرغبات والقدرات، كما أن بعض التحديات والوقائع تجعل من دائرة الاهتمام تتفاوت بين شعب وآخر، فالشعب الذي يكون تعداد أفراده كبيراً كالشعب المصري لن تكون أولوياته مشابهة تماماً لشعب قليل العدد كالشعب القطري، فإذا ضممنا إلى ذلك حالة الثراء لدى غالبية القطريين والفقر لدى غالبية المصريين لوجدنا أن عاملاً آخر دخل على خط تغيير الأولويات، وهكذا.

غير أن هذه الخصوصيات، في تقديري، لا تصل إلى حد الفرز التام بين هذا الشعب وذاك ليقال إن ما حصل عند هذا الشعب لن يحصل بالقطع لدى الشعب الآخر.

ومما يشجع ويحفز على الانتقال هو أن العالم اليوم ونتيجة التواصل الإعلامي، عبر الفضائيات وشبكة الأنترنت، قد تقلصت فيه المسافات وتآكلت فيه الخصوصيات إلى حد كبير فما يتكون من ظواهر اجتماعية وسياسية وثقافية في بلد لا يمكن أن يبقى في حدود ذاك البلد بل يتعداه إلى البلدان الأخرى خصوصاً إذا كانت إيجابياته ملموسة، والثورة ذات إيجابيات ينشدها الناس لأنها تعني تغيير الواقع من سيء إلى حسن.

الإعلام القوة الجديدة:

السؤال (5): وسائل الاتصال (كالأنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي) من أبرز آثار العولمة، وكان لها دورٌ كبيرٌ في ثورة مصر، إلى الحد الذي دفع البعض إلى تسمية الثورة ب(الثورة الألكترونية)، وتسمية شبابها ب(جيل الحرب الألكترونية)، في مقابل جيل قديم لا خبرة له بوسائل الاتصال، مارس (الحرب التقليدية)، واصطُلِح على تسميته ب(جيل الحرب التقليدية)، ومن جهة أخرى كان للفضائيات دورٌ أساسٌ في خلق التعاطف والتأييد الخارجي ومنع الحكومات من الاستفراد بشعوبها وقمعها.

السؤال هو : كيف تقرؤون دور شبكات التواصل والإعلام في ما شهده ويشهده العالم العربي والإسلامي؟

الجواب: نعم، كان لشبكات التواصل الاجتماعي على الأنترنت ولوسائل الإعلام الفضائية دورٌ بالغ الأهمية في توفير عناصر النجاح للحراك الثوري، وذلك إذا لاحظنا أن الثورات ليست فعل أفراد بل شعوب، وما لم يتواصل أفراد الشعب وأبناء الأمة مع بعضهم فلن تحصل الثورة. وقد وفرت شبكات التواصل تلك ووسائل الإعلام الفضائية الأرضية المناسبة للاجتماع من جهة وللتعريف بالحراك وأهدافه وشعاراته وتحشيد الدعم المعنوي له بل المادي أيضاً.

ولهذا السبب نجد أن حكومات الاستبداد تحرص بشكل فائق على تقليص حضور شبكات التواصل والفضائيات بالحجب تارة وبالتشويش تارة أخرى وبملاحقة المشاركين فيها ثالثة وهكذا.

ولعل الملفت في الأمر هو تلك الفجوة المعرفية والمعلوماتية الكبيرة بين جيل الحكومات وجيل الشباب وهي الفجوة التي تبينت قبل الحراك وأثناءه وبعده، مما دعا المستبدين إلى السعي الحثيث للالتفاف عليها بوسائل شتى.

وأنتهز الفرصة لتوجيه النصيحة لأبنائنا الشباب وبنانتا الشابات إلى أن يحسنوا استثمار الوسائل التواصلية الحديثة في تقليص الفجوة المدنية والحضارية بين أمتنا وبين الآخر (الغربي والشرقي) من ناحية، وبين أمتنا والآخر المحلي (السلطات السياسية) من ناحية أخرى.

فبالنسبة للآخر الخارجي لا ينبغي لنا أن نقرأ الآخر ونتعامل معه تعاملاً عدائياً بالمطلق لنقع في حالة قطيعة معرفية ونفسية فنحرم من نواحي التقدم والمدنية التي توصل إليها بعد جهود وعناء عبر قرون من الزمن، كما لا نريد أن نكون منبهرين أمامه فنستسلم له انطلاقاً من صواب قيمه ومعارفه وخياراته، بل نمارس بين هذا وذاك انتقائية إيجابية فنختار ما صوابه بيِّن ونرفض بشدة ما خطأه بيِّن، ونتأمل في ما يحتمل الأمرين فإن كان صواباً اخترناه وإن كان خطأً رددناه.

وأما الآخر الداخلي فلا أعتقد أن علينا العمل بكل ما نملك في اتجاه التغيير نحو الأحسن، فإن كان التغيير الشامل مقدوراً بتوفر أسبابه، سعينا نحوه بخطى حثيثة، وإن كان غير مقدور لعدم توفر أسبابه فلا ينبغي المجازفة بالسير في طرق غير مأمونة العواقب فنبتلى بما لا يحمد عقباه. والأمر بعدُ بحاجة إلى تواصل وتشاور بين قوى المجتمع الفاعلة، خصوصاً جيل الشباب الذي كشف عن قدرات هائلة في التنظيم والإنجاز.

ولنحسن النية خالصة لوجه الله الذي وعدنا بأنه ناصر من نصره، وأن العاقبة للتقوى والمتقين. 

() وللتوسع في هذه النقطة يمكن مراجعة ما دوِّن الباحث صائب عبدالحميد في كتابيه (تاريخ الإسلام الثقافي والسياسي) و (تاريخ السنة النبوية)، وكذلك ما دونه الباحث السيد محمد علي الحلو في كتابه (نص السلطة وسلطة النص). وجميعها من منشورات دار الغدير ببيروت.

() الذين هم الإمام علي بن أبي طالب والإمام الحسن والإمام الحسين وتسعة من نسله آخرهم المهدي (عليهم السلام). ومن أراد التوسع في إمامتهم فليراجع المطولات كعبقات الأنوار في إمامة الأئمة الأطهار للإمام السيد حامد حسين وخلاصته للعلامة السيد علي الميلاني وكتاب الغدير للعلامة الشيخ عبدالحسين الأميني.