موقع السيد حسن النمر الموسوي

الأخبار

جديد الموقع

إيلاف: 

سماحة السيد أنت من الشيوخ السعوديين الشيعة الذين عُرف عنهم تأثيرهم على الشباب وتتواصل عبر الشبكة العنكبوتية مع الجميع سواء كانوا شيعة أو سنة ويعتبر موقعك الشخصي على الشبكة من أنشط المواقع .. ما الذي تقوله في بداية هذا الحوار للشباب السعودي؟

السيد النمر: بداية أقدم الشكر لـ "إيلاف" على إجراء هذا الحوار الذي أرى فيه فرصة ثمينة للتعرف على رؤية قد تصنف أنها (أخرى) لواقعنا (المشترك).

 

وأما كلمتي للشباب السعودي فهي أن وطنكم يحمل قيمة رمزية لعالمنا الإسلامي، بكل تنوعه الجغرافي والتاريخي والفكري والاقتصادي، وهذا يفرض عليكم أن تكون همومكم واهتماماتكم تتناسب وهذه القيمة الرمزية، كما أن الله تعالى قيض لهذا البلد ثروة طائلة تتيح له أن يكون في الصدارة على مستوى التنمية الشاملة فألحوا على المسؤولين أن يتيحوا لكم الفرصة للمشاركة في بناء الوطن تخطيطاً وإدارة. وكفاكم هدراً للطاقات في المعارك العبثية في إقصاء الآخر فقدركم أن تتعايشوا مع بعضكم وأنتم مختلفون واجعلوا تنوعكم المذهبي والفكري والمناطقي نعمةً ولا تحولوه إلى نقمة (ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم).

 

 

 

 

إيلاف: يأخذ بعض المسؤولين بوزارة الداخلية السعودية على بعض شيوخ الطائفة الشيعية خطابهم التعبوي ضد الحكومة في وقت يرى فيه هؤلاء المسؤولين أن مثل هذا الخطاب يمزق النسيج الوطني السعودي .. كيف ترد؟

السيد النمر: هذا كلام غير صحيح على إطلاقه، فنحن المواطنين الشيعة الذين نعاني من حملات التحريض والتعبئة الدينية والسياسية على المنابر ويُترجم ذلك بسياسات ممنهجة للانتقاص من مواطنة الشيعة وحقوقهم ... وكمثال على ذلك:

أ - البرامج الدعوية التي يقوم بها، برعاية رسمية، أولئك المتشددون السلفيون والموجهة ضد الشيعة.

ب - الكتب والمطويات التي توزع في البلاد طولا وعرضا والمتضمنة للحكم على الشيعة بأنهم مبتدعة بل ومشركون ويضيق عليهم مذهبيا.

جـ - خطب الجمعة التي تصدح ليلا ونهاراً بالدعاء على الرافضة.

د - ولعل آخر ما في هذا الصدد ندوة (حقيقة المعتقد الرافضي وخطره على المجتمعات السنية) !! وقد احتوت فقرات الندوة عناوين تحريضية صارخة وإن كان العنوان كافياً.

والأشد خطراً هو أن يتأثر ويتفاعل المواطن السني، ومن الطبيعي أن يتأثر ويتفاعل إلا من عصمه الله تعالى، ويتشكل لديه وعيٌ مبنيٌّ على أساس أن هناك عداوة متأصلة بين السنة والشيعة، وعندها لا حاجة إلى قرار رسمي بالتمييز فثقافة الموظف وابن الشارع كافية في سلب حق المواطن الشيعي الذي يجد نفسه مضطراًّ إلى التعبير عن ظلامته عبر عريضة أو بيان وإن لم يجن ثمار تواصله ذاك، فقد يعبر عن ذلك في مسيرة سلمية خصوصاً وقد عم العالمَ العربيَّ النزول إلى الشوارع للمطالبة بالإصلاح.

ويفترض بالمطالبة بالحقوق والإصلاحات أن لا يتحسس منها مخلصٌ لوطنه، خصوصا إذا كانت متواضعة وهزيلة إذا قيست بما نراه في بلدان أخرى.

إيلاف: دائماً ما تشير أصابع الاتهام لبعض الشيعة في السعودية وحتى في الخليج أنهم مرتبطون بإيران، وأن هناك أيادي إيرانية تستغلهم طائفياً وتقوم بالتخطيط لهم ضد مصالح أوطانهم .. كيف ترد على مثل هذا الاتهام؟

السيد النمر: أصبت كبد الحقيقة بوصفك ذلك أنه (اتهام)، فمما يؤسف له أن العلاقة غير الحسنة التي تسود العلاقة بين المواطنين الشيعة وجهات نافذة في بنية الدولة في السعودية تحديداً، وغالب منطقة الخليج، والتي تنعكس على الواقع الحقوقي للمواطنين الشيعة، رسميا وشعبيا، نتيجة الاستغلال البشع لهذا الواقع من قبل بعض الأطراف، هي التي تفسح المجال لمثل هذا الاتهام أن ينمو بل ويُصدَّق، خصوصاً في ظل العلاقة المتقلبة بين دول الخليج والجمهورية الإسلامية في إيران.

وأما الواقع الحقيقي فهذه التهمة هي ، في جوهرها، أقرب إلى الفرية. وقد شهد تقرير بسيوني في البحرين على ذلك بشكل صارخ حيث لم يجد دليلاً ملموساً على هذا الارتباط، مع أن الرجل مكلَّف من دولة البحرين وهو غير متهم بالانحياز إلى الشيعة.

والذي أقوله بكل صراحة هو أن هناك مظالم للمواطنين الشيعة يجب أن تُرفع لتكون المواطنة، والمواطنة فقط، هي الحًكَم في تنظيم العلاقة بين الدولة والمواطن، بعيداً عن أي خلفية مذهبية.

إيلاف: هناك من يرى في دول الخليج أن هناك خطراً من ايران على أمن الخليج .. ما هو تعليقكم؟

السيد النمر: إيران جار كبير، وقدرنا أن نتعايش مع هذا الواقع، ومن مصلحة الجميع أن تسود لغة الوئام والمصالح المتبادلة، فلإيران حق في الخليج كما لأي دولة من الدول العربية في الضفة الأخرى.

بل إن مصلحة دول الخليج جميعها بما فيها العراق أن لا تكون طرفاً في أي نزاع بين إيران ودول غربية لم تحمل وداًّ لهذه الدولة منذ نشأتها بعد سقوط الشاه حليف الغرب وانتصار الثورة، وتاريخ الثورة يشهد بأنها لم تعتدِ على دول الخليج مع أنها كانت داعماً مباشراً لصدام إبان حربه الظالمة.

وأما سوء الفهم والتفاهم الذي يحصل بين الدول، على خلفية تباين وجهات النظر الإيديولوجية والسياسية، فلا ينبغي أن تكون هي القاعدة التي تحكم العلاقة بين الدول بالخصوص المتجاورة، والتي يفترض أن تكون المصالح المشتركة هي الأساس فيها. وهذا حالنا مع جمهورية إيران الإسلامية.

إيلاف: وصفت الأعمال التي يقوم بها النظام السوري  ضد المتظاهرين السلميين، عبر تويتر، بالإجرام والدناءة، كيف تعلق لنا على هذه التغريدة، في وقت يظن الكثير من الناس أن غالبية علماء الشيعة وعوامهم مع النظام السوري؟

السيد النمر: بصدق أقول لك، لا يهمنا النظام السوري أو غيره، بقدر ما يهمني العدل هنا وهناك. وشخصياً لست أرى النظام السوري مختلفاً عن أي نظام عربي آخر، فهي من دون استثناء نظم غير ديمقراطية ولا تعبر عن إرادة شعبية حقيقية. والإجرام - الذي هو سفك دم البريء بغير حق - لا يصح وصفه سوى بأنه (إجرام) سواء كان في سورية أو في البحرين.

والشيعة حسب معرفتي - من الداخل - هم مع المقاومة والممانعة، ولو أن المتحدثين باسم المعارضة السورية لم يعتمدوا خطاباً طائفياًّ وممارسةً طائفيةً من أول الأمر، وكذلك من ناصرها من غير السوريين، لاختلف الأمر ولعبَّر كثيرٌ من الناس عن تأييدهم للحراك الشرعي في سورية، كما فعلتُ أنا. غير أن الحابل اختلط بالنابل إلى أن تبنت قوى غربية معادية للحراك السوري بشكل مكشوف وأصرت على إسقاط النظام، كحلٍّ وحيدٍ، وأوضحت عن دواعيها بكل وضوح وأنه يقوم على أساس إضعاف المقاومة ثم تصفيتها لاحقاً، وهذا ما جعل كثيرين يتحفظون على الأحداث في سورية.

والموقف في ذلك يشبه، إلى حدٍّ كبيرٍ، موقفَ إخواننا السنة من أحداث البحرين والتي أصر أطراف معروفون على اتهامها بالطائفية لتُعزَل عزلاً شبهِ تامٍّ عن سياق الربيع العربي المطالب بالحرية والديمقراطية، وهكذا تحول الربيع العربي في كلٍّ من سورية والبحرين إلى ما يشبه الأزمة المذهبية التي أخشى أن تتسع لتعمق الشرخ بين الشيعة والسنة.

إيلاف: لا شك أن الفتنة بين الشيعة والسنة نيرانها بدت واضحة للعيان.. كيف تنطفئ تلك النيران بين أبناء المذهبين؟

السيد النمر: الخلاف المذهبي بين الشيعة والسنة ليس جديداً، بل هو قديم قدم الإسلام نفسه. بل إن السنة غير متفقين في ما بينهم تماماً، كما أن الشيعة غير متفقين تماماً في ما بينهم. وقد أُلِّف في ذلك كتبٌ ومصنفاتٌ تبيِّن مقالات الفرق وفصَّلت واقعَ الملل والنحل. وشارك في ذلك مؤلِّفون كبار من السنة ومن الشيعة.

ومجرد الاختلاف في الرؤية ليس مستغرَبا ولا مستهجناً، والمستهجن هو نفخ نار الفتنة واستغلال هذه الفروق العميقة أحيانا لتمزيق الصف الإسلامي الذي يتسع للجميع ويستوعبهم على قاعدة (يعذر بعضنا بعضاً في ما نختلف فيه).

وبكل أسف وأسى أقول إن نار الفتنة هذه إنما ينفخها السياسيون من أهل السياسة والأنانيون من أهل الدين، ممن يرغبون في الحصول على امتيازات جهوية أو شخصية أو الإبقاء عليها. أما أهل العلم والنزاهة والحكمة والأفق الواسع فيخمدون نيران الفتن ولا يؤججوها، والحل لإطفاء نار الفتنة هو تكريس واقع (التعددية) وتوسعة قاعدة (التسامح) ونشر العلم والفكر بعيداً عن التعصب والطائفية المقيتة.  

وفي هذا السياق أشير إلى أن للأزهر الشريف كان له دور رائد إبان فترة الإمام محمود شلتوت الذي تبوأ مشيخة الأزهر في الستينات؛ حتى أفتى بجواز التعبد بالمذهب الجعفري في موقف مشهود ومشهور، كما قرر تدريس المذهب الجعفري في جامعة الأزهر، وكذلك أسس الإمام السيد حسين البروجردي دار التقريب وجعل القاهرة مقرا لها وصدر عنها مجلة رسالة الإسلام لسنين طويلة.

ولا تزال جهود التقريب الإسلامي مستمرة في إيران عبر مجمع التقريب ومؤتمره الوحدوي السنوي، وكذلك مملكة المغرب. وفي تقديري فإن دخول السعودية كقطب سني كبير ومؤثر على خط التقارب مع إيران في هذا المجال سيكون له أثرٌ إيجابيٌّ وسيدفع بكل جهود الفتنة المذهبية إلى أن تتلاشى .

إيلاف: كيف يمكن التوفيق بين الولاء الوطني والولاء المذهبي بالنسبة للأقليات اذا تضاربت المصلحة السياسية (السعودية وايران) نموذج؟

السيد النمر: كان لنا، نحن الشيعة السعوديين، تجربة واضحة في فترة الحرب العراقية الإيرانية التي كانت السعودية في طرف وإيران في طرف، وأبان المواطنون الشيعة عن قدرة عالية على التكيف مع وطنيتهم دون التخلي عن مذهبيتهم، فهم مواطنون وفي الوقت نفسه هم شيعة.

وبكل صراحة أقول: ولاؤنا لمذهبنا، وليس لإيران الدولة، ونحن شيعة قبل الثورة الإسلامية في إيران، ولا نسمح لأحد بأن يزايد على ولائنا الوطني الثابت والراسخ، مهما تباينت رؤيتُنا مع مسؤولي الدولة في هذا الملف أو ذاك، والوطن أكبر من المسؤول مهما علا قدره، والاختلاف معه في قراءة سياسية لا تعني انثلام الولاء للوطن.

إيلاف: كيف يمكن صناعة مجتمع مدني متعايش في ظل التعبئة الطائفية في المنطقة التي شرخت مجتمعات كانت مثال للتعايش مثل العراق ولبنان؟

السيد النمر: الشرخ الطائفي موجود ليس في لبنان والعراق فقط، بل موجود في السعودية وكذلك في البحرين. ويمكن تجاوزه بكل سهولة إذا بنينا (دولة) تجعل من (المواطن) هو اللبنة الأساس لكيان الدولة والمجتمع. وأما انحياز الدولة إلى هذه الرؤية المذهبية على حساب تلك فسيجعل الشرخَ الطائفيَّ قاعدةً والتعايشَ استثناءً.

وإذا تسيَّد العقلاءُ فسنتمكن من التأسيس لتعدديةٍ أصبحت ضرورةً من ضرورات الدولة، أي دولة، إذ لا يوجد دولة في العالم ليس فيها تعددية دينية أو مذهبية أو فكرية أو قبلية أو إثنية.

إيلاف: لماذا تتحمل الحكومات ذنب ضعف البنية الوطنية في حين أن رجال الدين من كل الاطراف يعملون على الاصطفاف والاستقطاب الطائفي، بعض الحكومات تقول بأن رجال الدين يعملون ضد محاولاتها لتأسيس هذه البنية الوطنية؟

السيد النمر: السؤال يفترض أن الحكومات بعيدة عن رجال الدين، وليس الأمر كذلك، ففي الدول المبتلاة بالاصطفاف المذهبي نجد انحيازاً من الحكومة لطيف مذهبي معين وتهميش آخر أو محاربته، فيقع الاصطفاف. وهذا يعني أن الحكومة مذهبية وتتحمل هي في الدرجة الأولى تبعةَ أيِّ اصطفاف مذهبي، لأن الحوْل والطول لها، فهي التي تسمح بالاصطفاف وتغذيه، وهي التي تحول دونه وتمنعه.

إيلاف: هل الحرب على التنويريين والمثقفين وإضعاف دورهم ساهم في أن يتحكم رجال الدين في الشارع وبالتالي سهولة قيادة الرأي العام من خلال توجه طائفي؟

السيد النمر: لستُ مع هذه الثنائية التي تجعل من رجال الدين بالمطلق في مقابل المثقفين والتنويريين بالمطلق، فنحن بقراءة الواقع واستقرائه قد نجد طائفية ورجعية عند بعض مَن يوصف بأنه تنويري ومثقف، وقد نجد تنويراً عند بعض رجال الدين.

لذلك أرى أن المقاربة يجب أن تكون بين مناهج الفكر المستنير؛ بما يترتب عليه من طرح استيعابي للآخر من جهة، والفكر المتخلف الذي يضيق ذرعاً بالمخالف من جهة أخرى.

وهذا يعني أن تتبنى الدولة رؤية استيعابية وانفتاحية يكون فيها المجال متاحاً في التفكير والتعبير والممارسة للسني وبالقدر نفسه للشيعي، مهما تباينت رؤاهما في هذا الحقل المعرفي أو ذاك. كما يكون للرأي الثقافي وضده الحق في التفكير والتعبير والممارسة دون حجر أو منع.

وبالطبع، يُراعى في ذلك الثوابتُ التي يتفق عليها أبناء الوطن غالباً دون إقصاء لمكوِّن من مكوناته. وهكذا نكون بنينا قاعدة متينة للعيش الكريم والمشترك بين أبناء الوطن الواحد ذي الهوية الواحدة مع حفظ الهويات الخاصة لهذا الفريق وذاك.

وإذا أتيحت الفرص بشكل متكافئ للأطياف المتنوعة فإن الرأي العام سيتوازن وإن حصل فيه بعض التجاذب الحاد أحياناً لكن الدولة المتوازنة مع الجميع والحاضنة للمجموع ستعيد بوصلة التوازن للحؤول دون الحيف والإجحاف بطرف من قِبَل طرف آخر.

 

 

أجرى الحوار "سطام الرويلي"

موقع إيلاف: 

http://bit.ly/xsDTc8