موقع السيد حسن النمر الموسوي

الأخبار

جديد الموقع

نستقبل شهر رمضان الكريم، الذي يمثل «ربيع القرآن» إذ جرت العادة الإسلامية النبيلة في الحرص على تلاوة القرآن وتدبره.. امتثالاً للتوجيهات الربانية والنبوية في زيادة الاهتمام بالقرآن على الصعيدين معاً. ولعل ثمة ارتباطاً تكوينياً غيبياً بين القرآن وشهر رمضان دعا اللطيف الخبير إلى إنزاله فيه أولاً ﴿ شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَات مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ ﴾[1] ، وإلى الأمر بتلاوته وتدبره ثانياً على لسان نبيه الذي وصفه ربه تعالى بأنه ﴿ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ ﴾ [2] .

وإذا ما عدنا إلى القرآن الكريم لتلمس السبب الكامن وراء هذا الاهتمام فسنجده يتلخص في طبيعة القرآن الكريم الذي هو في ذاته أَحْسَنَ الحدِيثِ من جهة، ويحمل في جنباته القدرة على التأثير في الإنسان الطالب للحوق بمستوى ﴿ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ﴾ شعوراً منهم بالتفاعل من جهة ثانية، وبثقل المسئولية من جهة ثالثة، لينتهي بهم المطاف إلى التسليم بين يدي الله ﴿ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ﴾[3]  من جهة رابعة، حيث تحط سفن قلقهم على سواحل اطمئنانه بعد تطواف ممتد فـ﴿ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ ﴾ [4]  من جهة خامسة.

إذاً، نحن بين طرفين تحكمهما علاقة تفاعلية، او هكذا يجب أن تكون، يمثل القرآن فيها «الرسالة» والقارئ يمثل «المتلقي» يفيد من الرسالة بقدر «التفاعل». الذي يمر بمراحل تتلخص في: التلاوة، ثم التدبر، انتهاء بالتطبيق.

ولنتوقف عند نصين اثنين نتبين منهما «موسمية شهر رمضان للقرآن» تلاوة وتدبراً:

النص الأول: عن الإمام محمد الباقر "عليه السلام" قال: «لكل شيء ربيع وربيع القرآن شهر رمضان».

فالنص يشير إلى أن الزمن ليست له قيمة واحدة لكل شيء، بل إنها تتفاوت من فترة إلى أخرى، فكما أن فترة الشباب تعد ذهبية في العمر البشري ليست كالكهولة والشيخوخة وبطبيعة الحال ليست كالطفولة. كذلك إن شهر رمضان، بما يحيط به من هالة روحية في ذاته، ونفسية لدى القارئ، وبما يكتنفه من أجواء اجتماعية ترق فيه النفوس والأرواح، علاوة على العلاقة التكوينية آنفة الذكر، كل ذلك يجعل الإنسان، وهو القارئ للقرآن، أقرب إلى التفاعل مع القرآن على مستوى تلاوته وتدبره وتطبيق مضامينه على مختلف جوانب حياته.

النص الثاني: عن عبد السلام بن صالح الهروي قال: «دخلت على أبي الحسن علي بن موسى الرضا "عليه السلام" ، في آخر جمعة من شعبان، فقال لي: يا أبا الصلت إن شعبان قد مضى أكثره، وهذا آخر جمعة منه، فتدارك فيما بقي منه تقصيرك فيما مضى منه. وعليك بالإقبال على ما يعنيك وترك ما لا يعنيك، وأكثِر من الدعاء والاستغفار وتلاوة القرآن، وتب إلى الله من ذنوبك ليقبل شهر الله عليك وأنت مخلص لله عز وجل، ولا تدعن أمانة في عنقك إلا أديتها، ولا في قلبك حقداً على مؤمن إلا نزعته، ولا ذنباً أنت ترتكبه إلا أقلعت عنه. واتق الله وتوكل عليه في سرائرك وعلانيتك، ﴿ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْء قَدْراً ﴾ [5] . وأكثر من أن تقول فيما بقي من هذا الشهر: اللهم إن لم تكن غفرت لنا فيما مضى من شعبان فاغفر لنا فيما بقي منه، فإن الله تبارك وتعالى يعتق في هذا الشهر رقاباً من النار لحرمة شهر رمضان».

والنص، لوضوحه، لا يحتاج إلى تعليق، إلا أننا نقف عند تأكيد الإمام الرضا "عليه السلام" «تلاوة القرآن» كمحطة لا ينبغي للمسلم، وهو الحريص دائماً على مصلحته الحقيقية، أن يهملها. ولعل السر يكمن في: أن تلاوة القرآن تعد باباً من أبواب المنة الإلهية التي فتحت لنيل الخشية والخشوع وللحصول على الاطمئنان والاستقرار المنشود للذات الإنسانية.

هذان النصان الشريفان، وغيرهما كثيرٌ، يؤكدان أن «موسمية شهر رمضان» للقرآن الكريم أمر لا يقبل الإنكار.

  •  ماذا تعني التلاوة؟

الشائع عند الناس أن التلاوة تعني «القراءة» مجردةً، على تفاوت بين الناس في تحسين القراة «التلاوة» وتجويدها، بحسب ما تلقاه هذا وذاك من فن التجويد والتلاوة المعهودة، وحسب اهتمام هذا القارئ وذاك. إلا أننا إذا تتبعنا الاستعمال القرآني لمادة «التلاوة» وكذلك المعنى اللغوي لها، نجد بعداً خفي على كثير من الناس، نتناوله ضمن نقطتين:

1- التلاوة في اللغة

التلاوة مشتقة من «تلا يتلو» بمعنى تبع، قال تعالى ﴿ وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا ﴾ [6]  أي تبعها. فـ «التلاوة»، في اللغة، تعني «الاتباع». وإنما سميت «القراءة» لآيات القرآن «تلاوة» لأن الحروف يتبع بعضها بعضاً. أجل، تطور هذا المعنى اللغوي في المصطلح الشرعي ليختص باتباع معين، قال الراغب الاصفهاني في المفردات: «التلاوة في عرف الشرع تختص باتباع كتب الله المنزلة، تارة بالقراءة، وتارة بامتثال ما فيها من أمر ونهي، وهي أعم من القراءة، فكل قراءة تلاوة من غير عكس».

 

 

التلاوة في القرآن

إذا تتبعنا موارد استعمال مادة «التلاوة» في القرآن فسنجد:

أ- أن التلاوة من مهمات الأنبياء "عليهم السلام" المكلفين إخراج الناس، قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآياتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ﴾ [1] . وقال تعالى مبيّناً سنة من سننه التي لا تتخلف: ﴿ وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولاً يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ ﴾ [2] . فنحن إذاً أمام مهمة لا يتمكن من أدائها إلا المعصوم، وهو النبي في المقام، الذي يباشر فعل «الهداية» بأمر الله، قال تعالى: ﴿ وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلاً جَعَلْنَا صَالِحِينَ وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الخيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ ﴾ [3] . ولا يعقل أن تكون هذه المهمة الخطيرة مجرد «قراءة».

لذلك نقول: إنها تعني «الاتباع» في الدرجة الأولى و«القراءة» في الدرجة الثانية، وإن كانت هذه تتقدم على تلك في الشكل، أي أننا نقرأ أولاً لنتبع ثانياً.

ب- أن «التلاوة» تعني التطبيق تارة والطريق إليه تارة أخرى، قال تعالى على لسان خليله إبراهيم "عليه السلام" : ﴿ رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الحكِيمُ ﴾ [4] ، ليلحقه بامتنان منه تعالى بالمضمون نفسه في السورة نفسها «البقرة:151» وسورة «آل عمران :164». ومن المؤكد أن الرسول "ص"  لم يكن دوره يقف عند حدود «قراءة آيات القرآن» وإنما تجسيد تلك الآيات في ذاته على مستوى الرؤى والأفكار أولاً، والمشاعر والعواطف ثانياً، والسلوك العملي ثالثاً. ولعل هذا المعنى يتأكد إذا قلنا إن قوله تعالى: ﴿ ويعلمهم الكتاب ﴾ إنما هو تفسير لـ ﴿ يتلو ﴾ وليست شيئاً آخر لتكون هذه الجملة بياناً والواو للعطف البياني.

ويمكن تدعيم هذا التفسير لـ «التلاوة» بـ:

1- قوله تعالى: ﴿ رَسُولاً يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَات لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحاً يُدْخِلْهُ جَنَّات تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الانْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقاً ﴾ [5]  فالآية الكريمة تحدد دور النبي "ص" وتلاوته بإخراج المؤمنين والعاملين للصالحات من الظلمات إلى النور، وواضح أن ذلك لا يكتفى فيه بمجرد «القراءة» التي يمكن، نظريا، أن يتولاها غير النبي ، وإن قلنا إن لقراءته خصوصيات لا يشاركه فيها غيره.

2- قوله تعالى خطاباً لنساء النبي "ص" : ﴿ وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالحكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفاً خَبِيراً ﴾ [6]  الذي يعني أن الحجة عليهن ألزم باعتبارهن يعشن في بيت تتلى فيه آيات الله. وكلنا يعلم أن التلاوة بمعنى القراءة ليست من مختصات بيت النبي "ص" لأن بيوت المسلمين عادة يقرأ فيها القرآن. ولذلك لا يكون الامتنان على نساء النبي "ص" وجيهاً إلا إذا حملنا ﴿ يتلى ﴾، هنا، على «التطبيق والتجسيد» الذي يصح القول إنه، بمعناه الشامل، خاصٌّ ببيت النبي "ص" الذي هو بيت الطهارة والعصمة. ومن ثم جاز أن تكون العقوبة لمن حظي بمثل هذه الرعاية مضاعفة لو وقعت منه المعصية، قال تعالى: ﴿ يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَة مُبَيِّنَة يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً ﴾ [7] ، ملحِقاً إياه بقوله: ﴿ يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَد مِنَ النِّسَاءِ ﴾... مؤكِّداً أن هذا التميز ليس مطلقاً بل مشروطاً بـ ﴿ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ ﴾ [8]  الذي يعني التجسيد تأسياً بالرسول "ص" من خلال التزام ما أمر الله وترك ما نهى عنه ﴿ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً ﴾ [9] .

وقد جاء عن الإمام جعفر الصادق "عليه السلام" في قوله: ﴿ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ ﴾ [10] ، قال: يرتلون آياته، ويتفقهون به، ويعملون بأحكامه، ويرجون وعده، ويخافون وعيده، ويعتبرون بقصصه، ويأتمرون بأوامره، وينتهون بنواهيه. ما هو والله حفظ آياته، ودرس حروفه، وتلاوة سوره، ودرس أعشاره وأخماسه، حفظوا حروفه وأضاعوا حدوده، وإنما هو تدبر آياته والعمل بأحكامه، قال الله تعالى: ﴿ كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ ﴾ [11] .

وننتهي إلى القول إن «التلاوة» بمعنى «القراءة» استحبت شرعاً لتكون طريقاً إلى التفاعل مع أوامر القرآن ونواهيه ليحصل التكامل بين المرسل/ الله، والمتلقي/ العبد، من خلال الرسالة/ القرآن، عبر النبي/ الرسول "ص" ، قال تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُول إِلا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الحكِيمُ ﴾ [12] ، وليكون ذلك سبيلاً لتحقيق الإيمان أولاً والعمل الصالح ثانياً لتكون النتيجة نيل ﴿ جَنَّة عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ [13] .

وفيما عدا ذلك يمكن أن يقال إن القرآن أصبح «مهجوراً»، بمعنى تعطيل دوره الذي أنزل من أجله، وهو إخراج الناس من الظلمات إلى النور، إذ فُرِّغ من محتوى دوره الوظيفي، الذي يبينه ربيب القرآن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب "عليه السلام" بقوله: كتاب الله تبصرون به، وتنطقون به، وتسمعون به، وينطق بعضه ببعض، ويشهد بعضه على بعض، ولا يختلف في الله، ولا يخالف بصاحبه عن الله وهو تفصيل لقول الله تعالى: ﴿ إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ المؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً ﴾ [14] . والهجران لا يتنافى مع ما يمكن أن يحصل من مبالغة في الاهتمام الشكلي بـ «التلاوة» في حدود القراءة المجردة، إذ «رب تال للقرآن والقرآن يلعنه» لأنهم قد يقرأونه من دون أن«يتجاوز تراقيهم». وإذا تحقق معنى الهجر فسيكون القرآن خصماً يشكو له رسول الله "ص" قائلاً ﴿ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا ﴾ [15]