موقع السيد حسن النمر الموسوي

الأخبار

جديد الموقع

 تمهيد: النهضة الحسينية ثمرة للكرامة الإنسانية

جاء في الخبر عن رسول الله  أنه قال: «حسين مني وأنا من حسين»[1]. وقال : «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق»[2]. وبين هذين النصين لا يشك مطلع على تاريخ الإسلام ما للنهضة الحسينية من أثر في حفظ الأصالة الإسلامية، حيث حيل بين المشروع السلطوي الانقلابي وتنفيذ مآربه التحريفية لتعاليم الإسلام، التي كان من أهم مقاصدها حفظ كرامة الإنسان. التي يحرص أعداء الدين على سلبها من الناس لئلا يشكلوا بذور تصحيح ومعالجة، عبر المقاومة والممانعة بالفعل تارةً وبالصمت أخرى.

لذلك يجدر بالدارس للنهضة الحسينية التي جسدت أجلى صور الكرامة الإنسانية، أن يتلمس جذور الكرامة في النهضة. والتي نعتقد جازمين أنها لم تكن وليدة لحظة تاريخية عفوية وطارئة، بقدر ما هي تعبير عن وجود سيال بدأ من حين استخلاف الله للإنسان، مروراً بمفردات النبوة والإمامة، لتجسد النهضة الحسينية واحدة من تلك المفردات، انتهاءً بوارثة الأرض على أيدي عباد الله الصالحين[3].

( تاريخ النشر 2008/9/23م)

1 - في المصطلح

«الكرامة»، وهو من المصطلحات الرائجة، يختزن الكثير من المعاني.

أ - فقد يطلق ويراد به «الجود والسخاء».

ب - وقد يطلق ويراد به «العزة» في مقابل «الإهانة»[4].

جـ - وقد يطلق ويراد به «النبل والشهامة والشجاعة»[5].

د - وقد يطلق ويراد به «علو الهمة».

ونحو ذلك من معانٍ تلتقي جميعها في سمو إنساني على مستوى الذات، ليتمظهر في مسارين:

المسار الأول: مستوى التلقي

حيث يعتقد العلماء والعرفاء أن من بلغ درجة «الكرامة» يحظى برعاية ربانية خاصة، تؤدي به إلى أن يُفاض عليه عطاء رحماني خاص، يميزه عن من لم يبلغ تلك الدرجة. وهذا الكريم قد يكون متمثلاً في:

1 - نبيٍّ، كما هو حال يوسف  :﴿ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ﴾ [يوسف:22].

2 - عبدٍ صالحٍ، كما في قصة رحلة موسى  وفتاه :﴿ فَوَجَدَا عَبْداً مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً ﴾[الكهف:65].

ولابد من التنبيه هنا إلى مبدأ هذه الكرامة، أياًّ كان من تمثّلت فيه، واحد هو «القرب الخاص من الله»، التي يطلق عليها «الولاية».

المسار الثاني: مستوى الفعل

حيث يكون العطاء الرحماني الخاص ذا تأثير كبير على شخصية صاحب هذه الكرامة تجعله أقدر من غيره على التحكم بذاته وما حوله. من قبيل ما حصل لمن آتاه الله علماً من الكتاب، حيث آتاه الله عز وجل قدرة خارقة بجلب عرش بلقيس من اليمن إلى فلسطين، حيث ملك سليمان  قبل أن يرتد إليه طرفه. قال تعالى :﴿ قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ ... قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرّاً عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ ﴾ [النمل:38-40].

ولابد من التنبيه هنا إلى هذا الفعل الخارق الصادر من «الكريم» على نحوين:

النحو الأول: يسمى «المعجزة»، وهي ما يصدر عن النبي إثباتاً لنبوته.

النحو الثاني: يسمى «الكرامة»، وهي ما يصدر عن العبد الصالح «الولي»، باختياره حيناً، وبغير اختياره حيناً آخر.

وعلى كل حال، فللكرامة أثرٌ مباشرٌ على صاحبها في مجالين اثنين:

1 - المشاعر، سواء بالنسبة للذات أو الآخر. وسواء كان هذا الآخر أعلى مرتبة كـ«الخالق»، أو مساوٍ فيها كـ«الإنسان»، أو أقل شأناً كـ«الحيوان».

2 - السلوك، قولاً وفعلاً. سواء كان هذا السلوك مع قريب أو غريب، صديق أو عدو.

ولنسلط الضوء على بعض ملامح هذه الكرامة، ولنقصر حديثنا على ما روي عن معلّم نهل منه صاحب النهضة، أعني به باب مدينة الحكمة النبوية، أمير المؤمنين ويعسوب الدين.

 مقدمة:

1 - أهمية الوعي

أول ما يلفت نظرنا في مسألة الكرامة هو عنصر الوعي واليقظة. إذ لا فائدة من حثّ المريض الذي لا يعتقد بأنه مريض على الذهاب إلى الطبيب، ولا من حضّ الجاهل على التعلم، وفي ذلك يقول أمير المؤمنين : لا تنجع الرياضة إلا في نفس يقظة»[6]. والمقصود من الرياضة هنا البرنامج الروحي الذي يعتمده الراغب في تهذيب نفسه وتطهير ذاته في بعدها الإنساني، والأخلاقي خصوصاً. وفي ذلك يقول : العلم وراثة كريمة»[7]. وهذا ما يحتاج إلى الوعي بحقائق الكون بأن لا ينظر إلى الدنيا على أنها الهم الذي ينبغي الاشتغال به ونيل العزة من خلاله، قال  عن الدنيا: عزيزها مغلوب، وموفورها منكوب»[8].

2 - أهمية الكرامة

قال علي  موصياً كميل بن زياد «ره»: يا كميل مُر أهلك أن يروحوا في كسب المكارم»[9]. ويقول ، في نبذ العصبية التي هي الانحياز المطلق والشامل إلا في الخير: فإن كان لابد من العصبية فليكن تعصبكم لمكارم الخصال ومحامد الأفعال ومحاسن الأمور»[10].

الملمح الأول: التقوى

إذا انتقلنا إلى الملامح والمكونات فإن أول ما ينبغي التوقف عنده هو «التقوى»، فـ: لا عز أعز من التقوى»[11]. لذلك كان يوصي بالتقوى دائماً مؤكداً أنها مصدر العزة والكرامة. من ذلك قوله : أوصيكم عباد الله بالتقوى ... تؤول بكم إلى أكنان الدعة وأوطان السعة ومعاقل الحرز ومنازل العز».[12]

ونعني بالتقوى: التسليم التام لله تعالى، بكل شعبها وفروعها. والتقوى بهذا المعنى الشامل تساوي ما جاء في قوله تعالى﴿ إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الإِسْلامُ ﴾[13]. أو ما جاء في قوله تعالى :﴿ إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفاً وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾[14].

وفي الترابط بين التقوى والكرامة يقول : ... أنه من يتق الله يجعل له مخرجاً ... وينـزله منـزلة الكرامة عنده»[15]. وقال : فمن أخذ بالتقوى غربت عنه الشدائد بعد دنوها، وهطلت عليه الكرامة بعد قحوطها»[16].

وفي نعمة الإسلام التي تختزل معاني الكرامة يقول : أن الله تعالى خصكم بالإسلام واستخلصكم له وذلك لأنه اسم سلامة وجماع كرامة»[17].

وفي وصيته لابنه الحسن : يا بني! وألجئ نفسك في أمورك كلها إلى إلهك فإنك تلجئها إلى كهف حريز ومانع عزيز»[18].

وهذا الملمح يفترض توفر المتقي على قناعات وآليات لا يمكن الحصول عليها بغير الملمح التالي.

الملامح الثاني: القوة

والمراد من «القوة»، معناها الشامل، سواء في بعدها المادي أو المعنوي. لوضوح أن «الضعيف» سيكون في موقع لا يتناسب وعزة المؤمن. لذلك ينبه أمير المؤمنين  إلى هذا الملمح ضمن صياغات مختلفة، تشكل بمجموعها قاعدة أساسية في هذا المجال، تناول بعضها الجانب المادي من الوجود الإنساني، وتناول بعضها الآخر الجانب المعنوي:

1 - قال : مَن قلَّ ذلَّ»[19]. وذلك أن من قل في عدده، أو عدته، أو ماله، أو إنتاجه، أو عطاؤه ... لن ينظر إليه الآخرون على أنه «قوي»، إن لم ينظر هو إلى نفسه بمنظار الضعف.

لذلك لا ينبغي لمن يريد أن يسير في درب الكرامة أن يكون «قليلاً»[20].

2 - وإن أحد أشكال القوة «الجهاد» الذي هو تعبير عن الممانعة لعدوان العدو. قال علي  عن أهمية الجهاد: فمن تركه رغبةً عنه ألبسه الله الذل وشمله البلاء»[21].

ولعل هذا النص يعالج جانباً مادياًّ من هذا الملمح، فأين هو الجانب المعنوي؟

هذا ما نجده في النصين التاليين:

3 - على الإنسان أن يكون «قوياًّ» قادراً على التعامل مع الأزمات وامتصاص الصدمات، وبذلك يصنف ضمن «الكرام». وفي ذلك يقول : النفس الكريمة لا تؤثر فيها النكبات»[22].

وعليه، فعلى الراغب في الانخراط في زمرتهم أن يروِّض نفسه على «القوة»، والتي يراد بها هنا الصلابة والعزيمة.

4 - على الإنسان السائر في درب الكرامة أن يكون نبيلاً، لا يقدم على ما لا ينبغي الإقدام عليه. فلأن اعتداده بنفسه كبير، واحترامه لها عميق، لا يسمح لها أن تفرض عليه أي فعل وأي قول، وإنما هو يتخير الأحسن والأفضل من كل ذلك. وفي ذلك يقول أمير المؤمنين : الشريف من شرفت خلاله»[23].

والقوة بهذه التجليات أمرٌ مطلوب لكل عاقل، بل لا يفرِّط فيها إلا جاهلٌ.

الملمح الثالث: الحكمة

وثالث الملامح للكرامة أن يكون الإنسان حكيماً. ونعني بـ«الحكمة»: تخير الصواب والتزامه. ومن ثَمَّ قسّمها العلماء إلى نوعين:

الأول: الحكمة النظرية، التي ترتبط باختيار الحق على المستوى النظري «الفكري».

الثاني: الحكمة العملية، التي ترتبط بالحق على المستوى السلوكي.

والحكمة في كلا القسمين اختيار إنساني. وفي ذلك يقول علي : المرء حيث وضع نفسه برياضته وطاعته، فإن نـزهها تنـزهت وإن دنسها تدنست -دنست-»[24]، وهو يتسق تماماً وما جاء في المنطق القرآني القائل ﴿ إِنَّ اللهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ﴾ [الرعد:11]. فليس ثمة إرادة خارجية تفرض نفسها على الإنسان ليكون صالحاً حيناً، وطالحاً حيناً آخر. بل إن الإنسان نفسه يمارس «التقديس» لذاته، أو «التدنيس» لها، قال تعالى :﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ﴾[الشمس:9 -10].

ومطلوب في ذلك مراعاة أقصى درجات الحذر، حتى بعد التنـزيه والتقديس، كما قال علي : الرجل حيث اختار لنفسه إن صانها ارتفعت وإن ابتذلها اتضعت»[25].

مسار الحكمة:

يمكن أن نقول إن الحكمة لدى الكريم تسير في اتجاهين اثنين:

أ - مستوى الرؤية

فإن من لا يقدر قيمة نفسه لن يكون مؤهلاً للقيام بهذا الدور، وبالتالي لن يكون كريماً. وفي ذلك يقول علي : إن النفس لجوهرة ثمينة من صانها رفعها ومن ابتذلها وضعها»[26]. فمن عرف ما لنفسه من القيمة الذاتية أدرك أن الجنة ثمنها، والجنة لا تنال بغير الطاعة «إن لأنفسكم ثمناً هو الجنة فلا تبيعوها إلا بها»[27]. ولازم ذلك أن يكون السلوك الناشئ من هذه الرؤية هو الصون والحفظ، الذي هو الطريق نحو العلو والرفعة، دون الابتذال والإهمال، الذي ينتج الضعة والخسة.

ومن هذا المنطلق يقول علي : أكرم نفسك عن كل دنية، وإن ساقتك إلى الرغائب؛ فإنك لن تعتاض عما تبذل من نفسك عوضاً»[28]. فهذا العالم الرباني  يطالبنا إن كنا متعلمين على سبيل نجاة لا همجاً رعاعاً[29]، أن نحرص على إكرام أنفسنا عن كل ما يزري بنا من السلوك الشائن قولاً أو فعلاً، مهما كانت شهواتنا ورغباتنا ضاغطة وملحة. مبيّناً فلسفة ذلك، وهو أن هذه النفس واحدة ولا تملك سوى فرصة واحدة غير قابلة للتعويض.

 وفي هذا السياق يبصِّرنا حقيقةً لا ينبغي أن تغيب عن بال الحصيف والفطن، وهي أن أنفسنا يجب أن تكون، في منظورنا، أجلّ من الدنيا وأعظم، بقوله : من كرمت نفسه صغرت الدنيا في عينه»[30].

ونختم بما أوضحه  من العلاقة الطردية بين كرامة النفس وكرامة الفعل، فقد قال : على قدر شرف النفس تكون المروءة»[31].

ب - السلوك

لا يكفي أن يكون الإنسان الراغب في الكرامة أن يكون ذا رؤية عميقة، بل لابد أن يشفع ذلك بسلوك مجسد للرؤية، وإلا تحولت إلى دعوى فارغة فـ«العلم يهتف بالعمل فإن أجابه وإلا ارتحل عنه»[32].

ولنكتفِ هنا بنصين اثنين:

أولهما: ما أبان فيه أمير المؤمنين  من الكرامة ليست دعوى جوفاء، وإنما هي رؤية مجسدة. وفي ذلك يقول : مَن كرمت عليه نفسه هانت عليه شهوته»[33]. فلأنه كريم في ذاته لا يمكن له أن ينساق وراء شهواته، لأن من شأن ذلك أن يصدِّع جوانب كرامته.

ثانيهما:ما أبان فيه  أن على الكريم أن يحسن التعامل مع نفسه ما دامت كريمة: أكرم نفسك ما أعانتك على طاعة الله»[34]. ولعل المقصود أن يكتشف كرامة نفسه ما دامت على خط طاعة الله.

الملمح الرابع: مخالفة الهوى

ورابع الملامح، وأخطرها عملياًّ، «مخالفة الهوى»، التي تعني حاكمية العقل وهزيمة الجهل والطيش. وهذا بطبيعة الحال يتطلب دربة ومراساً، وفي ذلك يقول علي : للعاقل في كل عمل ارتياضٌ»[35]. فمادام الإنسان حكيماً فلابد أن يكون عاقلاً، ومن كان عاقلاً أدرك أن للاحتراف في أي نشاط قواعدَ وشروطاً من أهمها التمرس، الذي يستلزم التكرار والمثابرة. وهذا هو معنى الرياضة. وما أصعب مخالفة مشتهيات النفس،لأنه ببساطة شديدة مخالفة لـ«الأنا»، فـ: نفسك أقرب أعدائك إليك»[36].

وثمة صعوبة أخرى لـ«الرياضة» تمثل في واقعها عدواًّ شرساً لدوداً هو العادات، والتي هي بطبعها «قاهرات»، لكن الكريم «القوي والحكيم» كما تقدم، لا يمكن للعادة أن تسيطر عليه. وفي هذا يقول علي : آفة الرياضة غلبة العادة»[37].

وبسبب هاتين الصعوبتين فإن على «الكريم»، أو الساعي في طريق الكرامة، أن يكون على قدر عالٍ من الكفاءة الإدارية محلِّقاً بجناحي «القوة والحكمة». وفي ذلك يقول علي : سياسة النفس أفضل سياسة»[38].

وهذه السياسة للنفس تعني التحكم في إيقاع الرغبات والمخاوف، التي هي في منشئها مشروعةٌ، لكنها قد تشتط وتنحرف، لذلك فإننا بحاجة إلى الاستقواء عليها بكابح يعد في تصنيف الفضائل في الرتبة الأولى. وفي ذلك يقول علي : ضبط النفس عند الرغب والرهب من أفضل الأدب»[39].

وهذا الكبح، من منظور علي ، هو الذي يحقق للإنسان إنسانيته، وبخلافه يفقدها، قال : ضابط نفسه عن دواعي اللذات مالك مهملها هالك»[40]. وذلك أن كثيراً ما تتمناه النفس لا يرقى إلى مرتبة الكرامة التي ينشدها الكريم وطالب الكرامة، فـ: من شرفت نفسه نزهها عن دناءة المطالب»[41]. وفي المقابل فـ: من أكرم نفسه أهانته»[42].

وللصعوبة الفائقة، ودرءاً للضعف الطارئ، يشير أمير المؤمنين  إلى أننا قد نكون بحاجة إلى التخلي عن بعض العادات حتى لو لم تكن سيئة بغرض التحكم في النفس من قبل العقل، لتكون أزمة الأمور بيده، قال : ذللوا أنفسكم بترك العادات»[43].

والنتيجة التي يقررها  في هذا الباب هي قوله: في خلاف النفس رشدها»[44].

الملمح الخامس: العطاء

وفي هذا الملمح ينتقل بنا أمير المؤمنين  إلى امتداد خارج ذات الكريم، بعد أن تجولنا، بدلالته وإرشاده، بين كوامن تلك الذات. وأول ما يشير إليه هنا هو هذا الإحساس المرهف الذي يتحلى به «الكريم» تجاه الآخرين، حتى إنه لا يكاد يميز بين حاجاته وحاجاتهم إن لم يؤثرهم على نفسه، ويقول  في ذلك: من كرمت نفسه استهان بالبذل والإسعاف»[45].

ويؤكد  أن العطاء ليس ثمرة طارئة ولا عاجلة، وإنما هو ثمرة جهد متواصل من البناء العقلي والنفسي وإلحاح أسطوري لنيل السعادة العظمى. لذلك فإنه  يقول: عود نفسك فعل المكارم وتحمل أعباء المغارم، تشرف نفسك، وتعمر آخرتك، ويكثر حامدوك»[46]. وهو  ينبه في هذا النص إلى أن العطاء يأخذ منحيين:

الأول: إيجابي، يتمثل في «فعل المكارم» التي هي: محاسن الأفعال والأقوال. وعادة ما يكون ذلك مصحوباً بالشدة والمشقة. ولكنها لا تخلو من نتائج مرضية، وفي ذلك يقول : حلُّوها بفعل المكارم»[47].

الثاني: سلبي، يتمثل في «تحمل أعباء المغارم»، التي هي: تبعات الثبات على الحق. وذاك يستلزم عادةً الكثيرَ من الأذى المادي والمعنوي.

ونخلص هنا إلى أن «الكريم» معطاء، لا مكان للخمول في ساحته، ولا للكسل في قاموسه، وبمقدار ما هو مبتلٍ بشيء من ذلك فهو منقوص الكرامة[48].

الملمح السادس: العدل والقسط

وفي آخر الملامح يجب القول إن المطلوب أن تكون القيمُ هي الحاكمة على فعل الإنسان وقوله، وفي سلم تلك القيم أن «العدل والقسط» الذي يعني أن يكون الحق هو سيد الموقف دائماً.

والله عز وجل يقول :﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ للهِِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾[49].

وعليه، فالكريم يعتدي ولا يرضى بالعدوان. لا فرق في ذلك بين أن يكون الطرف الآخر أعلى شأناً أو أقلَّ منـزلةً[50]. ويختصر  هذا المبدأ بقوله: العدل حياةٌ»[51]، وهو تعبير أقل ما يقال فيه إنه «قل ودل».

فإذا ضممنا إليه قوله : العدل فوزٌ وكرامة»[52] وقوله: العدل رأس الإيمان وجماع الإحسان»[53] اكتشفنا مقدار هذا المبدأ في سلم المنظومة القيمية، فـ: من كرمت نفسه قل شقاقه وخلافه». لهذا سيكون «الكريم» عنصر صلاح وإصلاح، ورائد محبة وسلام. ولهذا أيضاً يحرص الظالمون على أن تخلو الأرض من الكرام الساعين في إحقاق الحق وإبطال الباطل.

ونختم بما جعله الحسين  شعاراً لنهضته: إنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي، أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر». وهذا ما يتطلب أفراداً توفروا على قيمة «الكرامة» على مستوى الذات، وعلى مستوى الفعل.

--------------------------------------------------------

هوامش:

[1] كامل الزيارات، ص 116. ومنهاج الصالحين للشيخ الوحيد الخراساني، 345، نقلاً عن عدد من المصادر الخاصة والعامة.

 

 

[2] ميزان الحكمة، فصل «النبوة».

 

 

[3] قال تعالى :﴿ وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ ﴾ [الأنبياء:105]. 

 

 

[4] قال أمير المؤمنين : ولقد كان رسول الله «صلى الله عليه وآله» ما يدلك على مساوئ الدنيا وعيوبها، إذ جاع فيها مع خاصته، وزُويت عنه زخارفها مع عظيم زلفته. فلينظر ناظر بعقله: أكرم اللهُ محمداً بذلك أم أهانه؟! فإن قال: أهانه،. فقد كذب- والله العظيم- بالإفك العظيم. وإن قال أكرمه؛ فليعلم أن اللهَ قد أهان غيره حيث بسط له الدنيا، وزواها عن أقرب الناس منه ....» نهج البلاغة، الخطبة 160 تحقيق صبحي الصالح..

 

 

[5] قال  في ما كتبه من عهدٍ للأشتر «ره»: ثم الصق بذوي المروءات والأحساب، وأهل البيوتات الصالحة، والسوابق الحسنة، ثم أهل النجدة والشجاعة والسخاء والسماحة، فإنهم جماع الكرم» نهج البلاغة، الكتاب 53.

 

 

[6] غرر الحكم ودرر الكلم للشيخ عبد الواحد الآمدي.

 

 

[7] نهج البلاغة، الحكمة 5.

 

 

[8] نهج البلاغة، الخطبة 111.

 

 

[9] نهج البلاغة، الحكمة 257.

 

 

[10] نهج البلاغة، الخطبة 192.

 

 

[11] نهج البلاغة، الحكمة 371.

 

 

[12] نهج البلاغة، الخطبة 195.

 

 

[13] سورة آل عمران: الآية 19.

 

 

[14] سورة الأنعام: 79.

 

 

[15] نهج البلاغة، الخطبة 193.

 

 

[16] نهج البلاغة، الخطبة 198.

 

 

[17] نهج البلاغة، الخطبة 152.

 

 

[18] نهج البلاغة، الكتاب 31.

 

 

[19] غرر الحكم ودرر الكلم.

 

 

[20] ولعل ما حكاه الله عز وجل عن ما فعله فرعون بقومه يشير إلى ذلك حيث استخف قومه، أي صيرهم خفافاً، وهو تعبير آخر عن الضعف، فلم يجدوا بداًّ من طاعته ، قال تعالى :﴿ فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً فَاسِقِينَ ﴾ [الزخرف:54]. 

 

 

[21] نهج البلاغة، الخطبة 27.

 

 

[26-22] غرر الحكم ودرر الكلم.

 

 

[27] نهج البلاغة، الحكمة 456.

 

 

[28] غر الحكم ودرر الكلم.

 

 

[29] قال علي : الناس ثلاثة فعالم رباني، ومتعلم على سبيل نجاة، وهمج رعاع ينعقون مع كل ناعق» نهج البلاغة، خ 147.

 

 

[31-30]غرر الحكم ودرر الكلم.

 

 

[32] نهج البلاغة، الحكمة 366.

 

 

[47-33]غرر الحكم ودرر الكلم.

 

 

[48] قال تعالى عن نبيه عيسى :﴿ وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً ﴾ [مريم:31]. وقال عنه :﴿ إِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ ﴾[آل عمران:45].

 

 

[49] سورة المائدة: الآية 8.

 

 

[50] قال تعالى :﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ للهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾ [المائدة:8].

 

 

[53-51] غرر الحكم ودرر الكلم.