موقع السيد حسن النمر الموسوي

الأخبار

جديد الموقع

 بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد وآله الطيبين الطاهرين

نعيش في هذا الأسبوع ذكرى المولد النبوي، الذي اقترح أن يسمى أسبوع الوحدة الإسلامية

لأننا أحوج ما نكون إلى صوت العقل وصوت المصلحة العليا التي لا تسمح للأمة أن تحقق مبتغياتها وأهدافها العليا إلا أن تكون على كلمة سواء. وليس المقصودُ تذويبَ الفوارق وصَهر الناس بعضهم ببعض، المقصود هو ألا يكون تعدد الآراء والاجتهادات - على المستوى الشخصي بين طرفين أو بين جماعتين - مقدماً على ما يتفق عليه الجميع. هناك جوامع كثيرة بيننا نحن كمسلمين، فنحن نجتمع على أصل التوحيد والنبوة والمعاد والصلاة والصيام والحج والزكاة والقبلة. هناك عناوين كثيرة جداً ينبغي أن تكون نُصب أعيننا لنقول أننا من المسلمين.

أما الذين يهوون التركيز على ما يفرق على حساب ما يجمع، فهم، من حيث يشعرون أو لا يشعرون، هم أصوات فتنة. ليس المقصود ألاّ تعتقد أنك مصيب، ولك أن تعبّر عن هذا الاجتهاد؛ بطريقة علمية لا تخرج عن العلم والعدل والعقل والإنصاف، دون تعبيرات جارحة. لكن الذي شاهدناه في السنين الماضية عبر عقود ومئات من السنين، ليست هذه الطريقة التي ينشدها كل الناس، هذه طريقة المفتنين المخربين، فإذا اجتمع هذا العنصر الداخلي من قلة الفهم ومن السفه مع عنصر خارجي استغل هذا المعنى، سنجد أن هناك حالة من التأجيج وبث الكراهية بين المسلمين لتحقيق مآربهم.

اليوم من أهم وأقدس قضايا المسلمين هي قضية فلسطين، التي يتفق الكل على أن هذه الأرض هي أرض إسلامية، تعمّد الصهاينة أن يحتلوها برعاية غربية كاملة، كانت ولا تزال، كيف وجد الغرب المدخل لهذه الأمة؟ أن يتنازعوا في ما بينهم حتى تتأخر هذه القضية، ومحاولة الضرب على وتر الاختلافات بين المسلمين، فجعلوا من الأوطان أوثانا تُعبد من دون الله، فلم تحقق الأمة هدفها العام وابتليت بهذه الآفات.

حتى في وقتنا الحالي، هذا الاستكبار وهذا الغرب نفسه، هو الذي حارب الإسلاميين والمتدينين ورماهم في قعر السجون، ثم عندما صحت هذه الأمة ونزلت إلى الشوارع، أتاحت لهم المجال بطريقة مفبركة، لكن على أساس تأديبهم، فهناك يد تحاول أن تجعل الأمة تدفع الثمن.

لذلك فالحل هو اليقظة الحقيقية للأمة، الوعي الحقيقي «المؤمن كيّس فطن» «العالم بزمانه لا تهجم عليه اللوابس» المجتمع المؤمن هو الذي يعرف ما هو المقدم وما هو المؤخر.

يقول تعالى ﴿ قَدْ أَفْلَحَ ٱلْمُؤْمِنُونَ *ٱلَّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ ﴾ نعيش حاليا ذكرى انتصار الثورة الإسلامية في إيران، حيث حقق الإمام الخميني ذلك الإنجاز الذي رفع الإسلام عالياً؛ بعد أن اتُّهم الإسلام بأنه فكر رجعي لا يستطيع أن يدير المجتمع ولا يستطيع أن يقوض ظالماً ولا ظلماً ولا جوراً. أنجز ذلك الإنجاز بكل سلمية، منع الإمام الناس من استعمال السلاح لأن هذا المنطق لا ينتج إلاّ حروباً أهلية مخرِّبة ومفسِدة. حقق الإمام رحمة الله عليه ما شاء الله أن يحقق، كتب ذلك الدستور الذي لا يزال وثيقة فكرية قبل أن تكون وثيقة سياسية يدار بها هذا المجتمع. بطبيعة الحال، ليس مشروعاً معصوماً ولا متكاملاً، تقع فيه الأخطاء نظرياًّ وتطبيقياًّ، لكن في المحصلة العامة كان هناك مشروع إسلامي وقف عصيّاً على روح الاستكبار التي أرادت أن تهيمن على هذه الأمة.

قبل انتصار الثورة الإسلامية ابتدأت المؤامرات لتشويه هذا الوليد ولحرف مساره إلى جهة أخرى؛ فقاموا بتحريك القوميات حتى يتفكك هذا الكيان من الداخل، ولم يستطيعوا أن يحققوا شيئاً. وكان هناك من أشكال العبث، منها: الضرب على وتر مذهبي حتى تُحاصر الثورة الإسلامية وأنها شيعية فلا يميل إليها إخواننا السنة، ومن ناحية قومية حتى تبقى فارسية تتقوقع ولا يتأثر بها العرب، وهناك جهد خارق للعادة، فوق ما يتصوره أحد في تشويه هذا الوليد بهذه الطريقة. السر ليس أن هناك نظاماً سياسياًّ يراد أن يستبدل بنظام سياسي آخر، المهم أن لا يكون هذا النظام السياسي الوليد يحمل بذور المقاومة والمواجهة لمشروع المصالحة الغربية الذي يتمثل في إسرائيل بالدرجة الأولى.

هذه الثورة منذ اليوم كان من أول شعاراتها فلسطين، ثم ببركة الله نشأت المقاومة الإسلامية في لبنان وأخذ انحسار الغرب وتآكله من الداخل ببركة هذا الفكر.

 معالم خط الإمام:

لكن حينما نرجع للإمام رحمة الله عليه، هذا الفكر وهذا الإنجاز لو درسته من الداخل لوجدت أنه يقوم على ثلاثة أسس تمثلت في شخصية الإمام، وانعكست في إدارته، لأننا بحاجة لأن نستحضر ليس شخص الإمام كفرد وإنما كفكر، حتى نخرج من دائرة الزمان والمكان ونستفيد من هذه الشخصية.

1 - التقوى

السمة الأولى، التي اتصف بها الإمام رحمة الله عليه، كانت التقوى والورع الحقيقي. لأن الصورة السائدة قبل الثورة هي أن أهل التقوى والورع هم الذين لا يتدخلون في الشأن العام، وكان نوع من أنواع الكيد حتى تخلو الساحة لهم كانوا يدفعون بأهل التقوى أن لا تتدخلوا بالشأن العام لتخلو الساحة لهم، والإمام كان ينبه إلى خطورة هذا النوع الفكري الذي تبناه عن حسن نية وسذاجة وبساطة قطاعات واسعة حتى في الحوزة العلمية.

القشرية والقشريون

المؤمن لا يدخل مع مؤمن آخر إلا بلغة الدين والإسلام، لا يتهمه بأي تهمه، إنما ينتقي تلك التهمة التي تبعث في نفس المؤمن الآخر التقزز والتنفر منه، لأن هذه هي اللغة التي يمكن أن تقبل وتروج في أوساط هؤلاء. الإمام رحمه الله يقول: احذروا من مثل هؤلاء المتقدسين، فالحل أن تعي الأمة وتدرك الفرق بين التقوى الحقيقية والتقوى المزيفة.

فهذه البصيرة نحن بحاجة إليها وإلا يتسلل إلينا الكثير من الأضرار، والثورة الإسلامية لحقها الضررُ من مثل هؤلاء أضعاف ما لحقها من الضرر من مؤامرات الخارج. لذلك، الحل أن تكون بصيرة الناس واعية إذا كان على بصيرة ودراية، مثل هذا السخف لا يمر.

2 - الفقه

السمة الثانية: فقاهته

الإمام رحمة الله عليه لم يكن يريد أن يربي الناس على أخلاق دون فقه وعلم ومعرفة، ولذلك كان يصر على أن يبقى الفقه كما كان متوارَثاً عند الأساتذة والفقهاء الأجلاء ويسميه الفقه الجواهري؛ أي الفقه المعمق، الأصول الاجتهادية المتعارفة، هذا أمر هام جدا.

لا ينبغي أن ننطلق سياسياً - وهي السمة الثالثة - دون أن نبني قواعدنا على أساس الأخلاق والتقوى الصادقة، وعلى أساس العلم، لأن من لا يعلم، يقع فيما وقع فيه أعداء أمير المؤمنين . قلة العلم هي التي تجعلهم يسوون في حالات الفتنة بين علي  وبين خصوم علي ، يعني لم تتفتق عقلية هؤلاء الجهلة بالإسلام، إلا أن يزيلوا الفتنة كما يزعمون بأن يُقتل علي  وخصوم علي.

في الفتن وحالات التخاصم، لا ينبغي أن تُقرأ المسألة بهذه الطريقة، إذا استطعت أن تشخص مَن هو الظالم ومَن هو المظلوم، يجب عليك أخلاقياً وفقهياً بكل شجاعة أن تقول للظالم أنت ظالم، وللمظلوم أنت مظلوم، فالحياد ليس مطلوباً في كل الحالات، فنحن مطلوبٌ منا أن ننصر الحق ونخذل الباطل وهذا يحتاج إلى تقوى حقيقية، والصلاة تصنع لنا هذا الشيء حتى لا نحول صلاتنا إلى طقس أجوف خالٍ من القيمة لأن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر.

3 - الشأن العام

السمة الثالثة هي البعد العام/ السياسة

البعض يكرر كلمة خط الإمام، وقد ابتُذِل هذا المصطلح ورفعه غير أهله ومن لا يستوعبه. خط الإمام هو أن تكون من أهل التقوى الصادقة وعلى أساس الفقه والأخلاق. هذه القيم هي التي من شانها أن تنتقل بالمجتمع من حالة الضعف والخمول، إلى حالة الإنتاج الإيجابي.

(تاريخ النشر : 7 فبراير 2012م)