موقع السيد حسن النمر الموسوي

الأخبار

جديد الموقع

منعطفٌ حادٌّ تمر به الأمة هذه الأيام بسبب ما عُرِف بـ «الربيع العربي»؛ ذاك الذي تفجر في أكثر من قُطر غرباً وشرقاً، تنادى فيها أهلها بسقوط استبداد جاثم على صدورهم منذ عقود ذاقوا فيها الأمرَّين عاث في الأرض فساداً لم يبقِ ولم يذَر. ولم يجد الشرفاء من أبناء الأمة في الأقطار الأخرى، ممن لم تنضج ظروف النهوض والثورة عندهم بعدُ، إلا التعاطف مع من نهض وثار لأن همهم واحد ومقاصدهم متماثلة.

غير أن هذا «الربيع العربي»، الذي لا يزال ناشطاً على تفاوت هنا وهناك، ما لبث أن تعرض لعدد من الانتكاسات، أقف عند ثلاثة منها:

الانتكاسة الأولى: التفاف النظام العربي

نحن نعرف أن الشعوب التي ثارت في تونس والبحرين وليبيا ومصر واليمن وسوريا لم تواجه نظامها المحلي فقط، وإنما واجهت النظام العربي بأكمله، ولا نحتاج استعراض الرفض والتحفظ العربي الرسمي على هذا الربيع أولاً، ثم الصمت لاحقاً، وركوب الموجة ثالثاً.

وكانت حصيلة ركوب الموجة أن النظام العربي الذي ثارت الشعوب في وجهه طلباً للعدالة صوَّر نفسه راعياً لهذه الثورات؛ بتبنيها معنوياًّ ومادياًّ مع تفاوت بين هذه الدولة وتلك.

وأتاح هذا التصوير الماكر لهذه الأنظمة أن تحوِّر وتحوِّل، إلى حد ما، وجهة الربيع العربي من ثورات جذرية إلى إصلاحات ترقيعية تكتفي بما هو أشبه بالانقلاب، فسُرقت الثورات. وأبرز مثال على ذلك ما حصل في اليمن ومصر حيث سقط رأس النظام وبقيت روحه الشريرة تأمر وتتآمر وتحكم وتتحكم في مسار الأمور.

وانتهى الأمر بعد هذا الالتفاف، الماكر، إلى أن النظام العربي الذي ثارت عليه الشعوب صار، إلى حد ما أيضاً، هو مَن يقود الثورة مع شيء من المزج بين الظهور والخفاء.

ولن أفصِّل في هذه النقطة لأنها ليست الغرض من هذه المقالة.

الانتكاسة الثانية: التوجيه الدولي

كان الربيع العربي في أحد تجلياته صرخةً في وجه الاستكبار العالمي الذي كان راعياً لأولئك المستبدين وداعماً لهم بكل أشكال الدعم. ولا حاجة إلى استحضار صور الرعاية والدعم فهذا لا يحتاج إلى توثيق بالأرقام والشواهد لظهورها ووضوحها. ويكفي لذلك الإشارة إلى أن بن علي ومبارك سقطا بعد أيام من إدراك الداعمين والرعاة حجم الرفض والإصرار الشعبيين على إسقاطهما، وإعلانهم، أعني الرعاة، رفع اليد عن أدواتهم تلك، بعد أن عالجوا - بمكر ودهاء - تداعيات السقوط ببعض التفاهمات والترتيبات مع متصدري المشهد السياسي الجدد.

وهذا الاستكبار الحريص على مصالحه، أولاً وأخيراً، لا تعنيه - كما يعرف الجميع - مصالحُ الأمة من قريب أو بعيد، إلا بقدر ما تتناغم ومصالحه.

لهذا، فإن من السذاجة الاعتماد على كبار اللصوص للتخلص من صغارهم. وإن كان من الفطنة والحكمة اللعبُ على تناقضاتهم واختلاف مصالحهم.

والخطير على هذا الربيع العربي أن يسلِّم دفته، ولو في الحد الأدنى، إلى هذا النظام العالمي والدولي ليتولى توجيهه، فهذا النظام لن يكون أشدَّ إخلاصاً من النظام العربي الرسمي، بل هما أخوان في السوء وشركاء في الجريمة.

ولست بصدد الخوض في تفاصيل ذلك وخلفياته الفكرية والتاريخية، فليس هذا محله. وكمؤشر على حجم الهوة بيننا - كأمة - وبين هذا النظام الغربي بالتحديد هو رعايته الدائمة والشاملة للكيان الصهيوني الغاصب.

الانتكاسة الثالثة: التمزق الداخلي

عمل المستبدون، كما هي سنة الاستبداد في كل زمان ومكان، على تمزيق أبناء الأمة لإضعافها ليشتغل كلُّ فريقٍ بالآخر ويضمنَ الاستبداد كرسيَّه وعرشَه.

وسنةُ التمزيق للشعب هذه ليست جديدة، ففرعون ﴿ جَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً ﴾ القصص/4. وهذا ما يفعله كل فرعون، ومنهم من سقط في هذا الربيع ومن سيسقط إن شاء الله تعالى.

وقد حذر الله تعالى الأمة من التمزق والتنازع لأن مآله - لا محالة - إلى الفشل والإخفاقُ، وفي ذلك قال الله عز اسمه ﴿ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ﴾ الأنفال/46.

و بطبيعة الحال فإن المقصودَ من النهي عن التنازع لا يعني - بحال من الأحوال - القفزَ على واقع «التعددية»، فهذا نوع من الحماقة والصفاقة، حاشا الباري عز وجل أن يوصف بها.

ولا فرق في القفز على الواقع بين:

1 - إنكار واقع التعدد

لأن هذا يعني أن من يقول بذلك لا بصر له ولا بصيرة بالواقع وتفاصيله. فواقعنا متعدد، شئنا أم أبينا، أحببنا أم كرهنا. والأمة تتوزع على شعوب وقبائل وأديان ومذاهب وتيارات... تلتقي وتختلف في قليل وكثير.

2 - فرض وحدة بالجبر والقهر

وهذا يعني أن فريقاً ما يعتقد أنه وحده المصيب والمحق وأن من خالفه مخطئ ومبطل بالتأكيد، ولا مناص - حينئذٍ - من أن تكون القيادة له والأزمة بيده ليحكم الدنيا ويتحكم حتى في الآخرة.

والحل الذي نعتقد به أمام التعددية، التي هي واقعٌ وحقيقةٌ، لن يكون هو الاستئثارَ والاحتكارَ، تحت أي عنوانٍ وبأي مبرِّرٍ، فهذا غير معقول ولا مقبول.

وننوه إلى أن كلَّ فريقٍ يتبنى واحداً من تلك الأديان والمذاهب والتيارات يرى - مخطئاً أو مصيباً - أنه الأقرب للحقيقة على ما هي عليه، وجميعهم يعتقد أن لديه الحججَ والبراهينَ على صدق ما يقول.

ولستُ هنا بصدد التنظير لمصداقية المقولات عند هذا الفريق أو ذاك، فليس هذا محله، بل بصدد وصف هذا الواقع الذي لا مناص من إدارة أمورنا وتنظيم معيشتنا على أساس الإقرار به أولاً وتنظيمه بالعدل والإنصاف ثانياً.

ومن خلال التشخيص الجيد للحالة نصل إلى الخطوة الأولى في الحل. وفي التشخيص يجب الإشارة إلى حقيقتين، هما:

أ - الدينُ والمذهبُ والفكرُ جميعُ ذلك هو شأنٌ شخصيٌّ يختاره صاحبُهُ بقناعتِهِ الخاصةِ وجهدِهِ المستقلِّ التي يتجه نحوها، بالاجتهاد أو التقليد. وليس لأحدٍ، أياًّ كان، أن يفرض دينه ورؤاه وقناعاته، في أيِّ مجالٍ فكريٍّ وأيِّ حقلٍ معرفيٍّ أو اجتماعيٍّ أو سياسيٍّ...، على شخصٍ آخر، وليس لأيِّ جماعةٍ ممارسةُ فرض فكرها على جماعة أخرى؛ فهذه آفاق لا تحتمل الإكراه.

أجل، يمكن لطرف أو فريق، بما أتيح له من قوة، خصوصاً إذا تيسر لها صنوف المغريات المادية والمعنوية، أن يمارس القهر، الخشن والناعم، على آخرين لينطقوا بألسنتهم ما يريد منهم أن يقولوه، لكنه بالتأكيد لن يضمن موافقة قلوبهم وعقولهم لما يقولونه بألسنتهم، وهذا أحد معاني وتطبيقات قول الله تعالى: ﴿ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ﴾ البقرة/256.

ففي مسألة القناعات، إذن، سيختار كل فرد ما قام عليه الدليل عنده، ولو بمعونة من يثق بهم، أنه الحق والصواب، وسيختار مخالفوه ما يرون أنه كذلك. واختلافهم بهذا المقدار لن يكون سبباً في أن يلحق أحدهم الضررَ بالآخر مهما كان اختلافهما عميقاً.

وقد عاشت منطقتُنا حِقَباً طويلةً بأمن وسلام مع تنوعها الديني والمذهبي وسيبقى هذا التنوعُ إلى أن يشاء الله أمراً كان مفعولاً.

ب - الوطن، وأعني به - هنا - الأرضَ والمصالحَ المعيشيةَ والاجتماعيةَ والأمنيةَ... المتعلقةَ به والتي يُختار النظام السياسي الراعي لها والمحامي عنها، وهذا الوطن هو شأنٌ عامٌّ لا يختص به فريقٌ ممن يعيشون على هذه الأرض «الدولة»؛ وإن كثروا، على فريق آخر؛ وإن قلوا. بل إن اللازم على هؤلاء وأولئك أن ينتظموا في خيار «المشاركة» الذي به وحده تتحقق العدالة للأكثرية والأقلية وللمخالف والمؤالف معاً.

والمطلوب - وطنياًّ - في هذا القُطر أو ذاك أن نقدم - دائماً - ما يحقق المشاركة. وهذا يعني النأيَ بالمجتمع وبالوطن عن لغة الاستئثار والاحتكار، المنافية - بطبيعتها - للعدالة والتشارك، لأنها لغة ترتكز على حرمان المخالف بعض حقوقه أو جميعها.

***

وما دعاني - في الدرجة الأولى - إلى كتابة هذه المقالة هو ما أقرأه ويقرأه غيري وما أسمعه وما يسمعه غيري، في المنابر ووسائل الإعلام التقليدي والجديد، من لغة طائفية ذات طابع سلبي وتحريضي، حتى وقع في براثنها، بقصد أو بغير قصد، جماعات ممن كان المؤملُ منهم الرشدَ والحكمةَ في القول والعمل، وليس التأجيجَ ومسايرةَ الغرائز والعواطف بما لا يحقق الصالح العام.

وهذه اللغة البائسة تقوم على ركنين اثنين:

أولاً: النبز

أعني بـ «النبز»: التعيير والتعييب والذم بما يُكره، أو هو اللغة السوقية والأوصاف القبيحة التي يعتمدها شخص في حق آخر أو جماعة أو جماعةٌ في حق جماعة أو فرد، للدلالة على دونية وقبح في ذوات «المنبوز/المنبوزين» أو أوصافهم وانتماءاتهم.

فالنابزون هم من يمارس في حق الآخر وصفا يشي بدونية وانحطاط للموصوف في مقابل التأكيد على فوقيةٍ في الواصف / النابز.

ولا أعني بـ «النبز» تلكم الأوصاف المعتمدة للدلالة على المباينة والاختلاف في الرأي، فهذه جزء من كينونته الفكرية، ولا مناص من الاعتراف بحق كل فريق في استعمالها في حق الآخر. ولا يقال لذلك إنه «نبزٌ» إلا إذا اشتمل على تعيير وذم. وتمييز ذلك في مقام الاستعمال سهلٌ ويسيرٌ.

وبالطبع، فإن النابزَ يرى نفسه مصيباً في روايته للوقائع والأحداث ويعتقد بمصداقيتها، وفي رؤيته للواقع والأشياء التي يطمئن بصوابها، وهذا شأنه ودينه ومذهبه وحقه في هذا الصدد مكفول، ولكنه من ناحية أخرى، وهذا ما ليس له بحقٍّ، يرى نفسه، إذا نبز غيره، أنه «فوق» الآخر، وهذا النابز يمارس، من حيث يشعر ولا يشعر، ومن حيث يريد أو لا يريد، ولو بالمآل والنتيجة، يمارس استئثاراً بمقدرات الوطن ومكتسباته على حساب المنبوزين والمنبوذين!

والتنابزُ هو فعلٌ استعلائيٌّ ظالمٌ وقبيحٌ، كما أنه منافٍ للإيمان. ولهذا وذاك نهى الله تعالى عنه بقوله: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا! لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ؛ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ، وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ؛ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ. وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ، وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ؛ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ. وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾ الحجرات/11.

ثانياً: النبذ

النابزُ لا يقف - عادةً - عند حدود النبز بل ينتهي به الحال إلى النبذ أولاً والتمييز ثانياً والإقصاء المجتمعي ثالثاً. وبالطبع، سيمارس ذلك كله بدواعٍ دينيةٍ وطائفيةٍ وحزبيةٍ وقبليةٍ...، ليقع آخر الأمر في براثن الظلم - عملياًّ - عبر سعيه في حرمان مَن وقع عليه «النبز ثم النبذ» من حقوقه بشكلٍ فجٍّ. وهذا عدوانٌ على مواطنته بل هو عدوان صارخٌ على الوطن من خلال الاستئثار به دون آخرين لهم في هذا الوطن حقٌّ بالقدر نفسه.

 ختاماً، أقول:

1 - لستُ ممن يرى أننا سنلتقي، اليوم أو غداً، على رأي واحد موحد في جميع قناعاتنا، الدينية والمذهبية والفكرية والسياسية...، وأعتقد أنكم تشاركوني في ذلك. فسنظل مختلفين في هذا الرأي وذاك، وفي تقييم هذه المسألة أو تلك...

2 - لغة النبز متاحةٌ للجميع، فيستطيع أن ينبز السنيُّ أخاه الشيعي بأنه رافضيٌّ صفويٌّ، ويرد عليه الشيعيُّ بنبزه بأنه أمويٌّ ناصبيٌّ، أو يبدأ الشيعيُّ بالنبز ويرد عليه السنيُّ بمثله. ليؤسِّس هذا التنابزُ، المرفوضُ علمياًّ وأخلاقياًّ ونظرياًّ من الطرفين، واقعاً مُراًّ يتمثل في قطيعة فكرية ونفسية ثم اجتماعية ويتبع ذلك لاحقاً ما لا يُحمد عقباه على الجميع.

3 - أن الشر المستطير يبدأ من سفهٍ صغيرٍ، والسعيدُ مَن اتعظ بغيره. وما سهُلت السيطرةُ عليه اليوم قد يخرج عن السيطرة عليه غداً، ومَن اعتقد بأن الغلبة ستُحسَم لصالحه، عاجلاً أو آجلاً، على حساب الآخر فهو جاهلٌ وواهمٌ؛ والتاريخ حاشدٌ بالأمثلة التي تؤكد أن مَن اختار لغة النبز والنبذ لم يغلِب، وإن تأتَّى له ذلك في جولات فقد تكون لغيره جولات.

4 - لنتواصَ في ما بيننا بالحق متمثلين قول الله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾ النحل/90.

والنبزُ والنبذُ كلاهما مصداقٌ بارز للفحشاء والمنكر الّذَينِ نُهينا عنهما، وليسا مصداقاً حسناً للعدل والإحسان الذي أُمِرنا به.

ولنعمل معاً على حياة طيبة نرجوها من الله تعالى، في الدنيا قبل الآخرة، مستهدين بقول الله تعالى: ﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ النحل/97.

5 - لنجعل من ربيعنا العربي ربيعاً تورق فيه عقولُنا بـ «الفكرة الصائبة» ونفوسُنا بـ «المحبة الصادقة» وألسنتُنا بـ «الكلمة الطيبة»، وليس الخريفَ الذي تتساقط فيه أوراقُ الفكرِ والفضيلةِ النفسيةِ والروحيةِ.