موقع السيد حسن النمر الموسوي

الأخبار

جديد الموقع

نص كلمة سماحة العلّامة الحجة السيد حسن النمر الموسوي في «حفل تأبين شهيد القرآن» المقام  مساء اليوم الأثنين ٢٣ شوال ١٤٣٨ هجري تكريما لروح الشهيد الأستاذ أمين آل هاني «رئيس المجلس القرآني المشترك بالقطيف والدمام» في حسينية الإمام المجتبى بمدينة القطيف

لمشاهدة التسجيل المصوّر في هذا الرابط

استحضار القرآن في الواقع الاجتماعي

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله القائل في كتابه ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ} [البقرة: 155 - 157].

والصلاة والسلام على المبعوثِ رحمةً للعالمين والمخاطَبِ بقوله تعالى ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: 44]، وعلى آله الطيبين المقصودين بقوله ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: 33].

أما بعد:

فقد أصيب مجتمعُنا المؤمنُ - قبل أربعين يوماً - برحيلٍ مفجعٍ لواحدٍ من أبنائِهِ الأعزاءِ، الناشطين في خدمةِ القرآنِ وأهلِهِ، أعني الفقيدَ المحبوبَ أمينَ آلَ هاني رحمه الله وألهم ذويه ومحبيه الصبرَ والسلوانَ. وما هوَّن الخطبَ والمصابَ أنه رحل - بعد خدمةٍ طويلةٍ ومشكورةٍ لكتاب الله تعالى - شهيداً سعيداً في شهرِ اللهِ شهرِ الخيرِ والبركةِ.

وإنني - أيها المؤبنون الكرامُ - لأنتهز هذه الفرصةَ؛ التي شرَّفتني بها اللجنةُ القائمةُ على تنظيمِ هذا التأبينِ، أن أتناول - بإيجازٍ، وتكثيفٍ شديدين - ما أعتقد أنه يُدخل السرورَ على قلبِ الفقيدِ الشهيدِ، مما لله تعالى فيه رضا، ولمجتمعِنا فيه صلاحٌ.

وذلك بعد تقديم العزاء الخالصِ، لذوي الشهيد، ومحبيه، والشكر الجزيل للمجلسِ القرآنيِّ المشتركِ ومنسوبيه على هذا الجهدِ وعلى جهادِهِم المتواصل في خدمةِ القرآنِ الكريمِ؛ حرصاً منهم، وممن يساندهم، على تقديمِ ما يلزم تقديمُهُ؛ من استحضارِ القرآنِ الكريمِ في الواقعِ الاجتماعيِّ؛ تجذيراً لما هو قائمٌ به من وقائعَ تتوافق ومعارفَ القرآنِ، وإعادةً لتشكيلِهِ في ما يحتاج إلى تقويمٍ في جميعِ جوانبِهِ بما يتسق والقرآنَ الكريمَ؛ باعتباره كتاباً لا ريبَ فيه، وباعتباره وحياً ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾ [فصلت: 42].

فأقول:

إن الأزمةَ، بل الأزماتَ، التي عانت منها البشريةُ منذ القدم، ولا تزال تعاني، هي أن الإنسانَ، فرداً وجماعةً، في الوقتِ الذي يحرص فيه على تحقيقِ مصالحِهِ - العاجلةِ والآجلةِ - قد تتيه به السبلُ، وتختلط عليه الأدواتُ والوسائلُ، لتنتهيَ به - بعد هذا وذاك - إلى نهاياتٍ غيرِ مرجوَّةٍ، ولا مرغوبةٍ، وأهدافٍ غيرِ منشودةٍ.

ومن ثَمَّ، فإن أهمَّ ما يلزم الإنسانَ - بحكمِ الفطرةِ، والعقلِ، والنقلِ - أن يوليه العنايةَ القصوى هو البحثُ عن (الحق)، وعما يكون سبباً في التعرفِ عليه، ويعين على التمسكِ به ابتداءً وانتهاءً.

وهذا المبدأُ - الذي لا خلافَ عليه بين العقلاءِ - هو ما جاءت الآيةُ القرآنيةُ الكريمةُ - (35) من سورة يونس - خطاباً من عند الله تعالى لرسوله الكريم - مؤكِّدةً عليه، ومنبِّهةً المشركين على خطيئتِهِم وخطأِهِم فيه، حيث اعتقدوا الشريكَ للهِ تعالى، وجاء فيها ﴿قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾.

وهذا المضمونُ - أعني الحق الذي يُتاح الاستدلالُ عليه - ورد التأكيدُ عليه بصياغاتٍ كثيرةٍ، يقع عليها الناظرُ في القرآنِ الكريمِ في مواضعَ كثيرةٍ، بل إنه صار شعاراً للمنطق القرآني، كما نجده في الآية 75 من سورة القصص، حيث يقول تعالى ﴿وَنَزَعْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾.

وبموازاةِ التأكيدِ على الحقِّ ونشدانِهِ، في تضاعيفِ الآياتِ القرآنيةِ، نجد الذمَّ الشديدَ لاعتماد الظنِّ طريقاً للمعرفةِ، ومنهجاً للحياةِ. من قبيلِ ما نقرأه في الآيةِ التاليةِ للآيةِ آنفةِ الذكرِ - أعني الآية (36) من سورة يونس - من قولِهِ تعالى ﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً ...﴾، ويقول عز اسمه - في الآية 116 من سورة الأنعام – ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾.

فسلوكُ الإنسانِ - أيها المؤبنون الكرامُ - الظاهرُ والباطنُ، ففي ما يقدم عليه أو يحجم عنه، لا يصدر من دون ما يعتقد الإنسان أنه (معرفة). وفي تقرير هذه الحقيقة روي عن إمامِنا عليٍّ (عليه السلام) أنه قال - في كلامٍ وجَّهه إلى صاحبِهِ الوفي كميلٍ ابن زيادٍ - "يا كميلَ! ما من حركةٍ إلا وأنت محتاجٌ فيها إلى معرفةٍ"([1]).

وهذه المعرفةُ؛ التي ينتظم وفقها السلوكُ الإنسانيُّ - بجميع مفرداته -، صنفان:

  1. معرفةٌ يُعتمد فيها الحقُّ، وما يؤدي إليه. فهذه المعرفة تسمى بـ(الحقِّ)،  وتوصف بأنه (الحقيقةُ)، وصاحبُها محقٌّ مستحِقٌّ للأجرِ والثوابِ.
  2. معرفةٌ يُعتَمد في تحصيلها على الظنُّ؛ وقد يُتنزَّل في ذلك إلى اعتماد الوهمِ. ولا ريب أن هذه (المعرفةَ!!) ستنتهيَ بصاحبِها إلى الباطلِ، وسيكون الحاملُ لها مستحِقّاً للعقابِ، وفي أحسنِ الأحوالِ للعتابِ.

وما دامت مسيرةُ الإنسانِ، المعلَنةُ والخفيةُ معاً، لا بد فيها من المعرفةِ، وما دام أن أمرَ هذه المعرفةَ يدور بين أن تكون حقّاً أو باطلاً، فلا مناصَ للإنسانِ إذن، ولا بد له، من أن يكافحَ وينافحَ، بحثاً عن الحقِّ، ساعياً في أن يلتزمَ به، نابذاً للباطلِ والخطأِ في ما يعتقدُ ويفعلُ. وإن من المرفوضِ؛ فطرةً ووجداناً، عقلاً ونقلاً، جملةً وتفصيلاً، أن يكابرَ ويرفضَ.

وفي هذا السياقِ، وانطلاقاً من هذه المسلَّمةِ العقلائيةِ، نجد الحقَّ سبحانه يؤكد على أن القرآنَ الكريمَ ليس سوى المرآةِ الصادقةِ للحقِّ، والصراطِ المستقيمِ والوحيدِ لِمن ينشدون الحقيقةَ، وليس هو إلا المرآةَ الكاشفةَ والمعرِّفةَ - بكلِّ وضوحٍ وجلاءٍ - عن نفسِهِ وعما سبقه من وحيٍ ربانيٍّ، أُبِين فيه عن سننِ الخالقِ في الخلقِ، وأن أحداً من الناسِ مهما علا شأنُهُ، أو أيَّ جماعةٍ من الناسِ مهما كثُرُوا وقوَوا، لا يستطيعون أن يُنتِجوا هذا النصَّ أو مثلَهُ، فقال تعالى في - الآية (37) من سورة يونس، وهي التالية للآيتين السابق ذكرهما - ﴿وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. وقال تعالى - في الآية (88) من الإسراء - ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى‏ أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهيراً﴾.

وهذا الوصفُ الحاسمُ والدقيقُ للقرآنِ الكريمِ - في هذه الآيات وآيات أخرَ - إنما دعا إليه لطفُ الله بعبادِهِ، وفضلُهُ عليهم، من أجل السيرِ بهم بجدٍّ على قواعد، من أهمها أربعٌ، هي:

أولاً: بثُّ الاطمئنانِ في نفوسِ مَن بَعث اللهُ نبيَّه محمداً (صلى الله عليه وآله وسلم) بالقرآنِ إليهم؛ وهم الناسُ كافةً، وأن هذا القرآنَ هو من عند الله تعالى.

ثانياً: أن للهِ تعالى - وهو الخالقُ - حقوقاً لا يجوز التعدي عليها، كما أن للخلقِ - أيضاً - حقوقاً، ليس لهم أن يقصِّروا في طلبِها، أو أن يفرِّطوا في المحافظةِ عليها.

ثالثاً: أن القرآن يستوعب كلَّ ما يحتاجه الناسُ في عالمِ الهدايةِ، فقد قال الله تعالى - في الآية (89) من سورة النحل - ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾.

رابعاً: أن للقرآن تأويلاً لا يحيط به سوى الراسخين في العلم، حيث يقول تعالى - في الآية (7) من سورة آل عمران - ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَاب﴾.

وليس يخفى أن الحقوقَ - بأنواعِها - ليست في مستوى واحدٍ، ففيها ما له أولويةٌ مطلقةٌ، وفيها ما هو دون ذلك. وإن من أهم تلكم الحقوقِ هو ما ينظِّم العلاقةَ بين الخالقِ والمخلوقِ، وما ينبثق عنها مما ينظِّم علاقةَ الخلقِ بالخلقِ، ويجمع ذلك كلَّه عنوانان اثنان هما: (الحقوق، والواجبات).

فهل يجوز للإنسانِ أن يستقلَّ - عن ربِّه - بنفسِهِ في رسم هذه الحقوق والواجبات، سواء في ذلك ما تعلق بالخالق تعالى، أو بالخلق؟

وهل للإنسانِ أن يستقلَّ - أيضاً - بتحديدِ معالمِ الخطأِ والصوابِ؛ في خصوص ما يتعلق بتنظيمِ العلاقةِ بين الخلقِ والخالقِ من جهةٍ، والخلقِ في ما بينهم من جهةٍ أخرى؛ بدعوى أن لديه من العقلِ والمعرفةِ - باعتبارهما الأداةَ والمادةَ اللازمين لِمن يريد الخوضَ في عُبابِ هذا البحرِ المتلاطمِ - ما يتيح له ذلك؟!

الجواب: إن في ما سُقناه من آياتٍ، ويؤكد مضمونَها العشراتُ بل المئاتُ من الآيات والأحاديث، كفايةٌ لِمن أراد الجوابَ الحقَّ.

ولعل ما رواه الشيخ الكليني، بسنده عن الإمام أبي عبد الله الصادق (عليه السلام)، يلخص لنا الجوابَ القرآنيَّ الشافيَ، حيث قال "إن اللهَ خصَّ عبادَه بآيتينِ من كتابِهِ: أن لا يقولوا حتى يعلموا، ولا يَردوا ما لم يعلَموا، وقال عز وجل ﴿أَ لَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ ميثاقُ الْكِتابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ﴾، وقال ﴿بَلْ كَذَّبُوْا بِمَا لَمْ يُحِيْطُوْا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيْلُهُ﴾"([2]).

فالعلاقةُ السليمةُ بين الخلقِ والخالقِ - وفقاً لهذا الحديث الشريف، بما تضمَّنه من صياغةٍ وشاهدَين من كتابِ اللهِ البيِّنِ في مضمونِهِ، والواضحِ في دلالتِهِ - تقوم على أساسِ التسليمِ بمعادلةٍ ذات أبعادٍ، تتمثل في أمورٍ، نلخصها في ما يلي :

أولاً: أنه تعالى (الله)، وأن الناس هم (عباد الله).

ثانياً: أن الله سبحانه أنزل عليهم كتاباً، بكلِّ تعنيه هذه مادة ( كتب) وما يشتق منها من الإحكامِ، والقضاءِ المبرَمِ.

ثالثاً: أن ثمةَ حدوداً لا يسوغ تخطِّيها، وحقوقاً لا يجوز التعدِّي عليها، وهي حدودٌ وحقوقٌ يفرضها المنطقُ العقلائيُّ لمن يسلِّمُ بخالقيةِ الخالقِ ومخلوقيةِ المخلوقِ.

وقد يتصور البعضُ أن هذه المسألةَ يمكن غضُّ النظرِ عنها، أو الإقلالُ من شأنِها، ليكون ذلك طريقاً لتسويغِ الحديثِ من الناسِ، على اختلافِ مستوياتِهِم العلميةِ والمعرفيةِ، في كلِّ ما يعنُّ لهم أن يتناولوا أطرافَ الحديثِ فيه! كما نجده شائعاً ورائجاً في المجالس عامةً، وفي وسائلِ التواصلِ الحديثةِ خاصةً.

ولست أجانب الصوابَ إذا قلتُ: إن هذه مقولةٌ تنافي المعرفةَ عموماً، وبالقرآن خصوصاً عند مَن يدَّعيها؛ وهي بالتأكيد تنافي دعوى المعرفةِ إذا صدرت ممن يؤمن بالقرآنِ الكريمِ كتاباً من عند الله تعالى هادياً للتي هي أقومُ.

ففي حديثٍ آخرَ، رواه الشيخ الكليني بسنده عن هشام بن سالم، يعزز المفادَ الذي جاء في الحديث السابق، قال "قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) : ما حق الله على خلقِهِ، فقال أن يقولوا ما يعلمون، ويكفُّوا عما لا يعلمون. فإذا فعلوا ذلك فقد أدوا إلى اللهِ حقِّهِ"([3]).

فهذا الحديث يختصر الحقوقَ الإلهيةَ، وهي كثيرةٌ، في هذا الحقِّ، بمعنى أن العبادَ لو أدَّوه - حقَّ الأداءِ - فلا يمكن إلا أن يؤدوا بقيةَ الحقوقِ.

ويجب - إخواني المؤبنين - أن لا يُفهم أن المقصودَ - مما قدمناه - هو تقييدُ الإنسانِ عن العلمِ والمعرفةِ، بل على العكسِ من ذلك تماماً؛ فإن تعاليمَ دينِ الإسلامِ لا تساوي أبداً بين مَن يعلمُ ومَن لا يعلمُ؛ فقد قال تعالى - في الآية (9) من سورة الزمر - ﴿أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِداً وَقائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ﴾، وهذا يعني - ضمناً - أن طلبَ العلم قيمةٌ عليا، بل هو القيمةُ العليا التي لا تدانيها قيمةٌ.

وقال تعالى - في الآية (89) من سورة يونس - مخاطباً نبييه موسى وهارون (عليهما السلام) ﴿... قَدْ أُجيبَتْ دَعْوَتُكُما فَاسْتَقيما وَلا تَتَّبِعانِ سَبيلَ الَّذينَ لا يَعْلَمُونَ﴾، وفي هذا نهيٌ عن السيرِ بغيرِ علمٍ، وعن اتباعِ مَن لا يَعلم.‏

وفلسفةُ ذلك تتجلى في ما روي عن رسولِ اللهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال "مَن عمل على غيرِ علمٍ كان ما يُفسد أكثرَ مما يُصلح"([4]).

بل نضيف إن هذا التأكيدَ على قَصر الحديثِ وحصرِهِ في كلِّ شيءٍ على مَن يعلم دون مَن لا يعلم، هو حضٌّ وحثٌّ أكيدٌ على طلبِ العلمِ ونشره، خصوصاً في ما يُراد الحديثُ عنه والخوضُ فيه، حتى لا تتحول ساحاتُ الحديثِ والحوارِ بين الناس في كلِّ ما يرغبون الحديثَ عنه أو الحوارَ فيه، إلى ساحاتٍ مفتوحةٍ قد يُتاح للجميعِ أن يشاركَ فيها إلا العلماء.

وفي ما يتعلق بالدينِ عموماً، والقرآن خصوصاً، والذين كان الشهيدُ المؤبَّنُ من الناشطين في خدمتِهِ، يلزمنا التنبيهُ إلى أن فيهما جانبين لا يسوغ الخلطُ بينهما.

أما الأول: فهو أن للدين وللقرآن ارتباطاً بالجميع، فالدينُ شرعةٌ للجميعِ، والقرآنُ خطابٌ لهم كافةً.

فالمطلوبُ من الجميعِ أن يتديَّنَ بالدينِ، وأن يلتزمَ شرائعَهُ وحدودَه، من خلال مراعاةِ الأوامرِ والنواهي، كما أن المطلوبَ من الجميع - أيضاً - أن يعتقدوا بربانيةِ القرآنِ، وأن يُقدسوه، ويتلوه، ويتدبروا مضامينَه، ويعتبروا بأمثالِهِ، ويحكِّموه في مفاصلِ الحياةِ كلِّها.

وأما الثاني: فهو أن للدينِ وللقرآنِ جانباً معرفيّاً تخصصيّاً، وهذا لا يحيط به، ولا يخوض فيه، سوى أهلِ الذكر، الذين هم أهل الاختصاص العلمي، على اختلافِ مستوياتِهِم، بدءً من الراسخين في العلم الذين يعرفون ظاهر القرآن وباطنه، مروراً بالربانيين الذين يعرفون بعضَه ويخفى عليهم - بالتأكيد - كثيرٌ من مضامينِهِ، وانتهاءً بالمتعلِّمين على سبيلِ نجاةٍ الذي يقفون على ساحلِه ويرتاضون على خوضِ عُبابِهِ.

وهذا الاختصاصُ متاحٌ - بمستوييه الأخيرين - لكلِّ أحدٍ أن ينخرطَ فيه بالتدبرِ والتعلمِ والتفقهِ، لينال كلُّ ساعٍ ما يناسب سعيَهُ، وما تقتضيه مشيئةُ الله وتوفيقُه. قال الله تعالى - في الآية (43) من سورة النحل - ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (43) بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾، فمن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) البيان، ومن أهلِه (عليهم السلام) التوضيحُ والجوابُ، ومن غيرهم التفكرُ والتدبرُ، ونعوذ بالله من القول في القرآن بالرأي والهوى.

وفي الختام أتمنى تفعيلَ ما يمكن تفعيلُهُ من المقترحات التي تقدم بها المؤبنون لهذا الفقيد السعيد في مجلس عزائه، أو عبر ما نُشر لاحقاً.

وأجدد التعزيةَ، بل التهنئةَ، بشهادةِ هذا الأخ الأمين، الذي كان - في ما عرفتُ - واحداً من السعاةِ الجادين في صناعةٍ بيئةٍ قرآنيةٍ تحكم واقعَنا الاجتماعيَّ، في وقتٍ تشتد فيه الأزماتُ بأنواعِها وصنوفِها، سائلاً المولى عز وجل أن يتقبلَه بقبولٍ حسنٍ، وأن يجعلَه شفيعاً لذويهِ ومحبِّيهِ، وأن يصلِحَ شأنَنا كلَّه، بحقِّ سيدِنا ونبيِّنا محمدٍ وآلِهِ صلواتُ اللهِ عليه وعليهم أجمعين، إنه سميعٌ مجيبٌ.

 


([1]) تحف العقول، باب ما روي عن الإمام علي عليه السلام، وصيته لكميل، ص 171.

([2]) أصول الكافي 1/41، كتاب العلم، باب النهي بغير علم، الحديث 8.

([3]) أصول الكافي 1/50، كتاب العلم، باب النوادر، الحديث 12.

([4]) أصول الكافي 1/41، كتاب العلم، باب القول بغير علم، الحديث 3.