موقع السيد حسن النمر الموسوي

حديث الجمعة

جديد الموقع

نص خطبة يوم الجمعة التي ألقاها سماحة العلاّمة الحجة السيد حسن النمر الموسوي بعنوان «الزهراء .. الطريق إلى الله» يوم الجمعة ١٨ جمادى الثاني ١٤٣٨هجري في جامع الحمزة بن عبدالمطلب بمدينة سيهات:

 

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين محمد بن عبد الله وعلى آله الطيبين الطاهرين.

رب اشرح لي صدري، ويسر لي أمري، واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي.

عباد الله! أوصيكم - ونفسي - بتقوى الله.

مدخل:

نستقبل وإياكم ذكرى عزيزة على كل مؤمن ومؤمنة، هي ذكرى مولد سيدتنا الصديقة الزهراء (عليها أفضل الصلاة والسلام)، ومن المناسب أن نخصص حديثَنا عنها، بمقدار ما يمكننا أن نتناوله وأن نستعرضه؛ من حيث الإمكانات الذاتية، ومن حيث الوقت.

عنوان حديثنا سيكون (الزهراء .. الطريق إلى الله).

السيدة الزهراء (عليها أفضل الصلاة والسلام)، التي هي بضعةٌ من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، ماذا نعني بأن تكون هي الطريق إلى الله؟

الطرق إلى الله هل تتعدد أو لا تعدد؟

السبل إلى الله تتعدد، أما الطريق إلى الله فيجب أن يكون واحداً. الطرق تتفاوت وتختلف في ما بينها، كلُّ الطرق يجب أن تنتهي إلى طريقٍ واحدٍ. ولذلك، فإن الله عز وجل يقول ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ المُسْتَقِيْمَ﴾ [الفاتحة:6]. الصراط المستقيم - لو أردنا أن نشبهه - مثل الخط المستقيم لا يمكن أن تتعدد الخطوطُ المستقيمةُ من نقطةٍ إلى نقطةٍ، ليس هناك إلا خطٌّ واحدٌ! ثمة طرقٌ متعددةٌ، قد تؤدي لكن ستطول.

إذا أردنا الصراط المستقيم، الذي حدده الله عز وجل، فإن تحديده بيده سبحانه وتعالى؛ فإنه عز وجل يقول ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾ [الزخرف: 32]. النبوة والإمامة والوصاية والحجج الإلهية من الله عز وجل على الخلق، ليس بيد الناس أن يضعوا فيها أحداً ولا أن يرفعوا منها أحداً، إنما يحدد الأنبياءَ، ويسميهم، ويحدد الأئمةَ الحججَ، ويسميهم، اللهُ سبحانه وتعالى. هو ينصب، وهو يرفع، وهو يضع، وهو يمنُّ، ليس بيد الناسِ ذلك.

ولذلك، هي خارج دائرة التشاور والاتفاق بين الناس.

رسلُ الله، وأنبياءُ الله، آمن بهم الناسُ، أو لم يؤمنوا، سيظلون يحملون لقبَ وعنوانَ النبي والرسول، آمن بهم مَن آمن، وكفر بهم مَن كفر!

نتحدث نحن عن امرأةٍ، إنسان، يحمل هذه الخصوصية، والتي لا يمكن لأمثالنا أن يتحدث عنها، ويصفها؛ لأننا لا نعرف، ولا نخبُر، إلا ظاهرَ الحياة الدنيا. كلُّ ما نعرفه هو الأمور الظاهرية، أما كينونةُ الناس، مقدارُ ما بلغوه من الكمال والقرب من الله عز وجل، فإن ذلك كلَّه يخفى علينا. إنما يعلمه اللهُ سبحانه وتعالى، ومَن يحيطه الله عز وجل علماً وخُبراً بذلك.

ومن ثم، فإننا نحتاج إلى الأنبياء والرسل ليؤمِّنوا لنا الزادَ المعرفيَّ الذي يعجز أمثالُنا عن الوصولِ إليه بالاستقلال دون استعانةٍ بنبيٍّ أو رسولٍ يوحَى إليه من عند الله عز وجل.

ولذلك، فإن المناقبَ والفضائلَ، التي تُروى عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في حق أشخاصٍ معينين، من الضروري أن يُتثبَّت من صحةِ ما نُسب إلى الرسول؛ من منقبةٍ أو فضيلةٍ، في حقِّ فلانٍ، أو فلانٍ؛ لأن الشهادةَ من رسول الله ليست كالشهادة من غيره، خصوصاً إذا كانت تتعلق بوجوده التكاملي والكمالي الذي يجعله من أهل الجنة؛ فإن الشهادةَ له بأنه من أهل الجنة يعني أن عاقبتَه ستكون إلى خيرٍ.

والعاقبة لا تكون إلى خيرٍ إلا ضمن السير وفق منهج حدده الله عز وجل؛ حيث يقول ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: 19]. ويقول عز وجل ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْه﴾ [آل عمران: 85]. وبطبيعة الحال، ليس المقصود من الإسلام - هنا - مجردَ النطق بالشهادتين التي يخرج  الإنسانُ بسببه من دائرة الكفر إلى دائرة الإيمان! وإنما المقصود ما كان مصداقاً لقول الله عز وجل ﴿ ..كُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: 119]. هذا هو المقصود.

من هم الصادقون، الذين أمر الله عز وجل أن نكون معهم ؟ وما هي فلسفة ذلك؟

هم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، ومن جاءت الشهادة منه - بأمرٍ من الله عز وجل - أنهم أهلُ الصدق والمصداقية والطهارة والنقاء والصفاء، ومَن أُمِرنا أن نكون معهم، بل حُذرنا أن لا نكون معهم في هذا الاتجاه.

ممن جاءت الشهاداتُ، التي يتفق المسلمون عليها، هو شخصُ فاطمة الزهراء (عليها أفضل صلوات المصلين)، الذي ورد عند الفريقين قولُ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) "فاطمة بضعة مني"([1]).

من أوصافها (عليها أفضل الصلاة والسلام) : الزهراء.

1 - ماذا يعني الزهراء؟

في اللغة العربية إذا رجعنا نجد ابن فارس، صاحب كتاب مقاييس اللغة [يُرجع عادةً إلى كتب اللغة للتعرف على ماذا يستعمل العرب الكلمات العربية فيه من حيث المدلول]، يقول في كتابه المقاييس، في مادة زهر "الزاء والهاء والراء"، يعني المادة التي اشتقت منها الزهراء، زهراء أهزر مزهر وهكذا "أصل واحد"، يعني ليس لها مادة لها أكثر من معنى تنتهي كل هذه المعاني إلى المعنى الأصيل الواحد "يدل على حسن، وضياء، وصفاء".

هذا هو المعنى الأصلي لكملة زهر. الزهرة النبتة إنما سميت بهذا لأن فيها صفاءً، ولأن فيها حسناً، ولأن فيها جمالاً.

الزهراء (عليها أفضل الصلاة والسلام) صيغة من هذا القبيل، اشتقت (فعلاء) يعني أنها تزهر فيها حسن وصفاء وضياء.

كيف أزهرت الزهراء (عليها أفضل الصلاة والسلام) ؟

وكيف تعرف الناس على ذلك؟

لنجعل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) يتحدث كما سنصل إليه، بإيجازٍ شديدٍ.

الشيخ الطريحي (رحمة الله عليه) - في كتابه مجمع البحرين، وهو قاموس لغوي يهتم بما ورد في الكتاب الكريم والسنة المطهرة، في مادة الزهراء – يقول "والزهراء فاطمة بنت محمد (صلى الله عليه وآله) سميت بذلك [سميت يعني لقبت هذا اللقب، المقصودُ بالتسمية اللقبُ] لأنها إذا قامت في محرابها زهر نورها إلى السماء كما يزهر نور الكواكب لأهل الأرض. وروي أنها سميت الزهراء لأن الله خلقها من نور عظمته".

طبعاً، هذا الشرح من الشيخ الطريحي، وما جاء من أمثاله من العلماء، ليس من عندياتهم؛ لأن الشيخ الطريحي وأمثاله لا يستطيع أن يرى كيف تزهر الزهراءُ (عليها السلام) لأهل السماوات، هذه شهادات جاءت من الرسول (صلى الله عليه وآله)، ومن آله الذين ورثوا علمه الذي لا يُتلقَّى في المدارس، ولا يُتلقَّى من فلان وفلان، وإنما يُتلقَّى عبر هذه القنوات الإلهية الخاصة.

وفي الرواية عن النبي (صلى  الله  عليه وآله)، كما يرويه أبو هريرة كما جاء في كتاب كنز العمال "قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) [حتى نستفيد كلمة الزهراء ماذا تعني، أزهر ماذا يعني. قال ]: أكثروا الصلاة علي في الليلة الزهراء واليوم الأزهر؛ فإن صلاتكم تُعرض علي"([2]).

فإذن، هذا أصل المادة، وما الذي يوصف به.

قد يوصف أشخاصٌ كالزهراء، وقد توصف به أزمنة كليلة الجمعة، اليوم الأزهر يعني يوم الجمعة، ولا يعني هذا أن الصلاة عليه (صلى الله عليه وآله وسلم) ليست مطلوبة في غيره! لكن في يوم الجمعة هذه خاصة حيث تُعرض الأعمال.

لاحظوا، النبي يقول "تعرض علي"؛ أصله جاء في القرآن الكريم ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُون﴾ [التوبة: 105] المؤمنون ليس نحن، نحن لا نطلع على أعمال الناس! قد نراه ظاهراً يصلي، نراه ظاهراً يقول أنه صائم، لكن حقيقةُ صيامه، ملكوت صيامه، ملكوت حجه، واقع أفعاله التي يفعلها، فضائله، رذائله، نحن يتبين لنا بعض آثارها، أما حقيقتها لا تتبين لنا.

تتبين لمن؟

لله، وللرسول، ولهذه الفئة من المؤمنين، الذين هم آله (صلوات الله وسلامه عليهم).

أيضاً، يروى كنز العمال، والرواية النبوية المعروفة عند العامة "أول شخص يدخل الجنة فاطمة بنت محمد، ومثلها في هذه الأمة مثل مريم في بني إسرائيل"([3]). هذا ما يُروى عنه (صلى الله عليه وآله وسلم).

فإذا أردنا أن نتعرف على حقيقتها نرجع إلى من؟

إلى مثل رسول الله يبين لنا حقيقة الزهراء (عليها أفضل الصلاة والسلام)، وإذا بُيِّن فبقدرنا لا بقدرها (عليها أفضل الصلاة والسلام).

هذا له أصول قرآنية، وصف السيدة الزهراء عليها أفضل الصلاة بهذا مشتق من وصف الله عز وجل بالنور، ووصف رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) بالنور، والزهراء امتداد لهذا النور.

2 - نورية الزهراء من نورية الله تعالى

أما عن وصف الله سبحانه وتعالى بالنور فيقول عز وجل ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ..﴾ [النور: 35]. ويقول عز وجل في سورة البقرة ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة: 257]، هذا وصف الله سبحانه وتعالى لعباده، أو وصفه لنفسه بهذا اللحاظ.

ويقول عز وجل عن الذين كفروا، والذين لم يعتمدوا على نور الله عز وجل ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُون﴾ [البقرة: 257].

طبعاً، ليس المقصود بهذا النور هو بقعةٌ جغرافيةٌ، ولاهي محطة تاريخية، يُنقل هذا الإنسان من قبل المؤمنين من هذه البقعة الجغرافية إلى بقعة أخرى. لا، هي مسائل فكرية، ومسائل وجدانية، ومسائل اعتقادية، يترجمها الإنسانُ في سلوكياته، وفي أقواله، وفي أفعاله. فإذا رأيناه يفعل الفعلَ الفلانيَّ نقول أنار الله دربه، أنار اللهُ قلبَه؛ حيث أخذ الواردَ من كتاب الله عز وجل، والواردَ من سنة النبي، والواردَ من كلام آله (عليهم أفضل الصلاة والسلام).

3 - نورية النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)

وأما عن نورية النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فإنه عز وجل يقول - في سورة المائدة ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (15) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة: 15، 16].

طبعاً، قد يفسر - في هاتين الآيتين - النورُ المقصود به كتابُ الله، وليس شخصَ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، لكن ثمة آية أخرى يمكن أن تُجعل قرينةً على أن المقصود ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾، يعني رسول الله نور من عند الله، وضُم إليه الكتاب المبين. ليس المقصود أن القرآنَ هو نور، وهو كتاب مبين، وإن كان هذا محتملاً.

لكن يقول عز وجل في سورة إبراهيم ﴿الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [إبراهيم: 1] هذه قد تجعل قرينة بأن المقصود في الآية السابقة، أو الآيتين السابقتين، من وصف النور، أن المقصود به شخص رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).

4 - نورية الزهراء

فإذا رجعنا إلى السيدة الزهراء (عليها أفضل الصلاة والسلام)، هل ثمة ما يدل على أنها مصداق من مصاديق النورية، كما كان والدها (صلوات الله وسلامه عليها)، وكما كان القرآن الكريم؛ بحيث جُعل للزهراء (عليها أفضل الصلاة والسلام) خصوصيات تجعلها ميزاناً للحق وميزاناً للباطل، فمن تولاها، ومن شايعها، ومن اتبعها، ومن رضيت عنه، رضي رسول الله عنه، ورضي الله عز وجل عنه، ومن غضبت عليه بأن خالفها وشاقها كان مغضوباً عليه من رسول الله ومغضوباً عليه من الله سبحانه وتعالى؛ حيث أن إرادتها هي إرادة رسول الله بل هي إرادة الله عز وجل؟

نعم، هناك ما يمكن أن يجعل شواهد على هذا، ولنسمها بالمظاهر، مظاهر نورية الزهراء:

المظهر الأول: أنها امتداد وجودي وإنعامي لرسول الله، ولله عز وجل

وعلى ذلك شواهد:

الشاهد الأول: ما رواه البخاري في صحيحه، ومسلم في صحيحه، أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال "فاطمة بضعة مني فمن أغضبها أغضبني"([4])، ومسلم يروي في صحيحه "إنما فاطمة بضعة مني، يؤذيني ما آذاها"([5]).

هذا شاهد على أن السيدة الزهراء (عليها أفضل الصلاة والسلام) امتداد وجودي، ليس امتداداً بشرياً لرسول الله؛ وهي كذلك، لكن هي فوق الامتداد البشري، هي امتداد وجودي وإنعامي، كما أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) وُصِف في الكتاب الكريم بأنه - بقول الله عز وجل - ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107]، الزهراء (عليها أفضل الصلاة والسلام)، بضعويتها من النبي، على هذا الأساس، وبهذه المثابة.

الشاهد الثاني: أن النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) جعل مودة الزهراء وبقية العترة، أجراً لرسالته (صلوات الله وسلامه عليه)؛ حيث يقول الله عز وجل يخاطبه ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [الشورى: 23].

ابن الأثير الجزري يروي عدداً من الروايات في هذا الباب، يؤكد هذا المعنى.

مثلاً في الباب الذي عقده تحت عنوان (فضائل أهل البيت) عليهم أفضل الصلاة والسلام ما يصلح أن يُجعل شاهداً على هذا المقام للزهراء (عليها أفضل الصلاة والسلام)، وأنها حبلُ الله لعباده؛ لأن رسول الله حينما طالب الناسَ - بأمر من الله - أن يكون له أجرة؛ لأنه حريصٌ على المؤمنين، ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: 128]، ولأنه يعلم أن الناس إذا لم يودوه في أهل بيته، لن يبقوا على الصراط الذي بعثه الله عز وجل أن يثبتهم عليه.

الشاهد الثالث: عن عبد الله بن عباس في كتاب جامع الأصول لابن الأثير الجزري قال "عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما - قال: قال رسولُ الله - صلى الله عليه [وآله] وسلم-: أحِبُّوا الله لما يغذوكم من نعمه، وأحِبُّوني لحبِّ الله، وأحِبُّوا أهلَ بيتي لحُبِّي" أخرجه الترمذي.

النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، في هذا الحديث ، وفي هذا النص، ما الذي ربط، ما الذي جعل أهل البيت (صلوات الله وسلامه عليهم)؟

جعلهم امتدادا له ليس من جهة النسب فقط، وإنما من جهة أن الله عز وجل يغذو المؤمنين؛ أي يغذيهم، يزودهم بما يحتاجونه من النعم، فيقول "أحبوا الله لِما يغذوكم من نعمه"، ونعم الله لا تُحصى.

هذي مسألة الفيض التي وردت في روايات أهل البيت (عليهم أفضل الصلاة والسلام)، أنه "لولا الحجة لساخت الأرض بأهلها" هذا منبعها، مثل هذا النص.

الله عز وجل يزود الناسَ بالنعم، الظاهرة والباطنة، عبر قنوات، مثل ما أن الشجرة والنخلة تزودنا بشيءٍ من الفاكهة، ثمة نعمٌ حتى مثل هذه النعم الظاهرة تمر عبر سلسلة معقدة تخفى عليها لا نعرفها، ولا نعرف وجه الارتباط بها، يبينها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).

المظهر الثاني: العلم والمعرفة

السيدة الزهراء (عليها أفضل الصلاة والسلام) ليست شخصاً عاديّاً، يمكن أن يقاس بها غيرها، فأهل البيت لا يقاس بهم أحد، كما ورد في الحديث الشريف.

الحديث الذي يرويه زيد بن أرقم رضي الله عنه([6]) قال: قال رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم : إني لكم فرط، وإنكم واردون علي الحوض، عرضه ما بين صنعاء إلى بصرى، فيه عدد الكواكب من قدحان الذهب والفضة، فانظروا كيف تخلفوني في الثقلين؟» فقام رجل، فقال: يا رسول الله وما الثقلان؟ فقال رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم: الأكبر كتاب الله، سبب طرفه بيد الله، وطرفه بأيديكم، فتمسكوا به لن تزالوا، ولن تضلوا، والأصغر عترتي، وإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض، وسألت لهما ذاك ربي، فلا تقدموهما فتهلكوا، ولا تعلِّموهما؛ فإنهما أعلم منكم"([7]).

فإذن، هي قنوات فيض معرفي، علمي. إذا أردنا ما عند الله عز وجل نطرق بابَ رسول الله، وإذا أردنا بعد رسول الله شيئاً نطرق بابَ علي وفاطمة، ثم الحسن والحسين الذين جاءت لهم الشهادة من الله على لسان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) .

المظهر الثالث: أن مخاصمة الزهراء (عليها أفضل الصلاة والسلام) ظلمٌ، وظلمةٌ

لأننا ما دمنا نعرف أن الزهراء عليها أفضل الصلاة والسلام مظهر من مظاهر النور، يُلحق بنفسه الضررَ من يأخذ مسافة عنها (صلوات الله عليها)، سيخرج من عالم النور الذي هي فيه، والذي هي قيِّمة عليه قوامةَ ومسؤوليةَ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عليه، وسيدخل عالم الظلمة.

في الحديث المعروف عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال – لعلي وفاطمة ، والحسن، والحسين- أكثر من صيغة، صيغتان، قال "أنا حرب لمن حاربتم وسلم لمن سالمتم"([8])، وصيغة أخرى " أنا حرب لمن حاربكم وسلم لمن سالمكم"([9]).

يعني أن المحور في عداء النبي، وفي التولي لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فاطمة، وعلي، والحسن، والحسين.

فمن كان معهم كان مع رسول الله، ومن ضادَّهم وخاصمهم كان ضدّاً لرسول الله، ومن خاصمه هؤلاء كان خصماً لرسول الله.

ومن والاه، وأحبه هؤلاء، كان قريباً من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).

لذلك، نفهم ما رواه المسلمون جميعاً؛ مما قدمناه على لسان البخاري ومسلم في كتابيهما، أن فاطمة (عليها أفضل الصلاة والسلام) "بضعة مني"، هكذا قال رسول الله، "فمن أغضبها أغضبني"، أو "إنما فاطمة بضعة مني، يؤذيني ما آذاها".

هي محور، هي ميزان، لا يصح للإنسان إلا أن يرتبط به، ولا يجوز - إذا أراد الخير لنفسه - إلا أن يحبها، ويواليها التوليَ الذي يجعله قريباً منها؛ لأن الله عز وجل تعلقت إرادتُهُ بأن يجعلها، ويجعل سائرَ العترة، من المطهرين، كما ورد في الخبر المعروف، والذي يحتمل أن بعض المسلمين قد يتوهم في أن المراد من أهل البيت من هم؟ الذين هم أنوار، والذين تعلقت مشيئة الله أن يكونوا طاهرين مطهرين، لأن الناس يحتاجون إلى بشر يفقهون الإسلام كما جاء من عند الله، يطبقونه كما يريد الله، يدعون الناس كما يريد الله عز وجل. الناس بحاجة، وإلا لو أن الناسَ ابتعدوا عن هؤلاء سيكونون في معرض شبهات وشهوات كثيرة، كما نجده في هذا التاريخ.

خاتمة - رفع التوهم بتحديد من هم أهل البيت

ابن الأثير يروي أيضاً عن عدد من جوامع الحديث، عن أم سلمة أم المؤمنين (رضي الله عنها)، قالت "إن هذه الآية نزلت في بيتي([10]) ﴿إنَّمَا يُرِيدُ الله لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهل البيتِ ويطهِّرَكم تطهيراً﴾ [الأحزاب: 33] قالت: وأنا جالسة عند الباب، فقلت: يا رسول الله [بعد أن وضع عليهم الكساء]: ألَسْتُ من أهل البيت؟ فقال: إنكِ إلى خيرٍ، [وهذا جواب، أنك لست من أهل البيت الذي ظللهم رسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، وإن كان مشهودا لها منه أنها إلى خير]، أنتِ من أزواجِ رسولِ الله [يعني لست من العترة]، قالت: وفي البيت رسولُ الله (صلى الله عليه [وآله] وسلم)، وعليّ وفاطمة، وحسن، وحسين، فجَلَّلَهُمْ بكساء، وقال: اللهم هؤلاء أهلُ بيتي، فأذهِبْ عنهم الرِّجْس، وطهِّرهم تطهيراً"([11]).

السيد الزهراء (عليها أفضل الصلاة والسلام) ليست بحاجة إلى أن يتكلم عنها أمثالنا، وإنما نحن بحاجة إلى أن نتعرف عليها؛ لنقترب منها، ولنستلهم منها ما نحتاج إليه إذا أردنا أن نستنير، في عقولنا، في وجداننا، لنحسِّن من أقوالنا، لنحسن من أفعالنا؛ حتى نقترب من الفضل والفضيلة وأهلها، ونبتعد عن الرذائل وأهلها.

أسأل الله عز وجل أن يشفع فاطمة الزهراء عليها أفضل الصلاة والسلام فينا، وأن يجعل من أتباعها وأشياعها، ومن المفطومين عن النار ببركة شفاعتها عليها أفضل صلوات المصلين.

التذكير بيوم البر بالوالدين.

البر بالوالدين من أبواب الجنة.

اللهم صل على محمد وآل محمد.

اللهم كن لوليك الحجة بن الحسن صلواتك عليه وعلى آبائه في هذه الساعة، وفي كل ساعة، وليّاً، وحافظاً، وقائداً، وناصراً، ودليلاً، وعيناً، حتى تسكنه أرضك طوعاً، وتمتعه فيها طويلاً.

اللهم انصر الإسلام والمسلمين، واخذل الكفار والمنافقين. اللهم اشف مرضانا، وارحم موتانا، وأغن فقرائنا، وأصلح ما فسد من أمر ديننا ودنيانا، ولا تخرجنا من الدنيا حتى ترضي  عنا يا كريم.

وصلى على سيدنا ونبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين.

 


([1]) متفق عليه.

([2]) المعجم الأوسط 1/ 83.

([3]) كنز العمال 12/110، الحديث رقم (34234).

([4]) صحيح البخاري، مناقب فاطمة.

([5]) صحيح مسلم، فضائل فاطمة.

([6]) الحديث له أكثر من صيغة، وهذه أحداها.

([7]) المعجم الكبير للطبراني 3/ 66.

([8]) كنز العمال (12/ 96.

([9]) كنز العمال (12/ 97.

([10]) وهناك روايات أنها نزلت أكثر من مرة.

([11]) جامع الأصول 9/ 155.