موقع السيد حسن النمر الموسوي

حديث الجمعة

جديد الموقع

نص خطبة يوم الجمعة التي ألقاها سماحة العلاّمة الحجة السيد حسن النمر الموسوي بعنوان «من الغفلةِ إلى الذِكر-١» يوم الجمعة ٢٥ جمادى الثاني ١٤٣٨هجري في جامع الحمزة بن عبدالمطلب بمدينة سيهات:

أعوذ  بالله من الشيطان الرجيم

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيد الخلق وأشرف الأنبياء والمرسلين محمد بن عبد الله، وعلى آله الطيبين الطاهرين.

رب اشرح لي صدري، ويسر لي أمري، واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي.

عباد الله! أوصيكم - ونفسي- بتقوى الله.

قبل الشروع في الحديث أذكِّر بما سبق التنويهُ عنه، من مشروع بر الوالدين، والذي تشرف عليه جمعية سيهات للخدمات الاجتماعية، وهناك نشاطات وُزعت في منشورٍ، نأمل من الإخوة والأخوات التعاونَ الجادَّ في تفعيلِ هذا النشاط؛ فإن في ذلك تحقيقاً للعنوان الذي ننشده وإياكم جميعاً وهو تقوى الله، والتعاون على البر والتقوى.

عنوان حديثنا سيكون (من الغفلة إلى الذكر)، بمناسبة ما سنستقبله من أيامٍ مباركةٍ بعد أيام، وهي شهر رجب المرجب، والذي وُصف بأنه الأصم والأصب، حيث تُصب فيه رحمة الله عز وجل صبّاً على العباد.

منطلقين في ذلك من قول الله عز وجل ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [المنافقون: 9].

تصنيف الخطاب الشرعي:

الخطاب الشرعي - الوارد في القرآن الكريم والسنة المطهرة - يمكن أن نصنِّفه ببعض الاعتبارات إلى ثلاثةِ أصنافٍ:

الصنف الأول: ما يشتمل على الأمر والنهي من الله عز وجل، بأن يُطلب من الناس أن يفعلوا شيئاً ما أو أموراً معينةً؛ الواجبات المستحبات، أو ينتهوا عن أشياءَ معينةٍ؛ وهو ما نسميه بالمحرمات والمكروهات، أو يُبين حكمٌ شرعيٌّ أن الناسَ في حلٍّ من الفعل ومن الترك، لهم أن يفعلوا ولهم أن لا يفعلوا، وهو ما نسميه بدائرة المباحات.

الصنف الثاني: ما يشتمل على وصف الواقع، سواء ما تمثل في ذات الله عز وجل وأسمائه وصفاته وأفعاله، المبدأ، المعاد، الجنة، النار، الإنسان، المؤمن، الكافر، ما هي أحوال هذه الموجودات، الموجود الواجب سبحانه وتعالى، والموجود الممكن وهو عموم المخلوقين، حتى يكون لدينا إدراكٌ صحيحٌ للواقع الذي نعيش فيه، سواء ما مضى أو ما نعاصره أو ما سيأتي؛ لأن الإنسانَ إذا لم يملك معطياتٍ علميةً دقيقةً وصحيحةً عن الواقع ستكون حساباتُهُ كلُّها خاطئةً، ولن يستجيبَ إلى الله سبحانه وتعالى في ما أمر أو نهى أو كل الأحكام الشرعية بناء على تصوراته المغلوطة! وهذا ما يؤدي بالناس إلى مخالفة تقوى الله عز وجل، أن الصورة تتشوش عندهم فيقلبون الحقَّ باطلاً والباطلَ حقّاً، ولا يعتنون بما يرد عليهم من الله سبحانه وتعالى في الكتاب الكريم والسنة المطهرة.

الصنف الثالث - من الخطابات الشرعية في الكتاب والسنة أيضاً - : ما يشتمل على الوعظ.

والوعظ فيه شِقَّان:

أ - تحفيز على فعل، تحفيز الناس، تشجيعهم، دفعهم نحو التزامِ ما يجب، أو ينبغي، أن يلتزموه.

ب – وتحذيرهم، وتخويفهم من الوقوع في ما لا يجوز، أو لا ينبغي، لهم أن يقعوا فيه.

جميع الخطابات الدينية في القرآن الكريم والسنة المطهرة الواردة على لسان النبي (صلى الله عليه وآله)، أو ألسنة المعصومين (عليهم أفضل الصلاة والسلام) تقريباً لا تخرج من عن هذه الأصناف الثلاثة.

ما هو موقفنا - نحن كمؤمنين - أمام وإزاء هذه الخطابات الشرعية؟

هو التفاعل بقوةٍ. يخاطب الله عز وجل يحيى يقول ﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾ [مريم: 12].

التراخي أمام الخطاب الشرعي والديني، والتكاسل، لن يلحق بالإنسان إلا الضرر؛ لأنه - كما ذكرنا - سيؤدي بالإنسان - طبعاً نقص الصورة يؤدي به إلى التفاعل السلبي أو التفاعل المتراخي - وكذلك تفاعله المتراخي سيؤدي به إلى أن يجهل كثيراً من الأشياء.

ولذلك، نجد أن الله سبحانه وتعالى لا يسوي بين الطيب والخبيث، ولا يسوي بين العالم والجاهل، فيقول عز وجل ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: 9].

ولمّا كانت الوقائعُ كلُّها، الواقعُ كلُّهُ، فيه شهادة، وفيه غيب؛ فإن من الحكمة، ومن كمال الله عز وجل، أن يزوِّدنا بما نستعين به على فهم الشهادة من جهة، والغيب من جهة.

أما الغيبُ فقد حُجب عنا نحن البشر؛ لأن الغيب هو ما لا تستطيع أن تتواصل معه بشكلٍ مباشرٍ. الماضي يُعد غيباً، المستقبلُ بالنسبة لنا يعد غيباً، ما وراء الجدار يُعد بالنسبة لنا غيباً، حتى وإن تأتى لنا أن نتواصل معه بوسائل معينة فهو غيبٌ لولا هذه الوسيلة.

ولذلك، فإن الله عز وجل لَما نرجع إلى آيات الغيب نصنفها إلى نوعين:

1 - نوع يحصر الغيب في الله عز وجل، لا يعلم الغيب إلا الله([1]).

2 - ونوع آخر يستثني فيه ﴿إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ [الجن: 27]. إذا ارتضى الله عز وجل بعض عباده.

من الذين يرتضيهم؟

عنوان (رسول)، ليس بالضرورة ما يعادل النبي. الملائكة قد يحملون عنوان (رسول)، الملك إذا بعثه الله عز وجل لأداء مهمة في الأرض أن يتواصل مع شخص بعنوان النبوة هو (رسول)، أو يتواصل مع موجود كائن في الأرض أيّاً كان، جماداً، نباتاً، حيّاً، والملائكة يديرون شؤون هذا العالم، هم رسل الله عز وجل.

الأنبياء والرسل - بالمعنى المصطلح - هم أيضاً رسل.

لكن قد يصطفي الله عز وجل بعضَ عباده فيفتح لهم أبوابَ الغيب؛ فإن الله عز وجل في الكتاب الكريم يقول عن القرآن الكريم ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: 7]، أي أن الراسخين في العلم يعلمون تأويل الكتاب.

والمقصود بتأويل الكتاب ليس آيات القرآن، المركبة من حروف وأصوات، كما نقول ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِين﴾ [الفاتحة: 2]، هذا لفظ الحمد، لكن واقع الحمد ما هو؟

لا نستطيع - نحن - أن نعرفه، وإنما يعرفه مَن يعرف التأويل؛ أي المصاديق الحقيقية، تأتي الرواية لتقول، لتفسر قول الله عز وجل ﴿اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: 41] تُفسر بتسبيحات معينة، تسبيحات الزهراء([2]) أو غيرها([3])، أنا، وأنت، لا أستطيع أن أشير وأقول أن مصداق الذكر الكثير هو هذا التسبيح المعين!

من يستطيع؟

من يكون من الراسخين في العلم ويعلم تأويل القرآن.

ولما كان القرآن الكريم فيه تبيان كل شيء، وتفصيل كل شيء، فالراسخون في العلم آتاهم الله عز وجل علم ما في الكتاب. علم ما في الكتاب يتيح لهذا الذي آتاه الله عز وجل علمَ الكتاب قدراتٍ غيرَ طبيعيةٍ، قد يسميها الناس (علم الغيب) و (الإتيان بخوارق العادات)، فليكن، القرآن الكريم لا ينافي شيئاً من هذا.

مراتب التكامل ما هو مفتاحها؟

مفتاحها كلها التقوى، والتقوى لها جناحان اثنان:

الجناح الأول: هو توفير المقتضيات والأسباب

والجناح الثاني: رفع الموانع والسدود.

لا نستطيع أن نحلق في عالم التقوى إلا بهذين الجناحين، يعني أن الإنسان إذا عمل عملاً صالحاً، وخلط معه آخر سيئاً، قد يأتي في آخر الأمر ليكتشف أن عمله السيء أحرق عمله الصالح.

مثلاً: قد يستهين بعضُ الناس برفع الصوت عند النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فوق صوته! ماذا تقول الآية؟

﴿أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُم﴾ [الحجرات: 2]! يعني ستين سنة، سبعين سنة من العمل الصالح، يأتي شخص ويرفع صوته فوق صوت النبي يتلاشى عمله! ويتآكل! تنتهي!

لعل أحدهم يقول أين هي عدالة الله؟

لا، هذا عين عدالة الله؛ لأننا لا نعلم مقامَ النبي عند الله عز وجل. مقامُ النبي عند الله سبحانه وتعالى كبيرٌ، مثل ما إن الإنسان لو عمل ستين سنة، وسبعين سنة، أعمالاً صالحةً ثم قال كلمة تؤدي به إلى أن يكفر بالله، كلمة واحدة تلاشى عمله كله! أحبط الله عمله كله! انتهى.

يُنقل أن واحداً منا الصحابة أو الصحابيات قال في محضر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) تفوه بكلمةٍ عن شخصٍ من الناس كان في زمن النبي، ولم يكن محمود السيرة، لعله توفي، قالت: هذا ممن لا يغفر الله له - هذا المضمون - النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لَما سمع، أو تنامى إليه، أن فلاناً أو فلانة قالت كذا، قال: من هذا الذي تألى على الله أن لا يغفر للفلان، غفر الله لفلان وصار من أهل الجنة وحبط عمل هذا القائل([4])!

كلمة واحدة! السبب ما هو؟

أن هذا أقحم نفسَه - خلافاً للتقوى - في عالمٍ ما كان يجوز أن تطأه قدماه. والسبب؟

لم يكن من المتقين.

كيف يكون الإنسان من أهل التقوى؟

بهذين الجناحين: ذكر الله سبحانه وتعالى، والذي أمرنا الله عز وجل أن نُكثر منه، غير أن هناك خطأً شائعاً في قطاعاتٍ واسعةٍ من الناس، حيث يحصرون ذكرَ الله عز وجل في التسبيح والتهليل وأمثالهما، وهذا كله من ذكر الله عز وجل، لكن الذكر الذي جاء التأكيدُ عليه ليس هذا حصراً، وقد ورد في الرواية عن الإمام الصادق (عليه أفضل الصلاة والسلام) تفسير الذكر بحالة التذكر، وأن الإنسان إذا واجه طاعةً من طاعات الله أقدم عليها، وإذا واجه معصيةً من معاصي الله عز وجل أحجم عنها، وكف عنها([5]).

هذا هو الذكر ولا قيمة للذكر المعروف، اللفظي؛ التسبيح والتهليل والتكبير، ما لم يفتح علينا الشقَّ الثانيَ من الذكر، وهي أن نتذكر الله عز وجل، يعني أن نعرف أننا في محضر الله سبحانه وتعالى حتى لا نعصيه، وأن الله عز وجل لا تخفى عليه خافية، وأن كتابنا الذي قدَّره الله عز وجل لنا، وسيجعل كتابَ كلِّ واحدٍ منا معلَّقاً في عنقه، سيقول من لا تُحمد سيرتهم ﴿مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾ [الكهف: 49].

وهذا الكتاب ليس أوراقاً وصحائف فيها سطور، حتى يتيسر أن تُطبع صفحة، ويُمحى سطرٌ! لا ، هذا تشبيهٌ، تعبيرٌ يتناسب مع إدراكاتنا نحن البشر. كيف نقوم - نحن - بعملية تسجيل مذكرات يومية؛ فعلت كذا، لم أفعل كذا، التقيت فلاناً، لم ألتق بفلان، كما نسجل - نحن - وقائع وأحداث هذا العالم، كذلك يسجل الله عز وجل هذه الأحداث.

لكن كيف؟

هذا أمر بالنسبة لنا لا نستطيع أن نفسره، وإنما نتعبد اللهَ سبحانه وتعالى بالتسليم بما جاء في الكتاب الكريم.

ومن ذلك، التحذير من حالة الغفلة واللهو والاشتغال بهذا وذاك عن ذكر الله عز وجل.

كيف يشتغل الناس ؟

كما جاء في الآية يقول الله عز وجل ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [المنافقون: 9].

الإنسان - بطبعه - يجب المال ﴿.. تُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا﴾ [الفجر: 20]، وليس في ذلك عيب! الله سبحانه وتعالى سخَّر لنا السماوات والأرض، ولم يخلق هذا العالم إلا من أجلك أنت - أيها الإنسان - لكن اللهَ عز وجل أراد منا جميعاً، ذكوراً وإناثاً، كباراً وصغاراً، أن نضع الدنيا في موضعها الصحيح.

وموضع الدنيا الصحيح هي أنها دنيا وليست عليا، العليا والأعلى والأفضل هي الآخرة، أن تفد على الله عز وجل محمودَ الذات، حسنَ الذات، حسنَ الفعل.

فلو أن الإنسانَ اشتغل بالدنيا، التي كان يُفترض أن تكون وسيلته للرقي والصعود إلى الله عز وجل، هذا وقع في شباك وشَرَك اللهو.

اللهو ماذا يفعل بالإنسان؟

يجعله في حالة من الغفلة، ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ﴾ [الأنبياء: 1].

هذه الغفلة، ما هي مشكلة الغفلة؟

نجد هذه الأيام بعض الدعايات يحذرون الناس بأجهزة الهاتف وهم يقودون السيارة، وقد يؤدي ذلك إلى حوادث لا تُحمد عقباها! يشتغل الكثيرُ من الناس، يكلم وهو يقود السيارة! يرسل رسائل وهو يقود السيارة! ويغفل عن أن هذا الفعلَ يعرِّضه - هو - للخطر ويعرض الآخرين للخطر! وكلاهما أمرٌ لا يرضاه الله عز وجل، وتحرِّمه الشريعةُ الإسلاميةُ أشدَّ التحريم، مثل السرعة في الشوارع التي لم تُعد لأن يسرع الناسُ في السير فيها، ولا يراعون ما وضعه البشرُ العقلاءُ من نظم في هذا الصدد!

لأن هذا يجعلك في غفلة عما يجب أن تتذكره وتضعه في حسبانك، تمر على إشارات المرور أنت لاهٍ، غافل، لا تنتبه، فتعرِّض نفسَك والآخرين للخطر.

كذلك من يشتغلون بأموالهم!

هذا شاغل من الشواغل.

الشاغل الثاني - الذي ذُكر في القرآن، وقد ذكرت شواغل عديد - : الأولاد

﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف: 46]، كل الناس يحبون أن يكون لديهم المال، وذلك أمر مندوب من الناحية الشرعية، مطلوب، وكذلك الولد، حتى الأنبياء يطلبون الولد. زكريا نبي من أنبياء الله يُلحُّ على الله عز وجل أن يرزقه الولد وقد بلغ من الكبر عتياً، وامرأته عاقر، لكن لأنه يعلم أن الله عز وجل يستجيب لداعيه، ولا يرد!

لاحظوا المعرفة كيف أن معرفته بالله عز وجل ماذا فتحت عليه من الخير، ألح على الله عز وجل أن يرزقه الولد، ومن تلك الامرأة العاقر! وقد حقق الله عز وجل مراده.

هل يحقِّق الله عز وجل مراد كل إنسان يطلب؟

العلم والمصلحة يقدره الله سبحانه وتعالى، قد يستجيب وقد يدخر إجابةَ ذلك إلى عالم آخر، لكن ينبغي للإنسان ألا يسيء الظنَّ بالله عز وجل.

لكن قد يكون المالُ شاغلاً عن ذكر الله عز وجل، وكذلك يكون الولدُ شاغلاً عن ذكر الله.

ولنضرب لذلك مثالاً تطبيقيّاً، كيف يشتغل الناسُ بأموالهم وأولادهم عن ذكر الله عز وجل.

يطلب الولدَ من الله، ويلح على الله عز وجل أن يرزقه الولدَ، فإذا رزقه الله الولدَ، طبعاً بعد الزوجة التي جعلها الله عز وجل وعاء لهذا الولد، يشتغل به وبأولاده، وتشتغل - هي - به؛ أي بالزوج، وبأولادها عن ذكر الله!

لماذا لم تفعل ما طلبه الله عزو جل منك ؟

قال : ﴿شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا﴾ [الفتح: 11] عن ذكر الله! الطبخ، والكنس، والتربية، وكل ذلك أمر مطلوبٌ، لكن يجب أن يكون ذلك كلُّه في الحدود التي قدَّرها الله عز وجل وحدَّدها، يعني إذا تزاحم إرادةُ الزوجة، أو الزوج، إرادةُ الولد، أو الوالد، مع إرادةِ الله عز وجل، الذاكرون لله سبحانه وتعالى ماذا يفعلون؟

يقول : أنا أحبك - يا ولدي - ، وأحبك - يا والدي -، وأحبك - يا زوجتي - ، وتحب - هي – زوجها، وهو يحب أمه، والجميع يحب الجميع، لكن تحت سقف محبة الله ﴿الَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: 165].

فإذا كان اللهُ عز وجل أشدَّ حبّاً عندهم، إذا طلبت الزوجةُ من زوجها، أو طلب الزوجُ من زوجته، أمراً لا يرضاه الله عز وجل؛ لأن هذا من الذاكرين يرفض! لكن رفضاً ربانياً، ليس رفضاً شيطانيّاً جباريّاً!

كما نجده عند كثيرٍ من الناس، بذريعة أنه يريد أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، بذريعة أنه يريد أن يجاهدَ في سبيل الله، يخترق كلَّ محرمات الله عز وجل! بذريعة أنه يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر! ويغفل عن أن الله عز وجل حدد وسائلَ ربانيةً لغاياتٍ ربانيةٍ.

أما الوسائل الشيطانية فلا تصلح لأن تكون وسائلَ لغاياتٍ ربانيةٍ.

ومن ثم، نجد هذا التشويهَ الذي يرتكبه بعضُ المجرمين، بعضُ الإرهابيين، في السابق واللاحق، يرتكبون ما لا يرضاه الله عز وجل في حق المؤمنين، في حق المسلمين، في حق غير المسلمين، بذرائع يحاولون تصويرها بين الناس أنها تقرِّبهم إلى الله! لكنهم ﴿يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: 104].

هؤلاء كيف وصفهم القرآن؟

"الأضل"، الأضل أعمالاً، عقلياتهم متخلفة!

ولذلك، نحتاج - نحن - أن نقترب من الله عز وجل، بزيادة المعرفة، وتعميق التقوى، وتعميق الذكر، فلا نشتغل لا بالمال، ولا بالولد، ولا بالتكاثر كذلك.

هذا شاغل ثالث يقول الله عز وجل ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ [التكاثر: 1] أنا أفضل من فلان! كيف أنت أفضل من فلان؟

قال : عندي أموال! انزين فلان عنده أموال بقدر ما عندك؟! قال : أنا والدي عنده أموال، والده لم يكن عنده أموال! أنا بشرتي كذا، طولي كذا، عَرضي كذا!

فإذا لم يكفِ تفاخرُهم بالأحياء ذهبوا إلى المقابر! قال لاحظوا عندنا عشر قبور، أنت ما عندك إلا قبر واحد! يعني أن نسلنا أكثر من نسلِك الله!

سبحانه وتعالى يقول ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (1) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ [التكاثر: 1، 2].

بعض التفاسير تقول أنهم ذهبوا إلى المقابر ليثبت أنهم أفضل من الآخرين، التفسير الآخر أنه لا شُغلتم بالتكاثر حتى اقترب أجلكم، وحل عليكم الأجل وأنتم مشتغلون بالتكاثر عن ذكر الله عز وجل!

وبالتالي، نحتاج نحن أمام هذا الواقع، وهذا ما جاء الخطاب الديني والشرعي لنا، يعني الله سبحانه وتعالى لما جاء لنا بهذه الرؤية والفلسفة المتكاملة في القرآن الكريم، يتحدث لنا عن نفسه عز وجل، عن الجنة، عن الآخرة، عن الملائمة، عن الدنيا، عن الآخرة، عن الشيطان، هذا ليس خطاباً عبثيّاً! حتى نظن أننا في غنى عنه، حتى يشتغل بعضُنا بالشاردة والواردة إلا كتاب الله لا يتشغل به، إلا ما جاء عن رسول الله لا يتعلمه! إلا ما جاء في الخطابات الشرعية وكأنه لا يعنيه! ويغفل عن أن معارفك الأخرى مهما بالغتَ فيها، وبلغتَ فيها، لن تجعلك من الناجين! إنما يجعلك من الناجين الخطابُ الواردُ من الله سبحانه وتعالى.

ولذلك، فإن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال "إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا أبدا كتاب الله وعترتي"([6]) هذا المضمون، هذا هو الذي يضمن لنا الأمن، ونحن نبحث عن الأمن، كل العالم اليوم يبحث عن الأمن.

حادثة تقع في بلدٍ من البلدان، العالم كله يضج، طبعاً العالم الراقي، أما العالم - أمثالنا نحن – لا يهم الناس أن يهتم فيه أمن أو لا يهتم فيه الأمن. لكن هذا فطرة الناس يبحثون عن الأمن.

أمن الآخرة أولى بمراتب من أمن الدنيا.

كيف نأمن ؟

أن نرجع إلى الله عز وجل صادقين، ولا نفسح لأي شيء أن يتسلل إلينا فيضرنا.

شهر رجب، وما بعده من الأشهر؛ أي شعبان ورمضان، نحن بين يدي موسم يُفترض بنا أن نستثمره استثماراً صحيحاً لننتقل به من الغفلة إلى ذكر الله عز وجل، عبر اعتماد - قدر ما يستطيع كل واحد - عبر اعتماد هذه الوسائل التي ذُكرت، وسنأتي - إن شاء الله في الأسبوع الآتي إذا قدَّر الله عز وجل لنا الحديث بين أيديكم الحديث وخدمتكم في ذلك - أن نذكر بعض ما جاء في القرآن الكريم، بعض ما جاء في الكتاب الكريم للتأكيد على : الصيام، على زيارة أبي عبدالله الحسين، على العمرة، على أعمال كثيرة.

لكن في الشقين اللذين ذكرناهما الكف عن ما حرم الله عز وجل، وهذا هو الأهم. يعني لو أن أحداً لم يوفق للأعمال الصالحة فليتجنب - أولاً وآخراً - الأعمال الطالحة، ثم الأعمال الصالحة إن أمكنه أن يأتي بها فبها ونعمت، لكن الأهم هو ترك معصية الله عز وجل.

جعلنا الله وإياكم ممن يستمع القول فيتبع أحسنه.

اللهم صل على محمد وآل محمد.

اللهم كن لوليك الحجة بن الحسن صلواتك عليه وعلى آبائه في هذه الساعة، وفي كل ساعة، وليّاً، وحافظاً، وقائداً، وناصراً، ودليلاً، وعيناً، حتى تسكنه أرضك طوعاً، وتمتعه فيها طويلاً.

اللهم انصر الإسلام والمسلمين، واخذل الكفار والمنافقين. اللهم اشف مرضانا، وارحم موتانا، وأغن فقرائنا، وأصلح ما فسد من أمر ديننا ودنيانا، ولا تخرجنا من الدنيا حتى ترضي  عنا يا كريم.

وصلى الله على سيدنا ونبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين.

 


([1]) سورة النمل، الآية 65.

([2]) أصول الكافي 2/500، باب ذكر الله كثيراً.

([3]) المصدر السابق.

([4]) انظر: شعب الإيمان للبيهقي، باب تحريم أعراض الناس وما يلزم من ترك الوقوع فيها.

([5]) أصول الكافي 2/145، باب الإنصاف والعدل، الحديث 8.

([6]) روي بألفاظ متقاربة. راجع تخريجها في عبقات الأنوار - قسم حديث الثقلين، وغيره من كتب الحديث.