موقع السيد حسن النمر الموسوي

حديث الجمعة

جديد الموقع

نص خطبة يوم الجمعة التي ألقاها سماحة العلاّمة الحجة السيد حسن النمر الموسوي بعنوان «من الغفلةِ إلى الذِكر-٢» يوم الجمعة ٩ رجب ١٤٣٨هجري في جامع الحمزة بن عبدالمطلب بمدينة سيهات:

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد الخلق وأشرف الأنبياء والمرسلين محمد بن عبد الله وعلى آله الطيبين الطاهرين.

رب اشرح لي صدري، ويسر لي أمري، واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي.

عباد الله ! أوصيكم - ونفسي - بتقوى الله.

1 - التهنئة بمولدَي الإمامين أمير المؤمنين والجواد (عليهما السلام)

أبارك لكم ذكريَين مجيدتين عزيزتين علينا وعلى كافة المؤمنين، وهما :

أ - ذكرى مولد الإمام علي (عليه أفضل الصلاة والسلام)؛ والتي تصادف الثالث عشر من شهر رجب، حيث وُلد في الكعبة المشرفة؛ كما تواترت على ذلك الأخبار، وذكر ذلك الحاكم النيشابوري في مستدركه على الصحيحين. وهذا أمر شائع ومشهور.

ب - والذكرى الثانية هي ذكرى مولد الإمام الجواد (عليه أفضل الصلاة والسلام)، والتي تصادف العاشر من شهر رجب.

نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا وإياكم من المؤتمِّين بهم، والمتمسكين بنهجهم، الذي هو نهج الله عز وجل، ونهج رسوله، الذي أراد من الناس أن يكونوا من أهل التقوى؛ بأن يوفروا في أنفسهم الشروطَ، ويرفعوا الموانع.

2 - ضرورة التزام الأحكام الشرعية بآدابها

ومن أهمِّ الشروط التي لابد للإنسان أن يحققَها في نفسه - إذا أراد أن يكون من المتقين بالمعنى الواسع الذي أراده الله عز وجل للتقوى - هي أن يكون من أهل الذكر، ومن الشروط التي لابد أن يرفعها عن نفسه؛ لأنها تحجب الإنسانَ عن أن يكون من الذاكرين، هي حالة الغفلة.

ومعنى الغفلة شبيهٌ بمعنى الذهول، وعدم الاهتمام بالشيء.

وللوقوع في هذه الآفة أسبابٌ كثيرةٌ.

والمشرِّع الإسلامي - في كثيرٍ من الأحيان - لا نجده يدخل في تفاصيل المسائل من زاوية فلسفية وتحليلية! وإنما يعطي للناس برامجَ عمليةً، تكون نتيجتها - لو أن الناس عملوا بها كما أراد الله عز وجل - أن تتحقق الغاياتُ المقصودةُ من الشارع المقدس.

أ - الله سبحانه وتعالى حينما يقول عن الصيام أنه ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 183]، لو أن الإنسانَ التزم بالصيام - كما أراد الله عز وجل - فإن النتيجةَ والغايةَ المنطقيةَ والطبيعيةَ لمثل هذا الصوم أن يكون الإنسان من أهل التقوى؛ لأن من أشكال عدم التقوى هو ضعفُ الإنسان أمام شهواته وغرائزه، فيستجيب للشيطان - حيث يدعوه - وينكص عن دعوة الله عز وجل وإن كانت دعوةَ الحق! والسبب هو أنه ضعُف أمام دعوات الشيطان، وأمام تشكيكاته وتسويلاته.

فإذا دخل الإنسانُ دورةَ الصيام التدريبيةَ يملك من الإرادة ما يجعله قادراً على أن يقول للشيطان : لا، وألف لا. شرطَ أن نؤدي الصومَ بما جاء من عند الله عز وجل؛ من آدابٍ، ومن توجيهاتٍ.

ب - وكذلك الحال بالنسبة إلى الصلاة، فإن الله عز وجل يصف الصلاة بأنها ﴿.. تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ ..﴾ [العنكبوت: 45] فإذا وجدنا شخصاً يصلي ومع ذلك يقترف - قليلاً أو كثيراً - من الفحشاء والمنكر! فمن حقنا أن نقول: راجع صلاتك! فإن صلاتك التي تؤديها ليست هي الصلاةَ التي وصَفها الله عز وحل في القرآن الكريم وكما جاء في السنة المطهرة عن النبي وعن آله (صلوات الله وسلامه عليه وعليهم).

3 - وسائل الاستذكار

لذلك، سنقف - قليلاً، وبإيجازٍ شديدٍ، وبسرعةٍ فائقةٍ - على عددٍ من وسائل الانتقال من الغفلة إلى الذكر، بما يتناسب مع هذا الشهر الفضيل الذي نعيش وإياكم في كنفه؛ وهو شهر رجب.

أ - التعبد لله تعالى

الوسيلة الأولى التي جاء النص عليها في شهر رجب، وإن كان كثيرٌ من هذه الوسائل مطلوبٌ في غير شهر رجب، لكن شهر رجب له خصوصيةٌ، مثل ما أن هناك أزمنة يقصدها المزارعون في بذر البذور؛ لأنها هي التي تناسب لأن تكونَ هذه البذرة قابلةً للنمو، كذلك شهر رجب له خصوصيته، والله سبحانه وتعالى يقول ﴿.. فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ .. ﴾ [التوبة: 36]، يشير إلى تلك الأشهر الحرم، والتي شهرُ رحب واحدٌ منها.

الوسيلة الأولى: التعبد لله عز وجل - بالمعنى الواسع لكلمة التعبد – لكن بمعناه الخاص بشكل آكدَ.

فقد ورد عن علي (عليه أفضل الصلاة والسلام) أنه روي عنه (صلوات الله وسلامه عليه) "كان يعجبه أن يفرغ نفسه أربع ليال في السنة" يعني تشتد عبادته فيها، يتفرغ فيها تفرغاً تاماً، وإلا فإنه (صلوات الله وسلامه عليه) - في ما تؤكده سيرته العطرة - في كل أيام سنته، في كل لياليه، كان يتعبد لله عزو جل "كان يعجبه أن يفرغ نفسه أربع ليال في السنة، وهي أول ليلة من رجب وليلة النصف من شعبان وليلة الفطر وليلة النحر"([1])، هذه أربع ليال فإذا هذا الشهر، شهر رجب، يستقبل بمثل هذه الحالة.

هذه وسيلة من وسائل التعبد.

ب - زيارة الإمام الحسين (عليه السلام)

الوسيلة الثانية: زيارة الإمام الحسين (عليه أفضل الصلاة والسلام). وطبعاً، زيارته له شكلان : إما أن يزار من قرب، أو يزار من بعدٍ. لكن يجب أن يكون الإمام الحسين (عليه أفصل الصلاة والسلام) - بتوجيهٍ من الأئمة (عليهم السلام) - أن يكون حاضراً في حياتنا.

أحد أشكال استحضار الإمام الحسين؛ لِما لاستحضاره من أهمية كبرى، هي أن يُزار (عليه أفضل الصلاة والسلام).

فقد ورد في الرواية عن أحمد بن محمد أن من زار الحسين (عليه السلام) "أول يوم من رجب غفر الله له البتة"([2]).

هذا لا يعني أن بقية الأشهر، وبقية الأيام، لا يُقصد فيها الإمامُ الحسينُ للزيارة! لكن هو يريد أن يسأل عن تلك الأيام التي ترتبط ارتباطاً أكيداً ووثيقاً، وتكون مطلوبية الزيارة فيها أكثر وأكثر.

وفي الرواية عن بشير الدهان، عن جعفر بن محمد (عليه السلام) "من زار الحسين بن علي (عليه السلام) أول يوم من رجب غفر الله له البتة"([3]). يعني بالتأكيد، قطعاً، كل الذنوب!

هذا الربط أين هو وجهه؟

لماذا صارت زيارة الحسين (ع) باباً للمغفرة؟

الحديث في هذا يطول، وهو ذو شجون. الإمام الحسين (عليه أفضل الصلاة والسلام) ليس شهيداً عاديّاً، ليس رجلاً ثائراً كما نجده عند أيِّ ثائرٍ من الثائرين طُلب من أجل أن يقول للطاغية الظالم كلا؛ ولابد أن يقولوا له (كلا)؛ حسب ما يتيسر للإنسان أن يفعل ذلك، لكن الإمام الحسين (عليه أفضل الصلاة والسلام) ثائرٌ ربانيٌّ، لم يكن ثائراً إنسانيّاً عاديّاً، وإنما أراد أن يثور - في وجه مَن ثار في وجهه - من أجل أن يجعل الإنسانَ، هذا الإنسان المسلم، الإنسانَ عبر التاريخ، ربانيّاً.

وقد نجح (صلوات الله وسلامه عليه)؛ حيث كان من أهم أهداف ثورته أن يفرز أولئك الطغاة ومن يسير معهم وفي ركابهم عن الأنبياء ومن يسير في خطهم وفي نهجهم.

ولذلك، نجد أن كثيراً من الناس يُستفزون بذكر الإمام الحسين! مع أنه كان يفترض أن ينافسونا على الإمام الحسين؛ لأنه للجميع، لأن الإمام الحسين هو عبد الله، العبدُ الصالحُ الذي بشَّر رسول الله (صلوات الله وسلامه عليه) به، وحزن على مقتله قبل أن يُقتل! ما ينبغي لأحدٍ أن يتحفَّظ على هذه الثورة المباركة.

ولذلك، كان من أهم وسائل التقرب إلى الله سبحانه وتعالى والخروج من دائرة الغفلة إلى دائرة ذكر الله سبحانه وتعالى، هي أن يُستحضر هذا الشخصُ الربانيُّ الذي هو أسرع السفن التي تؤدي للإنسان إلى ساحل الأمان - جعلنا الله وإياكم ذلك.

جـ - أداء العمرة

ومن الوسائل في هذا الشهر الشريف، أداء العمرة في بيت الله الحرام.

فقد روي عن معاوية بن عمار، عن أبي عبدالله الصادق (عليه السلام) أنه سئل: "أي العمرة أفضل؟ عمرة في رجب أو عمرة في شهر رمضان؟ فقال: لا، بل عمرة في شهر رجب أفضل"([4]).

طبعاً، قد يتصور بعضُ الناس - للوهلة الأولى - أن شهر رمضان له خصوصية يعرفها جميعُ المسلمين، فكيف يكون أداءُ العمرة في شهر رجب يختلف، بل يفوق أداء العمرة في شهر رمضان؟!

هنا تأتي روحُ التعبد والتسليم لِما جاء على لسان الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، وعلى لسان مَن أوصى الأمةَ أن تتبعهم. وإلا فبأي معنى تكون الصلاة في مسجد قباء مثلاً، ركعتان تعادل عمرة([5])، إذا أردنا أن نفتح باب الأسئلة والتساؤلات حتى لا ننجر إلى سجالٍ مذهبيٍّ مقيتٍ.

كيف تقولون ؟!

فقط لأن هذه الرواية وردت عن الصادق (عليه السلام)، أو عن الرضا، وعن غيرهم من أهل البيت! ولأن أتباع أهل البيت هم الذين رووها تُعتبر أمراً مستنكَراً! فإذا رويتَ - أنت - شيئاً من ذلك تقبله ولا تقبل هذا؟!

روحُ التعبد تفرض على الإنسان أن يسلِّم بما جاء عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)؛ باعتباره لسانَ الغيب في الناس، والمؤمنون ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ .. ﴾ [البقرة: 3].

ما هو السر في هذا الشهر؟!

ما هو السر في هذا المكان؟!

ما هو السر في هذه العبادة أو تلك؟!

هذا أمرٌ لا نستطيع - نحن العامة من الناس - أن نتحدث فيه، وإنما يُترك ذلك لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، ولمن أوصى رسولُ الله بهم؛ لأن لديهم من العلم ما ليس عند غيرهم.

د - الوسيلة الرابعة: الصوم

فقد ورد عن أبي الحسن الكاظم (عليه السلام) أنه قال "رجب شهر عظيم يضاعف الله فيه الحسنات ويمحو فيه السيئات، من صام يوم من رجب تباعدت عنه النار مسيرة مئة عام، ومن صام ثلاثة أيام وجبت له الجنة"([6]).

وعن أبي سعيد الخدري، قال قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) "ألا إن رجب شهر الله الأصم وإنما سمي الأصم لانفراده من الأشهر الحرم"؛ باعتبار أن الأشهر الحرم الأخرى، ذو القعدة وذو الحجة ومحرم مرتبطة ببعضها زمنيّاً، في حين أن شهر رجب منفصلٌ عنه – "وشعبان شهري ورمضان شهر أمتي، ألا من صام في رجب يوماً إيماناً واحتساباً استوجب رضوان الله الأكبر"([7]).

طبعاً، كما ذكرنا، نؤكد على هذا البعد، المسائلُ التعبديةُ والعباديةُ تُتلقَّى بالتسليم، فإن الله عز وجل يقول ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ ..﴾ [آل عمران: 19].

اللازم على المؤمن هو أن يبحث عن وسائل الإثبات - التي تؤكد أو تبعث الاطمئنان - بأن هذا الأمر، أو هذا التشريع، صدر عن الله عز وجل أو لم يصدر، صدر عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أو لم يصدر، صدر عن أهل بيت العصمة والطهارة (عليهم السلام) أو لم يصدر.

هذا هو الحد، أما إذا اطمأننا، أو قامت الحجة الشرعية، على أن هذا صدر في القرآن الكريم أو السنة المطهرة عن المعصومين فليس لنا إلا التسليم، وبقي علينا وعليكم أن نفعِّل، وأن نستجيب، والله عز وجل يقول عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال/24]. نسأل الله عز وجل أن نكون وإياكم ممن يستجيب لرسول الله، ويحيى بهذه الاستجابة.

اللهم صل على محمد وآل محمد.

اللهم كن لوليك الحجة ابن الحسن صلواتك عليه وعلى آبائه، في هذه الساعة، وفي كلِّ ساعةٍ، وليّاً، وحافظاً، وقائداً، وناصراً، ودليلاً، وعيناً، حتى تسكنه أرضك طوعاً، وتمتعه فيها طويلاً.

اللهم انصر الإسلام والمسلمين، واخذل الكفار والمنافقين، اللهم اشف مرضانا، وارحم موتانا، وأغن فقراءنا، وأصلح ما فسد من أمر ديننا ودنيانا، ولا تخرجنا من الدنيا حتى ترضى عنا يا كريم.

وصل الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين.

 

 


([1]) قرب الإسناد، وعنه: وسائل الشيعة 7/478، الحديث رقم (9905).

([2]) كامل الزيارات، وعنه: وسائل الشيعة 14/464، الحديث رقم (19614).

([3]) وسائل الشيعة 14/465، رقم الحديث (19612).

([4]) من لا يحضره الفقيه، وعنه: وسائل الشيعة 14/301، رقم الحديث (19248).

([5]) ففي الخبر الذي رواه الشيخ الصدوق، قال "قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من أتى مسجدي؛ مسجد قبا، فصلى فيه ركعتين رجع بعمرة" [وسائل الشيعة 5/286، رقم الحديث (6564)].

وانظر - أيضاً - : سنن ابن ماجه 1/ 452، باب ما جاء في الصلاة في مسجد قباء؛ السنن الكبرى للنسائي، فضل مسجد قباء والصلاة فيه، وغيرهما من جوامع الحديث السنية.

([6]) من لا يحضره الفقيه، وعنه: وسائل الشيعة 10/473، رقم الحديث (13882).

([7]) فضائل الأشهر الثلاثة للشيخ الصدوق، وعنه: بحار الأنوار 94/26.