موقع السيد حسن النمر الموسوي

حديث الجمعة

جديد الموقع

 

نص خطبة يوم الجمعة التي ألقاها سماحة العلاّمة الحجة السيد حسن النمر الموسوي بعنوان «من الغفلةِ إلى الذِكر-٣» يوم الجمعة ١٦ رجب ١٤٣٨هجري في جامع الحمزة بن عبدالمطلب بمدينة سيهات:

 

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين.

رب اشرح لي صدري، ويسِّر لي أمري، واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي.

عباد الله أوصيكم - ونفسي - بتقوى الله.

 وإن من تقوى الله عز وجل أن نذكره، ولا نغفل عنه، ولا نلهو؛ فقد ورد التحذيرُ في القرآن الكريم والسنة المطهرة؛ بشكلٍ شديدٍ ومكثَّفٍ، من الوقوع في اللهو والغفلة، فقد ورد في آيات عديدة هذا المضمون، كما جاء في سورة المنافقون، يقول عز وجل بسم الله الرحمن الرحيم ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [المنافقون: 9].

القرآن الكريم، وكذلك ما جاء عن النبي وعن آله (صلوات الله وسلامه عليه وعليهم)؛ باعتبارهم ناطقين عن الله عز وجل، نجد تكثيفاً وتحشيداً كبيراً في النصوص للتأكيد على مسألة الذكر، وأهميته، ومحوريته، والتحذير من الغفلة عن الله.

ولا نعني باللهو مجرد الممارسة التي تنقسم إلى قسمين:

  • لهو محرم
  • ولهو مباح

والمقصود من اللهو المحرم ما كان من قبيل : الغناء، والموسيقى المطربة، وكل ممارسةٍ نُصَّ عليها في الشرع الحنيف أنها من الأمور المحرمة، حتى لو كان الداعي والدافعُ إليها هو البحثَ عن الفرح والمرح والأنس! ما دام هناك نص شرعي فقد تحولت إلى لهوٍ محرمٍ.

لكن هناك لهوٌ مباحٌ؛ مثل ما يفعل كثيرٌ من الشباب في الألعاب الرياضية. الألعاب الرياضية هي - في نفسها - ليست أمراً محرماً، يجوز للإنسان أن يلهو ويعبث في حدود أن لا تصطدم هذه الممارساتُ مع واجبٍ، يعني إذا لم تُلهه، أو لم تحل بينه وبين ما ألزم اللهُ عز وجل إياه بفعله.

يعني ليس للإنسان أن يمارس ممارسةً رياضيةً، أو أي شكل من أشكال اللهو المباح، على حساب ما أوجب اللهُ عز وجل عليه؛ كأن يستغرق وقتَه كلَّه في اللعب بحيث لا يصلي الصلاة الواجبة! لا، هذا لهوٌ تحول من لهوٍ مباحٍ إلى لهوٍ محرمٍ.

وكذلك الوسائل المشتركة، مثلاً التليفزيون، والراديو، التواصل الاجتماعي، هذه وسائل يمكن أن تُستعمل في المباح؛ حتى بنحو اللهو والفرح والأنس، لكن قد تتحول إلى آلةٍ محرمةٍ، إذا استُعملت في لهوٍ محرمٍ، كأن يجعلها الإنسانُ جسراً ووسيلةً للوقوع في ما حرَّم الله النظرَ إليه، أو الاستماعَ إليه، أو القيامَ به، بأيِّ شكلٍ من الأشكال، حينئذ تتحول إلى وسيلةٍ محرمةٍ.

ما يدعونا إلى الوقوع في اللهو المباح، والاشتغال به، أو - نعوذ بالله - في اللهو المحرم، دواعٍ كثيرةٌ جدّاً. منها: تعلق الإنسان بأشياءٍ اللهُ سبحانه وتعالى آتانا إياها،  كالممتلكات، والمقتنيات، والأولاد، غرز الله عز وجل الناسَ على أنهم يحبون الأولاد، والأزواج، وكذلك الزوجات يحبون الأزواجَ الرجالَ.

هل هذا أمر تحرِّمه الشريعة؟

أبداً، الشريعة لا تحرِّم لا محبة الأولاد، ولا محبة الزوج، ولا محبة الزوجة، ولا محبة الأقارب والأصدقاء، بل ولا حب المال؛ إلا أن يكون ذلك سبباً ووسيلةً للوقوع في الحرام، فيتحول مثل هذا الأمر المباح يأخذ طابعاً محرماً.

لذلك، حتى نتمكن من فرز الدائرة التي يجب أن نبقى فيها؛ وهي دائرة المباحات، والدائرة المحرمة التي لا يجوز أن نقتحمها، لابد من التفقه. وهذا ليس أمراً اختياريّاً!

مثل ما أن الناس يبحثون، أو يجدون ضرورةً في أنفسهم أن يتعلموا القوانين؛ لأن مخالفةَ القانون قد تؤدي به إلى أن يدفع غرامةً، أو قد توقعه في السجن، فالناس يتثقفون.

إذا أردت أن تقود السيارةَ عليك أن تقود بالسرعة الفلانية، أقل، أكثر، تربط حزامَ السلامة، لا تقطع إشارات المرور؛ لأنها تعرضك إلى أن تدفع غرامةً معينةً، أو قد تعرِّض نفسك والآخرين إلى الخطر والضرر.

لذلك، الناس يتبادلون الثقافة على هذا النحو.

المسائل الشرعية أهمُّ من ذلك بكثيرٍ، مصيرك الأخروي! الغرامة التي قد تدفعها نتيجةَ وقوعِك في الغفلة - أيها المؤمن - ليست مساويةً لثلاثمئة ريال، أو تسعمئة ريال، أو تحتجز ليوم أو يومين في المرور! المسألة أخطرُ بكثيرٍ، ثلاثمئة ريال قد تدفعها غرامة لمخالفة مرورية قد تعوضها نتيجة العمل، لكن عمرك إذا أتلفته في الغفلة واللهو لا يمكن أن تسترده.

ونعوذ بالله لو أن الإنسانَ اقترف أمراً محرماً، ولم يتيسر له ولم يوفق إلى أن يتوب لله سبحانه وتعالى توبةً نصوحاً، هذه غير قابلة للاستدراك! إلا أن يعمل الإنسانُ عملاً يكون ذلك العملُ سبباً للمغفرة، وهذا يحتاج إلى ضمانٍ! ولا يستطيع الإنسانُ أن يضمن ذلك.

لذلك، الآية تحذر ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِيْنَ آَمَنُوْا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ﴾ تلهكم أي تشغلكم. عن ماذا ؟ عن ذكر الله.

والسؤال : هل المطلوب منا حتى في البيت أن نأخذ السبحة ونشتغل بالتسبيح والتهليل! فإذا جاءت إليك زوجتك، أو أختك، أو أمك، أو أولادك، تصرف وتشيح بوجهك عنها! وتقول أنا مشغول بذكر الله؟

هل هذا هو مقصود الآية؟

لا ، الآية لا تريد [ذلك].

هناك نوعان من ذكر الله عز وجل :

النوع الأول : هو ما ألزم الله عز وجل به من تكاليفَ عباديةِ؛ كالصلاة الواجبة، والصوم الواجب، والتزام أي واجب من الواجبات، وترك محرم من المحرمات.

كيف يلهو الإنسان بالمال والولد عن هذا الذكر، أي طريقة من الطرق؟

كل شيء يشغلك عن الالتزام بما أوجب الله عز وجل عليك يكون أمراً محرماً.

ولأن من شأن الناس، الغالب على الناس، أن ضغوط الأولاد، ومطالب الأولاد، ومطالب الزوجات، تجعل من إراداتهم مرتخيةً أمام ذكر الله عز وجل والواجبات، جاء التحذيرُ منه؛ لأن ذلك مظنةُ الوقوع والانتشار بين الناس.

النوع الثاني: اسحضار الله

لكن هناك ذكرٌ آخرُ لا يقل أهميةً عن هذا، وهو أن الله سبحانه وتعالى أراد منا أن نجعله حاضراً في حياتنا.

لاحظوا التقابلَ، الآية تقول ﴿... نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ .. ﴾ [الحشر: 19]، والآية الأخرى تقول ﴿ .. فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ .. ﴾ [البقرة: 152].

نحن إذا أردنا أن نذكر الله سبحانه وتعالى، بقرينة المقابلة، أن هذا الذكر الذي عند البشر يقابله ذكر من الله عز وجل، إذا ذكرنا الله بالتسبيح والتهليل كيف سيذكرنا الله عز وجل ؟

لا لسان له مثل ما لنا لسان حتى نحن نسبح! وماذا يقول ؟

يقول : لا، اجعلوني حاضراً في حياتكم، حتى أجعلكم حاضرين في لطفي ورعايتي.

هذه الآية تبين لنا ما هو المقصود من ذكر الله التسبيح والتهليل والتحميد وسائر ما يصدق عليه عنوان ذكر الله بالمعنى الخاص.

هذا شكلٌ من أشكال ذكر الله عز وجل.

لكن لاحظوا قولَ الله عز وجل يقول ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ ..﴾ [النور: 37]. كيف يقع التجار، وليس المقصود خصوص التجار، لا حتى الموظفين والأجراء المشتغلين في أي حقل من الحقول، يعني الآية فقط تحذر التجار أن يشتغلوا عن ذكر الله عز وجل في تجارتهم؟! الموظفون ما هو حالهم؟! الطلاب ما هو حالهم؟!

 لا، الآية تضرب مثل لأن من الشائع بين الناس أن يشتغلوا بالتجارة، وأن التجارة التي قد تدر أرباحاً طائلةً قد تجعل الإنسان لاهياً ومشتغلاً عن ذكر الله، يعني هل المطلوب من التاجر أثناء توقيعه للعقود، أثناء البيع والشراء، أثناء التعاطي مع الزبائن بالأخذ والعطاء، يأخذ السبحة في يده، أو من دون سبحة، يشتغل معهم بالتهليل والتكبير والتحميد والتسبيح؟!

هذا قد يكون سبباً من أسباب خراب تجارته! لن يقبل عليه أحدٌ!

ليس هذا هو المقصود.

المقصود أن التاجر إذا أراد أن يتجر عليه أن يجعل تجارته في الإطار الشرعي أولاً.

وثانياً: أن ينظر إلى تجارته، وما يترتب عليها، على أنها وسيلةٌ من وسائل العيش الكريم، ليست هدفاً مقصوداً لذاته، ولا غايةً منشودةً بذاتها، في مقابل ما يجب علينا، ونريده، وهو الله سبحانه وتعالى ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللّهِ ..﴾ [الإنسان: 9]. لا نطعمه لأننا نريد رضاه! أو نريد محبته! أو نريد أن يكون من أتباعنا! أو نريد أن يرضى عنا! لا، إنما يكون عملاً من أعمال أهل التقوى إذا قدمنا هذا الإحسانَ مقصوداً به وجه الله عز وجل.

ومن هنا يرتفع الإشكال الذي يقوله بعض الشباب، ويتساءلون، هل هؤلاء الذين في العالم يعملون الأعمال الطيبة الأعمال الحسنة، ألا يثيبهم الله عز وجل عليها؟!

بلى، الله سبحانه وتعالى لا يضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى، المؤمن يعطيه وغير المؤمن يعطيه، لكن ذلك بنى لغير وجه الله، إذا كان تاجراً يريد المالَ، ماذا يفعل الله عز وجل به؟ يعطيه المال.

دول تقدمت ونمت، ومجتمعات تطورت، ماذا أرادت؟

سعت بجدٍّ إلى أن تكون دولاً ناميةً، دولاً منتجةً، سنن الله عز وجل جرت على أن من درس بشكلٍ جيدٍ يصبح عالماً في حدود ما يريد أن ينشده من العلم. إذا أراد أن يفتق الشعر فتح الله سبحانه وتعالى لهم.

المسلمون إذا لم يريدوا هذا العلم لن يؤتيهم الله عز وجل هذا العلم! لأنهم لم يذكروا الله هنا، فالله سبحانه وتعالى قال - يعني لسان الحال - لم تطلبوه مني فلم نعطكم إياه! ولو طلبتموه لأعطيناكم إياه.

فإذن، المقصود من ذكر الله بالنسبة للتاجر، والموظف، وكل مشتغلٍ في أي حقل من الحقول، أن يضع الله عز وجل نصبَ عينيه، فلا يعمل إلا ما يريد الله منه، ولا يقصِّر في ما أراد الله عز وجل منه أن يؤديه بشكل العمل.

قواعد قرآنية كثيرة نجدها في القرآن الكريم ، ماذا يقول عز وجل؟

﴿ .. إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: 195].

إن الله ﴿ .. يُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: 222].

﴿ .. إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة: 190].

لو أردنا أن نقوم بعملية تطبيقٍ لذكر الله في حياة هذا التاجر، في حياة هذا المهندس، في حياة هذا الموظف، يعني هذا المهندس الذي كُلِّف من قِبل الدولة، أو كلف من قِبل المجتمع، أن يرصِّف شارعاً من الشوارع، كيف يجب عليه أن يذكر الله عز وجل؟

أن يكون محسناً في عمله، لا أن يرصف الشارعَ الذي يُفترض أن الميزانية التي رُصدت له تكفي لأن يكون هذا الشارعُ سليماً لمدة عشر سنوات، بمجرد أن ينزل المطرُ، وتحصل أي اضطرابات جوية، خلال أسبوعين، أو سنتين، نجد أن هذا العمل كان عملاً فاسداً!!

هذا نعدُّه لم يذكر الله عز وجل في هذا العمل.

كلُّ موظف، كل تاجر، كل متصدٍّ للأعمال، يجب أن يحسِّن عمله، ويحسّن في أداء العمل، هذا نوع من أنواع ذكر الله، الفارق بين المؤمن بالمعنى الخاص والعامة بالمعنى العام يعني حتى غير المسلمين هو أن المؤمن دافعه أن الله عز وجل هو من يراقبه قبل أن يراقبه المدير قبل أن يراقبه المسؤول قبل أن يفكر في أي شيء هل يرضى الله عز وجل أن أرصف هذا الشارع بهذه الطريقة أو لا؟

المؤمن هو من يتقن عمله.

النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يروى أنه وقف على قبر من القبور، ولعله قبر ابنه إبراهيم -الآن الذاكرة لا تسعفني- فكان يأمر هذا الذي يحفر القبر أصلح هذا، قوّم هذا!

استغرب الصحابة الذين كانوا مع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، قالوا: هذا قبر، حفرة يراد أن يوضع فيها هذه الجنازة، ثم تطم مرة أخرى بالتراب، ما هو المهم أن يكون القبرُ معوجاً أو منحرفاً أو مستقيماً؟!

فأجابهم (صلى الله عليه وآله وسلم) بهذا المضمون "إن الله يجب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه"([1]).

هذا نوعٌ من أنواع ذكر الله عز وجل أما إذا شاع الفساد في أي مجتمع من المجتمعات، والخلل في أي مجتمع من المجتمعات، ستجد أنهم لا يذكرون الله عز وجل، ولا نعني بالذكر أنهم لا يسبحون ولا يهللون، قد يكونون أكثر الناس صلاةً، أكثر الناس صياماً، أكثر الناس حجّاً، أكثر الناس لهجاً بذكر الله عز وجل، لكن لا تستطيع أن تقارن هذا المجتمع بمجتمعٍ آخرَ قد لا يصلي الصلاةَ التي نعرفها، ولا ينسب نفسَه إلى المسلمين! لكن تجد أنهم لا يرتشون، لا يغشون، لا يؤذون، لا يزعجون، لا يعتدون على أحدٍ.

لكن ذاك المجتمع الذي لا يذكر الله الذكرَ المطلوبَ قرآنيّاً تجده أكثر الناس عدوانيةً على الآخرين!

كيف تنسجم هذه الصلاة التي تؤديها والله عز وجل يقول ﴿.. إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ .. ﴾ [العنكبوت: 45]. هذا اللسان الفاحش البذيء الذي يصدر منك تجاه من يتفق معك، أو لا يوافقك، يعني يوافقك أو يخالفك، هذه الفحشاء في الألفاظ تتناسب مع شخص يصلي؟!

لا، هذه الصلاة ليست هي الصلاة التي أمر الله عز وجل بها، كما أن الذكر الذي اشتغل به هو ليس هو الذكر الذي أمر الله عز وجل به.

الله سبحانه وتعالى رحيم بالعباد، فإذا وجدنا عدوانيةً عند إنسانٍ من الناس يصنِّف نفسَه ضمن المسلمين والمؤمنين، فلنضع ألفَ علامةِ استفهامٍ على هذا الإيمان، وهذا التدين، وهذا الإسلام، الذي نجده عنده!

لا يمكن أن يكون لله سبحانه وتعالى يَبعث رسوله رحمةً للعالمين، يكف حتى عن قتل من يستحق القتل (صلى الله عليه وآله وسلم)، فإذا قيل له في ذلك قال حتى لا يقال "إن محمداً يقتل أصحابه"([2]).

هذا النفَس الرحيم هو الذي استطاع أن ينقل مجتمعاً من حالة جاهلية إلى حالة أخرى، لكن الخطر لا يزال داهماً وقائماً، وقد قال الله عز وجل ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ ..﴾ [آل عمران: 144].

الانقلاب على العقب ليس المقصود منه أن يرجع الناسُ كفاراً بعد أن أزالوا هبل واللات ومناة والعزى، يُرجعون إليهم هبل القديم! بل يصنعون لهم هبل جديداً، ومناةً جديدةً، وعزى جديدةً! قد يلبسونها لباسَ الصلاة! لباسَ الصيام! لباسَ الحج! لباسَ الذكر والتسبيح الذي قد نجده شائعاً في أوساط أفراد كثير من الناس لكن تستجير بالله، وتستعيذ بالله عز وجل، من لسانه البذيء، من نفسه الخبيثة، لا يحمل وداً لأحد، ولا يحترم أحداً، ولا يقدر أحداً، مثل هذا الإنسان هذا في غفلة، هذا ليس من الذاكرين لله عز وجل الذكر المطلوب.

لذلك، شهر رجب، وكل أيام السنة، يجب أن نحولها إلى محطةٍ من محطات ذكر الله عز وجل بهذا المعنى الواسع، حتى نقترب من الله عز وجل أكثرَ فأكثرَ، ونبتعد عن مواطن اللهو وأسبابه.

جعلنا الله وإياكم فيتبع أحسنه.

اللهم صل على محمد وآل محمد.

اللهم كن لوليك الحجة بن الحسن صلواتك عليه وعلى آبائه في هذه الساعة، وفي كل ساعة، وليّاً، وحافظاً، وقائداً، وناصراً، ودليلاً، وعيناً، حتى تسكنه أرضك طوعاً، وتمتعه فيها طويلاً.

اللهم انصر الإسلام والمسلمين، واخذل الكفار والمنافقين.

اللهم اشف مرضانا، وارحم موتانا، وأغنِ فقرائنا، وأصلح ما فسد من أمر ديننا ودنيانا، ولا تخرجنا من الدنيا حتى ترضى عنا يا كريم.

وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين.

 


([1]) انظر: إمتاع الأسماع للمقريزي 5/339.

([2]) مغازي الواقدي 2/417.