موقع السيد حسن النمر الموسوي

حديث الجمعة

جديد الموقع

نص خطبة يوم الجمعة التي ألقاها سماحة العلاّمة الحجة السيد حسن النمر الموسوي بعنوان «حديث عن العقلانية» يوم الجمعة ٢٣ رجب ١٤٣٨هجري في جامع الحمزة بن عبدالمطلب بمدينة سيهات:

 

 

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين.

رب اشرح لي صدري، ويسِّر لي أمري، واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي.

عباد الله أوصيكم - ونفسي - بتقوى الله.

نستقبل مناسبتين مهمتين، وسنتناول أمرين مهمين تحت عنوان (حديث عن العقلانية).

أما المناسبتان فالأولى: ذكرى شهادة الإمام موسى بن جعفر عليه السلام، والي تصادق 25 من شهر.

الثانية : ذكرى المبعث النبوي الشريف، وقد يحتفل فيه بعض المسلمين بالإسراء والمعراج.

أما الأمران فهما: العقل، وكيف نوظِّفه؟ والعقلانية، وكيف نتحلى بها؟

وأما الأمر الثاني فهو: كيف يجب أن نتعامل مع النبوة والرسالة؟

نستهدي بما جاء عن الإمام الكاظم (عليه أفضل الصلاة والسلام)، وبما جاء عن علي (عليه أفضل الصلاة والسلام)، وبما جاء عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وفوق كل هذا بما جاء في الكتاب الكريم.

الشيخ الكليني (رضوان الله عليه) يروي روايةً مطولة وجه مضمونها الإمام الكاظم (عليه أفضل الصلاة والسلام) إلى تلميذه النجيب هشام بن الحكم.

من ضمن ما جاء في هذا الحديث المطوَّل والمهمِّ جداً ما يمكن أن نجعله في محطات: المحطة الأولى مدخل، ثلاث مسائل لننتهي إلى خاتمة.

مدخل: لطف الله تعالى بعباده

أما المدخل فهي أن الله سبحانه وتعالى لطيف بعباده، وهذا يستلزم أن لا يدع الله سبحانه وتعالى الضعيفَ على ضعفه، والمحتاجَ على حاجته، وإنما يؤمِّن له كل مستلزمات التكامل، بعد أن أراد منه أن يتكامل، وبعد أن أراد منه أن يعرفه، فإن كل ما يحتاجه العبد في هذا السبيل فإن الله عز وجل سيؤمنه.

ومن ضمن ما يؤمنه ما يجعله حجة عليه، لأن الله عز وجل لم يخلقنا عبثاً، وإنما خلقنا ليبتلينا ويفتتنا في هذا العالم، ثم نرجع إليه؛ ليحاسب كلّاً منا على ما عمل، إن أحسنَ أُحسن إليه، وإن أساء عوقب.

يقول الإمام (صلوات الله وسلامه عليه) في هذه الرواية الشريفة "يا هشام! إن لله على الناس حجتين: حجة ظاهرة، وحجة باطنة. فأما الظاهرة : فالرسل، والأنبياء، والأئمة. وأما الباطنة : فالعقول"([1]).

هذا يعني أن الله عز وجل لم يطلب من الإنسان أن يدرك أشياءَ - على مستوى الفهم والمعرفة والعلم -، وأن يكف عن أشياء، ويفعل أشياء - على مستوى السلوك - إلا وقد زوَّده ما يؤمن له تأمين العلم والمعرفة من ناحية، وتيسير الفعل في مورده، والترك في مورده.

وهذا يتطلب أن يكون لنا دلائل ودلالات وعلامات وأمارات، لو خالفناها فإن لله عز وجل الحق الكامل أن يعاقب مَن خالف، كما أن له عز وجل أن يتفضل بالثواب لِمن فعل حسناً.

ما هما هذان السبيلان ؟ أو ما هي هذه السبل والدلالات؟

الإمام يصنفها إلى صنفين اثنين:

1 - حجج ظاهرة

يعني تبدو للناس، يشترك فيها كل الناس. وهم يأخذون عناوين ثلاثة:

إما أن يكونوا أنبياء، أو يكونوا رسلاً، أو يكونوا أئمةً. والأنبياء، والرسل، والأئمة، هم مجموعة من الخلق جعل الله عز وجل أبواب السماء لهم مفتوحة، يصل الوحي إلى من يوحى إليه باعتباره نبياً أو رسولاً، أو يصل إليه العلم ويزوده بما يحتاجه الإمام (عليه السلام) من العلم الذي لابد للخلق أن يصلوا إليه. ولذلك، لا تخلو الأرض من حجة.

هذا مورد، وهذا، الحديث فيه طويل لا نريد أن نخوض فيه، لكن نتكلم عن أصل المبدأ.

فإذن، هناك أنبياء، وهناك رسل، وهناك أئمة.

هل للناس أن يصمُّوا آذانهم، ويعموا أبصارهم، عن أن يتعرفوا على الأنبياء، فيطيعوهم ولا يخالفوهم، وكذلك الرسل، وكذلك الأئمة؟!

الجواب: كلا؛ لأن الناس لو فعلوا ذلك لم يهتدوا إلى رحمة الله التي يمكنهم أن يصلوا من خلالها إلى ما أراد الله عز وجل إياهم من الكلام انتهاءً بالجنة، لا يمكن للناس أن يصلوا إلى هذا وذاك إلا عبر الإنصات الكامل لهؤلاء الرسل؛ فإن الله عز وجل يقول ﴿وَمَا أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ لِيُطاعَ بِإِذْنِ اللهِ ..﴾ [النساء/64].

الرسل - هنا - مثال، يعني الله سبحانه وتعالى هل أرسل الأنبياء من أجل ألا يُطاعوا كما أن الله أرسل الرسل فيطاعوا كذلك الحال بالنسبة إلى الأنبياء، وكذلك الحال بالنسبة إلى الأئمة، والحديث في هذا مفصلٌ.

هذا [هو] النوع الأول من الحجة.

النوع الثاني: العقول

والعقول المقصود بها هنا تلك القدرة، أو القوة الإدراكية، التي يمكننا من خلالها أن نعرف الخطأ من الصواب، والحق من الباطل، والخير من الشر.

وهذه تنقسم إلى قسمين :

قسم يرتبط بالأبعاد الفلسفية والرياضية والهندسية التي يحتاجها كلُّ الخلق، ويدرك الناسُ حاجتَهم إليها من دون استثناء.

لكن هناك قدرة أخرى هي - أيضاً - تدخل ضمن عنوان العقل، والذي ركَّز الإمام (صلوات الله وسلامه عليه)، وهي القدرة على ضبط السلوك، وهو ما يُعرف عند العلماء بالعقل العملي.

هناك عقل نظري، وهناك عقل عملي.

العقل العملي هو ما تنتظم به سلوكيات الناس. يستقبح الناسُ من الإنسان أن يكذب، كما يستحسن الناسُ من الإنسان أن يكون صادقاً.

هل هذه القدرة هي التي ندرك بها أن الواحد لو أضفنا إليه واحداً ستصبح النتيجة اثنين؟

لا، هذا جانب، وهذا جانب، لكن كلاهما من العقل. لكن ما ندرك به النتائج الرياضية والهندسية نسميه عقلاً نظرياً، وما ندرك به السلوكيات الحسنة من القبيح نسميه عقلاً عمليّاً.

الجانب الذي يؤدي بنا إلى الكمال ليس هو أننا إذا أخطأنا في النتائج الرياضية والهندسية سنهلك بين يدي الله عز وجل! لا، الله سبحانه وتعالى سيدخل حتى المجانين في الجنة، مع أن المجانين لو سألنا هم نتيجة الواحد زائد الواحد تساوي كم ؟ لا يدركون. لكنهم لأنهم لا يكذبون، أو إذا كذبوا فإن ذلك نابع مما سلبهم الله عز وجل إياه من العقل، فإنهم دائرة التكليف. لذلك؛ فإنهم يدخلون إلى الجنة ليس عليهم حساب، وليس عليهم عقاب، لهم من الله عز وجل - تفضلاً - الثواب، كلٌ بما تقتضيه المصلحة والحكمة الإلهية.

هذا عقل، وهذا عقل.

هذا تعبير عن لطف الله بالعباد، ولو أن الله عز وجل سلب الناسَ هاتين الحجتين، فلم يرسل لهم الرسل، ولم يبعث لهم الأنبياء، ولم ينصب لهم الأوصياء، وكذلك سلب منهم القدرة العقلية، تُرى كيف سيصبح عليه العالم؟

انظروا كيف يعبر الناسُ عن الأوضاع إذا اهترأت؛ الأوضاع الاجتماعية، الناس يقولون صرنا في عالم المجانين، مجانين يعني سُلب منهم العقل لا يستطيعون أن يدركوا ؟!

لا، هؤلاء الذين نصفهم في كثير من الأحيان بالمجانين، ونقصد بهم الطغاة، والجبابرة، وهؤلاء المجرمين، والذين يسطون على البنوك، والذين يتلاعبون بمصائر البشر، لديهم قدرات عقلية هائلة، لكنها وُظفت في الاتجاه غير الصحيح، فنسميهم بالمجانين ليس من قبيل ما يوصف به المجنون الذي هو مسلوب العقل، لكن مثل هذا لا ينتظم سلوكُهُ انتظاماً حسناً.

لكن لو أن الله عز وجل لم يهب كلَّ هؤلاء الناس العقل الذي يستطيعون من خلاله أن يعرفوا الحسن من القبيح، ولم يرسل لهم الأنبياء، لن تنتظم حياةُ الناس على الإطلاق، كل هذا التقدم المعرفي، الذي نجني ثماره هذا اليوم، إنما حصلت نتيجة لطف الله عز وجل بالعباد بهاتين الحجتين: الأنبياء، والأوصياء، والأئمة، أرشدوا الناس في جانب علمي وسلوكي، واستجاب من استجاب منهم في جانبه العقلي.

***

المسألة الأولى: الغاية من البعثة

أما المسألة الأولى - بعد هذا المدخل - فهي الغاية من بعثة الأنبياء ما هي؟

اتضح لدينا لكن الإمام (صلوات الله وسلامه عليه) بماذا يصوغ حاجة الناس إلى الأنبياء والرسل؟

يقول "يا هشام! ما بعث اللهُ أنبياءه ورسله إلى عباده إلا ليعقلوا عن الله"([2]).

يعني أن الغرض من بعثة الأنبياء والرسل إلى العباد هي أن يحسن الناس التلقيَ عن الله عز وجل، فإذا صدر الأمر من الله، ونطق به النبي والرسول، كيف يستجيب الناس له ؟

في مرحلتين اثنتين:

المرحلة الأولى: يستوعبوه، يفهمون ماذا صدر من الله عز وجل على لسان الرسول، فلو لم يفهموه لا يستطيع. ولذلك، يقول الله عز وجل ﴿وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه﴾ حتى يفهمه الناس، فلو أن النبي والرسول كان له لغة، والذين أُرسل إليهم كان لهم لغة أخرى، والنبي لا يحسن لغة هؤلاء القوم فيكلمهم، وهم لايحسنون لغة النبي والرسول حتى يستوعبوه، سيكون من العبث أن يُرسل هذا الرسولُ والنبيُّ إلى هذه الأمة من الأمم، هذا جانب.

فإذن، الغرض ما هو ؟

أن يعقل الناسُ عن الله عز وجل، يعني يفهموه أولاً، ثم يتفاعلوا معه تفاعلاً إيجابيّاً! لا يكفي للناس أن يفهموا أن الله قال كذا آمراً، أو قال كذا ناهياً ، أو أن الرسول أمر بأمرٍ من الله عز وجل بالفعل الفلاني، أو الفعل الفلاني، لكنهم لا يترجمونه عمليّاً، يعني أنهم لم يعقلوه، لكن لم يعقلوه بمعنى أنهم لم يفهموه؟! لا، فهموه لكنهم لم يعقلوه، أي لم يتفاعلوا معه تفاعلاً حسناً، ولم يطبقوه.

وهذا ما نمارسه نحن - في لغتنا العرفية - نقول فلان عاقل، عاقل يعني إذا وجهت إليه النصيحة، وكانت أسبابها مبررة له، نقول : هو يدرك.

الإمام العسكري (عليه أفضل الصلاة والسلام) لَما نُقل إليه أن يعقوب الكندي، الفيلسوف المعروف، أراد أن يعارض القرآن، بعث إليه بعضَ أصحابه ليقدموا له سؤالاً يسألوه، فعلل الإمام (عليه السلام) أنه عاقل؛ فإنه عاقل يفهم، يعني إذا أردك أن هذا السؤال سيكون سؤالاً منطقياً سيكف عن هذه المعارضة! وبالفعل هذا ما حصل، يعني لأنه أدرك فقط؟! لا، أدرك، ونزل إلى وجدانه، أن هذا الذي هو مقدِم عليه لايفعله العقلاء بما يدركونه من حق الخالق ومن حق المخلوق، وكذلك لو أن أحداً استشاط غضباً لأن أحداً من الناس أساء إليه، فلو صدر منه في حق الآخرين مثلُ ما استشاط غضباً بسببه سيعيب الناسُ عليه ذلك، ويقولون له ألم تستشط غضباً لأن هذا الفعل وُجه إليك فلم ترتضيه لنفسك فلم ارتضيتَه للآخرين؟!

العقلانية تفرض عليه أن لا يقبل شيئاً للآخرين لا يقبله لنفسه.

المسألة الثانية:

هناك علاقة عضوية بين العقل؛ بمعنى التعقل أي تفعيل العقل، ولا نقصد القدرة على الذكاء فقط، لا، هناك أذكياء - كما ذكرنا - حكمهم حكم المجانين؛ من حيث التصرف السلوكي، وليس من حيث العاقبة.

هناك علاقة وثيقة جداً بين العقل؛ أي تفعيله، وبين العاقبة بمعنى المصير. الذي يكون من العقلاء والعاقلين لا يمكن أن يترك مصيرَه للعبث واللعب؛ لأنه يدرك أن هذه العاقبة، وهذا المصير، سيكون ثمرةً طبيعيةً ومنطقيةً لسلوكٍ معينٍ، فهو سينظِّم سلوكه وفقاً لتلك الغاية المنشودة والعاقبة المتوقعة، بما يفرض أن يكون الفعلُ حسناً، ويناسب معه.

هنا أمران مهمان يذكرهما الإمام (صلوات الله وسلامه عليه):

الأمر الأول: ضرورة العمل الصالح.

العاقل لا يمكن إلا أن يعمل الصالحات، ولو أن الإنسانَ تخلى عن العمل الصالح سيكون قد تخلَّى عن عقله بتلك النسبة! ولعل هذا ما يفسر ما جاء في بعض الروايات أن الإنسان إذا ضحك ضحكةً مجَّ من عقله مجةً([3])، يعني هل الإسلام يمنعنا أن نضحك؟!

لا، هناك ضحك يُخرج الإنسانَ من طوره، ويخرجه من عقلاينته، هذا الضحك الذي يخرج الإنسان من كونه إنساناً سويّاً يعني أنه أعلن - بضحكه هذا - تخليه عن عقلانيته وانضباطه، وقد روي أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان أكثر ضحكه تبسماً، يعني كان وقوراً، حتى في مقام الفرح والبهجة لا يخرج عما تقتضيه العقلانية.

فإذن، العمل الصالح.

الأمر الثاني: العاقل يعيش حالة من التمرد والقلق.

يعمل ماذا؟

الصالحات.

ويتمرد من ماذا؟

يتمرد على كل ما هو ضدٌّ للعمل الصالح، ويتنافى مع المصير الحسن.

يقول (عليه أفضل الصلاة والسلام) في هذه الوراية المطولة، والتي أوصي نفسي والإخوان ليس أن نطلع عليها فقط، بل أن نجعلها أشبه بالوِرد الذي نرجع إليه المرة بعد المرة. يقول (عليه السلام) "فأحسنهم" أي أحسن الناس والعقلاء "استجابة أحسنهم معرفة لله، وأعلمهم بأمر الله أحسنهم عقلاً، وأعقلهم أرفعهم درجة في الدنيا والآخرة".

هناك معرفة، وهناك علم، وهناك عاقبة ومصير، كل هذا مربوط بماذا؟

بالمعرفة، والعلم، والتعقل، كلما كان الإنسانُ أكثرَ عقلاً كلما كان أشدَّ حرصاً على أن يحسن الاستجابةَ لله عز وجل وللرسول؛ لأن المأمول هو أن تكون الحياةُ طيبةً.

أما التمرد، يقول (عليه أفضل الصلاة والسلام) في هذه الرواية "لم يَخَف اللهَ من لم يعقل عن الله" يعني الذين لم يتلقوا عن الله عز وجل التلقيَ الحسنَ والاستيعابَ الجيدَ لن يُوفقوا إلى أن يكونوا من أهل خشية الله. أولم يرد "رأس الحكمة مخافة الله"؟!

من الذين يخافون الله؟

إنما يخاف الله العلماء ﴿.. إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ ..﴾ [فاطر/28]، والآية ماذا تقول؟

﴿.. وَما يَعْقِلُها إِلاَّ الْعالِمُون﴾ [العنكبوت/43].

ثمة ربط وثيق بين العلم والعقل، والعقل والعلم.

فالإمام (عليه السلام) يقول "لم يَخَف الله من لم يعقل عن الله، ومن لم يعقل عن الله لم يعقد قلبه على معرفة ثابتة يبصرها، ويجد حقيقتها في قلبه"، أي : أن المعرفة التي يسعى إليها العقلاء، ويحصلها العقلاء في أنفسهم، ليست تلك الومضات والشهب التي تأتي وتذهب، فنجده مطيعاً تارة، وعاصياً تارات!

لا، يحرص على أن تكون أحواله كلها على وفق ما أراد الله عز وجل، يطيع الله في الليل، وفي النهار، وفي السراء، وفي الضراء، وفي جميع الأحوال، هو مطيع لأنه لا يتخلى عن عقله أبداً.

ولذلك، هو يعيش حالةً من التمرد ﴿.. الَّذينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ .. ﴾ [الأنفال/2]، وجلت من ماذا؟

هو يخشى أن عمله الذي أدَّاه ليس هو العمل الذي يرتضيه الله عز وجل، لأنه يعرف أن الله يريد منا الأفضل، ويريد منا الأحسن، فهذا الذي قدَّمناه مهما أحسنا الظن فيه ليس لدينا - إن كنا من العقلاء - ثقةٌ بأن هذا العمل سيكون عملاً مرضيّاً ومُتقبَّلاً منه سبحانه وتعالى.

المسألة الثالثة: العقل وحكمة العلم والعمل

أما المسألة الثالثة: فهي العقل، ودوره في حكمة العلم وحكمة العمل، وكيف أنه هو الذي يسوقنا إلى أن نطيع الله أولاً من خلال طاعة الأنبياء والرسل والاستجابة لهم في ما يأمرون وما ينهون، وكذلك من سار على نهجهم من الأئمة.

يقول (عليه أفضل الصلاة والسلام) "يا هشام إن لكل شيء دليل، ودليل العقل التفكر، ودليل التفكر الصمت، ولكل شيء مطية، ومطية العقل التواضع".

كل شيء - وهذه حالة عامة - كل شيء من الأشياء له دليل، دليل في الوصول إليه، وفي العلامة على وجوده من عدمه، الناس لا يسيرون مثل ما يهتدون اليوم ويستفيدون من الوسائل التي تؤدي بهم إلى الطريق الفلاني، تستعين بهذا الجهاز الذي يرشدك إلى المكان الفلاني، فيجعل الطريق أقرب وأسهل، كذلك الوصول إلى الله الوصول إلى طاعة الله تجنب معصية الله، معرفة الصالحين ومعرفة الطالحين.

ومن ثَم نجد أن الشياطين ماذا يعتمدون؟!

يعتمدون سياسة التشويش، التشويش على الخلق، ﴿.. لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فيه‏ ..﴾ [فصلت/26]. الغوا فيه يعني لا تتركوا للناس مجالاً أن يُنصتوا للصالحين من الناس، إذا سمعوا كلاماً لصالح فأسمعوهم مئات من الطالحين فيتشوش الناسُ!

غير العقلاء تختلط عليه الأمور فلا يعرف السيئين من القبيحين، لكن الذي اهتدى بهدي الله عز وجل، واستشرد بإرشاده، مهما كثر التشويشُ عليه فإن الله عز وجل يهديه؛ لأنه يلح على الله عز وجل ويقول ﴿اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقيمَ‏َ﴾ [الفاتحة/6]، لكن بشرط أن يكون عاقلاً في سؤاله، فلا يذهب إلى الشيطان.

ويقول ﴿اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقيمَ﴾، لا يذهب إلى الذي عصى رسولَ الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، ويعتبره ممن يهديه إلى صراط الرسول! هذا ممن عصى رسولَ الله! وهذا ممن عصى الله وهكذا!

فالدلائل القرآنية بينةٌ، وكذلك ما ورد عن رسول الله.

هذا في أصل الدليل، أوليس العقلُ شيئاً، الإمام يذكِّر بقاعدة "إن لكل شيء دليلاً"، فلو سألنا العقل ما هو دليله؟

ثمة أناس يملكون عقلاً، وقد يكون عقلهم عقلاً متفجراً في الذكاء، درجة عالية في الذكاء لكننه لا يستعمل عقله، لا يوظف عقله التوظيف الصحيح.

الإمام ماذا يقول ؟

"ودليل العقل التفكر". هذا العقل الذي آتاك الله أيها الإنسان إياه، يجب أن تفعِّله، وتشغِّله، فلو أنك استجبت للمشوشين - طبعاً التشويش المعلن والتشويش غير المعلن -.

الشيطان حينما يحرك الإنسانَ نحو الشهوات والفجور والغرائز يحركها، هذا نوع من أنواع التشويش، هذا الإنسان الذي يلهيه الشيطان بالمأكل والمشرب والمطعن وكل شؤون الدنيا، هذا نوع من أنواع التشويش، حتى لا ينصرف العقلُ إلى التفكر الذي يؤدي به إلى الله سبحانه وتعالى.

ثم يقول الإمام (عليه السلام) يتدرج، هذا التفكر أوليس شيئاً من الأشياء فلابد أن له دليلاً، ما هو دليل التفكر، أي علامته وآيته، حتى نعرف أن فلاناً عاقل وأعمل عقله فصار ممن يفكرون؟

قال "ودليل التفكر الصمت"، الثرثرة، والإكثار من الكلام، واقتحام كل شيء، ويتكلم الإنسان في كل شيء في ما يعرف وما لا يعرف، يتصدى كما لو كان رسولاً موحى إليه، ونبيّاً مبعوثاً من عند الله، إماماً منصوباً من عند الله، يحلل شيئاً ويحرِّم شيئاً دون أن يحفظ حدوده التي جعلها الله عز وجل حدوداً مرعيةَ الحرمة!

مثل هذا الإنسان لا يصمت! فتجده يتكلم في كل شيء! يفتي في كل شيء! في شؤون السماء يتكلم! وفي شؤون الأرض يتكلم!

فالإمام يقول "ودليل التفكر الصمت"، أي لا ينطق لأنه يعلم أن كلامه سيحاسب عليه بين يدي الله عز وجل، ويقال له : حينما تكلمتَ بالكلمة الفلانية، مع فلان من الناس، زوجتك، ولدك، أبيك، قريبك، خصمك، كل هؤلاء سيقال لك ما هو المبرر لهذه الكلمة التي ذكرتها؟! لماذا لم تصمت؟ لماذا - حينما أردت أن تتكلم - حرصتَ على أن يكون كلامك حقّاً؟! وهكذا.

يقول "ودليل التفكر الصمت، ولكل شيء مطية" الوصول إلى الأشياء - أيضاً - لابد له من وسيلة هذه الوسيلة نسميها مطية. إذا أردنا أن نذهب - جغرافيّاً - نركب مطيةً. في السابق كانوا يركبون الدواب، واليوم يركبون السيارات والطائرات، وغداً الله أعلم ماذا يركبون، لكن بالتالي كل إنسان - يريد أن ينتقل من منطقة إلى منطقة - يحتاج إلى مطية، وإن لم يكن له مطيةٌ فيحتاج إلى قدمين، فلو أنه كان مشلولاً، أو لم تتوفر له مطيةٌ من المطايا لن يكون قادراً على أن ينتقل من هذه.

فكرك وذهنك - ونحن نهاجر إلى الله عز وجل ليس بأقدامنا فقط، هجرتنا إلى الله، سلوكنا إلى الله يمكن أن نتحرك فيه بأقدامنا، يمكن أن نتحرك في بأيدينا يمكن أن نتحرك فيه بألحاظ عيوننا بل حتى بغير اللحظات، خواطر القلب وخواطر الفكر يمكن أن تكون مطيتنا إلى الله عز وجل.

العقل ما هو مطيته؟ حتى نفهم ونستوعب؟

قال "ومطية العقل التواضع".

الاستكبار والتكبر شيء خطير يُهلك الإنسانَ أن يتكبر! إذا شعر الإنسانُ أنه مستغنٍ عن أن يعرف! ما هي الحاجة إلى أن أقرأ؟! ما هي الحاجة إلى أن أدرس؟! ما هي الحاجة إلى أن أسأل العالم والمتعلم؟!

بعض الناس شيئاً فشيئاً تنمو عنده هذه الحالة، يجد أنه في غنى، في غنى عن المسجد وعظته ودرسه، عن الحسينية، عن الكتاب، عن العالم، هو في غنى تامٍّ عن مثل هذه الحالات، هذا نوع من أنواع الترفع والتكبر!

مثل هذا الإنسان سيغلق على عقلِهِ، العقل الإيجابي، أما العقل السلبي فسيظل يعمل لأنه يشعر بأنه يحتاج إلى الطرف الفلاني، أو الطرف الفلاني، فالإمام (عليه السلام) سيقول "ومطية العقل التواضع".

من لم يتواضع في نفسه لن يسأل أحداً إذا عجز عن شيءٍ، بعض الناس نجده إذا شعر بأنه يحتاج قال إذا سألنا سيتبين أننا لا نعرف، فسيكف عن المعرفة في هذا اليوم واليوم التالي إلى أن يموت؛ لأنه افتقد حالةً واحدةً، هي أنه لم يتواضع.

ولذلك، أدَّبنا الله عز وجل بكثيرٍ من العبادات كلها تصب في التواضع، ومنها هذا السجود بين يدي الله عز وجل.

أبو جهل لما طُلب منه أن يُسلم ويصلي قال أنا هو يقول يعني أقوم بهذه الهيئة فيعلو أستي رأسي! هذا نوع من أنواع الكبر.

ويُقال أنه لما أراد عبدالله بن مسعود - في معركة بدر - أن يحز رأسه وقد كان ضخم الرأس، ابن مسعود أراد أن يحز رقبته من الأعلى، لأنه متكبر قال حزها من الأسفل، لأنه متكبر في الحياة، ومتكبر في الموت!

هذا هو حال مثل هؤلاء.

إلى ماذا ينتهي بهم، ينتهي بهم إلى أن تفسد حياتُهُم في الدنيا، وبطبيعة الحال ستفسد في الآخرة.

الجذور:

ولذلك، هذا الكلام الذي نقرأه عند الإمام الكاظم (صلوات الله وسلامه عليه) قد استقاه من مشكاة واحدة، هذه المشكاة هي مشكاة الله، مشكاة رسول الله، مشكاة آبائه من الأئمة (صلوات الله وسلامه عليهم)، والذي كان ذلك مبرراً لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أن تتمسك بالكتاب والعترة لأنهما "لن يفترقا".

ماذا يقول علي (عليه أفضل الصلاة والسلام) قال "لا تكونوا كجفاة الجاهلية، لا في الدين يتفقهون، ولا عن الله يعقلون"([4]) يتلقون من كل أحد إلا عن الله عز وجل! يرفضون أن يتلقوا عن الله! لأن التلقي عن الله يحتاج إلى تواضعٍ، ويحتاج إلى استسلامٍ، ﴿.. إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الْإِسْلامُ﴾ [آل عمران/19]، أما أن يصدر الأمر من رسول الله افعلوا كذا أو لا تفعلوا كذا، قالوا: لا، نعم أنت اقترحتَ! وأوصيتَ! لكن لسنا ملزمين بوصيتك! أيضاً لنا أعرافنا، لنا تقاليدنا، لنا حساباتنا أمام هذا الحكم الشرعي!

رسول الله (صلى الله عليه وآله) - وكجذر ثانٍ لهذا الكلام - يقول "ما قسم الله للعباد شيئاً أفضل من العقل"([5])، ويكم الحديث فيفضل نومَ العاقل على شخوص الجاهل. عاقل نائم أحسن من جاهل رايح وجاي! مثل ما الآن نجد هذا العالم الذي مُلأ فساداً وخراباً السبب ما هو؟

مجموعة من الجهلة من الناس تصدوا لأن يصلحوا بين الناس! "فاقد الشيء لا يعطيه"، لو أنهم تعلموا وعقلوا عن الله عز وجل ما سُفكت الدماءُ كما تُسفك، وأصبح الإنسان يأتي إلى المسجد كما لو كان قاصدا ثكنةً عسكريةً وليس بيت من بيوت الله ينشد فيه الناس الأمن والأمان!!

أما الله سبحانه وتعالى فيحكي عن الأعراب، الذي يصفهم أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) أنهم لم يتفقهوا في الدين، ولم يعقلوا عن الله، ﴿قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَ لكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا وَ لَمَّا يَدْخُلِ الْإيمانُ في‏ قُلُوبِكُم‏ ..﴾ [الحجرات/14]، الإسلام شيء، والإيمان شيء، لا تلعبوا، ولا تعبثوا بالمصطلحات كما يعبث بعضُ الناس يقول كونوا عقلانيين!

ماذا يقصد بكونوا عقلانيين؟!

يعني دعونا من حديث الدين، وحديث القرآن، وحديث رسول الله، وحديث أمير المؤمنين! فلنقرأ لديكارت، وكانت، ونيتشه، وأمثال هؤلاء! أنتم غير مثقفين لأنكم لا تقرؤون لديكارت!

يعني أن ديكارت أفضل عنده! هو يستحي أن يقول أنه ينظر إلى ديكارت أنه توصل إلى شيءٍ لم يتوصل له رسولُ الله كبشر! ولم يتوصل إيه أمير المؤمنين كبشر! أما إذا عرف أن عليّاً هو ولي الله، وأن محمداً (صلى الله عليه وآله) هو رسول الله؛ أي أنهم يتحدثان عن الله فالكلام سيؤدي به إلى عالم لا يمكن أن يكون فيه من العقلانيين.

جعلنا الله وإياكم فيتبع أحسنه.

اللهم صل على محمد وآل محمد.

اللهم كن لوليك الحجة بن الحسن صلواتك عليه وعلى آبائه في هذه الساعة، وفي كل ساعة، وليّاً، وحافظاً، وقائداً، وناصراً، ودليلاً، وعيناً، حتى تسكنه أرضك طوعاً، وتمتعه فيها طويلاً.

اللهم انصر الإسلام والمسلمين، واخذل الكفار والمنافقين.

اللهم اشف مرضانا، وارحم موتانا، وأغنِ فقرائنا، وأصلح ما فسد من أمر ديننا ودنيانا، ولا تخرجنا من الدنيا حتى ترضى عنا يا كريم.

وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين.

 


([1]) أصول الكافي، كتاب العقل والجهل، الحديث 12.

([2]) أصول الكافي، كتاب العقل والجهل، الحديث 12.

([3]) نهج البلاغة الحكمة 450.

([4]) نهج البلاغة، الخطبة 166.

([5]) أصول الكافي، كتاب العقل والجهل، الحديث 11.