موقع السيد حسن النمر الموسوي

حديث الجمعة

جديد الموقع

نص خطبة يوم الجمعة التي ألقاها سماحة العلاّمة الحجة السيد حسن النمر الموسوي بعنوان «الإحسان في الفعل ورد الفعل» يوم الجمعة ١ شعبان ١٤٣٨هجري في جامع الحمزة بن عبدالمطلب بمدينة سيهات:

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيشد الخلق وأشرف الأنبياء والمرسلين محمد بن عبد الله وعلى آله الطيبين الطاهرين.

رب اشرح لي صدري، ويسر لي أمري، واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي.

عباد الله! أوصيكم - ونفسي - بتقوى الله.

وإن من التقوى أن نكون محسنين، والإحسان يقابل فعلَ السوء، كما أن الحسنة تقابل السيئة، فالمحسن يقابله المسيء من الناس.

والإحسانُ عنوانٌ عريضٌ ينطبق على مصاديق كثيرةٍ، ومفرداتٍ كثيرةٍ، ولا يمكن للإنسان أن يكون محسناً تماماً إلا أن يكون من المعصومين، وأما غير المعصومين حتى وإن كثر الإحسان عندهم فلابد أن يشوب ذلك شيءٌ من السوء، بطريقة مقصودة وبطريقة غير مقصودة؛ إلا مَن عصمه الله عز وجل فهم محسنون بالمطلق.

الآيات التي تحدثت عن الإحسان، وكذلك الروايات الواردة عن النبي (صلى الله عليه وآله) وعن آله (عليهم السلام)، كثيرة تفوق حدَّ الإحصاء كما يقال.

ومما جاء في الكتاب الكريم قول الله عز وجل ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: 134].

ما أريد أن أقف عنده تحت هذا العنوان، عنوان "الإحسان"، هو ما يتعلق بالفعل ورد الفعل فقط، حتى لا يتشعب بنا الحديث، فيطول ويطول، ولا يتسع المقام لذلك.

ماذا نعني بأن المطلوب منا أن نكون محسنين في الفعل ورد الفعل؟

نمهد لذلك:

بأننا سبق أن تحدثنا عن العقلانية كما جاءت في الكتاب الكريم والسنة المطهرة. والعقلانية تعني أن يكون الإنسان عاقلاً؛ أي ضابطاً لأفعاله وفقاً لما تقتضيه القواعد الشرعية والمعارف الربانية والأصول التي يجب أن تُراعَى، أو ينبغي أن تُراعى، مثل هذا عاقل في منطق الشرع وفي ميزانه.

ولا يعنينا ما يسميه الناس عقلاء وأذكياء وعباقرة! فقد يتوافق ما يسميه الناس بالعاقل مع منطق الشرع في وصفه بذلك وقد لا يتوافق! هناك عباقرة عند الناس عقلاء لكنهم في ميزان الشرع مجرمون، هؤلاء في ميزان الله عز وجل ليسوا ممن يعقل، وليسوا من العقلاء. روي عن أمير المؤمنين (عليه أفضل الصلاة والسلام) قوله أن العقل "ما عُبد به الرحمنُ، واكتسب به الجنان"([1])، العقل الذي لا يؤدي بالإنسان إلى أن يختار الطريق الصائب والمصير الحسن لا يعد في ميزان علي - وهو ميزان رسول الله، وهو ميزان الله عز وجل - من العقل.

ثمة محطات ثلاثة، بشكل سريع أقف عندها كمدخل؛ لنمهد لمسائل ثلاث باختصارٍ شديدٍ:

المحطة الأولى: تنبيهات

أولاً: لا تخلو حياة الإنسان من الفعل.

ونعني بالفعل ما يجعلك مسؤولاً عما أقدمتَ عليه، أو أحجمتَ عنه، عند الله عز وجل.

الصلاة فعل، نقوم، نقعد، نركع، نسجد، نقرأ، نذكر الله عز وجل؛ بالصفة المعروفة.

والصيام - حيث لا نفعل شيئاً - هو أيضاً فعلٌ، مع أن الصيام لا نفعل فيه شيئاً، نحن نمسك عن فعل أشياء، أو نكف عن فعل أشياء.

هذا - في ميزان الشرع - يسمى (فعل)، وذاك يسمى (فعل). فعنوان الفعل هو ما يصدر عنك مما يُرى أو لا يُرى، فيستوعب : ما تفكر فيه بعقلك، وما تتبناه بوجدانك ومشاعرك؛ أي مشاعرك السلبية، حبك فعل، بغضك فعل، لا مبالاتك فعلٌ، عند الله سبحانه وتعالى، "من لم يهتم بأمور المسلمين فليس بمسلم" أو "فليس منهم"([2])، ماذا يعني أن تهتم؟

يعني أن يشغل بالك هموم المسلمين. لا يمكن للإنسان أن يكون مسلماً وهو لا يبالي بما يحل بالناس من المسلمين من الأذى، بل أوسع من هذا، الله سبحانه وتعالى يقول ﴿.. قُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا ..﴾ [البقرة: 83] " وليس فقط قولوا للمسمين حسناً، كل الناس مطلوبٌ منا أن نقول لهم حسناً، ﴿.. قُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ [الأحزاب: 70] في آية ثالثة، فالإنسان لا يخلو من الفعل بعقله وبوجدانه وبجوارحه. ولذلك، نجد النصوص الشرعية تؤكد على أن الإيمان مبثوث على الجوارح كلها([3])، إيمانك يظهر في ما تمارسه بالنظر، وفي ما تمارسه بالسمع، وفي ما تمارسه باليد والرجل، بل حتى في ما تمارسه من الحب والكره. ولذلك، مطلوب منا أن نحب أولياء الله، ونبغض أعداء الله، ليس بلحاظ ذوات هؤلاء وذوات هؤلاء، بل بلحاظ فعل الأولياء أنه حسنٌ جعلهم محبوبين عندنا، وفعل الأعداء لله عز وجل مبغوضٌ جعلهم مبغوضين عندنا. وإلا فإن هذا الولي إذا تحول إلى عدو لله عز وجل استبعدنا مشاعر المحبة منه وأحللنا بدلاً منها مشاعر البغضاء، وكذلك العكس. في يومٍ ما يكون هذا من أعداء الله عز وجل فيُحسن التوبةَ والرجوعَ إلى الله عز وجل فيصبح وليّاً من أولياء الله، فتتبدل مشاعرنا - إلزاماً بمنطق الشرع - من بغضائه السابقة إلى محبته اللاحقة.

ثانياً: كل ما يصدر منا - من الفعل أو الترك - لا يخلو من أن يوصف بواحدٍ من الوصفين:

  • إما أن يكون فعلاً حسناً.
  • أو يكون فعلاً قبيحاً.

الفعل - بمعناه الواسع - يعني : ما تُقدم عليه، وما تُحجم عنه وتكف عنه ولا تفعله، لا يمكن أن يوصف إلا بأنه حسنٌ في ذاته، أو - في ميزان الشرع - قبيح في ذاته، وقبيح في ميزان الشرع هل يتوافقان أو يختلفان حديث مطول لا يعنينا الآن، لكن يهمنا أن ما يراه الله عز وجل؛ من خلال الأحكام الشرعية والقيم الأخلاقية الشرعية، أنه حسن، أو يراه عكس ذلك، فعلك لا يخلو من أن يُصنف تحت هذا العنوان أو تحت العنوان الآخر.

الأمر الثالث: هو أن هناك شيئاً - إلى جانب أن الأفعال حسنة وقبيحة - هناك ذوات حسنة، وذوات قبيحة.

ماذا خاطب أصحابُ نبي الله يوسف؟

﴿قالوا إنا نراك من المحسنين﴾، هنا وصفوا ذاته بأنه من المحسنين، الله سبحانه وتعالى ماذا فعل أو لاحظوا الآية التي قالت، ﴿الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين﴾، الشق الأول في الآية عن ماذا يتحدث ؟

عن أفعال، ينفقون، يكظمون الغيظ، يعفون عن الناس، أما الشق الثاني فيتكلم عن ذواتهم ﴿والله يحب المحسنين﴾، لماذا صار هؤلاء محسنين؟

لأنهم يفعلون هذه الأفعال.

فإذا أردنا أن نتعرف على المحسن نقرأ أفعاله، فإذاً هناك ذات حسنة وهناك فعل حسن.

هل يُتصور أن يصدر الفعل الحسن من شخص أو ذات غير حسنة؟!

نعم، من حيث الظاهر قد نتصور أن شخصاً ما يفعل فعلاً حسناً، ولو عند الناس! أما ما يُراد أن يكون حسناً عند الله عز وجل فالقانون الشرعي يقول "إنما الأعمال بالنيات"، لا يكون الفعلُ فعلاً حسناً عند الله إلا إذا أُريد به وجهَ الله سبحانه وتعالى.

هذا هو التمهيد، القواعد التي تشمل ما نريد أن نتحدث عنه.

المسألة الأولى: قلنا أن ما يصدر منك لا يخلو من أن يوصف بالفعل الحسن أو الفعل غير الحسن. ما يصدر منا يأخذ شكلين اثنين :

تارة يصدر منا باختيار وإرادة.

 وتارة أخرى يصدر منا بغير إرادة.

الله سبحانه وتعالى يحاسبنا على ما نفعله باختيارنا، أما ما يقع منا من دون اختيار لا يحاسبنا الله عز وجل عليه.

يعني - مثلاً - : أكلك، شربك، هذا باختيارك، لكن زهوق روحك ليس باختيارك، فالله سبحانه وتعالى يقول لك لماذا أكلت؟ أو لماذا لم تأكل ؟لكن لا يحاسبك لماذا مُتَّ أو لماذا حييت، أنت تحيى بغير إذن، بغير احتيار منك، وتموت بغير اختيار منك، وأمام ما يفعله المنتحرون.

إذا سألت : لماذا يُعاقب الله عز وجل المنتحرين، وأن الله يخلدهم في النار؟!

لأنهم اختاروا طريقاً يؤدي بهم إلى أن يُزهق اللهُ عز وجل أرواحَهم بغير طريق مشروع، فيحاسَبون على المقدمات وليس على النتائج؛ لأنه قد يرمي نفسَه من شاهق فلا يموت فهل يدخله الله عز وجل النار؟!

النتيجة لم تحصل! لكن فعله يُعاقب عليه بما يستحق، فإن زهقَت روحُهُ ذهب إلى حيث يريد الله عز جل له أن يذهب، أجارنا الله وإياكم من ذلك.

من الأفعال التي نختارها - ببعض الاعتبارات والوجوه - : ذريتك، وأولادك.

يتزوج الإنسان فينتج من زواجه هذا إذا شاء الله عز وجل أن يكون له ذرية، قد يحرمك الله من الذرية ابتلاءً، وقد يعطيك الله عز وجل الذرية ابتلاءً أيضاً.

الولد الذي قتله العبد الصالح - كما يحكيه الله عز وجل لنا في  سورة الكهف - هل كان ولداً صالحاً؟!

لم يكن ولداً صالحاً لو كبر، كان أبواه مؤمنين ﴿فَخَشِيْنَا﴾ كما جاء في الآية أن يزيدهما ﴿طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾ [الكهف: 80]، يعني أن يتسبب لهما إما بأن يرميهما في عالم الكفر والطغيان، أو يكون هو طاغياً كافراً فيُلحق بهما الأذى!

فمثل هذا الولد ليس مطلوباً من الناس! الناس إنما ينشدون الولدَ لأنهم يرجون أن يكون امتداداً حسناً لهم.

حسناً، ما المطلوب منا إذا رزقنا الله عز وجل ولداً؟ أو ماذا نطلب نحن من الله عز وجل كما في القرآن الكريم؟

نطلب ذريةً طيبةً، ذريةً صالحةً، أما الذرية غير الطيبة فليست مما يَحسن للإنسان أن يطلبه، ولا مما يُحسِّن للإنسان سمعتَه. وهذا واحد من مصاديق النتاج الأفعال التي نفعلها.

ولذلك، ما هو المطلوب في اختيار الزوجة؟

الزوجة الصالحة، وقد روي عن النبي (صلى الله عليه وآله) التحذير من الزواج من المرأة الغير الصالحة، فقال "إياكم وخضراء الدمن! قيل : يا رسول الله وما خضراء الدمن؟ قال : المرأة الحسناء في منبت السوء"([4]).

يروى أن الإمام علياً (عليه أفضل الصلاة والسلام) لما أراد أن ينجب ولداً يكون نصيراً لولده الإمام الحسين ماذا سأل، كما يروى في السيرة، سأل عن امرأة تكون حضناً صالحاً لولدٍ صالحٍ، فلابد أنه يبحث عن امرأة تليق بهذا المقام فتكون امرأة جليلةً وعظيمةً، وهذا ما حصل، صارت أمَّ البنين، التي أنجب عليٌ (عليه أفضل الصلاة والسلام) - بتوفيق الله - أربعة من الأبناء الصالحين ليس لهم - مع الشهداء، بقية الشهداء - على الأرض من شبيه.

هذا لا يكون نتاجاً عاديّاً فقط لأن أمير المؤمنين أنجبهم، وفخرٌ لهم أن ينجبهم علي، لكن لابد أن الطرف الآخر - وهي زوجته - كانت على قدرٍ من الجلالة والتقى والولاية لله عز وجل؛ حتى يصبح النتاجُ العباسَ (عليه أفضل الصلاة والسلام) وإخوتَه الشهداء؛ لأن الإنسان قد يولد من نبي لكن لا يكون ولداً صالحاً؛ كما ساق الله عز وجل لنا مثالاً لذلك ولد نوح، ألح الله عز وجل أن يلتحق به لكن لم يكن صالحاً، هل كان العيب في نوح؟

لا، لم يكن العيب في نوح، ولم يكن يمكن أن يكون نوح - وهو نبي الله - أن يكون قد قصر في تربية ولده، لكن هذا الولد لم يكن وعاءً صالحاً، إما بسبب أمه، أو بسبب البيئة، أو لأسباب أخرى.

فالمطلوب منا أن نسأل اللهَ عز وجل الذرية الطيبة، مع أن نتوفر - نحن - بالإلحاح من الله عز وجل على الأدوات المعينة أن يكون أولادُنا أولاداً صالحين.

لاحظوا ماذا يقول الله عز وجل؟

1 - يقول ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد: 26]، ألم يقل الله عز وجل ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ [أي نوح] هُمُ الْبَاقِينَ﴾ [الصافات: 77] . كل الناس - الموجودين الآن - في ما يظهر من تعبير هذه الآية هم أبناء نوح، لكن يغلب على أبناء نوح هؤلاء الصلاح أم الشقاء؟

الغالب عليهم الشقاء!

هل كان تقصيرٌ من نوح؟!

لا، سنة الله عز وجل في خلقه أن من أراد أن يهتدي يهديه الله، ومن أراد أن يَضل يُضله الله عز وجل. فإذن، الإنسان، وذريتك في معرض الانحراف ما لم تسعَ - أنت - إلى أن يكونوا صالحين، ويوفقك الله سبحانه وتعالى إلى أن يكون كذلك.

2 - في آية أخرى يقول الله عز وجل عن إيعاد الشيطان بين يدي الله عز وجل، وإقسامه، أن ينحرف بالناس حتى يتبين لنا الخطرُ الذي يواجه نتاجَنا وفعلَنا؛ لأنه - أيها المؤمنون - ليس المهم أن يكون عملُك صالحاً، الأهم أن يبقى عملُك صالحاً، يكون عملُك صالحاً، لكن سلِ الله عز وجل أن لا تتقلب مواقفك، أن لا تسوء عاقبتُك.

ألم يقُل الله عز وجل - يخاطب المؤمنين في زمن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم ) ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ ..﴾ [آل عمران: 144].

يمكن للإنسان أن يتعرض هو للانقلاب على عقبيه، وكذلك يمكن لذريته أن تنقلب على عقبيها. ولذلك، طُلب منا أن نسعى دائماً إلى إصلاحهم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإرشاد والتوجيه.

ولذلك، إن هذا الإهمال الذي نجده عند الآباء والأمهات سيعرِّضهم للمساءلة بين يدي الله عز وجل، فإنه سبحانه وتعالى يقول ﴿.. قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَة ..﴾ [التحريم: 6].

ليس من الصالح وليس من المقبول وليس من المرضي شرعاً أن يترك الأبُ ولدَه أن يفعل ما يحلو له، ينام كيف ما شاء، يأتي إلى المسجد لا يأتي! يصلي لا يصلي! يعبد الله عز وجل كما يجب لا يعبده كما يجب! قال أنا حرٌّ! يفعل ما يحلو له!

صحيح أن الله عز وجل سيحاسبه، لكن سيحاسب أباه إن قصَّر في حسنِ تربيته له.

يقول الله عز وجل - يحكي لنا قول الشيطان - {قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ [يشير إلى آدم (عليه السلام) والإنسانِ] لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: 62]. يقسم بالله عز وجل! ويؤكد هذا القسم بلام التأكيد ونون التوكيد! أن يحتنك الذرية، يعني يجلس لهم، ويتربص، حتى ينحرفوا، فلا يترك لهم مجالاً للصلاح، لكن كيده مهما فعل يبقى كيداً ضعيفاً على من آمن بالله، واعتصم بحبله.

3 - وفي آية ثالثة على لسان إبراهيم يقول الله عز وجل {رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ} [إبراهيم: 40]، ماذا سأل اللهَ عز وجل في هذه الآية إبراهيمُ (عليه السلام)؟

سأله أن يجعله هو وذريته مقيمين للصلاة، ليسوا مصلين!

الملاحظ أن القرآن الكريم لم يذكر المصلين مفردة، ما ذكرها هكذا إلا مذمومة، قال {فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ} [الماعون: 4]...

دائماً يذكر القرآن الكريم أقيموا الصلاة، أي جعلها قائمة قيمة تدير شؤونك؛ حتى تكون صلاتُك مقرِّبةً لك إلى الله سبحانه وتعالى.

4 - وعلى لسان زكريا يحكي الله عز وجل لما رأى من مريم الطاهرة ما رأى ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [آل عمران: 38].

ماذا سأل ؟!

الذرية الطيبة، وليس مطلق الولد! الذرية الطيبة هي المطلوبة.

هذا شكل من أشكال فعلك الذي لابد أن نفحص، فلا تتعجلْ اختيارَ الزوجة دون دراسةٍ لحالتها، وهي - أيضاً - عليها أن لا تتعجلَ؛ فإن وصية النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) جاء فيها "إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه"([5]).

من الأمور الجيدة التي استُحدثت أخيراً الفحصُ الطبيُّ، هذا الذي يُلزم به الطرفان الراغبان في الزواج؛ أن يفحصا نفسيهما، فإذا وجدا نفسيهما متوافقين طبيّاً يتزوجان، فإذا لم يكونا كذلك يختاران أن لا يتزوجا في الغالب.

الأهم من ذلك أن يُحسنا اختيارَ أخلاق الزوجة، دين الزوجة هل دينُهُ صالحٌ؟

لكن المشكل أن كثيراً من الناس لا يعرف كيف يختبر دينَ الرجل، وأخلاق الرجل!

في المختبرات الطبية يذهب يأخذ عينةً من الدم، أو ما شاكل، فيعرفون أن هذا مريضٌ، أو ليس بمريض؟ سليم في بدنه، أو ليس بسليم؟ لكن ألا يوجد عندنا ميزانٌ نعرف به أن فلاناً من الناس صالح الدين؟ أو ليس بصالح الدين؟ أخلاقه حسنة؟

يوجد، لكن الناسَ يقصرون! لا يرجعون إلى الكتاب الكريم، ولا إلى السنة المطهرة، ولا يتفقهون في دين الله! ثم يأسفون - أشدَّ الأسف - إذا وقعت ابنتُهم في حبالة هذا أو ذاك! يقولون لم نكتشف إلا متأخرين!

من السبب ؟

تقصير الأب، تقصير الأم، تقصير الأهل، الذين لم يفحصوا عن هذا الولد، وتقصير - أيضاً - هذا الولد الذي لم يبحث عن حسن وصلاح تلك المرأة التي تزوجها! لكن الأمر بالنسبة له أهون إذا وجد أنها غيرُ صالحة، يطلقها، لكن البنت ماذا تفعل، إذا لم يرغب هذا الولد؟

باختياره أن يطلقها سيتعسف! قد يطالب بأموالٍ طائلةٍ! قد يلوي ذراعَ هؤلاء الأهل! يؤذيهم! يزعجهم!

لذلك، مسؤولية سؤال أهل البنت عن الولد أكثرُ من مسؤولية سؤال الولد وأهل الولد عن البنت؛ لأن الأمرَ بالنسبة لهم أشكلُ.

المسألة الثانية:

هذه الذرية تبين لنا أنها يمكن أن تكون صالحة، ويمكن أن لا تكون صالحةً، بعض خلفيات الصلاح لا نستطيع التحكمَ فيها، كما تبين لنا أن بعض أنبياء الله، وبعض أبناء الأئمة، لم يكونوا صالحين، ولا نشك - قيدَ أنملة - أن النبي، أو الإمام، قصَّر في تربية هذا الولد، لكن وعاؤه لم يكن حسناً، هذا الولد هو اختار أن يكون سيئاً! مع أن أباه أو والده من الأنبياء والأئمة المعصومين، لكن هذا لا ينجيه، يعني لا يكفي للإنسان أن تكون بيئتُهُ بيئةً حسنةً، ولا آباؤه أن يكونوا صالحين، بل لابد أن يختار - هو - أن يكون صالحاً، حتى لو كان آباؤه غير صالحين واختار هو أن يكون صالحاً فإن الله عز وجل ينتشله كما انتشل امرأةَ فرعون، وجعلها مثالاً للذين آمنوا، جعلنا الله وإياكم منهم.

 

المسألة الثالثة: ما المطلوب حتى نكون من المحسنين؟

يعني خارطة الطريق  في هذا السبيل ما هي؟

يمكن لنا أن نفصل، ويمكن لنا أن نختصر، التفصيل هو أن نأتي إلى كل آيات الكتاب الكريم، وكل ما روي عن النبي (صلى الله عليه وعلى آله)، ونقرأها بالتفصيل والدراسة والتحقيق والتدقيق؛ حتى نعرف أن هذا من مظاهر الإحسان، وذاك مما يضاد الإحسان.

وهذا لا يتيسر لكل الناس، لكن ثمة مبادئ عامة.

المبدأ الأساسي هو أن نعرف - إجمالاً - أن الله عز وجل أنزل إلينا كتاباً جعله تحفته لنا النازلة من السماء، والتي لا عوض عنها ولا بدل، وهو كتابه الذي ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ .. ﴾ [فصلت: 42]، النازل من العزيز الحميد سبحانه وتعالى، والذي وصفه بقوله ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ .. ﴾ [الإسراء: 9]، نقرأه، نتلوه، نتدبر فيه، ولا نهجره؛ حتى لا يشكو هو ويشكو رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ويقول ﴿يَارَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان: 30].

الناس يتعلمون  اليوم - يتعلمون الشؤون الطبية والصحية، والتعامل مع الأجهزة، والتعامل مع السيارات والتعامل مع أشياء كثيرة، لكن كم من الناس يهتم كيف يتعامل مع القرآن الكريم والسنة الواردة عن النبي وعن آله (صلى الله عليه وعليهم)؟!

للأسف الشديد يجب أن نقر ونعترف، وإذا لم نعترف ودسسنا رؤوسنا في التراب سيتبين لنا أن الثمن الذي سندفعه سيكون غالياً، فنقول - حينئذ - ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ﴾ فيأتيه الجواب من الله عز وجل ﴿كَلَّا﴾ [المؤمنون:99/100].

هناك عمر - طويل أو قصير - لا عوض له، الحل هو أن نختصر ونكثِّف عملنا في هذا العمر الذي قد يكون عمراً قصيراً لكنه يكون مباركاً على الإنسان إذا أحسن الاختيار، وفقنا الله وإياكم إلى ذلك.

من عناوين الإحسان:

ثمة ثلاث عناوين تهمنا، وتفيدنا في تحقيق المطلوب؛ حتى نكون من المحسنين.

الأمر الأول: هو أن نسعى جادين ومجتهدين في مسألة تزكية النفس.

وهذا ما بعث الله عز وجل الأنبياء من أجله، يعلمهم ويزكيهم([6])، أو يزكيهم ويعلمهم في مورد آخر([7]).

الأمر الثاني: شرح الصدر والحكمة في التعامل مع المواقف

ما نفعله نحن، وكيف نتعامل مع ما يفعله الآخرون في حقنا، لأننا نريد أن نكون محسنين ليس في حالات فعلنا فقط، بل حتى في مقام ما يفعله الآخرون ويكون من قبلنا ردُّ فعلٍ.

يشتمك شخصٌ، ينال منك شخص، يؤذيك، يغصبك، يسرقك! هناك فريق من الناس إذا أوذي آذى، ويكون منطقه (من يرشنا بالماء نرشه بالدم!!)، والله سبحانه وتعالى يقول ليس هو المنطق! لا، ﴿.. لَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ﴾ [الأنعام: 164]، إذا آذاك شخص يجب أن تكون العقوبةُ مقصورةً ومحصورةً في ذلك الشخص، لا أن تقول هذا ابن عمه، هذا ابن خالته، ذاك ابن خاله، تلك زوجته، ذاك أبوه، ذاك أمه! لا شأن لهم به! إلا أن يشاركوه في ما ألحق بك من الأذى، أما إذا لم يشاركوه فلا يسوغ، ولا يجوز أن يلحق به أحدٌ شيئاً من الأذى؛ لأن الله عز وجل أعطانا هذا القانون ﴿ .. لَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾.

الأمر الثالث: حسن تربية الأبناء

وهذا جهد لا يصح من أي منا أن نقصِّر فيه، نكرر ذلك لأن ثمة تقصيراً كبيراً - أيها الإخوان الأعزاء - . كم من الآباء يربي ولده على أن الصلاة إذا حانت بادِر إلى الصلاة؟!

قليل من الناس - للأسف الشديد - يفعل ذلك، ونشاهد هذه المظاهر! ثم إذا حصل حادثٌ من حوادث السيارات، مات الولد، مات الآخر، أصيب هذا أو أصيب ذاك، أيها المؤمنون ادع لهذا الولد الذي لا يعرف مسجداً، ولا يعرف الله! ولا يعرف شيئاً من أعمال التعبد!

سيدعو له المؤمنون، لكن قد يجدي وقد لا يجدي، ليس من اللائق أخلاقيّاً أن نتعامل مع الله عز وجل في الضراء، ونتركه في الخيرات والسراء، هذا موقف ليس من المواقف النبيلة.

ثمة قصة ينقلها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، أو شاهدان يصبان في هذا الباب؛ في الفعل ورد الفعل. أقرأ الرواية لأنها لا تحتاج إلى شرح كثير، يرويها الشيخ الصدوق في كتابه الأمالي:

الإمام الصادق (عليه أفضل الصلاة والسلام) - بسند الصدوق إليه - قال :

قال مر عيسى بن مريم (عليه السلام) بقبر يعذب صاحبه ثم مر به من قابلٍ فإذا هو ليس يعذب! فقال : يا رب مررت بهذا القبر عام أول فكان صاحبه يعذب، ثم مررت به العام فإذا هو ليس يعذب؟! فأوحى الله عز وجل إليه : يا روح الله! إنه أدرك له ولد صالح، فأصلح طريقاً، وآوى يتيماً، فغفرت له بما عمل ابنه".

أي أن هذا الولد الصالح لَما كانت بصماتُ أبيه فيه تأثرت عاقبةُ أبيه فيه بصلاح هذا الولد، هذا ما ننشده في الأبناء، مع أن هذا الولد لم يكن كبيراً، أدرك بعد أن توفي والده، لكن الله عز وجل بارك فيه وفي فعله، وانسحب ذلك على أبيه.

هذا في الفعل.

ثم يكمل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الشاهد الثاني، قال - أيضاً - الرسول (صلى الله عليه وآله)، وقال عيسى ابن مريم (عليه السلام) ليحيى بن زكريا [لأن عيسى كان إماماً ليحيى بن زكريا، وكلاهما كانا إمامين] إذا قيل فيك [أساء إليك أحد، اتهمك، سبك، شتمك، إذا كانت شتيمته لك شتيمة بالحق، استغفر الله عز وجل قال : فلان كذب علي، وقد كان صادقاً في ما قال، أنت - لا سمح الله - كذبت عليه، استغفر الله عز وجل من ذنبك وصحح الخطأ، بعض الناس يركب رأسه، فلان يتكلم عليَّ، إن تكلم عليك بالباطل شيء، إذا تكلم عليك بالحق ماذا تفعل؟

يكابر بعض الناس فيرتكب باطلاً آخر في تعامله مع هذا الذي قيل فيه، "وإن قيل فيك ما ليس فيك فاعلم أنها حسنة كتبت لك لم تتعب فيها". فإذن، ما الذي يؤذيك في هذا الذي تكلم عليك فلان ؟!

طبعاً، ليس في كل الموارد، لكن يعطينا قاعدةً عامةً، كثيرٌ مما يقال فيك - أيها الإنسان - لا يستحق منك أن تتوقف عنده، إن كان انتقاداً صحيحاً واتهاماً بحقٍّ. احمد الله عز وجل إلى أن نبهك إليه هذا الإنسان، وكثيراً من الأحيان العدو في العدو ما لا يراه الصديق فيه؛ لأن العدو شغله الشاغل يضع المكبرات والمجهر والتلسكوبات، فينظر إليك نظرات فاحصة، فقد يكتشف فيك ما لم تكتشفه في نفسك، وقد يكتشف فيك ما لا يكتشفه المحيطون بك؛ ممن يمدحون ويثنون بما ليس فيك، لكن عدوك قد يرى فيك ما لا تراه أنت ولا محبوك فيك، فقد تكون حسنةً من الحسنات التي سيقت لك، احمد الله سبحانه وتعالى عليها.

وقد يكون ليس كذلك، نعم فعلاً اتهمك بالباطل قل الحمد لله عليك ذنوب أوزار، أحد أشكال رفع الأوزار عنك هي أن يتكلم فيك فلان من الناس، فيُحمل هذا الوزر من كتفك إلى كتفه، فتجد نفسك بين يدي الله عز وجل وأنت في مراتب عليا، مع أنك لم تفعل أشياء كثيرة، لكن فلان سبك، فلان شتمك، فلان أهانك، فلان اعتدى عليك، فهؤلاء بدل أن يصلوا لأنفسهم ويحمدوا الله عز وجل على فعل الحسنات، هم يضيفون إلى من يتهمونه بالباطل رصيداً وهو لا يعلم ، هذه نعمة ساقها الله سبحانه وتعالى إلينا.

هكذا نكون محسنين في الفعل ورد الفعل، نسأل الله سبحانه وتعال

جعلنا الله وإياكم ممن يستمع القول فيتبع أحسنه.

اللهم صل على محمد وآل محمد.

اللهم كن لوليك الحجة بن الحسن صلواتك عليه وعلى آبائه في هذه الساعة، وفي كل ساعة، وليّاً، وحافظاً، وقائداً، وناصراً، ودليلاً، وعيناً، حتى تسكنه أرضك طوعاً، وتمتعه فيها طويلاً.

اللهم انصر الإسلام والمسلمين، واخذل الكفار والمنافقين.

اللهم اشف مرضانا، وارحم موتانا، وأغنِ فقرائنا، وأصلح ما فسد من أمر ديننا ودنيانا، ولا تخرجنا من الدنيا حتى ترضى عنا يا كريم.

وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين.

 


([1]) أصول الكافي 1/11، كتاب العقل والجهل، الحديث 3.

([2]) أصول الكافي 2/164، باب الاهتمام بأمور المسلمين ...، الحديثان 4، 5.

([3]) انظر: أصول الكافي، باب في أن الإيمان مبثوث لجوارح البدن كلها.

([4]) وسائل الشيعة 20/48، الحديث (25001).

([5]) عوالي اللئالئ 3/340، كتاب النكاح؛ المعجم الأوسط للطبراني 7/131.

([6]) سورة البقرة 129.

([7]) آل عمران 164، الجمعة 2.