موقع السيد حسن النمر الموسوي

حديث الجمعة

جديد الموقع

نص الكلمة التي ألقاها سماحة العلّامة الحجة السيد  حسن النمر الموسوي يوم الجمعة ٨ شعبان ١٤٣٨ هجري في جامع الحمزة بن عبدالمطلب بمدينة سيهات، بمناسبة الذكرى الثانية للشهداء التفجيرات الأرهابية :

 

 أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين محمد بن عبدالله وعلى آله الطيبين الطاهرين.

رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري واحل عقدة من لساني يفقهوا قولي.

 عباد الله أوصيكم ونفسي بتقوى الله.

 لا نزال نتفيأ وإياكم ظلال مواليد أبطال كربلاء الإمام الحسين عليه أفضل الصلاة والسلام والإمام السجاد وأبي الفضل العباس، والذين إنما نملك الخير بسبب ما قدموه من تضحيات في سبيل هذا الدين، وفي سبيل الله عز وجل، والله سبحانه وتعالى يقول {لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ} ويقول عز وجل {وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوها} وقد يتوهم كثير من الناس أن القرآن الكريم حينما يتحدث عن الشكر ويتحدث عن النعم، إنما يراد النعم المادية التي يأنس الناس بها ويعيشونها ليلا ونهارا في ارتباطاتهم، في علاقاتهم الاجتماعية، في كل شؤون حياتهم ، غير أن هناك نعماً ليست تضارع هذه النعم المادية التي نعرفها، وإنما لا يمكن أن نقيس بين النعم المادية وبين هذه النهاية، ومنها نعمة الحق.

 الله سبحانه وتعالى خلق هذا الكون بالحق وعلى أساس الحق، والحق، من أجل أن نعرفه في تفاصيله ومفرداته، لابد لنا أن نتفيأ ظلال نعمة أخرى، هي نعمة الدين، الذي جعل الله عز وجل هذا الدين، بدءاً من نوح إلى آخر نبي بعثه الله عز وجل وجعله رحمة للعالمين، من أجل أن يعرفوا الحق ويتناغموا مع الحق، فلا يقعوا في شراك الباطل، ولا يكونوا من أهل الباطل، ولا يميل إلى أهل الباطل، وإنما ينحازون انحيازاً تاماً ومطلقا، مع هذا الحق ومن يمثله، فإن الله عز وجل يقول {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ}والسبب هو أن الحق من يمثله ومن يجسده وما هو معدنه...؟

 الله سبحانه وتعالى ومن يرتبط به ارتباطاً صحيحاً، وهم أولياؤه والطاهرون، المتمثلون في الأنبياء والأئمة، فالدين حق، ويعبّر عن الحق، وهو شرعة الحق، والأنبياءُ والأئمةُ، وهذان نعمتان، إن لم نقل انهما نعمة واحدة، لا يمكن أن تشييع حماة الصلاةنفهم الدين ونفقهه حق الفقه والفهم، حتى نكون من أهل الحق، إلّا أن نرتبط بالأنبياء والأئمة صلوات الله وسلامه عليهم.

فحينما يأمرنا الله عز وجل أن نطيع الأنبياء، ويبيّن أن هذه هي سنته {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ} فالأنبياء، دورُنا نحن، طبيعة علاقتنا التي تحكمنا وإياهم، هي أن يكون [النبي أو الإمام] مطاعاً وأن نكون نحن مطيعين، ليس من باب أن ثمة أمرا يجب أن ننسق ونتناغم معه هو أن يكون هناك مطيع وهناك مطاع، المسألة لا ترتبط بهذا العنوان فقط، وإنما هناك حقٌ لا يمكن أن يتحقق للإنسان كمالُه، إلّا بأي يتوافق معه، ولا يمكن ان نتوافق معه إلّا أن نكون من أهل الدين {إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ} ويقول في مورد آخر {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ} وإنما نعرف الحق هذا، ونعرف الدين ونتديّن بدين الحق من خلال معرفتنا بالأنبياء و طاعتنا لهم، من خلال معرفتنا بالأئمة وطاعتنا لهم، وهذا واحد من أسرار قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم موصيا هذه الأمة أن ترتبط ارتباطاً وثيقا بأهل البيت، حيث جعلهم بأمر من الله عز وجل، لأنه لا ينطق عن الهوى { إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ} ربط بين الدين وبين القرآن الذي هو الدستور الشامل والكامل لهذا الدين، ربط بينهم  وبين العترة، وشهد لهم بأنهما (لن يفترقا) لذلك فإن كل ما بنا من نعمة فهي من الله {وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ} ويقول الامام السجاد عليها أفضل الصلاة والسلام (من أين لي الخير ولا يوجد إلا من عندك).

 كيف نعرف الحق، وكيف نروض أنفسنا أن نرتبط بالحق..؟ من خلال الارتباط بهم.

 لكن هذا الارتباط، وهذا الفهم يحول دونه عقبات عبر التاريخ، لو اننا قرأنا سيَر الأنبياء والأولياء، عبر التاريخ لوجدنا أنها ممزوجة امتزاجاً كبيراً وشديداً بالعقبات والتعثرات، التي يريد الشيطان وأولياؤه أن يضعوها بين الناس حتى لا يصلوا إلى الحق، يؤزونهم، يوسوسون لهم، يشوشون لهم يرغّبون لهم، ولكن إن لم ينفع الترغيب، يبدأ الترهيب والإجرام، وما عشنا في هذه المنطقة، أيها الإخوة، قبل سنتين، حيث حصلت تلك الجرائم في القديح، وفي الدمام ، ثم تلاها في الأحساء، وكذلك في الحيدرية، وما تعيشه الأمة من هذا الإرهاب الذي يراد نسبته للدين، ليس إلا إجراما شيطانيا، يريد أن يقطع صلة الناس بالدين الحق، غير أن الله سبحانه وتعالى منّ علينا بالدين، منّ علينا بالارتباط برسول الله وبآله، وكان من ثمرة هذا الارتباط، هذا الإصرار من المؤمنين على أن يفدوا على بيوت الله عز وجل، على رغم أنوف من كانوا يريدون للناس أن ينقطع عن هذه البيوت المقدسة، وكذلك انبرى بعض أبطال هذا المجتمع لأن يصدوا عدوان المعتدين، فكانت هذه الثمرة للشهداء.

ففي الحقيقة إذا أُزهقت أرواح الشهداء، لا تجعلهم أمواتا، لأن الله عز وجل يشهد للشهداء بأنهم {أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} وينفي الزعم بأن الشهيد يموت، الشهيد لا يموت، الشهيد يمثل -في هذا الكيان- مثل العروق التي تنغرس في الأرض، لتشرب الماء، فتنمو هذه الشجرة، فتثمر ثمرات طيبة.

هذه الثمرات كيف نعرفها...؟

نفس هذا الحضور، هذا الاحتفاء، وهذا الاحتفال بذكرى الشهداء، يبيّن لنا، ويؤكد لكل واحد منا، أن في هذا المجتمع وفي هذه الأمة، خير، وأن الناس مصرّون على هذا الخير، لذلك من حق الشهداء علينا، أن نذكرهم دائما، نترحّم عليهم.

نسأل الله عز وجل أن يعلي درجاتهم، لأن في مثل هذا السؤال، وفي مثل هذا الاستذكار، رداً للحجر من حيث أتى، ورداً لعدوان المعتدين، ونؤصّل في أنفسنا، أننا كأمة إسلامية، وبالخصوص اتباع أهل البيت لا نقبل أي يسفك الدم بالحرام، لا يمكن لواحد من أتباع أهل البيت أهل البيت عليهم أفضل الصلاة والسلام، إذا نظم سلوكه على أساس هذه الثقافة، أن يقبل بأن يظلم أحداً جلب شعيرة، كما يقول أمير المؤمنين، فكيف بأن يسفك الدمُ الحرام في شهر حرام في بيت حرام، هذا أمر يتنافى تنافياً تاما،ً مع هذا الإسلام، مع هذا الدين، لذلك نسأل الله عز وجل أن يرحم هؤلاء الشهداء، الذين سجّلوا أروع الصور، في التأكيد على أن بيننا وبين الإجرام والإرهاب فاصلة، مسافة، ليسوا منا ولسنا منهم، نحن عبادُ الله، نحن المرتبطون بالثقافة النازلة من عند الله عز وجل، التي تأبى الظلم وتأبى أن يرتبط الإنسان بالظلم، مهما كان، ولو توقف على ذلك أن تسفك الدماء، فنحن على أتم الاستعداد أن تسفك دماؤنا، ولا نظلم أحداً، أن لا يرتبط واحدٌ منا بهذه الثقافة الإجرامية.

نسأل الله عز وجل يحشر شهدائنا حيثما ما كانوا، وفي أي بقعة من بقاع الأرض كانوا، الذين وقفوا أمام الإجرام، أن يعلي الله عز وجل درجتهم وان يجزل لهم العطاء وأن يربط على قلوب ذويهم ومحبيهم، وأن الدفاع عن هذه الأمة الشرورَ التي تُراد بها، شرار وشرور التمزيق والتفرقة وتحطيم كيان هذه الأمة من الداخل، حتى تلجأ هذه الأمة إلى أعدائها، ظنا منهم أن في ذلك خلاصهم، الخلاص الوحيد هو أن نرتبط بالله عز وجل، أن نعزز فيما بيننا روح المحبة، روح المودة، مهما اختلف الناس فيما بينهم، فان نقاط الالتقاء يجب أن تكون هي المحور الذي يعملون عليه {إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ}.

أسأل الله عز وجل أن يوفقنا وإياكم إلى كل خير، وأن يحفظ بلادنا ومجتمعنا وأمتنا هذه، من كل شر يراد بها.

 اللهم صل على محمد وآل محمد، اللهم كن لوليك الحجة ابن الحسن صلواتك عليه وعلى آبائه في هذه الساعة، وفي كل ساعة، وليا وحافظا وقائدا وناصر ودليلا وعينا، حتى تسكنه ارضك طوعا وتمتعه فيها طويلا.

اللهم انصر الإسلام والمسلمين، واخذل الكفار والمنافقين، اللهم أشف مرضانا وارحم موتانا وأغن فقرائنا، وأصلح ما فسد من أمري ديننا ودنيانا.

ختاما، أقدم الشكر الجزيل الجزيل، لهؤلاء الشباب الذين يعملون على حمايتكم كل ولرجال الأمن أيضا، الذين يتكرر حضورهم بهذه الصورة المتكررة، مع شدة الحر، أسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقهم وأن يجزل لهم العطاء ويحفظهم وإياكم من كل سوء.

وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين

 

لمشاهدة الكلمة المسجلة في هذا الرابط