موقع السيد حسن النمر الموسوي

حديث الجمعة

جديد الموقع

نص الكلمة التي ألقاها سماحة العلّامة الحجة السيد  حسن النمر الموسوي يوم الجمعة ٢٩ شعبان ١٤٣٨ هجري بعنوان «في استقبال الشهر الكريم» في جامع الحمزة بن عبدالمطلب بمدينة سيهات:

 

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين.

رب اشرح لي صدري، ويسر لي أمري، واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي.

يقول الله عز وجل ﴿.. لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ..﴾ [إبراهيم: 7]، ويقول سبحانه وتعالى ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ..﴾ [النحل: 18].

نحمد الله سبحانه وتعالى أن بلغنا وإياكم هذه الأيام حيث نودع فيها شعبان، ونستقبل شهر الله الكريم، شهر رمضان، شهر الخير، شهر البركة، شهر العطاء، شهر الرحمة، شهر التخلق، وشهر الإحسان، الذي نسأل الله سبحانه وتعالى أن يُكرمنا وإياكم - جميعاً وجميع المؤمنين والمسلمين - أن نكون من أهل ضيافته سبحانه وتعالى، وأهل كرامته، كما ذكر ذلك رسول الله (صلى الله عليه وآله) في الخطبة التي شُنفت أسماعنا بها.

هذه الخطبة الكريمة، والمروية في مجامع الحديث، بصيغ مختلفة إلى حد ما، لكن هذا المضمون كله مذكور عند جميع المسلمين، تمثل خطة العمل التي ينبغي للمسلم أن يتعامل من خلالها مع نعمة شهر رمضان.

كل واحد منا يصيبه شيء من التآكل والتصحر في بنيته الجسمانية، الإنسان ينمو ثم يبدأ قوس النزول، يعني بعد مرحلة الشباب يبدأ سن الكهولة والشيخوخة والعجز إلى الموت، هذا إذا سار الإنسانُ سيراً طبيعياً، وقد يخترمه الموتُ قبل ذلك بمدةٍ مديدةٍ. في هذه الفترة ليس عقلك أو بدنك فقط يصاب فيها بالتآكل والضعف، عقل الإنسان يتآكل، روح الإنسان تتآكل، همة الإنسان وإرادته تتآكل، ليس في ما يتعلق بالجانب المادي بل حتى بالجانب الروحي والجانب المعنوي، لكن الله عز وجل - من نعمه على الناس - وفَّر لهم كل ما من شأنه أن يُبقي لهم روحَ السمو، روح الرقي، روح الإنسانية والتكامل فيهم، من حيث المكان ومن حيث الزمان.

ثمة أمكنة قدَّسها الله عز وجل، وباركها؛ كالبيت الحرام، ومسجد النبي، والعتبات المقدسة، والمسجد الأقصى في بيت المقدس، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يحرره من الصهاينة المحتلين، وأن يرد كيدهم إلى نحورهم، ويجعل تدميرهم في تدبيرهم.

هذه البقاع إنما وضعها الله عز وجل للناس من أجل أن يُحافظ على إنسانيتهم؛ حتى يحملوا - باستحقاق - عنوانَ خلفاء الله في الأرض حيث قال عز وجل ﴿.. إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ..﴾ [البقرة: 30]، المقصود من خلقة هذا الإنسانَ هو أن يكون عبداً صالحاً لله عز وجل، وفاقاً لما جاء في قوله سبحانه وتعالى ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56]، لا لأن الله يحتاج إلى عبادتنا من الصلاة والصيام والحج والزكاة وكل ما ذُكر في الكتاب الكريم والسنة المطهرة! لأنه - سبحانه وتعالى - غني حميد لا يحتاج إلى العباد، وإنما يحتاج الناسُ - حتى يتكاملوا - إلى أن يعبدوا اللهَ سبحانه وتعالى.

فالصوم يفيدك أنت لا يفيد اللهَ سبحانه وتعالى؛ لأنك - أنت أيها الإنسان - الفقيرُ ﴿ .. وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر: 15]. ولذلك، جاء في قوله عز وجل ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 183].

ثمة هدفٌ سامٍ ورفيعٌ بعيد المنال هو التقوى، والتقوى تعني أن يقي الإنسانُ نفسَه مصارعَ السوء وكلَّ المكاره، العاجلة والآجلة.

كيف يكون الإنسان من أهل التقوى، أي من أهل التقوي والحماية والصيانة؟

هي أن يكون قريباً من الله عز وجل.

كيف يكون قريباً من الله سبحانه وتعالى؟

﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: 56].

التقوى تعني الإحسانَ، سواء تمثَّل الإحسانُ في أن تتلمس حاجات المحتاجين، مثل هذه المواسم الخيرة التي يستشعر الناسُ فيها - أشدَّ وأشدَّ - حاجات المحتاجين. إذا أقبل شهرُ رمضان تنعطف قلوبُ الناس نحو المحتاجين والمساكين، كهذا المشروع الذي اعتدنا سنوياً أن نستذكر إخواناً لنا، امتحنهم الله عز وجل بضيق ذات اليد، في كل سنة الرقم يزداد، الحاجة تشتد، ومع ذلك نجد أن الناسَ، ممن أنصت لنداء الله عز وجل، يشعر بحاجات هؤلاء فيقترب منهم، ويطرق باب رحمة الله عز وجل من خلال إيصال ما يمكنه أن يوصله إليهم من المساعدة.

ولذلك، نأمل التفاعل الحي، لا تزال الحاجةُ قائمةً، العددُ أكثرُ من العام الماضي، مبالغ طائلة أيضاً يحتاج هذا المشروع، وإن شاء الله همتكم وهمة إخواننا المؤمنين أن لا نغفل هذا الباب الذي فتحه الله عز وجل علينا ولنا؛ لأن من لا يطرق مثل هذا الباب سيكون هو المحرومَ.

الله سبحانه وتعالى يحب من الناس أن يكونوا محسنين، أمكنة - كما ذكرنا - جعلها الله عز وجل مواضع للإحسان، وأزمنة جعلها الله سبحانه وتعالى مواضع للإحسان، ومنها شهر رمضان الذي اختصه الله عز وجل بأن جعله أفضل الشهور، حتى نسبه إلى نفسه فجُعل "شهر الله"([1]).

هذا الشهر - كما جاء في الخطية النبوية الشريفة([2])- ، جُعلتم فيه أهل ضيافة الله، جعلتم فيه أهل كرامة الله، أبواب الجنان مفتوحة؛ وهي مفتوحة دائمةٌ لكن في شهر رمضان فتحها الله عز وجل بشكل أوسع، وأسرع وأيسر ليس مطلوباً من الناس الشيء الكثير، كل ما يطلبه الله عز وجل في شهر رمضان هو ضمن القاعدة الشرعية العامة، ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا .. ﴾ [البقرة: 286]، أو ﴿إِلَّا مَا آتَاهَا ..﴾ [الطلاق: 7] في نص آخر.

لم يكلف الله عز وجل الناس بالصيام وهم لا يستطيعون الصيام! فحالكم أيها - المؤمنون - في شريعة الإسلام كحال من سبقكم، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ [البقرة: 183]، الإنسان بطبعه ينشد التقوى لو أنه فهم التقوى وفقِهها، ليس واحدٌ من الناس يأبى أن يكون من المتقين، كل هؤلاء الذين ينشطون في الحياة الدنيا هم - في الحقيقة - يريدون شيئاً واحداً، يريدون الكمال، يريدون السعادة، يريدون الخير!

لكن الفرق الفارق بينهم هو أن هنالك إنساناً فقِه الطريقَ، وفقِه السبلَ التي تؤدي به إلى هذه الغاية؛ وهي التي ذكرها الإمام السجاد (عليه السلام) في دعائه في استقبال شهر رمضان، "سبل الإحسان"، هذه السبل الإحسانية هناك مَن طرَق بابَ الله عز وجل، وفتح سمعه؛ ليصل إليه نداء الله؛ لأنه من المتقين، والقرآن ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: 2]، عرف ما أراده الله عز وجل منه، وهناك مَن تصور أنه قادرٌ على أن يستقل عن الله عز وجل! فذهبت به المذاهبُ! فظن أن جمع المال، يتصور أن جمع المال، هو الذي يجعله قوياً عزيزاً، وأنه الذي يستجلب به النصرَ! لكن الله سبحانه وتعالى ينفي ذلك نفياً تامّاً!

الطريق إلى الجنة

الجنة ليست مربوطةً لا بالمال، ولا مربوطة بالقوة المادية، ولا مربوطة بالوجاهة الاجتماعية، ولا كل ما شابه هذه العناوين التي يتصارع عليها الناسُ، ويتكالب عليها أهل الدنيا، الجنة لها طريقٌ واحدٌ هو أن يكون الإنسانُ من أهل التقوى.

ولتحقيق هذه التقوى سبلٌ.

من هذه السبل الصيامُ، الذي من فلسفته أن يجعل الإنسانَ قادراً على أن يصبر؛ فإن "الصبر من الإيمان كالرأس من الجسد"([3]).

الذين لا يصبرون، والذين يستعجلون تحقيق الأماني قبل بلوغ أوانها، مثل هؤلاء لا يمكن أن يكونوا كمن أهل التقوى التي تجعل أبوابَ الجنة مفتحةً لهم، فمع أن الله عز وجل يصفِّد الشياطينَ في شهر رمضان، لكن هؤلاء - الذين يستعجلون، ولا يصبرون صبر المؤمنين - يتعجلون ويبادرون - هم بأنفسهم - إلى فتح وفك هذه الأصفاد عن الشياطين، فيسلطونها عليهمّ

كيف يسلطونها عليهم؟

يندبنا الله عز وجل، ويوجب علينا، أن نصومَ، لكن هؤلاء لا يصومون نعوذ بالله!

يندبنا الإسلامُ على أن نتلو القرآنَ، لكن هؤلاء لا يتلون القرآن! أو أنه - لو تلوه، وصاموا - زاحموا هذين وأمثالهما من الأعمال الخيرة والعبادية بأشياء أخرى كثيرةٍ!!

وثمة ترتيب شيطاني كبير إلى أن يُسلب من الناس اهتمامَهم بشهر رمضان، واستثمارِ أوقاته التي يجب أن نتعامل معها على أنها أوقاتٌ استثنائيةٌ.

"أنفاسكم فيه تسبيح، نومكم فيه عبادة"([4]).

كيف يستبدل الإنسانُ مثلَ هذه الأعمال الخيرة بأعمالٍ لا تؤدي به إلى الله عز وجل! بل تزيد تشوشَه تشويشاً، وتزيده بعداً عن الله عز وجل! تلهيه مثل هذه الملهيات؛ وهي كثيرة لا حاجة إلى تعدادها، تهليه عن استثمار هذه الأيام الطيبة التي تؤدي به إلى الله وتقربه إليه، بحيث ينتقل من هذه الضفة إلى ضفة أخرى.

شهر رمضان هو شهر الإحسان، كما ذكر رسول الله، هو شهر الخير، شهر البركة، "شهر دعيتم فيه إلى ضيافة الله"، يعني أن الداعي والمضيف هو الله، الضيف هو أنت، الضيافة هي أن تنال شيئاً يكافئك الله عز وجل عليه، ولا يستطيع أحدٌ أن يكافئك به إلا هو سبحانه وتعالى، وهي (الجنة). أمير المؤمنين (عليه أفضل الصلاة والسلام) يقول "إن لأنفسكم ثمنا هو الجنة فلا تبيعوها إلا بها"([5]).

لا يجوز للإنسان أن يضحِّي بنفسه، ويبيع نفسه، إلا أن يكون ثمنُ ذلك الجنةَ، التي وعدها الله عز وجل للمتقين حصراً.

طريق التقوى، وأحد أهم طرق التقوى، الصيام، الذي من أهم فلسفاته أن يروِّض الإنسانُ نفسَه على الصبر على حكم الله، الصبر على طاعة الله، الصبر عن معصية الله. ولذلك، فإن أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) لَما ألقى النبيُّ (صلى الله عليه وآله) خطبته الشريفة التي سمعناها، ماذا يقول، يسأل - وهو التلميذ النجيب لرسول الله، الخريج الأول لهذه المدرسة - ما هو أفضل الأعمال في شهر رمضان ؟

فأجابه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بقوله "الورع عن محارم الله"([6])، إذا دار أمرك بين أن تتعبد لله كثيراً بتلاوة القرآن، وأعمال الطاعات، أو أن تكفَّ عن الوقوع في معصيةٍ واحدةٍ، ولم تتمكن من الجمع - وهو مقدور عليه - لكن لو فرضنا، لكن حذار من أن يرتكب الإنسان في هذه  الضيافة الكريمة في هذه الأزمنة المقدسة شيئاً من معصية الله، وما أكثر الدواعي إلى معصية الله.

أوصيك نفسي، إخواني المؤمنين، أخواتي المؤمنات، وإياكم، وجميع المؤمنين، إلى أن نعمل بهذه الخطة النبوية الربانية التي ألقاها على مسامعنا رسولُ الله عبر هذه الأجيال، هي أعمالٌ بسيطةٌ، ليست أعمالاً عسرةً، ليست أعمالاً صعبةً، لكنها تحتاج منا إلى إرادةٍ صلبةٍ، هذه الإرادة التي تجعل كلَّ واحدٍ منا يصوم هذه السويعات الطويلة في هذه المنطقة الحارة استجابةً لأمر الله، ليس من الصعب علينا أن يروض الإنسانُ نفسَه على حسن الخلق، الزوج مع زوجته، الوالد مع أولاده، الزوجة مع زوجها، الأم مع أولادها، الصديق مع صديقه، الأخ مع أخيه، القريب مع قريبه، بل حتى العداوات - التي يمكن أن تحصل من دون مبرِّرٍ - من السهل للإنسان أن يتخلص منها في مثل هذا الشهر الكريم، سواء مع الأقرباء منه، الأباعد عنه، شرط أن يكون ذلك كله في ظل ولاية الله عز وجل.

لا نطالب الناس أن يكونوا على صلح مع الشيطان - نعوذ بالله - أو مع أوليائه، الصلح والسلام والأمن والإيمان يجب أن يكون مع أولياء الله عز وجل ومع هذه الحِكم والأحكام.

هي فرصةٌ - إذن - نادرةٌ، نعمةٌ ربانيةٌ كبرى منَّ اللهُ سبحانه وتعالى علينا بأن بلَّغنا وإياكم إياها بعد أن فات على كثيرٍ وقد ألحوا على الله عز وجل أن يوفقوا إليه، لكننا إلى الآن على وشك أن ندخل هذه الضيافة الكريمة، فلنسألْ الله عز وجل بقلوبٍ صادقةٍ، ونياتٍ صادقةٍ، وبقلوبٍ طاهرةٍ، أن يبلَّغنا صيامَ هذا الشهر الكريم وتلاوةَ كتابِهِ حتى نتدبرَه ونفقهَهُ؛ فإن من لا يتدبر القرآنَ لن يستفيد من هذا الشهر! مَن لا يحسن تلاوة القرآن التلاوةَ الصحيحةَ لن يوفقَ لأن يتلو القرآنَ ويتَّبعَه، ومِن شأن اتباع القرآن وفقه القرآن أن يهتدي مَن يصل إلى ذلك إلى الصراط المستقيم قولاً وفعلاً.

نسأل الله سبحانه وتعالى أن يمنَّ علينا وعليكم بصيام شهره وتلاوة كتابه وتدبرها، وأن يوفقنا وإياكم إلى أن نكون من أهل الخير، وأن يدفع عنا وعنكم وعن جميع المؤمنين شرَّ كلِّ ذي شرٍّ.

اللهم صل على محمد وآل محمد.

اللهم كن لوليك الحجة بن الحسن صلوات عليه وعلى آبائه في هذه الساعة، وفي كل ساعة، وليّاً، وحافظاً، وقائداً، وناصراً، ودليلاً، وعيناً، حتى تسكنه أرضك طوعاً، وتمتعه فيها طويلاً.

اللهم انصر الإسلام والمسلمين، واخذل الكفار والمنافقين.

 اللهم اشف مرضانا، وارحم موتانا، وأغن فقرائنا، وأصلح ما فسد من أمر ديننا ودنيانا، ولا تخرجنا من الدنيا حتى ترضى عنا يا كريم.

وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين.

 


([1]) انظر: كتاب الكافي 4/66 وما بعدها، باب فضل شهر رمضان.

([2]) انظر أمالي الشيخ الصدوق، المجلس العشرون.

([3]) أصول الكافي 2/88، باب الصبر، الحديث 3.

([4]) أمالي الصدوق، المجلس العشرون.

([5]) انظر الحكمة 465 في نهج البلاغة.

([6]) أمالي الصدوق، المجلس العشرون.