موقع السيد حسن النمر الموسوي

حديث الجمعة

جديد الموقع

نص الكلمة التي ألقاها سماحة العلّامة الحجة السيد حسن النمر الموسوي بعوان «الاستثمار الصحيح لشهر رمضان - ١» والتي ألقاها يوم الجمعة ٧ رمضان ١٤٣٨ هجري في جامع الحمزة بن عبدالمطلب بمدينة سيهات:

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين.

 رب اشرح لي صدري، ويسر لي أمري، واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي.

 عباد الله! أوصيكم - ونفسي - بتقوى الله.

قبل الشروع في الحديث، اعتدنا في شهر رمضان من كل عام أن  نحيط الإخوان علماً بالمبالغ التي تُجمع منهم من باب الصدقة، في ليالي الجمعة وأيام الجمعة.

صدقات العام الماضي، يعني السنة هذه التي فاتت من شهر رمضان إلى الآن، بلغت مليوناً وثلاثة وعشرين ألف ريال مع بعض الكسور، أنقص من العام الماضي بقليلٍ، وسأذكر السبب.

العام الماضي كان زيادة على هذا العام ثلاثمئة وواحد وخمسين ألف ريال، والسبب هو أننا افتقدنا الأخوات الكريمات في هذه السنة بسبب الأعمال الإرهابية، ولذلك فإن المنسوب هو هو، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يعوضنا وإياكم والمؤمنين خير العوض.

المبالغ التي سلمت الجمعية - كما هي العادة، عادة نسلِّم الجمعية أغلب المبالغ - ستمئة وأربعة وعشرين ألف ريال (٦٢٤٠٠٠) تُصرف عادة في إفطار صائم، [ترميم] مساكن متضررة، مساعدات زواج، احتياجات المسجد أيضاً هنا. الباقي من المبالغ يصرف من قبل إدارة المسجد والمكتب على نفس الاحتياجات، المرضى، والمحتاجين، والمستحقين، والمتزوجين.

نسأل الله سبحانه وتعالى أن يتقبل منكم ما يجري على ما قدمتم في ميزان أعمالكم.

حديثنا سيكون بعنوان «الاستثمار الصحيح لشهر رمضان».

الله سبحانه وتعالى منَّ على الإنسان بوجوده وبالزمان، أي العمر الذي يقضيه في هذه الدنيا، وقد وجَّهنا سبحانه وتعالى أن نحسن استثمار هذا العمر، فـ (الليل والنهار يعملان فيك فاعمل فيهما) كما ورد في الخبر الشريف([1])، والله سبحانه وتعالى يقرر أن الناسَ سيصيرون إليه، حيث قال إليه ﴿تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾ [الشورى: 53]، وقرر أن الناس - بشكلٍ خاصٍّ - راجعون إلى الله عز وجل ﴿.. إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ﴾ [البقرة : 156]، وطلب منا ألَّا نرجع إليه إلا بوجوهٍ بيضاءَ، وهذا ما نلحُّ على الله عز وجل في الأدعية بأن يفك رقابنا من النار، وأن يدخلنا الجنة، يعني أن نكون مقبولين ومرضيين ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ [الفجر: 27].

كيف يرجع الإنسانُ ونفسُهُ إلى ربِّه مطمئنةً راضيةً مرضيةً؟!

أن يكون مؤمناً، وعاملاً للصالحات.

الإيمان والعمل للصالحات يحتاج أن نوفِّر له بيئةً صالحةً، وكلُّ عملٍ ينجَز في عالم الدنيا، والله عز وجل كلَّفنا أن نعملَ - فقال عز وجل ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَ الْمُؤْمِنُون‏ ..﴾ [التوبة : 105]، كلُّ عملٍ يحتاج إلى أن نوفر له البيئةَ المناسبةَ، التي تتوفر فيها الأسبابُ، ونرفع فيها الموانعَ، أبسطُ الأشياء يحتاج إلى جهدٍ، يحتاج إلى تخطيطٍ، يحتاج إلى مثابرةٍ، يحتاج إلى مراجعةٍ ومراقبةٍ مستمرةٍ، مَن لم يفعل ذلك قد يجد، وفي كثيرٍ من الأحيان هذه هي النتيجة المنطقية والطبيعية، إنه بعد أن قضى عمراً مديداً وطويلاً، فإذا بعمله هذا ليس على الوجه المرضي والمطلوب، ومَن ثَم تجدون، حتى في عالم الرياضة، وهو شأنٌ دنيويٌّ بحتٌ لا ربطَ له بالآخرة.

بمعنى أن هذا الذي يذهب ويلعب في الرياضة، لا يريد أن يقول إن هذه الرياضةَ، ويعلم أنه لا يقول أن هذا هو رصيدي الذي سأذهب به إلى الله عز وجل وسأدخل به الجنة، لا يدَّعي أحدٌ ذلك، وإنما هو نوعٌ من أنواع الترفيه، نوع من أنواع أحكام تقوية البدن، وهو أمرٌ مطلوبٌ ويشجع عليه، لكن حتى هذا الأمر الدنيوي البحت، يبذل كلُّ اللاعبين والإدارات للنوادي، كلُّ الجهد من أجل أن يطوروا من إمكانات هؤلاء اللاعبين، عبر المدربين المتميزين، عبر الدورات التدريبية الرياضية المناسبة، حتى ينتقل هذا الفريق وهذا النادي، من نادٍ وفريقٍ متواضعٍ إلى نادٍ متميزٍ، وكلٌ حسبَ الجهد الذي يبذله، وقد يُبذل في سبيل ذلك الأموال الطائلة.

فكيف بك إذا أردت أن تواجه مصيراً هو خلودك ؟!

لاحظوا، أن الله سبحانه وتعالى، وهنا عدد من الوقفات، ستؤسس لِما نريد أن نكون بصدد الحديث عنه، ويذكّرنا بأشياء عديدة منها:

أولاً - نعمة الوجود والبقاء

الله سبحانه وتعالى أخرجنا من كتم العدم إلى عالم الوجود، وهي نعمة امتن الله سبحانه وتعالى بها على كل المخلوقين، فقرر وذكَّر المخلوقات بأنه ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيء﴾ [الأنعام: 102]، من باب الامتنان. يعني أن الناس والمخلوقات كيف يجب أن تتعامل مع الله عز وجل؟

يجب أن تتعامل معه على هذه القاعدة، على قاعدة أن وجودك - أي خلقك في هذا العالم- إنما كان سببه ومنشأه ومبدأه اللهَ سبحانه وتعالى، ولو لم يكن نعمة الخلق نعمةً على درجة عالية من الأهمية والقيمة والمكانة، لما كان جديراً أن تُستعمل من باب الامتنان، بل هي النعمة الأساسية، لاحظوا، يقول عز وجل ﴿وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [فصلت: 21]، يمتن علينا، وله سبحانه وتعالى أن يمتن؛ لأن الخلق والوجود نعمةٌ لا تُقدر بثمن ﴿وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾، ثم يضيف عز وجل ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾، يعني كما أن الله عز وجل امتن عليكم بالنعمة الأولى سيمتن عليكم بنعمةٍ أخرى؛ وهي نعمة الرجوع إليه.

لماذا نقول إنها نعمة؟

لأن الثواب الذي سيجنيه الإنسان في رجوعه إلى الله عز وجل، إذا أحسن استثمار خلق الله عز وجل له في هذا العالم، ستكون شيء يفوق التصور، وهي ﴿جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: 133]، إنما أعدت هذه الجنة لأهل التقوى، أما غير أهل التقوى فلن يكونوا من أهلها.

فإذن، ثمة نعمة نسميها نعمة الوجود ونعمة البقاء.

وقد تسأل:

كيف، من يضمن بأننا باقون؟

الآيات القرآنية - ونحن نتكلم في شهر رمضان - وقد ورد في الخبر الشريف أن لكل شيء ربيعاً "وربيع القرآن شهر رمضان"([2]) يعني هذا هو الموسم الذي يتيسر فيه التنعُّم بنعمة القرآن الكريم، على أعلى مراتب التنعُّم، حيث نتلوه نتدبره، نعيش فيه، يثيب الله عز وجل تاليَه، ليس بالجملة والآية، ولا بالكلمة، بل يقيس الله عز وجل مقدار الثواب بالحروف التي ينطقها الناس في القرآن الكريم، وهذا من فضل الله سبحانه وتعالى.

ولذلك سبب، هو أن القرآن تذكرة، هو أن القرآن موعظة، هو أن القرآن هو الذي يعرفنا دائما بخارطة الطريق التي يجب أن نختطها لأنفسنا، إذا ما أردنا أن نفد على الله عز وجل، راضين مرضيين.

ماذا يقول سبحانه وتعالى عن مسألة البقاء والخلود؟

يقرروها بشكلٍ قطعيٍّ لا لبسَ فيه، فالناس جميعاً من دون استثناءٍ، جاؤوا إلى عالم الدنيا وعالم الوجود، ليبقوا، لا ليبقوا في عالم الدنيا، لكن ليكونوا موجودين، دائماً وأبداً.

مثلاً كيف نقرر؟

كيف يكون الناس مخلَّدين وخلود المخلوق غير خلود الخالق؟

خلود الخالق ذاتي، سببه ذاتي، الله سبحانه وتعالى لا أول له، ولا آخر له، موجود وهو الوجود في ذاته، أما أنا وأنت فوجودنا مكتسب، أوجدنا الله عز وجل، ثم امتن علينا، أنعم علينا بأن هذا الوجود وهذه العطية التي أعطانا إياها، لن يسلبها منا، سواء كنا صالحين، أو - نعوذ بالله - كان الإنسانُ طالحاً، لن تُسلب منه نعمة الوجود، لكن حذار من أن يبقى موجوداً وهو في جحيمٍ، بل ندبه الله عز وجل أن يكون من أهل النعيم.

فهناك ثلاث مسائل:

المسألة الأولى:

هو أن الله عز وجل، كما جاء في القرآن الكريم، يصنف الخلق إلى صنفين أساسيين، وتحت هذين الصنفين، تدخل جماعات كثيرة، يقول عز وجل في سورة التغابن ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُم مُّؤْمِنٌ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [التغابن: 2]، ليس هناك بعدُ فريقٌ ثالثٌ.

ويمكن واحد يقول :

الفاسقون وين؟

المنافقون وين؟

الفاسقون داخلون في المؤمنين، والمنافقون داخلون في الكافرين، فليس أحدٌ من الناس، ألا وهو عامل للصالحات فيدخل في دائرة المؤمنين، وهي دائرةٌ واسعةٌ، تشمل سيد الخلق على الإطلاق محمداً (صلى الله عليه وآله وسلم)، وتشمل من يقتصر وجوده على الشهادة لله عز وجل بالوحدانية ولمحمد (صلى الله عليه وآله) بالرسالة، حتى لو لم يعمل شيئاً بين هذا وذاك، هذا مؤمن بالمعنى العام، لكن أين إيمان هذا من إيمان مثل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)؟!

والكافرون يدخل فيهم المنافقون، سواء علم الناس وعرفوا نفاقه أو لم يعرفوا

المسألة الثانية: الخلود

الله سبحانه وتعالى يصنف الناسَ فيجعل لهاتين الفئتين؛ أي فئة الكافرين وفئة المؤمنين، مصيراً هو الخلود، لكن هذا المصير تارةً يكون ممدوحاً، وأخرى يكون مذموماً فعن المؤمنين يقول عز وجل في سورة البقرة، وأمثال هذا المضمون في آيات عديدة، يقول ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: 82]، لا مجال ليخرج الناس ويظن أحد من المؤمنين أن الله عز وجل أعطاه نعمة الوجود وسيسلبها منه!

لن يسلبها منك.

نعم، في عالم الدنيا سيحرم الإنسان من وجوده الدنيوي ليعوض عنده وجودهم الأخروي، الموت ليس فناءً، الموت هو محطةٌ انتقاليةٌ من عالم الدنيا إلى عالم الآخرة. ولذلك، يقول أمير المؤمنين (عليه السلام) "الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا"([3]) وجودنا في عالم الدنيا هو وجود ضعيفٌ ضئيلٌ، في عالم الآخرة ذاك هو الوجود ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾ [العنكبوت : 64]؛ أي هي الحياة الحقيقية أما حياتنا هنا فليست شيئاً.

ولذلك، نستوعب أن أعمالنا هنا التي نأتي بها قد لا تبدو لنا ذات قيمة إذا كانت من الأعمال الصالحة، وقد لا تكون خطرة بالنسبة لنا إذا كانت من الأعمال غير الصالحة! والسبب هو أننا لا نراها كما هي، لا نراها في صورتها الحقيقية، صورتها الحقيقية أي ملكوتها سيبدو لنا لاحقاً.

المؤمنون قد يستصغرون ركعتين، فتكون هاتان الركعتان - فقط - سبباً لدخوله إلى الجنة، وقد يستخف الإنسان بكلمة تصدر منه، فإذا بهذه الكلمة تكون سبباً لأن يكون مخلداً في النار!

لا ينبغي للإنسان أن يستهين بالعمل الصالح، ولا يستخف بالعمل غير الصالح.

هذا عن المؤمنين.

أما الكافرون، ماذا يقول عنهم؟

في ما يتعلق بالخلود، يقول عز وجل في سورة البقرة أيضاً {وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 39]، كما أن المؤمنين خالدون, الكافرون أيضاً خالدون، كل الناس لا يخرجون - كما ذكرنا - عن دائرة أهل الإيمان أو عن دائرة أهل الكفر.

هناك أيضاً نقطة ثالثة لابد أن نلتفت إليها حتى نحسن استثمار هذا الشهر الكريم شهر رمضان نتفقه فيه، نتعلم فيه، نتدبر القرآن فيه، نستروح بالقرآن فيه، حتى أن نعلم ما يجب علينا أن نعلمه، وأن نحرص على أن نعلم ما يجب علينا أن نعمل فيه، حتى لا تفوت علينا هذه الفرصة الذهبية التي نسميها عمر الدنيا، والدنيا هي مزرعة الآخرة، هنا عمل وهناك مكافأة وثواب، في الآخرة ليس هناك عمل، لا يطالبنا الله عز وجل بعمل ولم يكلفنا بعمل، التكليف في عالم الدنيا، وهي فترة قصيرة مهما طالت قياساً بالآخرة ستكون قصيرةً جداً.

النقطة الثالثة: القرآن محفوظ

هي أن الله عز وجل تكفل بحفظ القرآن الكريم حتى نمهد لماذا يجب علينا أن نرتبط بالقرآن الكريم، القرآن الكريم تكفل الله عز وجل بحفظه فقال عز وجل ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: 9]، هذا القرآن محفوظ من الله عز وجل، لا يمكن أن يتآكل، لا يمكن أن يُتلاعب به إلى الدرجة التي يزول. قد يتلاعب الناسُ بمضامينه، يحرفون في تأويله، لكن نصه سيكون محفوظاً، وهذا ما تكفل الله عز وجل بحفظه.

إذا كان القرآن الكريم محفوظاً في ذاته، مَن يرتبط بالقرآن، ويعمر قلبه بالقرآن، سيكون محفوظاً بحفظ القرآن، وببركته. وتفصيل هذا طويلٌ، سنتعرض لبعض جوانبه لاحقاً.

والقرآنُ الكريمُ - بالنسبة لنا - نعمةٌ لا تُقدر بثمنٍ، كيف يجب علينا أن نتعامل مع القرآن الكريم؟

مثل ما نتعامل مع أي نعمة من النعم، حتى لو كانت صغيرةً، فكيف إذا كان القرآن الكريم، هذا القرآن الذي هو خطاب الله عز وجل، وكلام الله للناس، وتوجيه الحق سبحانه وتعالى للبشر؛ حتى لا يضلوا، ولا يتيهوا.

المطلوب هو شكر هذه النعمة، والحق عز وجل يقول ﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: 7].

في سورة الزخرف يتعرض الله عز وجل - في آيتين - إلى ما يجب علينا أن نعمله، في ما يتعلق بنعمة القرآن الكريم، يقول سبحانه - مخاطِباً النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) – ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ - وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ  وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾ [الزخرف: 43 - 44].

نعمة القرآن الكريم - كما ذكرنا - ليست نعمةً صغيرةً، الآية ماذا تقول ؟

﴿وَإِنَّهُ﴾؛ أي: القرآن ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ  وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾، الله سبحانه وتعالى لن يوقفنا ليسألنا عن النعم الصغيرة! هذه نعم، والكريم إذا أعطى لا يَسأل عن هذه النعم، كما جاء في الأخبار عنهم (صلوات الله وسلامه عليهم) في تفسير قوله ﴿لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر: 8]، عن البرتقال والتفاح الله سبحانه وتعالى يوقفنا ويسألنا كيف تصرفتم في هذا ؟!

نعم، لو أن الإنسان عصى سيُحاسب على المعصية التي كان سببُها استعمالَه لهذه النعم التي قد تكون في ظاهرها صغيرةً، فوقع في معصية الله عز وجل، لكن سوف تسألون عما امتن الله عز وجل به عليكم، وكان سبباً في صلاحكم، ولم تُحسنوا استثماره، كما فسر ذلك بالإمامة والولاية([4]).

وهنا، الآية تتحدث عن ماذا؟

عن القرآن الكريم، ولذلك ورد - في آية أخرى في سورة الفرقان - عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه يشكو إلى الله عز وجل من هجران قومه للقرآن ﴿وَقالَ الرَّسُولُ يا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً﴾ [الفرقان: 30].

ولذلك، عندنا أدلة، والفقهاء يفتون، يُكره للإنسان أن يحتفظ بمصحف في بيته يعلوه الغبار([5])، لا يسوغ للإنسان أن يحتفظ بنسخ كثيرة في بيته من القرآن الكريم وهو لا يقرأ في جميعها، إذا كنت اعتدت على مصحفٍ واحدٍ، ولا تقرأ في الباقي، تصرَّف به، ابعثه إلى المؤمنين، ضعه في أحد المساجد، حتى يُستفاد منه. أما أن يبقى في بيتك، يعلوه الغبار، فسيأتي إلى الله عز وجل شاكياً!

السبب هو أن الله عز وجل ندبنا إلى تلاوة القرآن من أجل أن نتدبر، وإذا تدبرنا فقهنا وعلمنا، وإذا علمنا عملنا، وإذا عملنا كنا من أهل التقوى، وإذا كنا من أهل التقوى صرنا من الأكرمين عند الله عز وجل؛ ولذلك خلَقَنا الله. الله سبحانه وتعالى إنما خلقنا من أجل أن يثيبنا ويكرمنا، وجعل لذلك أسباباً، منها هذا العلم، والمادة التي إذا تفقه الناسُ فيها، وعلموها، وتدبروا فيها، ستكون سبباً في إعلاء مكانتهم عند الله عز وجل.

الآية ماذا تقول، هذه الآيتان اللتان ذكرناهما في سورة الزخرف ؟

﴿فَاسْتَمْسِكْ﴾، استمسك صيغة استفعل، لم يقل الله عز وجل فتمسك، (استمسك) أعلى من (أَمسك)، أعلى من (تمسَّك) ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ يا رسول الله أنت على صراط مستقيم، فإذا أردت - والخطاب القرآني نزل بـ"إياك أعني واسمعي يا جارة"([6])، النبي واضحٌ موقفه من هذا، لكن الله عز وجل يوجه له الخطاب حتى يفهم المتأسُّون بالنبي كيف يجب أن يكون حالهم عليه ﴿إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾.

حتى لو كان الإنسانُ على صراطٍ مستقيمٍ لا يسوغ له إلا أن يستمسك بالقرآن الكريم، أن يبالغ في اهتمامه بالقرآن تلاوةً، وتدبراً، واهتماماً، وعلماً، وعملاً.

ثم يعلل الله عز وجل ذلك بقوله ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ القرآن الكريم ذِكر، الذكر في القرآن استُعمل على أكثر من معنى أنهاها بعضُ الباحثين إلى ستة عشر معنى، لكن كلها تنتهي إلى معنى جوهري ومحوري واحد، حتى الذَكر مشتقة من الذِكر؛ لأن الذكر يقابل الأنثى، الذكر أقوى من المرأة. ولذلك سمي الذكر.

اشتقاقات ذلك في اللغة، لا أريد أن استقصى؛ حتى لا يطول بنا المقام، الذين يرجعون إلى اللغة - يسمى الاشتقاق الكبير والاشتقاق الصغير - يستخلصون معاني، تتمحور كلها حول الرفعة في مقابل الانخفاض، الشدة في مقابل الضعف، القوة في مقابل الضعف، ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ﴾ يعني :

إما نحملها على العلم، ينتقل القرآن ذكر لمن يتذكر؛ أي أنه يتعلم به، ينتقل من الجهل إلى العلم.

أو من التذكر في مقابل النسيان.

وهما معنيان يرتبطان إلى حد ما.

الثالث : الموعظة ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ أي هو عظة لك ولقومك؛ لأن نفس الإنسان إذا خالَطت شؤون الدنيا تغفل عن الله عز وجل، وقد ورد عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه كان يقول إذا حان وقت الصلاة "أرحنا يا بلال"([7])، أرحنا يعني انتقل بنا من عالم الدنيا، هذا العالم القاسي، إلى عالم الآخرة، إلى ملكوت الله عز وجل.

القرآن يشكل هذا السبب.

الرابع هو : أن القرآن ذكرٌ، أي يعلي شأنك ﴿وَرَفَعْنا لكَ ذِكْرَك﴾ [الشرح: 4]، ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ يعني أن القرآن سبب لعلو شأن من عمل به وعلم بمضمونه، السبب ما هو يقول الله عز وجل ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: 9] فلو أن الناس عملوا بالقرآن الكريم، وصاروا على التي هي أقوم، هل ستسوء أحوالهم؟

لا، أبداً لن يشتم أحدٌ أحداً بغيرِ حقٍّ، لن يؤذي أحدٌ أحداً بغيرِ حقٍ، لن يضرَّ أحدٌ أحداً بغيرِ حقٍّ، لن يقصرَ الإنسانُ في حقِّ نفسِهِ، ولن يقصرَ في حقِّ الآخرين، وسيستثمر وجوده وكيانه في أعلى مراتب الاستثمار، فستكون أمتنا - لو عملت - خيرَ الأمم. ولهذا، يقول الله عز وجل ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ [آل عمران: 110]، يعني إذا سرتم على خط المعروف، وتركتم المنكر، وكنتم حريصين على أن توسعوا من دائرة المعروف، وتضيقوا من دائرة المنكر، فستكونون خيرَ الأمم، أما إذا حِدتم عن هذا السبيل والطريق لن تكونوا خيرَ الأمم! لأنكم لم تكونوا على أهدى سبيلٍ.

لذلك، شهر رمضان - الذي ورد في الأحاديث الشريفة أنه ربيع القرآن - هذا واحدٌ من أسبابه الجوهرية والأساسية.

مر علينا سبعةُ أيام، يعني أوشكنا على أن ننهي ربع شهر رمضان، لا يسوغ لنا إلا أن نحرص على أن نقرأ وندرس هذه الأيام السبعة التي فاتت، أحسنَّا الاستثمار، أو لم نحسن؟! من فاته وقصّر عليه أن يستدرك؛ لأننا في شهر رمضان كان يجب علينا، والواجب علينا أن نلتفت إلى أن السنوات التي مضت، والسنة التي مضت، كانت على خير ما يرام فينا.

ولن يبالغ أحدٌ، ولا يسوغ لأحدٍ منا يقول أننا لم نقصر! لسنا معصومين، حتى المعصومين (صلوات الله وسلامه عليهم) يرون في أنفسهم مقصرين! لا إلى درجة المعصية، ولذلك يستغفرون الله عز وجل! ليس من المعاصي، وإنما خشية أن يكون قد فاتهم شيء من الحظ كان ميسوراً لهم ولم يصلوا إليه لسببٍ أو لآخرَ.

يجب علينا أن نستدرك ما فات، وأن نحضِّر أنفسنا للأيام الآتية، للعمر الذي لا ندري يطول أم يقصر.

نسأل الله سبحانه وتعالى أن نكون وإياكم ممن يستمع القول فيتبع أحسنه.

اللهم صل على محمد وآل محمد.

اللهم كن لوليك الحجة بن الحسن صلوات عليه وعلى آبائه في هذه الساعة، وفي كل ساعة، وليّاً، وحافظاً، وقائداً، وناصراً، ودليلاً، وعيناً، حتى تسكنه أرضك طوعاً، وتمتعه فيها طويلاً.

اللهم انصر الإسلام والمسلمين، واخذل الكفار والمنافقين.

 اللهم اشف مرضانا، وارحم موتانا، وأغن فقرائنا، وأصلح ما فسد من أمر ديننا ودنيانا، ولا تخرجنا من الدنيا حتى ترضى عنا يا كريم.

وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين.

 


([1]) عيون الحكم والمواعظ 141، الفصل 12.

([2]) أصول الكافي 2/630.

([3]) خصائص الأئمة 112.

([4]) تفسير البرهان، ذيل الآية الكريمة.

([5]) فقد روى في الوسائل برقم (6329)، عن الكافي بإسناده، عن أبي عبد الله الصادق (ع)، قال "ثلاثة يشكون إلى الله عز وجل، مسجد خراب لا يصلي فيه أهله، وعالم بين جهال، ومصحف معلق قد وقع عليه الغبار لا يُقرأ فيه".

([6]) انظر: البرهان في تفسير القرآن 1/51 وما بعدها.

([7]) بحار الأنوار 79/193، باب فضل الصلاة ...