موقع السيد حسن النمر الموسوي

حديث الجمعة

جديد الموقع

نص الكلمة التي ألقاها سماحة العلّامة الحجة السيد حسن النمر الموسوي بعوان «الاستثمار الصحيح لشهر رمضان - ٢» والتي ألقاها يوم الجمعة ١٤ رمضان ١٤٣٨ هجري في جامع الحمزة بن عبدالمطلب بمدينة سيهات:

 

 أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

 بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد الخلق وأشرف الأنبياء والمرسلين محمد بن عبدالله وعلى أهله الطيبين الطاهرين

 رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي

 عباد الله، أوصيكم ونفسي بتقوى الله، فإننا في الموسم الذي يتوفر فيه الناس على التقوى بتوفيق من الله عز وجل وبركة منه لهذه الأيام، ولهذه الليالي والساعات.

 كنا قد تحدثنا في الأسبوع الماضي عن الاستثمار الصحيح لشهر رمضان، انطلاقا مما ورد عن العترة الطاهرة عليهم أفضل صلوات المصلين ان أبا جعفر الباقر، عليه السلام قال (لكل شيء ربيع، وربيع القرآن شهر رمضان)

 مما يجب أن يلحظ في القرآن الكريم، إننا إذا تلوناه وتدبرنا آياته، سنجد أن للقرآن الكريم وظيفة

 أنزل الله عز وجل القرآن من أجلها وتدور هذه الوظيفة، وتتمحور حول نقل الإنسان والناس كافة، من الضلال إلى الهدى، في العلم والعمل، والضلال هو السير على خلاف ما ينبغي السير فيه.

 أما الهدى، فهو أن يكون الإنسان على الصراط المستقيم، ومن أهل الصراط المستقيم حيث نكرر في الصلاة يوميا مرات متعددة {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ}.

والصراط المستقيم تارة يتمثل في عمل عبادي، وأخرى يتمثل في عمل اعتقادي، وأخرى يتمثل في أشخاص جعلهم الله عز وجل علامات للهدى، يهتدي بها الناس كما ورد عنهم عليهم أفضل الصلاة والسلام من تفسير الصراط المستقيم بأنه على عليه أفضل الصلاة والسلام، يأتي هذا في هذا السياق.

يعني، لا يمكن للإنسان يكون مهتديا وان وَهِمَ هو أنه من أهل الهدى وهو مبتعد عن رسول الله صلى الله عليه وآله، وعن عليٍ عليه أفضل الصلاة والسلام، وعن العترة الطاهرة، الذين شهد لهم رسول الله، فيما رواه الفريقان، أنهم مع القرآن والقرآن معهم، وانهم مع الحق والحق معهم، وأنهما لن يفترقا عن القرآن - أي القرآن والعترة- لن يفترقا حتى يردا علي الحوض

فإذن، الصراط المستقيم المتمثل في القرآن الكريم، هذا كتاب صامت، أما الصراط المستقيم المتمثل في الكتاب الناطق، فهم محمد صلوات الله وسلامه عليه وآله عليهم أفضل الصلاة والسلام.

 من محاور ومن بنود وفقرات نقل الناس من الضلال إلى الهدى أن يُوصف القرآن الكريم والنبي صلوات الله وسلامه عليه بصفة التذكير، النبي ما هو دوره؟ التذكير، يقول الله عز وجل مخاطبا إياه {فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ - لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ} يعني أن الله عز وجل ما كلّف النبي أن يُجبر الناسَ على الهدى، حيث {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} وإنما من وظيفة النبي أن يذكّر ومعنا تذكير النبي، قد يفسر بالتعليم والإرشاد، وقد يفسر بالوعظ، وقد يفسر بتوفير كل ما من شأنه أن يرتقي بالناس في عالم الدنيا وفي عالم الآخرة، لكن، لن يكون ذلك بالجبر والقهر، وإنما سيكون بالاختيار، بغير الاختيار لن يهتدي الناس، لأن الله عز وجل ما شاء للناس ان يتدينوا بالسوط و بالسيف، هذا اختيار ذاتي للناس، فإذن، دور النبي هو التذكير.

القرآن الكريم أيضا يتحدث عنه اللهُ سبحانه وتعالى، في هذا السياق، أن القرآن يتضمن ما من شأنه نقل الناس من الضلال إلى الهدى، فإذا كان دور النبي التذكير، سواء كان الوعظ أو التعليم أو الإرشاد، أو أي نحو آخر، التذكير ماذا يعني من قِبل النبي؟ يعني يرقق قلوبَ الناس، يعلّم الناس، يفتح الآفاق الفكرية والعلمية والأخلاقية للناس، حتى إذا ما أراد أحدٌ أن يهتدي فببركة ما جاء من عند الرسول، وإلا فإن الاختيار بيده، كما قلنا، يخاطبه الله عز وجل بقوله {إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} يعني من يشاء، هذه من يشاء، من هو الضمير أو الفاعل؟ يشاء من هو؟ الإنسان، أما الله سبحانه وتعالى فيريد من الناس الهدى، لكن لم يشأ أن يجبرهم، من يشاء، أن يهتدي، فإن هداية النبي له ستكون فاعلة، وإلّا فإن النبي يحب للناس الهداية، الله سبحانه وتعالى يحب للناس الهداية.

 أما القرآن الكريم فيصفه الله عز وجل بقوله {هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ} دور القرآن الكريم، بعيدا عن الدخول في تفاصيل الفرق بين الفرقان والهدى والبينات، كلها تلتقي في مدة مجمل أو معنى محوري أساسي هو أن الله عز وجل يبارك لمن تلا القرآن وتدبر فيه، وعزم على أن يعمل بما فيه، إنه أنه يستطيع التمييز بين الصواب والخطأ، بين الخير والشر، لأن القرآن هذا شأنه، هدى، هدى للناس {وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ} يوضح لك، يفتح بصيرتك، حتى لا يختلط عليك الحق وأهله بالباطل وأهله، لأن الناس إنما يضلون بهذا السبب، تختلط عليهم والمفاهيم، لا يستطيعون التمييز، يستسلمون لمن يأخذ بأيديهم من أهل الضلال فينحرفون، الله سبحانه وتعالى بيّن للناس أن هذا الدستور، من شأنه لو فقهه الناس وعلموا بمضامينه وعملوا بها، أن يؤدي بهم إلى الصراط المستقيم فيعرف الحق من الباطل.

 ويقول أيضا في سورة العنكبوت {أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} إذا كان الناس بصدد أن يؤمنوا وعزموا على أن يؤمنوا، فإن في هذا الكتاب المنزل من عند الله عز وجل، ما يكفيهم لتأمين هذا الزاد وتأمين هذه المؤنة، أما إذا كان الناس لا يريدون أن يؤمنوا {إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ}

النبي يذكّر، وكذلك القرآن أيضا يذكّر، أيضا إلى جانب هذا وذاك، الله سبحانه وتعالى جعل الكون كله، بكل ما فيه من آيات تكوينية، أيضا علامة من علامات الهدى، لو فتح الإنسان وبصيرته.

فإذن، أنت أيها الإنسان محاط بكل ما يعينك على أن تنتقل من الضلال إلى الهدى، إذا عزمت وأردت، يقول عز وجل في (سورة ق)  {أَفَلَمْ يَنظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْكَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ (6) وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ(7) تَبْصِرَةً وَذِكْرَىٰ لِكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ} العبد المنيب هو العبد الراجع إلى الله المهاجر إلى الله، المنتقل إلى الله عز وجل.

ما الذي يعينه في هذا السبيل؟

يكفي أن يتأمل الكون السماء والأرض، فإذا عارف ان هذه السماء تحمل كل هذه الخصائص التي تجعلها مصنوعاً على أفضل صور الصنع والإبداع، وأنه لا يمكن إلا أن يكون هذا الصانع أفضل وأكمل على الإطلاق، وأن هذا المحدَث - أي العالَم - لابد له من محدِث، يتميز عنه في كل صفات الجمال والجلال، وهو الله سبحانه وتعالى، وبهذه الطريقة يمكن للإنسان، بل لابد للإنسان أن ينتقل من حالة الضلال والتيه إلى عالم الهدى والهداية، فإذن، الله سبحانه وتعالى حاصرنا بأسباب الهداية.

النبي، القرآن، التكوين، يعني التكوين والتدوين، كلاهما يعيناننا على أن ننتقل من الضلال إلى الهدى، ولذلك هل يسوغ أن يفد إنسانٌ على الله عز وجل ثم يقول لم يتبين لي يا ربي من الآيات والبينات، أنك موجود، أنك واحد، انك أحد...؟! لا {قل الله ثم ذرهم}الله سبحانه وتعالى بيّن للناس كل هذا.

إذا كان هذا هو المطلوب، أن ننتقل من الضلال إلى الهدى، وذكرنا أن القرآن أبقاه الله عز وجل كما قال {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} سيكون القرآن إذن، سببا لبقائنا، إن ارتبطنا به. النبي، ماذا يقول عن القران والعترة؟ (...لن يفترقا حتى يرد عليه الحوض) أي أنهما باقيان، مرتبطان، دليلان على الحق، لمن اعتصم بهما، الله سبحانه وتعالى يقول {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا} يعني لا تذهبوا يمينا ولا تذهبوا يسارا، ثمة حبل يُراد منكم أيها الناس، على نحو الأمر والجزم، أن تعتصموا به، وهذا الحبل له أركان، ركنه الأساسي الكتاب الكريم والعترة المطهرة، من تمسك بهما، فان النبي صلى الله عليه وآله وسلم ضمن له ألا يضل (إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لا تضلوا بعدي -أو- لن تضلوا أبدا- كتاب الله وعترت أهل بيتي).

ما هو المطلوب في مثل هذه الحالة، هل يكفي أن يوجد المصحف بين أيدينا و نحفظه في بيوتنا، بل قد نتجاوز ذلك إلى أن نحفظه ونستظهره في صدورنا، ونحفظه حفظا لكي نهتدي..؟

الجواب القرآني والقاطع : أن هذا لا يكفي، وإنما لابد أن نتوفر على المقتضي، من جهة، ونرفع الموانع، من جهة أخرى.

التوفّر على المقتضي: أن نعرف القرآن وأهله، وأن نعزم على أن نتلوه ونتدبره ونعمل به، حتى لا يكون القرآن حجة علينا، لا حجة لنا، وهذا يتطلب الإيمان والعمل الصالح.

أما الأمر الثاني: فهو تجنب كل ما من شأنه أن يضاد القرآن، ويسير بسيرة القرآن حيث ان للقرآن طريقاً واحداً، هو ما يؤدي بك إلى الله، وهذا يتوقف على العمل الصالح والفضائل والطاعات، وغير ذلك ليس إلا الخسران، يقول الله عز وجل {وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} نحتاج إلى الإيمان والى العمل الصالح ، ونحتاج إلى أن نتوفر ونوفر لأنفسنا البيئة التي تعيننا على أن نكون من أهل ذلك، وهم جماعات المؤمنين، حيث إن الله عز وجل، قال {إنما المؤمنون إخوة} كيف إخوة؟ يعني يعين بعضنا بعضا، يوجّه بعضنا بعضا، يرحم بعضنا بعضا، ونتعاون على البر والتقوى، ولا نتعاون على الإثم والعدوان، أنصحك إذا وجدت عندك شيئا من الخطأ، بالطرق والضوابط التي ذكرها الله عز وجل{وقولوا للناس حسنا} لا بالجلافة ولا بالجفاء ولا الغلظة وإنما بالكلمة الطيبة، التي ذكر النبي صلى الله عليه وآله فيما يروى عنه، إنها صدقة (الكلمة الطيبة صدقة) توجيه المؤمن لأخيه المؤمن، الارتفاع بمستواه الإيماني والعملي والأخلاقي والفقهي والفكري والاجتماعي، كل هذا يصب في مصلحة أن ينتقل الناس من الضلال إلى الهدى، هذا هو دور القرآن، ولذلك الله سبحانه وتعالى يعيب على الناس ان يقرأوا القرآن، فلا يتدبروه، يعني يقول {أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} لا يليق بالإنسان يقرأ القرآن، ونحن في موسم القرآن، دون أن نتدبره.

الله سبحانه وتعالى، بارك لنا في هذا الشهر، النفوس تختلف عن قبل شهر رمضان، وتختلف عن ما بعد شهر رمضان، لذلك لندخر في هذا الشهر الكريم، لأنفسنا زادا يعيننا على ما سنواجهه بعد هذا الشهر، من الارتخاء ومن التصحر الأخلاقي هذا الزاد من شأنه أن يفتح لنا هذا الباب.

نسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا وإياكم حيث انه عز وجل يقول {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا - فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِّنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا} وحتى لا نكون ممن سيأتي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شاكيا عليهم حيث هجروا القرآن، ويقول الله عز وجل عن ذلك {وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَٰذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا}

 جعلنا الله وإياكم ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه

 اللهم صل على محمد وآل محمد

 اللهم ك لوليك الحجة ابن الحسن صلواتك عليه وعلى آبائه في هذه الساعة، وفي كل ساعة، وليا وحافظا وقائدا وناصرا ودليلا وعينا، حتى تسكنه ارضك طوعا، وتمتعه فيها طويلا.

 اللهم انصر الإسلام والمسلمين، واخذل الكفار والمنافقين، اللهم أشف مرضانا وارحم موتانا وأغن فقرائنا وإصلح ما فسد من أمر ديننا ودنيانا، ولا تخرجنا من الدنيا حتى ترضا عنا يا كريم.

وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين