موقع السيد حسن النمر الموسوي

حديث الجمعة

جديد الموقع

 

نص الكلمة التي ألقاها سماحة العلّامة الحجة السيد حسن النمر الموسوي بعوان «ثقافة الإنتاج» والتي ألقاها يوم الجمعة ١٩ شوال ١٤٣٨ هجري في جامع الحمزة بن عبدالمطلب بمدينة سيهات:

 

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

 بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين

رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي

 عباد الله، وأوصيكم ونفسي بتقوى الله

 المتدبر للقرآن الكريم والمتأمل في السنة المطهرة المروية عن النبي وعلى آله  صلوات الله وسلامه عليهم،

 يجد آفاقا تفتح بين ناظريه، تدور كلها على أن هذا الإنسان إنما خلق في هذه الأرض وفي هذا الكون، لأداء مهمة واحدة، هي أن يكون خليفة الله وعبده الصالح، وذلك يتوقف على أمرين أساسيين:

 الأمر الأول - الفكرة الصالحة، وهو ما يعبر عنه في دين الإسلام بالإيمان.

 والركن الثاني- العمل الصالح.

 الإيمان المقصود به التصديق بكل ما يجب التصديق به، فلو أن أحدا من الناس - وهذا قد استقر عليه العقلاء- لو أن واحدا من الناس أراد أن يناقش ويجادل في النتيجة التي إذا ضممنا الوحد إلى الواحد، كم هي..؟

 لو أن أحدا من الناس، قال إنها أزيد من الاثنين أو أنقص من الاثنين، لعده الناس سفيها أو مجنونا أو مكابرا، وليس جادا فيما يقول، هذه سنة كونية، لا يستطيع أحد أن يتلاعب بها.

 جاءت الشريعة، التي نسميها الشرع والدين، لتبين لنا ان ثمة آفاقا أخرى، ليس لدينا نحن القدرة أن نستكشفها بأنفسنا، وإنما نتلقاها من الله عز وجل عبر السماعات، وهو ما نسميه بالثقافة النقلية، ليس لأن الإنسان حرم اللهُ عز وجل إياه أن يفكر ويتعقل، لكنها تفوق قدرته، يعني لا يستطيع الإنسان أن يعرف الماضي السحيق السابق لهذا الإنسان، كما لا يستطيع الإنسان أن ينضّر للمستقبل الآتي من بعيد، لأن قدرات التنظير والتفسير، بالنسبة للأول والثاني معدومة بالنسبة له.

 هناك مساحة للعقل، هناك مساحة للفكر الإنساني، لكن هناك مساحة لا يستطيع الإنسان أن يكون فيها حرا، وإنما يتدبر ويتأمل في ظل ما أوحاه الله عز وجل لأنبيائه ووسم هؤلاء بأنهم المفلحون، فقال عز وجل {قد أفلح المؤمنون} ثم ذكر سلسلة من صفات، وقال عز وجل {قد أفلح من تزكى} وقال سبحانه وتعالى {قد افلح من زكاها} هذه عوالم لا نستطيع نحن أن نبت فيها، نعم لنا أن نتأمل ونستكشف أن ما وصف الله عز وجل به هؤلاء، في الإيمان وفي العمل، الجانب الأول الإيمان، في الجانب الثاني العمل، لو تأملنا فيها نجد أن نتيجتها هي نتيجة منطقية وعقلية وعقلائية، وبالتالي، يلزمنا أن نعمل ذلك.

 نحن حينما يمر علينا مثل هذا الموسم  اللاهب، ما المطلوب منا..؟

 بعض الناس قد يتصور أن فترة العطلة الصيفية، في مثل هذا الجو القائظ والساخن، المفروض أن نعطل...! والمقصود أن نعطل يعني لا نقرأ، نمارس كل أنواع الترفيه، ونبعد أنفسنا بسبب وبذريعة أن هناك صيفا ساخنا لا يتيح لنا أن نعمل..! وفي هذا خطأ فاحش وكبير، لأن العمل الذي يجعل الإنسان من الصالحين والمصلحين، ليس بالضرورة مطلوب فيه أن تتوفر فيه الأجواء اللطيفة والأجواء، لأن العمل أنواع، هناك أعمال تناسب فصل الشتاء، يعني أعمال صالحة وهناك أعمال تناسب فصل الخريف وأخرى تناسب فصل الربيع، ورابعة تناسب فصل الصيف، حتى لو كنت في بيتك، لا تخرج من ذلك ثمة سلسلة من الأعمال الطويلة والعريضة، تستطيع أن تقوم بها، بل قد تتحين الفرصة أن تجد أو أن تجد نفسك مضطرا ألا تخرج، حتى توفق إلى أن تقوم بمثل هذا العمل، كما روي عن الإمام الكاظم عليه أفضل الصلاة والسلام، إنه كان يشكر الله عز وجل أنه لما اعتقل وسجن، أن أتاح له فرصة، ما كانت متاحة له قبل أن يكون مسجونا، وهي فرصة أن يعتكف بين يدي الله عز وجل ويتعبّد.

 هذا نوع من أنواع ثقافة الإنتاج، التي يفترض أن تكون ملحة علينا، بحيث يكون لدى كل واحد منا، برنامجه الذي يناسب فصل الشتاء، والآخر الذي يناسب فصل الربيع، والرابع الذي يناسب والفصل الآخر والآخر، كما أن هناك لديه الخطة التي تناسب مختلف مراحل عمره، في الصبا بمعونة أبويه، بمعونة المرشدين له والموجهين له، في فترة الشتاء، في فترة الشباب، في فترة الكهولة، وفي فترة الشيخوخة، حتى لو كان الإنسان مريضا طريح الفراش، يتيسر له أن يقوم بأعمال صالحة كثيرة، كلمة لا اله إلا الله لو أن الإنسان قالها صادقا، وختم الله عز وجل حياته بها، بنية صادقة، كانت كفيلة له كما ورد في الأخبار الشريفة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن تدخله الجنة وتجعله من أهل الجنة.

 سحرة فرعون لم يصدر منهم عملا صالحا كثيرا، بالمعيار الكمي، لكن بالمعيار الكيفي، صدر منهم ما جعلهم مذكورين في كتاب يتلي آناء الليل وأطراف النهار، وكثير ممن يصنفون أنفسهم من المسلمين، لكن لما تقرأ سيرته لا تجد في هذه السيرة إلا القتامة والسواد والبؤس واللا إنتاج، لأنها كانت مشغولة بإنتاج آخر، إنتاج غير مرضي.

 المطلوب إذن، أن نعمل، والله عز وجل، يضع لنا هذا الإطار في عنوانين اثنين أو آيتين اثنتين وآيات كثيرة،لكن اختار هاتين الآيتين أو ثلاث آيات.

 الآية الأولى، يقول الله عز وجل{فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره} يعني الإنسان لا يمكن، إذا صدر منه عملا، مهما كان صغيرا إلا ويجده مكتوبا بين يدي الله عز وجل ويحاسبه عليه، فلنختر أن تكون أعمالنا صالحة، بالفكرة الصالح والعمل الصالح.

 الثانية، قول الله عز وجل {وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون} نحن إذن، وقوفٌ بين يدي الله عز وجل، ليسائلنا عن هذا العمل، إن كان عملا يقربنا إليه أو يبعّدنا عنه.

الآية الثالثة، قول الله عز وجل أن عملنا أيها الناس إنما يكون مقبولا عنده إذا كنا من أهل التقوى والإحسان، فقال عز وجل {إنما يتقبل الله من المتقين} ويقول عز وجل {إن الله يحب المحسنين} هل نستطيع أن نكون كذلك في الصيف..؟ نعم، في الشتاء..؟ نعم، في الكبر..؟ نعم، في الصغر..؟ نعم، ذكورا..؟ نعم، إناثا...؟ نعم.

 ليس ثمة عذرا لأحد أن لا يعمل جهد ويجتهد قدر المستطاع أن يكون من أهل التقوى ومن أهل العمل في القول في الفعل في التفكير في المشاعر، صحيح أن هناك صيفا لاهبا، لكن تستطيع أن تقوم بأعمال كثيرة، ليس بالضرورة يكون الأمر يستغرق منك وقتا كثيرا، لذلك نحن مضطرون أن نقلص الخطبة قدر المستطاع، رعاية لإخوانكم الذين يتولون حمايتكم وحراستكم من إجرام المجرمين، نسأل الله عز وجل أن يجعل ما يفعلون ميزان في ميزان أعمالهم وحسناتهم.

 لهذا السبب ينبغي لنا أن نعيد برمجة أفكارنا و أذهاننا، أننا في سباق مع الزمن، ليس مسموحا لك أيها المؤمن، ولا لك أيتها المؤمنة إلا أن نكون من المؤمنين العاملين للصالحات، حتى لا نكون وإياكم من أهل الخسر.

نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا وإياكم ممن يستمع القول فيتبعون أحسنه.

 اللهم صلي على محمد وآل محمد، اللهم كن وليك الحجة بن الحسن صلوات لك عليه وعلى آبائه في هذه الساعة، وفي كل ساعة، ولياً وحافظا وقائدا وناصرا ودليلا وعينا، حتى تسكنه أرضك طوعا وتمتعه فيها طويلا.

اللهم انصر الإسلام والمسلمين واخذل الكفار والمنافقين، اللهم أشفى مرضانا وارحم موتانا، وأغن فقرائنا وأصلح ما فسد من أمر ديننا ودنيانا، ولا تخرجنا من الدنيا حتى ترضى عنا يا كريم.

 وصلى الله على محمد واله الطاهرين.