موقع السيد حسن النمر الموسوي

حديث الجمعة

جديد الموقع

نص الخطبة التي ألقاها سماحة العلّامة الحجة السيد حسن النمر الموسوي بعنوان «إن الحسنات يذهبن السيئات» يوم الجمعة ٢٦ شوال في جامع الحمزة بن عبدالمطلب في مدينة سيهات:

 

 أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

 بسم الله الرحمن الرحيم 

 الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين.

رب اشرح لي صدري ويسّر لي أمري واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي.

 عباد الله، أوصيكم ونفسي بتقوى الله، وأتقدم لكم وللمؤمنين جميعا ولصاحب العصر والزمان عجل الله تعالى فرجه الشريف بأحر التعازي بذكرى شهادة مولانا وسيدنا وإمامنا الإمام جعفر بن محمد الصادق صلوات الله وسلامه عليه، وبهذه المناسبة أقف عند وقفة للأمام صلوات الله وسلامه عليه، عند آية من كتاب الله عز وجل وردت في سورة هود من القرآن الكريم، حيث يقول عز وجل {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ ۚ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ۚ ذَٰلِكَ ذِكْرَىٰ لِلذَّاكِرِينَ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ۚ ذَٰلِكَ ذِكْرَىٰ لِلذَّاكِرِينَ (*) وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ}

وقفات عديدة، فيما يتعلق بقول الله عز وجل {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} رُويت عن الإمام صلوات الله وسلامه عليه، طبعا الآية أو هذا المقطع من الآية، يريد أن يبيّن بعد الأمر بإقامة الصلاة، وإقامة الصلاة لا تعني لمن يرجع إلى الآيات والروايات، مجرد أداء الصلاة، وإنما أداء الصلاة على الوجه الأفضل والأحسن، بهذا الوصف تكون الصلاة عماد الدين، وعمود الدين، التي أن قُبلت قُبِل ما سواها وان رُدت رُد ما سواها.

وهذه الصلاة التي أمر الله عز وجل بإقامتها وأكد على الاهتمام بها, هي ما جاءت في آخر لحظات حياة الامام الصادق عليه افضل الصلاة والسلام، بالتأكيد على أن من يستخف بها لا ينال شفاعة أهل البيت عليهم أفضل الصلاة والسلام, وذلك في صدد بيان سلسلة ومجموعة من قوانين الله عز وجل وسننه، وسنن الله عز وجل لا تتخلف وسنن الله ليس فيها استثناء, يعني كل من يستخف بالصلاة يكون في معرض الحرمان من شفاعة أهل البيت عليهم أفضل الصلاة والسلام، وكذلك من يقلل من الاهتمام أو من لا يقيم الصلاة التي أمر الله عز وجل أن يؤديها، سيكون إذا وقع في السيئات -ومن شأن الإنسان أن يقع في السيئات إلا أن يعصمه الله عز وجل- مثل هذا الانسان سيُحرم الحسنة التي هي مصداق لهذا القانون {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ}.

 يقف الإمام عليه أفضل الصلاة والسلام فيما يرويه مفضل بن يزيد عنه صلوات الله وسلامه عليه، أنه قال (أنظر ما أصبت فعُد به على إخوانك، فإن الله يقول إن الحسنات يذهبن السيئات) اي أن الإمام عليه أفضل الصلاة والسلام يبين مصداقا من مصاديق {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} أي حسنة، أي عمل صالح هذا الذي لو فعله الإنسان يكون سبباً لمحو السيئات ..؟

أي إذا أردنا أن نقوم بعملية موازنة بين العمل الصالح والعمل السيئ، الذي قد يختلط بعضه ببعض, تكون الغلبة للعمل الصالح على حساب العمل السيئ، فيكون ميزانه عند الله عز وجل الصالح، أرجح من ميزان عمل السيئات، لأن الله عز وجل لا تخفى عليه خافية, ولأن الله عز وجل سيحاسب الناس حساباً دقيقاً, وهذا ما نستعيذ بالله عز وجل منه، كما ورد في الأخبار الشريفة أن هذا هو سوء الحساب, سوء الحساب لا يعني الله عز وجل نعوذ به، أن يقع في ظلم شيء من عباده, الله سبحانه وتعالى منزّه عن أن يظلم, لكن سوء الحساب تعني المداقّة، يعني إذا دقق الله عز وجل على الانسان وحاسبه على كل ما عمل, سيجد أن ميزان الصالحات عنده، بطبيعة الحال، أقل رجحانا من ميزان الأعمال السيئة لقصوره ولتقصيره ولأسباب كثيرة جدا.

الإمام عليه أفضل الصلاة والسلام، يبيّن  أن هناك مجموعة من الأعمال الحسنة، هذه التي نسميها حسنات، لو أن الإنسان فعلها، ميزانها يغلب ويرجح على السيئات التي يمكن أن تصدر من الإنسان، منها (العَوْدُ على الأخوان) أي الإحسان على إخوانك المؤمنين, فإن الله عز و جل يقول {إنما المؤمنون إخوة} وليس المقصود - كما يمكن أن يتوهم أو يستفاد مما يبدو للوهلة الأولى أن الإنسان إذا كسب مالا فليتصدق به على إخوانه المؤمنين- لا، هذا جانب من الجوانب, لأنه لو حصرنا المعنى الذي يذكره الإمام في هذا المعنى ستكون هذه الآية وتطبيقها، خاصة بمن أتاح الله عز وجل ورزقه شيئا من المال، وسيكون الفقراء والمبتلون من الناحية المادية محرومين  من هذه النعمة الالهية, لا، ما يصيب الإنسان من الخير من الله عز وجل، قد يكون مالا فيتصدق به ويصل به إخوانه المؤمنين، وقد يكون جاهاً، يكون لديك سمعة حسنة قدرة على التواصل مع الآخرين، تقوم فيها  بشفاعة حسنة، تخدم هذا المؤمن، لأنه لا يستطيع أن يقوم بهذه الخدمة إلا من هو يحمل مثل وجاهتك، أو علمك أو أي رزق آتاك الله عز وجل إياه وحُرم منه ذلك الإنسان، عُد به على اخوانك, أي أن الإمام يريد أن يقول لا تكونوا أنانيين، لا ينبغي للإنسان إذا منَّ الله عز وجل عليه بمال أو بعلم أو بجاه أو بأي خير من الخيرات، أن لا يفكر إلّا في نفسه وفي إطاره الضيق, قد يُبتلى شرائح من المؤمنين يحتاجون إليك في علمك، فلا تكن ضنينا ولا بخيلا عليهم بعلمك, بحجة أنك مشغول بطلب العلم, طلب العلم يتلوه تعليم العلم، فإذا بقي العالم حاجزا على نفسه منعزلا ومعتزلا،  سيحرم الناس من العلم ليس هذا هو دور العلماء، وكذلك الأثرياء، وكذلك الفصحاء، وكذلك الوجهاء, كل إنسان آتاه الله عز وجل شيئا من هذا, زكاة العلم تعليمه, كما أن زكاة المال إنفاقه، وكذلك زكاة السمعة الحسنة والوجاهة بين الناس, أن يكون الإنسان صلة حسنة بين الآخرين.

 ثم يضيف الإمام الصادق صلوات الله وسلامه عليه، كما يروي، قال أبو عبد الله –الراوي- وقال أبو عبد الله ( قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ثلاثة لا تطيقها هذه الأمة) لا تطيقها, لا يعني أن الناس ليسوا مكلّفين بهذا، لأن النبي لا يريد أن يقول إن هذه خارج قدرة الطاقة، وبالتالي سيكون من العبث الحديث عنها، لا تطيقها أي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يخبر عن الوقع، الذي ستعاني منه غالبية الأمة، وإلّا فإن هناك أفرادا، نسأل الله عز وجل أن نكون نحن واياكم منهم, ممن يطيق سماع هذا الكلام وتطبيق هذا الكلام (ثلاثة لا تطيقها هذه الأمة) وإلا سندخل تحت قول الله عز وجل {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا} أو {إلا وسعها} في آية أخرى، فإذا كنا لا نطيق هذا الكلام، سيكون الحديث عنا وتكليفنا بهذا الكلام خارج نطاق الحكمة، وحاشا لله عز وجل ان يفعل ذلك قال: الثلاثة ما هي؟ (المواساة للأخ في ماله) مؤمن من المؤمنين أصيب بنكبة مالية، يحتاج أن يسانده إخوانه المؤمنون، المؤمنون لا يخذلون اخوانهم المؤمنين, وبهذه الكيفية يتكافل المجتمع بعضهم مع بعض, طبعا لا نريد ان نتكلم عن أولئك الذين يُسيئون استعمال الأخوة الإيمانية, يسيئون ويقصرون ويعبثون بأموالهم، ثم يأتون إلى المؤمنين ويقولون نحن نحتاج إلى أموالكم, كما نجد في وسائل التواصل الاجتماعي بعض الفزعات, عند بعض الشباب، أبناؤهم يسيئون يسفكون الدماء ثم يأتون للناس، ويريدون أن يشاركوهم الفزعة في دفع ديات بالملايين من الناس, لا، هذا جانب آخر نتحدث عنه في محله، لكن نتكلم عن النكبات والابتلاءات العادية التي يقع فيها الناس والتي لا يخلو منها مجتمع من المؤمنين.

 كيف يجب أن يكون حال المؤمن مع المؤمنين في مثل هذه الحالات..؟

المساواة والمواساة أن يواسيهم، قال (المواساة للأخ في ماله) يعني يأخذ من ماله ويعطيه لذلك الإنسان ليس فقط الزكاة الواجبة، بل الزكاة المستحبة والإنفاق في سبيل الله، الذي نجد القرآن الكريم طافحا في الحديث على الإنفاق في سبيل الله، كركيزة أساسية من ركائز تكوين المؤمن وتكوين المجتمع الإيماني {والذين في أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم}.

(المواساة للأخ في ماله، وإنصافهم الناس من نفسه)

طلب الإنصاف والدعوة إلى العدل والإنصاف، من السهل أن نطلقها و نعني بها الآخرين، لكن الأشد صعوبة هي أن تطلق هذه المقولة وتعني بها نفسك، قولا وفعلا، يعني قبل أن تطالب الآخرين بأن ينصفوك، أنصف الناس أنت من نفسك، فلا ينبغي للإنسان أن يعيب على الآخرين ما هو مبتلى به، إذا كان هو مبتلى به، ينبغي له أن يشغله عيبه عن عيوب الآخرين، وهكذا، هذا نوع الناس من إنصاف الإنسان لنفسه وإلا من السهل أن تراقب الآخرين وتفتش عيوب الآخرين وتسجل ملاحظات على الآخرين، فلان أخطأ هنا و أخطأ هناك، وإذا جاءت النوبة إليه أخرج المبررات الكثيرة، إنه إنما فعل ذلك لهذا السبب، أو فعل ذلك الشيء لذلك السبب، ترك هذا لذلك أو لتلك الأسباب، هذا ليس من الإنصاف، ينبغي للإنسان أن يكون منصفا، ولا يوفق الإنسان لا للصفة الأولى إلّا من وفقه الله، ولا للصفة الثانية إلّا من وفقه الله عز وجل.

ثم يضيف الرسول صلى الله عليه وآله قوله (وذكر اللهَ على كل حال) ثم يبيّن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، والامام الصادق بعد عقود من الزمان يركّز، بروايته هذه، عن رسول الله، على نفس المشكلة، ونحن تبعا لهما، صلوات الله وسلامه عليهما وعلى آلهما، ينبغي أن نذكّر أنفسنا بما ذكّرونا به، لأن هذه الآفة هي الآفة المتجددة، التي يحتاج أن نعيد بناء أنفسنا، كأفراد وبناء أنفسنا كمجتمع، على التحلي بهذه القيم التي تجعل من الناس جعفريين حقيقيين مسلمين حقيقيين، حتى لا يبقى فينا الإسلام رسما و إسما، لكن لا يبقى مضمونا وحقيقة.

يضيف النبي صلى الله عليه وآله، ما المقصود بذكر الله عز وجل على كل حال (قال : وليس هو سبحان الله والحمد لله ولا اله إلا الله والله أكبر) يقول ليس هذا هو فقط، يعني هذا ذكرٌ، ولكن هذا نوع من أنواع الذكر، ثم يضيف الذكر الأشد حراجة على الناس {اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا} (ولكن إذا ورد على ما يحرم خاف اللهَ منه أو فيه) أو هذا ما ينبغي أن يكون ذكر الله، وإلّا أن يلّهج الإنسان بالتسبيح والتهليل والتحميد، هذا يمكن أن يتأتى لكل أحد، لكن هل تتمكن أن تكون من الذاكرين لله عز وجل إذا عرض عليك حرام، في كتاب أو في شاشة أو في مجلس أو في قول أو في فعل، وعرفت أنه من المحرمات، تكف عن نفسك تمسك تصبر أو لا تصبر..؟ الإنسان بطبعه يحب الخير {وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ} والله عز وجل إنما يتقرب إليه المحسنون {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} من هم المحسنون؟ النبي صلى الله عليه وسلم يبين لنا الطبقة العليا من المحسنين، التي أخبر أن كثيرا من الناس لن يوفقوا إليها، والله عز وجل يقول {وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ}.

فلنجعل أنفسنا أخواني وأخواتي المؤمنين والمؤمنات، من هؤلاء القلة الذين أراد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يبنيهم، ووفقه الله عز وجل إلى البناء، أو بناء مجموعة بشرية استطاعت أن تصلح لكن حذرهم {أفإن مات أو قتل انقلبتم على اعقابكم} لا ينبغي أن يكون تمسكنا برسول الله تمسك شخص بشخص، وإنما تمسك أشخاص بمشروع تمثّل هذا المشروع في شخص رسول الله، في زمنه وفي عترته بعده، الذين أوصى أمته أن يتمسكوا بهم ووعدهم أنهم إن تمسكوا به لن يضلوا بعده أبدا، سائلين الله عز وجل أن نكون وإياكم ممن يستمع القول فيتبع أحسنه.

 اللهم صل على محمد وآل محمد آللهم كن لوليك الحجة ابن الحسن صلواتك عليه وعلى آبائه، في هذه الساعة، وفي كل ساعة، ولياً و حافظا وقائدا وناصرا ودليلا وعينا، حتى تسكنه ارضك طوعا، وتمتعه فيها طويلا.

اللهم انصر الإسلام والمسلمين، واخذل الكفار والمنافقين، اللهم أشفى مرضانا وارحم موتانا وأغن فقراءنا، وأصلح ما فسد من أمر ديننا ودنيانا، ولا تخرجنا من الدنيا حتى ترضى عنا يا كريم، وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.