موقع السيد حسن النمر الموسوي

حديث الجمعة

جديد الموقع

نص الخطبة التي ألقاها سماحة العلّامة الحجة السيد حسن النمر الموسوي بعنوان «عقبات في طريق الإصلاح» يوم الجمعة ٤ ذوالقعدة ١٤٣٨ هجري، في جامع الحمزة بن عبدالمطلب في مدينة سيهات:

 

 أعوذ بالله من الشيطان

 بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد الخلق وأشرف الأنبياء والمرسلين أبي القاسم محمد وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين.

رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري واحل عقدة من لساني يفقهوا قولي.

عباد الله، أوصيكم ونفسي بتقوى الله

بسبب الحر الشديد نحن مضطرون أن نقلص من الحديث وقد نوزع فقراته على أكثر من محطة، سائلين الله عز وجل أن يتقبل منا ومنكم.

الحديث عن التقوى في القرآن الكريم، وفي ثقافة الإسلام، ليست حديثا ترفياً، وليس يرتبط ببعد من أبعاد هذا الإنسان دون أبعاده الأخرى، لأن المتتبع لهذه الثقافة وأركان هذه الثقافة ومختلف محطات هذه الثقافة، يجد أن إنسانية الإنسان، في التصور القرآني الذي هو وحي الله النازل على قلب خاتم النبيين صلى الله عليه وآله وسلم، والمخاطَبُ به الناس أجمعون، إنما يقرن بين هذه الإنسانية وبين التقوى، وبقدر ما يتصدع أو تتصدع التقوى في كينونة الإنسان فإن إنسانيته تنثلم ويخرج عن كونه إنسانا إلى أن يتحول إلى كائن آخر، وإنْ أحتفظ من حيث المظهر، بخصائص هذا الإنسان، حيث يتمكن من الحركة والقيام، كما يفعل الناس من الكلام، كما يفعل الناس التفكير، كما يفعل الناس من الطموح والهمة، كما يفعل الناس، لكنه من حيث هذه النظرة ومن حيث هذا التصور، ليس هو بإنسان، كما يقول الإمام علي علي أفضل الصلاة والسلام في بعض ما يروى عنه، القلب قلب حيوان الصورة صورة إنسان، لكن القلب قلب حيوان.

وليس هذا عيبا في الحيوان، يعني الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان لدور ولغاية، وخلق الحيوانات، على اختلاف أصنافها لأدوار معينة، فإذا خرج كل واحد من هذه الأصناف عن الدور الذي رسمه الله عز وجل الله له، يتحول من هذا العنوان إلى أن يتحلى بعنوان آخر، الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان إنسانا، وهكذا يجب أن يكون.

إذا أردنا لهذا الإنسان أن يخرج من دائرة الفساد والإفساد إلى دائرة الصلاح، وهي المطلوبة، وهؤلاء الصالحون هم الذين وعدهم الله عز وجل أنهم يرثون الأرض وان العاقبة لهم، بسبب تحليهم بالتقوى، حيث يقول عز وجل {والعاقبة للمتقين} وفي آية أخرى يقول {والعاقبة للتقوى} فإذا العاقبة إذا كانت للمتقين بلحاظ التقوى، ليس لأن هؤلاء فقط وسموا بأنهم متفقون، بل لأنهم يتحركون مع التقوى، والتقوى تتحرك بهم، فيما يقولون، فيما يفعلون فيما يفكرون، ثم ساق الله عز وجل لنا في القرآن الكريم نماذج عن هؤلاء وعن هؤلاء، ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حيي عن بينة، ويذكر سلسلة من العقبات حتى إذا تعرّف الناس عليها وتجنبوها استطاعوا ان يسلكوا في دروب الصلاح والإصلاح،  وفي الطريق المستقيم، حتى لا يبتلوا بالفساد والافساد.

يذكر من في مقطع من هذه المقاطع القرآنية ست آفات وعقبات، كل آفة منها تمثل عقبة من العقبات، بقدر ما يبتلى الإنسان، بها يخرج عن دائرة المتقين ويدخل في دائرة غير المتقين، أجار الله وإياكم منها.

هذه الآفات والعقبات، إذا ابتلى بها الإنسان واستسلم لها، وتحلى بها  وتخلى عن الرذائل، التي يفترض أن يتحلى بها، تصبح إنسانيتُه إنسانية مشوهة، والله عز وجل يريد إنسانا على الفطرة، يريد الإنسان الذي يصطبغ بصبغة {ومن أحسن من الله صبغة}.

 الآفة الأولى التي تمثل عقبة، آفة الكفر:

 آفة الكفر، الذي يتبادر لدى كثير من الناس أنهم إذا سمعوا الكفر في مصطلح القرآن رأسا يتبادر إلى ذهنهم هذا الإنسان الذي يلحد بالله فلا يعترف به، أو يكفر بالله عز وجل ولا يستسلم له، مع أن الكفر مراتب {وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون} كيف يجتمع الشرك مع الإيمان بالله؟

لأن الإيمان مراتب والشرك مراتب، فقد تتداخل بعض مراتب الشريك، وهو شكل من أشكال الكفر، مع بعض مراتب الإيمان، يكون مؤمنا جدا، لكن في هذا المستوى، لكنه لم يتخلص بعد من مرحلة أخرى ومن مرتبة أخرى من مراتب الكفر، فإذا ارتقى من مرتبته الإيمانية الأولى إلى المرتبة الثانية، يعني انه تخلى عن الكفر في مرحلته الأولى، وهكذا، كلما تخلص من مرتبة من الكفر تحلى بمرتبة إيمانية، وكذلك حاله بالعكس.

فالكفر عنوان عريض، كما سنأتي الآن على شاهد قرآني، يؤكد أن هؤلاء الذين نسميهم بالكفار قد يؤمنون بالله وقد يقسمون بالله أيضا، لأنهم يرون أن هذا القَسَم له نوع من القداسة عندهم أو عند من يخاطبوهم على الأقل.

الآفة الثانية والعقبة الثانية، الكِبْر:

كما أن الإنسان يمكن أن يبتلى بالكفر، هو معرض بشكل أكيد إلى الكِبْر، الذي يعني انه يتعالى على التسليم للحق، في الأول يصد عن الحقيقة والحق، في الثانية في الكبر، هو يقبل الحق، يقر به، يعرفه، لا يصد عنه، لكنه من الناحية النفسية، لا يستسلم للوازم الحق ولأهله، فيتكبر عن الحق عن الحقيقة، وكذلك عن المحقين.

الآفة الثالثة، وهي عقبة أيضا، التعالُم:

يعني يصور الإنسان نفسه، عند الناس كما لو كان يعرف، وهو ليس من أهل المعرفة، يدّعي أنه يعلم، ولا يتحلى في الحقيقة بصفة العلم التي ينبغي أن تجعله يعرف الحق وأهله، ويعرف الباطل وأهله، ويعمل وفقا لهذا العلم.

الله سبحانه وتعالى يقول {إنما يخشى الله من عباده العلماء} لا يمكن في منطق القرآن يكون الإنسان عالما بحق، إلا أن يكون من أهل التقوى.

 الآفة الرابعة، التي يذكرها هذا المقطع، حالة العصبية:

والعصبية تعني أن يكون للإنسان انتماءٌ قبلي، أسريٌ، مناطقيٌ، جهويٌ، فيجعل ولهذا الانتماء قداسةً وحقانيةً، حتى لو كان هناك انتماءٌ، كان يفترض أن يكون له أولوية وهيمنة، كما إذا كان الإنسان ينتمي إلى أسرة، وكل الناس ينتمون إلى أسر، لكنه في الوقت نفسه ينتمي إلى الإسلام، فإذا تعارض لديه هذان الانتماآن، يقدّم انتماءه الأسرى والقبلي على انتمائه إلى الله عز وجل ولرسوله، فإذا كان أهله وأسرته مع الباطل، يذعن لهذا الانتماء القبلي والأسرى، ويدع الإسلام والإيمان ولوازمه ومقتضياته.

 الآفة الخامسة حالة الافتراء:

 الإنسان إذا ابتُلي بالكفر، بمختلف مراتبه والكِبْر والتعالُم والعصبية، لا يقف الأمر عند هذا الحد، وإنما يريد أن ينمو لديه حسُ الغلبة، يريد أن يغلب الآخرين، فإذا تولى نما لديه هذا الحس، لا يهمه أن يغلب بالحق، وهذا ما ينبغي، أو يغلب الباطل..!

 يغلب بالباطل، يعني من السهل عليه أن يفتري على خصومه، والله عز وجل يقول {ولا يجرمنكم شنان قوم على ألا تعدلوا إعدلوا هو أقرب للتقوى} يعرف أن هذا الذي يخاصمه في هذه الخطوة المعينة هو لم يفعل باطلا، لكن لا يحلو له أن يقر له بأنه عمل حقا، لأنه لو أذعن له بهذا المقدار، فسينثلم مطلوبُه، بنفس المقدار، فلا يقر، يجده يفعل فعلا معينا، قال نعم هو يصلي، لكن لديه الاستعداد أن يقسم بأنه سمعه أو يصلي وهو لا يقرأ، وهو لا يكبّر وهو لا يذكر، حتى يروّج بين الناس أن صلاته هذه ليست إلا نفاقاً يمارسه من أجل أن يضلل الناس..!

 الآفة السادسة، وهي عقبة قد يتعرض لها الناس كثيرا، حالة الوهم:

 مثل هذه الفئة من الناس تعيش حالا من الأوهام، حتى لو بُيّن لهم الحق وبان لهم الحق، يحلو لهم أن يكونوا دائما في حالة الوهم الذي صنعوه لأنفسهم.

أين نجد ذلك؟

في سورة المؤمنون ثمة ثلاث آيات كريمات، تبيّن لنا هذا النموذج لهذه الآفات، الآية الثالثة والعشرون، يقول الله عز وجل في هذه الآية، يقول {ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال يا قوم اعبدوا الله} نوح حاله حال بقية الأنبياء، يدعو الناس إلى الحق، الذي لا مجال للتنكر له، وهو عبادة الله عز وجل {يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره أفلا تتقون} ماذا كان جواب هؤلاء الذين لم يوفقوا إلى أن يكونوا صالحين ومصلحين؟

{فقال الملأ الذين كفروا من قومه} ليس كل الملأ، الملأ طبقة خاصة الطبقة التي بيدها الحل والعقد الربط والأوامر والنواهي، في المجتمع تحت أي عنوان يعملون؟ هؤلاء الذين يتحكّمون في شؤون المجتمع الذي يعيشون فيه، تحت أي عنوان، في الغالب هم يقودون الناس إلى الباطل في هذا {فقال الملا الذين كفروا من قومه ما هذا..} هذا الآفة الأولى {ما هذا إلا بشر مثلكم} هذ الكبر، صحيح أن نوحا بشر، لكن الله عز وجل اختصه من بينكم بالوحي، فجعل له امتيازا، يُفترض بالناس أن يقروا له ويستسلموا له، من يستسلم؟ المتواضعون، ومن تواضع لله رفعه، أما الذين يبتلون بالكبر، فقد يتكبر على نبي، وهذا المثال ليس فقط عن نوح، حتى في حالتنا الاعتيادية، كثير من الناس قد لا يقر بالحق، لأن فلانا من الناس، الذي ليس بينه وبينه مودة قاله، أما لو قاله غيرُه ممن يحبونه، سرعان ما يسلم بأن هذا حق.

{فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما هذا إلا بشر مثلكم يريد أن يتفضل عليكم} هذه بعد دعوى أنهم يعلمون شيئا لا يعلمه عامة الناس، نحن نعرف نيّة فلان، ونخبُر حقيقة فلان، يخرج عن كل الضوابط الأخلاقية والشرعية ليقود الناس إلى حيث لا ينبغي أن ينقادوا إليه..!

ثم قالوا {ولو شاء الله لأنزل ملائكة} هذا أيضا محاولة تأسيس قواعد بدعوى أنهم من أهل العلم والمعرفة ليس لها سبيل {ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين} هذا العصبية، يعني هو يريد أن يقول ما لم يسلّم به آباؤنا، ولن يكن جاريا في الماضي عندنا، لسنا مستعدين أن نسلّم له.

نجي [نأتي] للآفة الأخيرة {إن هو} أي نوح، والدعاة الصلاح {إنه هو إلا رجل به جِنة} جِنّة يعني جنون، جنون {إن هو إلا رجل به جنة} الوهم الأخير {فتربصوا به حتى حين} اتركوه للزمن، وكأنه يعلم أن سنن الله عز وجل لا يمكن أن يخل بها الزمن {فتتربصوا به حتى حين}  ثم جاء نوح، ماذا فعل {قال رب انصرني بما كذبون}

نسأل الله عز وجل أن يجعلنا وإياكم ممن يستمع القول فيتبع أحسنه، ويخلصنا من مثل هذه الآفات والعقبات، حتى نكون من الصالحين والمصلحين والمتقين، جعلنا الله وإياكم ممن يستمع القول فيتبع أحسنه.

اللهم صل على محمد وآل محمد، اللهم انصر الإسلام والمسلمين، واخذل الكفار والمنافقين.

اللهم أشف مرضانا وارحم موتانا وأغن فقرائنا وأصلح ما فسد من أمر ديننا ودنيانا.

اللهم كن لوليك الحجة ابن الحسن صلواتك عليه وعلى آبائه، في هذه الساعة، وفي كل ساعة، ولياً وحافظا وقائدا وناصرا ودليلا وعينا، حتى تسكنه ارضك طوعا، وتمتعه فيها طويلا، ولا تخرجنا من الدنيا حتى ترضا عنا ياكريم.

 وصلى الله علي محمد واله الطاهرين