موقع السيد حسن النمر الموسوي

حديث الجمعة

جديد الموقع

 

نص الخطبة التي ألقاها سماحة العلّامة الحجة السيد حسن النمر الموسوي بعنوان «الأصالة الفكرية(١)» يوم الجمعة ١٨ ذوالقعدة ١٤٣٨ هجري، في جامع الحمزة بن عبدالمطلب في مدينة سيهات:

 

 أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

 بسم الله الرحمن الرحيم

 

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد الخلق وأشرف الأنبياء والمرسلين محمد بن عبد الله وعلى آله الطيبين الطاهرين.

 رب اشرح لي صدري، ويسر لي أمري، واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي.

 عباد الله، أوصيكم - ونفسي - بتقوى الله

 وإن من تقوى الله عز وجل أن يحسّن الإنسانُ عملَه، ويُصلح ما يصدر منه. ولن يوفق إلى ذلك إلا أن يكون قد بنى هذا وذاك على أساس علمٍ صحيحٍ وفكرٍ أصيلٍ.

 ماذا نعني بالفكر الأصيل وما هي أهميته؟

الفكر الأصيل - إذا أردنا أن نشبهه - نحن حينما نذهب لنتبضّع من الأسواق، المأكولات أو غير المأكولات، نبحث عن السلع الأصيلة، ونتجنب السلع المغشوشة، والتي قد تُصدَّر من مصانع لا تحمل المواصفات اللازمة، أو لا تراعي القوانين اللازمة، أو لا تستعمل المواد الصحيحة أو الأيدي العاملة، أو لا تراعي شيئا مما يهتم الناس برعايته، فيقال عن تلك السلعة إنها سلعة مغشوشة.

وقد تنسب هذه السلعة التي تصنع هنا وهناك، إلى مصنع أو جهة يطمئن الناسُ إليها حتى يتوهم المستهلكون بأنها سلعة أصلية، فيُقدمون على شرائها. هذا ما نحرص عليه، ونبحث أحياناً، السلعة الأصيلة قد تكون مؤقتة بأوقات معينة، مدة صلاحيتها أسبوع أو شهر أو سنة أو أقل أو أكثر، كذلك يراعي هذا المعنى حتى لو كانت أصلية، لكن قد لا تكون الفكرة أو السلعة صالحةً للاستعمال أبد الدهر، وإنما لها وقت محدد، كذلك الأفكار والمعلومات، يجب أن يراعى فيها سلسلة من الضوابط حتى تكون معلومةً يصح الركونُ إليها، فإذا كان الإنسان ينسب نفسَه إلى المسلمين والمؤمنين، فإن ثمة معايير للأفكار والمعارف والمعلومات التي يريد أن يتبناها، بعد أن يستوعبها ويؤمن بها، ويترجم هذه الأفكار والعلوم والمعارف إلى سلوكيات.

إذا اجتمع لديه هذان العنصران، أي: علمه الصحيح والأصيل، وعمله الصائب، كان من ذوي الأصالة الفكرية، وكان ممن قد أمّن لنفسه مستقبلاً زاهراً.

 الله سبحانه وتعالى يقول {بسم الله الرحمن الرحيم وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} لو لم يتوفر هذان العنصران الإيمان، وهذا يرتبط بالفكر بالعقل بالروح القلب، ولم يتوفر لديه العمل الصالح، الذي قد يكون عملا جوانحيا باطنيا معنويا، كالحب في الله عز وجل والبغض في الله عز وجل، كلاهما عمل صالح لا يصح للإنسان أن يقلب فيحب من لا يجوز محبته، ويبغض من لا يجوز بغضه، فإنه لو عكس ذلك كان من العاملين لغير الصالحات. 

فلابد للإنسان أن يتوفر على فكرة سليمة ومعلومة صحيحة، أي أصيلة، وعلى عمل صالح يطابق ما علم به، الله عز وجل يقول {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات/١٣]، ويقول في مورد آخر {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ} [الزمر/٩].

 ضم هاتين الآيتين يؤكد أن الميزان في التقرب إلى الله، وفي التقريب إلى الله عز وجل، هوالتقوى، لكن الآية الثانية تؤكد على أن المسألة علم!

الناس يتفاضلون في واقعهم بمقدار ما يعلمون، كلما زاد علمه يُفترض به أن يكون أفضل، هل هناك تنافٍ بين الأولى الثانية، التي تحدد القرب من الله والكرامة عند الله عز وجل بالتقوى، والآية الثانية التي تحدد الأفضلية على العلم؟!

الجواب يبينه لنا عدد من الآيات. منها : قوله عز وجل {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} [فاطر/٢٨]. الخشية لله هي التقوى.

لكن من يوفق للخشية إلى الله، أي إلى التقوى؟

أهل العلم.

وليس المقصود من حملِ العلم هنا هو أن يحمل الإنسان درجةً علميةً يُعترف بها في جامعة أو حوزة! قد يُوفق إلى هذه المعلومة التي تنتج الخشية من الله والتقوى والكرامة عند الله عز وجل شخصٌ لا ينتسب إلى حاضرة علمية ولا ينتسب إلى حوزة علمية أو جامعة، وقد لا يوفق إلى ذلك من ينتسب إلى هذه أو تلك، فيكون من علماء السوء، الذين ينطق الشيطان على ألسنتهم، وما أكثرهم، عبر التاريخ!

 أكثر الجرائم إنما وقعت، وبُرِّرت، ليس على أيدي الجهال من الناس الذين لا يعلمون، وإنما على أيدي أو على ألسنة جماعة ممن يصنف ضمن العلماء، قد يكون قاضياً، قد يكون مفتياً، قد يكون معلماً، قد يكون مدرسا،، مؤلفاً، كاتباً، العناوين تتعدد. لكن قد ينطق عن الله عز وجل، فيكون رجلاً صالحاً ومصلحاً، وقد يكون ناطقاً عن لسان الشيطان فيكون إبليساً ملعوناً في موازين الشرع والموازين الصحيحة.

فهل من المهم أن أن نكون من ذوي الأصالة الفكرية ؟

بعد هذا العرض، لا أتصور أن أحداً لا يهمه أن يكون فكرُهُ فكراً أصيلاً، أي موضوعيّاً وصائباً، في فعله، أي فعل التفكير، حتى يكون جهدُ الإنسان في التفكير جهداً صحيحاً، لأن الإنسان قد يسعى إلى أن يفكر في الفكرة ويبذل جهداً جباراً، لكن تنتهي به، أو ينتهي به فعله هذا، إلى نتائج غير موفقة، كأكثر المنحرفين عن الحق، مع انهم يحملون شهادات عليا، مع أنهم بذلوا جهوداً جبارةً في العلم، لكن لم ينته بهم علمهم وتفكيرهم إلى نتائج صحيحة.

السبب ما هو؟

اختاروا لأنفسهم طريقاً غيرَ صائبٍ، طريقةً غيرِ صحيحةٍ، استعملوا أدواتٍ غيرَ صحيحةٍ.

مثلا:

حينما نجد العلماء في مدرسة أهل البيت عليهم أفضل الصلاة والسلام يتحدثون عن مصادر التشريع - مصادر التشريع هي أقرب ما تكون إلى مصادر التفكير، يعني مصادر الفكر الإسلامي سواء في مادة الفقه التي يشتغل بها الفقهاء، أو بشكل عام، التي يشتغل بها هؤلاء أو غيرهم، مما يجب على الناس أن يستقوا هذا الفكر الأصيل منهم - ماذا يحددون؟

يحددون أربعة أشياء، مصادر التشريع،أي مصادر الفكر: الكتاب الكريم، السنة المطهرة المروية عن النبي وعن آله، العقل، الإجماع.

طبعاً، الإجماع هذا يهم في باب معين.

الحقيقة المصدران الثانيان هما من روافد المصدرَين الأولين، يعني إجماع الناس، إتفاق الناس على فكرة معينة، هذا الاتفاق نفسه، لا يجعل الحقَّ باطلاً ولا الباطلَ حقّاً، ولا يجعل الحقَّ حقّاً ولا الباطلَ باطلاً! الإجماع له قيمة إذا علمنا أن هذا الإجماع يحكي رأي المعصوم. تتبعنا هذه الفكرة فوجدنا أن علماء الأمة، أو علماء المذهب عبر التاريخ يفتون بهذه الفتوى، لكن لما ذهبنا نحن نفحص في القرآن الكريم عن مصدر هذا الفتوى، لم يتبين لنا أن هذه الفتوى، تدخل ضمن هذه الآية أو تلك الآية، أو هذه الرواية أو تلك الرواية، لكن مع ذلك نجد أن العلماء - من أولهم إلى آخرهم - يفتون بهذه الفتوى، هنا نُعمل أدوات أخرى، نقول إن هؤلاء العلماء تختلف أذواقهم، مسالكهم، مشاربهم. كيف أننا حينما نسمع الأخبار من مصادر متعددة، تختلف انتماءات المخبرين وأذواق المخبرين وقدرات المخبرين، تطمئن نفوسنا أن هذا الخبر، لو كان من عند فلان لشككنا فيه، لكن إذا أضفنا إليه إخبارَ آخر، وثالثاً ورابعاً وخامساً، احتمال الخطأ والكذب في هذا الإخبار تقل إلى درجة الانعدام، نسمي هذا تراكم الاحتمالات. 

كذلك الحال في الإجماع، حينما نجد أن هذه المجموعة الكبيرة من العلماء، كلهم معروفون بالتقى والورع والتثبت، يفتون بهذه الفتوى تطمئن نفوسنا، أن لدينا مصدراً لهذه الفتوى، لكن المصدر فُقد، كيف فُقد؟

نحن نعرف عبر التاريخ، كما نجد في الحاضر، قد لا يتيسر لأهل الصدق، الإخبار الصادق، أن يخبروا بهذا الخبر وبهذا الحديث علناً!

مثلا:

مر على بعض الفترات الإسلامية أن مَن اسمه (علي) كان يُقتل، في فترة، حقبة من حقب التاريخ (الإسلامي!! مَن يُسمّى بعلي يقتل!! يذكر ذلك الذهبي في كتابه (سير أعلام النبلاء في ترجمة شخص يقال له عُلّيُ بن رباح، قيل له أنت عَلّيٌ أو عُلَّي؟! قال أنا لا أبيح أحدا أن يسميني بعَلّي! 

لأن أباه سمع، أو عرف أن السلطة تقتل هذا الولد الذي سمّاه عَلياً، فأبدل اسمه بعُلّي، حتى لا يكون عَلّي!! 

في مثل هذا الجو، هل يستطيع أحدٌ أن ينكر أن هذا التاريخ لم ينقل إلينا بأمانةٍ كلَّ ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، بل هناك تيار عريض، في بواكير مسيرة المسلمين، كان يحرّم على الناس نقلَ الحديث حتى عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم!! حتى عن رسول الله كانوا يمنعون النقل الحديث لأسباب لسنا الآن في صدد ذكرها!

هذه الأحاديث التي فقدناها وهي ليست بالمئات، بل بالآلاف، من ذلك كنموذج:

النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يصلي بالناس الجمعة، وفي كل يوم جمعة كان يخطب في الناس، كم خطبة جمعة نُقلت عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ قد لا تجد خطبة واحدة خطبة أو خطبتين نقلت عن رسول الله، يعني خمسمئة خطبة في زمن النبي، عشر سنوات المدينة لماذا لم تنقل عن رسول الله؟! 

أيّاً كان السبب، في واحد أو في عشرة أو في عشرين من تلك الخطب، بالتأكيد كان هناك أحكام شرعية وتوجيهات، حفظها من حفظها، وغابت عن كثير من الناس، هذا الإجماع يحكي عن واحد من تلك الأحاديث التي غُيّبت أو غابت عن الأمة.

ولذلك، نعطي للإجماع [قيمة]، كوسيلة كشف عن رأي المعصوم وعن قول المعصوم، وإلا فإن الإجماع يعني لو أن الأمة في زمن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، افترضنا أنها اتفقت على مخالفة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، الحجّية والاعتبار والفكر الأصيل سيكون في جانب الرسول، أو في جانب إجماع الأمة؟!

لا يختلف المسلمون أن إجماع الأمة إذا خالف قول رسول الله نرمي به عرض الحائط، وكذلك الحال بالنسبة لنا في حق المعصوم، لو أن المعصوم تبنى شيئا، وتبنت الأمة كلها شيئاً آخر، لا قيمة لما تتبناه الأمة، فالإجماع في نفسه ليس حجة، هو حجة باعتبار كاشفيته عن رأي المعصوم. 

فالأصالة الفكرية تفرض أن نرجع إلى القرآن الكريم والسنة المطهرة. 

وقد تسأل، وتقول: العقل - إذن - ما هو دوره؟! أليس العقلُ مصدراً من مصادر الأحكام العقلية، على أقل التقادير؟!

مثلاً: الصدق هل نحتاج - نحن - إلى آية أو رواية تُروى عن المعصوم، سواء كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم أوالإمام، حتى نقول أن الصدق حسنٌ ولازمٌ، أو أن الكذب قبيحٌ وممنوعٌ؟

نقول: لا نحتاج إلى ذلك، العقل يحكم بذلك، هذا التعبير، العقل يحكم، أو أنها أحكام عقلية، ألا تشبه أننا لو أضفنا إلى الواحد واحداً آخر، كانت النتيجة اثنين، نسميه (حكم عقلي)، (رياضي)؟

نعم، هي من هذا النوع، لكن لها طبيعة أخرى، العقل يشترك في هذين الحكمين، هو أنه يدرك الحكمين، يعني العقل ليس هو الذي أنتج لنا أن الواحد زائد واحد تساوي اثنين، سواء كان هناك بشر أو لا يوجد بشر، في الدنيا أو في الآخرة، الواحد زائد واحد تساوي اثنين، في المريخ، في القمر في الأرض، لو أن الناس فَنوا، هل يوجد عقل؟ العقل موجود في الناس، لو أن الناس فَنوا، نفترض افتراضاً، فَنوا الناس، ما هي نتيجة واحد زائد واحد، تساوي كم؟ اثنين، ولا يوجد عقل، العقل البشري ما هو دوره في مثل هذه الحالة؟

بعض العلماء، يقول: دوره - في الحقيقة - هو الاستكشاف والإدراك، وليس الحكم، العقل لا يحكم، العقل يدرك الأحكام التي تنسب إليه، تارة أحكام عقلية صرفة، وتارة أحكام عقلية عملية، مثل الصدق والكذب، من جهة الحسن ومن جهة القبح.

فإذن، العقل ليس مستقلاً في الحكم على الأشياء، يبقى لدينا ماذا حتى يكون فكرُك صحيحاً وأصيلاً؟

الكتاب الكريم والسنة المطهرة

ما المطلوب؟

 المطلوب: هو أن نتحقق أن هذه آية من كتاب الله عز وجل، وأن هذا حديث صحّ، أو اعتُبر نقلُهُ عن رسول الله وعن المعصوم صلوات الله وسلامه عليهما، إذا وقفنا عند هذا الأمر، وفّرنا لأنفسنا مادة خام، تشكّل لنا سبباً، أو طريقاً للحكم الأصيل، الذي لا يُعد حكماً مغشوشاً. 

يبقى أن فكر الإنسان قد يهتدي إلى ما أراده الله عز وجل، أو لا يهتدي، ثمة أحكام، أو الأحكام يمكن أن نصنفها إلى صنفين اثنين، أحكام لا يمكن أن يصل إليها الناس إطلاقاً، مثل ما يقول الله عز وجل عن القرآن الكريم أنه لا يصل إليه ولا يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم، حقائق كثيرة في القرآن الكريم لم يصل إليها الناس، ولم يهتد إليها الناس. 

ما هو المطلوب؟

أن نرجع في ذلك إلى رسول الله والى المعصوم، فإن ورد شيء قبلناه، وإن لم يرد، نتعبد به.

وللحديث تتمه.

أسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا وإياكم ممن يستمع القول فيتبع أحسنه.

 اللهم صل على محمد وآل محمد.

 اللهم كن لوليك الحجة بن الحسن صواتك عليه وعلى آبائه في هذه الساعة، وفي كل ساعة، ولياً، وحافظاً، وقائداً، وناصراً، ودليلاً، وعيناً، حتى تسكنه أرضك طوعاً، وتمتعه فيها  طويلاً.

اللهم انصر الاسلام والمسلمين، واخذل الكفار والمنافقين، اللهم اشف مرضانا، وارحم موتانا، وأغن فقرائنا، وأصلح ما فسد من أمر ديننا ودنيانا، ولا تخرجنا من الدنيا حتى ترضى عنا يا كريم.

وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين.