موقع السيد حسن النمر الموسوي

حديث الجمعة

جديد الموقع

 

نص الخطبة التي ألقاها سماحة العلاّمة السيد حسن النمر الموسوي بعنوان «الأصالة الفكرية (٢)»والتي ألقاها يوم الجمعة (٢٥ ذوالقعدة ١٤٣٨ هجري ) في جامع الحمزة بن عبدالمطلب بمدينة سيهات:

 

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

 بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين

 رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي.

 عباد الله، أوصيكم -ونفسي- بتقوى الله.

كنا قد تحدثنا في الأسبوع الماضي عن الأصالة الفكرية وأهميتها

 نكمل حديثنا عن ذلك، لمحورية ومركزيته، فإن كثيرا منا إن لم نقل جميعنا، مبتلي بالتعامل مع الأفكار التي تخطر في بالنا أو التي نسمعها أو نقرأها، مما يكتبه الآخرون أو يقولونه.

 هل يسوغ لنا أن نستجيب لكل ما يخطر في البال، أو لكل ما نسمعه ونقرأ، أم أن العقل البشري السليم يدرك أن من اللازم علينا، أخلاقيا وشرعيا أيضا، وعلى ذلك أدلته، أن ننتَقيَ ما صح من الأفكار، ونرفض ما كان معدودا منها من الباطل، ولا يتأتى ذلك للإنسان إلا ان يميز بين ما يصح قبوله ويلزم، وبين ما لا يسوغ قبوله والتعامل معه والاستجابة لها والاستسلام له، دون امتلاك هذه المعايير سيكون الإنسان أشبه بالريشة في مهب الريح يتلاقفه الرجال، يوما يتدين بدين هذا، ويوما آخر بدين ذاك، يرتضي رأي هذا، اليوم، ويرتضي في اليوم الآخر، رأى ذاك، ولا يمكن أن يوثق بمثل هذا الإنسان، بل لا يعود يثق هو بنفسه، أين يحط رحله..!

 ولو أن الأمر اقتصر على ما يتعلق بشؤون الدنيا لهان الأمر، فإنها قد تكون خسارة تمتد ليوم أو أسبوع أو شهر أو سنة أو سنتين، أقل من ذلك أو أكثر، لكن إذا كان المصير في الخسران يمتد من الدنيا إلى الآخرة، فان ذلك سيكون خسرانا مبينا، ومن ثم فإن علينا أن نتفقه وأن نتعلّم و نملك الناصية التي تتيح لنا ان نميّز ونغربل.

 ومن هنا ندرك سر ما ورد في التأكيد على مسألة التفقه في في الدين، حتى ان أحد أئمتنا صلوات الله وسلامه عليهم يقول (لوددت أن السياط على رؤوس أصحابي حتى يتفقهوا في الدين) فإن التفقه في الدين وحده هو الذي يصنع الرجال الرجال.

 الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم يقول {فيه رجال يحبون أن يتطهروا فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا} من هم الرجال الذين يحبون أن يتطهروا، ويسعون إلى أن يتطهروا؟ هم أهل العلم وأهل الفقه وأهل المعرفة وأهل التمييز بين الخطأ والصواب أولا ثم أهل الإرادة والعزيمة على ان ينحازوا إلى الحق على حساب الباطل، وإلى أهل الحق على حساب أهل الباطل، ولو قرأنا وسبرنا تاريخ البشر منذ فجر التاريخ، سنجد ان كل الأحداث التي وقعت فيما بينهم من خصومات وتنازع ووئام وسلام، كلهم في الحقيقة كانوا ينشدون هذه المعايير، يصيبونها تارة، ويخطئونها أخرى، يدّعيها هذا الفريق، ويدّعيها ذاك الفريق، قد تكون دعوى هذا محقة ودعوى الآخر باطلة، أو العكس، ولذلك لزمنا أن نتعرّف على الدين الحق.

 إبراهيم، صلوات الله وسلامه عليه، فيما يحكيه لنا القرآن، يعرض بضاعته علي من تولى تربيته، حتى صار يدعى بأبي إبراهيم، وهو ليس أباه، هو عمه أو أبو زوجته أو زوج أمه، لأن الأدلة قامت عندنا على أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم جميعهم من الموحدين، في حين أن سياق القرآن الكريم يتكلم عن أزر هذا، الذي جرت حوارات بينه وبين إبراهيم، أنه لم يكن من الموحدين المؤمنين، يقول عز وجل كما في سورة مريم، إبراهيم يخاطب أباه هذا آزر {يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا}المنطلق الذي تحرك منه إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه مخاطبا آزر، ما هو، هل هو منطق الشرع الذي لا يؤمن به آزار؟ لا، المنطق الذي تحرك به إبراهيم هو منطق الفطرة السليمة، فطرة الإنسان السليمة تدعوه وتحرّضه وتحثه حثا أكيدا، على أن يكون من أهل الصراط السوي، لأن كل الناس يحبون الخير لأنفسهم، وكل الناس يدركون أن الخير لا يتحقق إلا بالصراط السوي، الصراط المستقيم، لكنهم يختلفون في عنوان الخير، الذي قد يشتبهون فيه، أو في الصراط الذي يؤدي إلى الخير، فيسيرون في مسارات منحرفة، إبراهيم، صلوات الله وسلامه عليه، ينبّه ازر، الذي خاطبه بأنه أبوه {يا أبت} ينبهه إلى هذا المركوز في فطرتك انت أيها الإنسان، انت يا آزر، أنت أيها الإنسان القديم والحديث، ألا تريد الصراط السوي؟

 لو سألنا الناس جميعا، لأجابك الجميع: نعم، نحن نريد السؤال الصراط السوي.

 ثم يثنّي إبراهيم، صلوات الله وسلامه عليه، إن الصراط المستقيم السوي لا يمكن أن يعرفه ويصل إليه ويوصل إليه ويدل عليه، إلّا أهل العلم، يقول {يَاأَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ} وجه الربط بين الأمرين، ما هو؟أن أهل العلم هم الذين يتيسر لهم أن يعرفوا الصراط السوي، نظريا وتطبيقيا، الأدلاء عليه هم أهل العلم {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ} هذا ما تحرك منه وانطلق منه إبراهيم في مخاطبة أبيه آزر الإنسان، بلحاظ الإنسانية، هذا من فنون الدعوة إلى الله عز وجل، أن نبدأ بالمداخل المتفق عليها، في الحوارات والتفاوض، ينبغي للإنسان أن ينطلق من الأمور التي يتسالم عليها الفرقاء المتنازعون والمختلفون، لا أن يبدأ هذا الطرف أو ذاك الطرف، من نقطة متنازع عليها، وإنما من نقطة يتفقون عليها، ثم يأخذون في التفريع عما تتطلبه هذه النقطة المتفق عليها.

 فطلب الصراط السوي أمر متفق عليه، العلم أيضا، يدرك آزر أن أهل العلم فقط، ولذلك إبراهيم يقول هذا العلم الذي يؤدي إلى الصراط المستقيم، أنا ادّعي -إبراهيم يقول عن نفسه- أنا ادّعي أن هذا العلم الذي يؤدي إلى الصراط المستقيم، جاءني أنا ولم يأتك أنت.

سننتقل في مرحلة ثالثة، ليستدل إبراهيم على أن العلم قد أوتيه وان العلم لا يستطيع أن يدّعيه ذاك الذي خاصمه، فإذا {يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ}.

 النتيجة المنطقية والطبيعية هي أن الإنسان إذا تبيّن له العلم، وجب العمل بمضمونه، وإذا عرف أهل العلم، وجب عليه أن يتبعهم {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} العلماء يقولون هنا، الله سبحانه وتعالى حينما يقول {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} الخطاب لمن؟

 دعنا من المؤمنين الذين يتعبدون بما جاء من عند الله عز وجل أمرا الهيا يلزمهم تطبيقه، لكن الخطاب في الأساس خوطب به المشركون، الله سبحانه وتعالى يخاطب النبي صلى الله عليه وآله أن قل لكفار قريش {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ} فاسألوا يعني يلزمهم وهم بعد لم يؤمنوا بشرع الله؟ لا{ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} ينبههم إلى ان فطرتكم التي تسلمون بمضمونها، تلزمكم، أنكم إذا أقررت أنكم لستم من أهل الذكر، أن ترجعوا إلى أهل الذكر، أي أهل العلم، أهل العلم كل في مضمونه وفي مجاله، بهذه الطريقة نستطيع ان نضمن لأنفسنا أصالة فكرية.

نموذج على ذلك نسوقه عما رُوي عن الإمام الرضا عليه أفضل الصلاة والسلام، كيف أن الإنسان إذا لم يكن من أهل العلم والمعرفة تتيه به السبل، فتصبح اللغة التي يفترض أن تكون هي الجسر الذي يؤدي بنا إلى الفهم والتفهيم، نحن من خلال اللغة، نفهم الأشياء، ومن خلال اللغة نفهِّم الآخرين بالأشياء، لكن اللغة تلتبس علينا، المفردة الواحدة قد تستعمل في معنيين متفقين، يسم،نه ترادف، أو معنيين متقاربين أو معنيين متضادين أو معنيين متناقضين، أحدهما في الشرق والآخر في الغرب.

 كيف نميّز أن المعنى المقصود من هذا اللفظ هو المعني من النوع الأول أو الثاني أو الثالث أو الرابع، إلا نحتاج في ذلك إلى ميزان؟

نعم، نحتاج في ذلك إلى ميزان، شرعيٍ إذا كانت المسألة شرعية، وعقليٍ، إن كانت المسألة عقلية، و عرفيٍ، إن كانت المسألة عرفية، يعني نحن إذا أردنا أن نتعرف على أن هذه الكلمة تستعمل بهذا المضمون، عند أبناء البلدة الفلانية، نرجع إلى القرآن الكريم، لأنها مسألة شرعية، أو نرجع إلى العقل، أو نرجع إلى العرف؟ لا، نرجع إلى العرف، لأن اللغة مسألة عرفية، يتفق جماعة من الناس، في بلد ما، أو في صنعة ما، أو في حقبة معينة، على أن يستعمل هذا اللفظ لأداء هذا المعنى.

 مثلا، اللغة العربية، فيها معان قد تستعمل الكلمة الواحدة فيها، في معنيين مختلفين، يسمونه معاني متضادة، مو[ليس] متناقضة، لا، هذا معنى، وهذا معنى، مثلا كلمة (نَسِيَ) في اللغة العربية، قد يتصور بعض الناس أن المقصود بالنسيان في اللغة العربية وما يشتق منها، يراد منها ما يصيب ذاكرة الإنسان من المحو، تغيب المعلومة عن الإنسان، يقول: فلان نسي.

لا، ليس هذا هو المعنى الوحيد لهذه الكلمة، هناك معنى آخر، لاحظوا النسيان، بهذا المعنى، ليس أمرا اختياريا، لذلك لا يحاسبنا الله عز وجل عليه، نقرأ في القرآن الكريم، النسيان من الأمور المعفو عنها {رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} النسيان، الله سبحانه وتعالى لا يعاقب الإنسان عقوبة التارك المتعمد، على هذا الإنسان النانسي.

 نعم، نسي الإنسان أن يصلى، ليس هو إثما، لكن يلزمه أن يقضي الصلاة التي فاتته، بسبب النسيان، هذا حكم آخر، يعني القضاء حكم آخر غير حكم الصلاة الأولى، التي كان يجب أن يؤديها لكنه ليس إثما، لكن النسيان يراد منه معنى اختياري، وليس معني غير اختياري، النسيان بمعنى الذهول، هذا ليس أمرا اختياريا، لذلك لا يعاقبنا الله عز وجل عليه، لكن قد يستعمل النسيان بمعنى الترك.

 شوفوا الرواية المروية عن الإمام الرضا، يسلط الضوء على أية، التبس على الناس كيف يتعاملون معها، لأنهم لم يملكوا الأدوات الأصالة الفكرية، نقرأ:

عبد العزيز بن مسلم -أحد الرواة المعاصرين للإمام الرضا- قال سألت الرضا، علي بن موسى عليه السلام -الذي يستحب زيارته هذا اليوم، في مناسبة دحو الأرض، يوم الخامس والعشرين هو يوم نحو الأرض، وهو يوم شريف، كما جاء في الروايات، وذكر مبدأ وفكرة دحو الأرض في القرآن الكريم -عن قول الله عز وجل نسوا الله فنسيهم) لاحظوا النسيان، ليس أمرا اختياريا، والنسيان يدل على ضعف الموجود، كيف يوصف الله سبحانه وتعالى بأنه نسي، ينسى، فنسيهم؟

الله ليس ضعيفا، الله سبحانه وتعالى هو القوي والعزيز، الله عز وجل ذهنه، أو إذا صح هذا التعبير ليس عنده ذهن ينسى، مثل ما ننسى نحن، كيف يقول {نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ} لذلك استدعى الأمر إلى معالجة علمية، من هذا الراوي يسأل الإمام الرضا، (فقال -أي الإمام الرضا- إن الله تبارك وتعالى لا ينسى ولا يسهو) جاء بكلمة يسهو، لعلها من باب تقريب أن النسيان مشابه للسهو (وإنما ينسى ويسهو المخلوق المحدَث) أنا وأنت، نحن ضعفاء ننسى (إلا تسمعه عز وجل يقول وما كان ربك نسيا) لاحظوا كيف ان الإمام يربينا على الأصالة الفكرية، كيف يفسر القرآن بعضه بعضا، بإرشاد منهم، صلوات الله وسلامه عليهم يقول (وإنما يجازي من نسيه -أن يجاز الإنسان الذي نسي الله عز وجل، بأي معنى أما أن يكون قد أهمل ذكر الله عز وجل، فابتلي بالنسيان، فيحاسبه على المقدمات، ويستعمل الكلمة أو لا، المقصود منها الترك، كما سيتبين (ونسي لقاء يومه) أي الوقوف بين يدي الله عز وجل، (بأن ينسيهم أنفسهم) كيف ينسى الإنسان نفسه، هل فينا أحد ينسى نفسه؟ مستحيل، نحن نطلب الأكل لأننا لا ننسى أنفسنا، حتى لو تناسينا أنفسنا، الجوع ينبهنا إلى أننا موجودون، لذلك، ذاك الذي شك جعل من معرفة نفسه بالوجود منطلقا لمعرفة الوجود (أنا أفكر إذن أنا موجود).

 المسألة، لا يمكن للإنسان أن ينسى نفسه ويتصور، لكن بأي معنى؟ يعني نسي هي التفكير وترك التفكير بما يصب في مصلحة نفسه، فيقول  (ونسي لقاء يومه بأن ينسيهم أنفسهم، كما قال عز وجل ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم) يعني لم يلتفتوا إلى الله، ولم يتوجهوا إلى الله، ويولوا مسألة ربانيته سبحانه وتعالى، وربوبيته لهم حق الاهتمام، فألهاهم بسبب سوء اختيارهم، عن التفكير في مصالحهم الحقيقية، فاشتغلوا باللملهيات، واشتغلوا بما لا يفيدهم، على حساب ما يفيدهم وينفعهم، وقوله عز وجل {فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا} -الإمام يكمل، يقول- (أي نتركهم).

 النسيان إذن من عند الله عز وجل هو الترك، لاحظوا ما جاء عن قصة آدم عليه أفضل الصلاة والسلام، الآية ماذا تقول {فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزما} في عقيدتنا أن الأنبياء الأئمة معصومون، أي لا ينسون، كيف نسي نحمل على النسيان الأول، أوعلى الترك؟ لا، على الترك، لكن أي ترك؟

 آدم عليه أفضل الصلاة والسلام لم يترك حكما شرعيا إلزاميا من عند الله عز وجل، لأن التكليف والتوجيه الذي وجه إليه ليس في عالم الأرض، وإنما في عالم آخر، في جنة أخرى، ليس في عالم التكليف، فحسب أن هذا أمر إرشادي لا يلزمه أن يعمل به، فتركه فحصل ما حصل.

يقول الامام (أي نتركهم كما تركوا الاستعداد للقاء يومهم هذا) انتهى نص الرواية. .

 فهل نحتاج إلى الأصالة الفكرية؟

 نعم، نحتاج إلى الأصالة الفكرية، حتى لا يلتبس علينا معنى الآيات، معنى الروايات، الأحكام الشرعية، فنبتلى بما يبتلى به بعض الناس هذه الأيام، يريد أن يقول اعطني الحكم الشرعي الذي يقنعني..! ومن قال لك بأن القرآن الكريم والسنة المطهرة تتيح لنا أن نقول أن الأحكام الشرعية تقول لم تقنعنا، فلا يلزمنا أن نعمل بها، أو لا يقول الله عز وجل {فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} أليس بند التسليم لله عز وجل هو أمر أساسي من أوامر الدين؟

 هذا الحج الذي تتشرف هذه البلاد بخدمة ضيوف الرحمن فيه، الحج من أوله إلى آخره، هل نستطيع أن نفلسف أعماله كلها، نقول إن الله عز وجل شرّع الطواف سبعا، للعلة الفلانية، وشرّع لنا الرمي سبعا اليوم في الجمرات المعروفة، بالأحكام المعروفة للعلة الفلانية، وهكذا، لا نستطيع.

  الحج كله، لا نستطيع أن نتعامل معه إلا بنحو التسليم أن الله عز وجل أمرنا أن نفعل هذا الفعل في هذا التوقيت في هذا المكان بهذه الخصوصيات والكيفية التي يذكرها الفقهاء، يتفقون أحيانا ويختلفون، كل بما آتاه الله عز وجل من الإمكان في التعامل مع الدليل.

 الدين كله مبني على أساس التسليم لله عز وجل {إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ} لكن، كما ذكرنا في الأسبوع الماضي، ثمة فرق بين أن يقول شخص أنا لن أسلم للفقيه الفلاني، وبين لن أسلم باى حكم شرعي، من حق كل أحد، أن يناقش الفقيه، وهذا ما يفعله الفقهاء فيما بينهم، لكن من يريد أن يناقش فليناقش بعلم، ومن يريد أن يسأل، فليسأل بعلم، أما أسئلة التعنت، وأسئلة المكابرة، وإشكالات المكابرة والاستكبار، مثل هذه الأسئلة لا تصنع إنسانا عقلانيا.

 نحن ذكرنا فيما مضى، العقل يدرك، لا يحكم، العقل يستكشف، وإلا قد نبتلى، فنقع في حالات الهوى واتباع الهوى، بزعم أن هذا هو ما يؤدي، أو أداه بما العقل.

 نسأل الله عز وجل، أن نكون وإياكم ممن يستمع القول فيتبع أحسنه.

 اللهم صل على محمد وآل محمد

 اللهم كن لوليك الحجة بن الحسن صلواتك عليه وعلى آبائه في هذه الساعة، وفي كل ساعة، وليا وحافظا وقائدا وناصر ودليلا وعينا، حتى تسكنه ارضك طوعا، وتمتعه فيها طويلا.

 اللهم انصر الإسلام والمسلمين، وأخذ الكفار والمنافقين، اللهم أشفى مرضانا وارحم موتانا، وأغن فقرائنا وأصلح ما فسد من أمر ديننا ودنيانا، ولا تخرجنا من الدنيا حتى ترضى عنا يا كريم. وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين.