موقع السيد حسن النمر الموسوي

حديث الجمعة

جديد الموقع

نص الخطبة التي ألقاها سماحة العلّامة الحجة السيد حسن النمر الموسوي يوم الجمعة ١ محرم ١٤٣٩ هجري بعنوان «عاشوراء، موسم تقييمٍ وتقويم-١» في جامع الحمزة بن عبدالمطلب في مدينة سيهات:

 

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد الخلق وأشرف الأنبياء والمرسلين، محمد بن عبد الله وعلى آله الطيبين الطاهرين.

ربي اشرح لي صدري ويسر لي أمري واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي.

 عباد الله، أوصيكم ونفسي بتقوى الله، السلام على الحسين وعلى علي بن الحسين وعلى أصحاب الحسين والسلام عليكم يا شيعة الحسين، عظم الله أجورنا وأجوركم  بذكرى شهادة مولانا سيد الشهداء أبي عبد الله الحسين بن علي سبط رسول الله وحبيبه، ولي الله ووصي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

موسم عاشوراء موسم خير وبركة، ذلك أنه يمكن أن تقوم فيه بمهمتين جليلتين لا يستغني عنهما الإنسان، فردا كان أو جماعة، وهاتان المهمتان هما التقييم والتقويم، ولأن هاتين المفردتين من مادة واحدة، حتى لا يختلط علينا فهم ما نريده من هذه وتلك.

أعني بالتقييم من تحديد قيمة الشيء، حتى نضع كل شيء في موضعه المناسب، وأما التقويم فهو التصحيح والعلاج للشيء الذي أصابه خلل أو حدث فيه ثغرة أو وقع فيه اعوجاج، بسبب قصور أو تقصير، انطلاقا من مجموعة آيات وردت في سورة الأنعام ختمها الله عز وجل، بعد أن ذكر عددا من الأنبياء وهم إبراهيم وآله صلوات الله وسلامه عليهم واصفاً إبراهيم وذريته هذه بأنهم من المحسنين، وان لهؤلاء المحسنين جزاءاً، طُلب من الناس أن يجعلوهم قدوة لهم وذلك يقول الله عز وجل في الآية تسعين {أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ۖ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ}.

 حال الإنسان يتأرجح ويدور بين حالين اثنين، لا يخرج الناس عنهما، الهدى والضلال، الإنسان أما أن يكون مهتديا، يعني أنه يعرف ما له وما عليه، يعرف حدوده، يعرف حقوقه، يعرف أين يضع نفسه في علاقته بربه، أو في علاقته بالناس، مؤالفين كانوا أو مخالفين.

ونحن حينما نجدد إحياء ذكرى شهادة أبي عبد الله الحسين عليه أفضل الصلاة والسلام نريد أن نتعرف على معالم الهدى ومعالم الضلال، على من هم الذين اهتدوا ومن هم الذين ضلوا.

انطلاقا من هذه الشخصية التي تدخل ضمن هذا العنوان، أنهم من أولئك الذين هدى الله كما سنأتي إن شاء الله لاحقا على إيراد بعض ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في حق الحسين، مما أجمعت الأمة على قبوله، لذلك لا تجد اليوم أحدا من المسلمين يتحفظ على شخصية الإمام الحسين عليه أفضل الصلاة والسلام، ولا على تخطأته إلا من شذّ من أصحاب الفكر المنحرف من أصحاب الفكر الضال، وهم شذاذ سابقا وشذاذ لاحقا، لكن جمهور الأمة يسلم بهذه المضامين ويسلم بهذه النتائج  ويسلم بشخصية الامام الحسين عليه أفضل الصلاة والسلام وأنه من أئمة المسلمين وأنه سبط رسول الله وأن من أحبه أحب رسول الله وأحب الله ومن أبغضه أبغض رسول الله وأبغض الله عز وجل، ومن ثم فإن شخصية الامام الحسين عليه أفضل الصلاة والسلام، والتشبث بها والتمسك بها، يعد علامة من علامات الهداية ونأياً بالنفس عن الضلال، وهذا ما توجهنا إليه الآية الشريفة.

لكن، وحديثنا سيستغرق أكثر من أسبوع، استثمارا لهذه المناسبة التي تمتد إلى أيام كثيرة في هذا الشهر، بل كل محرم وصفر تقريبا هو متمحض بالإمام الحسين، مع أننا نحن اتباع أهل البيت لنا الشرف أن ذكرى الامام الحسين عليه أفضل الصلاة والسلام لا يخلو منه يوم من أيامنا، بل ولا ساعة ثم ساعاتنا ولا موسم من مواسنا ومناسباتنا، فالحسين حاضر فينا ونسأل الله عز وجل أن يُبقي هذا الحضور فينا دائما أبدا، لأن من ارتبط بالإمام الحسين عليه أفضل الصلاة والسلام ضمن لنفسه النجاة، وهذا ما جعلناه شعارا لهذا المأتم في هذه السنة «ما خاب من تمسك بكم».

لكي يضمن الإنسان لنفسه الفوز والنجاة، عليه أن يتشبث بمن يحققون عنوان حبل الله، والله عز وجل يقول {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا} وإذا لم يكن شخص الامام الحسين عليه أفضل الصلاة والسلام مصداقاً لحبل الله، فمن يكون مصداقاً حبل الله، خصومه، قتلته ؟ الذين تسببوا في إيذاء رسول الله قبل حصول شهادة الإمام الحسين، فكيف بعد شهادته؟ لكن نحمد الله عز وجل على أن الناس بفطرتهم إذا ذكر الإمام الحسين عليه أفضل الصلاة والسلام، فإن قلوبهم ترق، فإنهم يقتربون إلى الله عز وجل أكثر فأكثر، لذلك نجد الذين تبنوا فكراً آخر غير فكر الإمام الحسين، تتوتر اعصابهم يتشنجون، يحاربون هذا الذكر بأشكال مختلفة، وبطرق يتفنن الشيطان في إيقاعهم فيها وادخالهم في شرَكه فيها.

هناك مدخل ينبغي أن ننبّه اليه، حتى نوفق لعملية التقييم والتقويم، نحن اليوم كبارا صغارا رجالا نساءاً، هذا الحشد الكبير من الناس الذين يتوجهون إلى المساجد والحسينيات ومجالس ذكر أبي عبد الله عليه أفضل الصلاة والسلام، ما الذي يسمعونه من الخطباء وفقهم الله عز وجل جميعا؟ 

إنما يسمعون ما يحدو بالناس إلى التقييم والتقويم، حيث يرشدونهم، يعظونهم يوجهونهم فيما يصحح ويقوّم وينبّه كل من يسمع إلى ما ينبغي أن يتنبه إليه.

لكن هناك أمران يجب أن نلتفت إليهما في ما يتعلق بحاجتنا إلى التقييم والتقويم، واليوم علم الإدارة، علم الاقتصاد وعلم الاجتماع، كل الناس يضعون لأنفسهم خططا وبرامج ثم يقومون بعملية نقد، عملية تقويم وتقييم، حتى إذا ما وجدوا خطئاً تداركوه، وليس على الإنسان عيب أن يقع في خطأ، فإن من شأن الإنسان القصور من جهة، والسعي إلى الكمال، أما الذين يتحجرون ويعتقدون أنهم بلغوا القمة، فإن هؤلاء لا شك يعيشون حالا من النقص الشديد.

الأمر الذي يؤكد علينا حاجتنا إلى مسألة التقييم والتقويم، أمور كثيرة، أذكر منها اثنين:

الأمر الأول - ابتلاء الإنسان بالقصور والتقصير.

من محاسن الصفات التي ينبغي للناس ان يتحلوا فيها، العلم وحب التكامل، ولا يحب العلم ولا يسعون إلى التكامل إلّا من يدركون أن أمامهم مشوارا طويلا من سُلّم الكمال ودرجاته بعد لم يحققوها، ولذلك فإن الله عز وجل يوجه ورسوله الكريم وهو سيد الخلق على الإطلاق ويقول الله عز وجل {وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا

لماذا يحتاج الإنسان أن يطلب من ربه أن يزيده علماً؟ لأن الإنسان بالعلم يتكامل، بالعلم يتدارك النقص، فالإنسان مبتلى بالقصور من جهة، أي أن الإنسان فقير {يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ ۖ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ} أنا وأنت وكل الناس، مهما بلغوا من الكمال، فإن كمالهم مستعار من الله عز وجل، وهبة ومنةٌ منه سبحانه وتعالى، فحتى إذا توفر فينا كمال، وليس فينا أحد كامل، فإن هذا الكمال منشأه الله سبحانه وتعالى، فالإنسان بطبعه قاصر، ومن كان قاصرا لا بد أن يبتلى بالتقصير إّلا يعصمه الله عز وجل.

فمشكلة القصور من جهة، أي النقص والتقصير، أي الوقوع في الخلل من حيث نشعر أو لا نشعر، هذا يفرض علينا ان نبذل جهدا جبارا في التقويم والتقييم قبل ذلك.

الأمر الثاني - أن في عالم المعارف في عالم التوجيهات والكمال. ثمة ثابت وثمة متغير.

 حاجات الإنسان والكماليات ليست بالضرورة تأخذ شكلا واحدا في جميع الأزمنة والأمكنة وفي جميع الأحوال والأطوار، ما يناسب الطفل الصغير ليس بالضرورة يناسب الولد إذا كبر قليلا، أو إذا راهق أو إذا صار شابا أو إذا صار كهلا أو إذا صار شيخا، ما يحتاجه الإنسان في صغره على مستوى التغذية المادية قد لا يتوافق مع ما يحتاجه الكبير في السن أو من كان بين هذا وذاك.

هذه الحالة لا تقف عند حدود المطعم والمشرب والمأكل، حتى في مسائل المعارف، في مسائل السلوكيات، ما يليق فعله وما يتوقع فعله من الطفل ولا يعاب عليه لا يناسب الكبير ان يفعله ويقع فيه لذلك يقال ان هذا فعل صبياني، لأن الناس يتوقعون أن الصبي يصدر منه هذا الفعل، لكن إذا كبر، لا يناسب كماله لأن كمال كل إنسان بحسبه وكذلك في حالات الصيف، يعني لو أن الإنسان لبس لباس شتوياً ثقيلا يقيه البرد في حال الصيف لَعِيب عليه ذلك، ولو عكس الأمر لعيب عليه ذلك، لأن في الصيف ثمة ألبسة تناسب البدن وفي الشتاء ألبسة أخرى، فهناك ثابت وهناك متغير.

 وهذا أحد وجوه حالة النسخ في الشرائع يعني أن الله عز وجل لما بعث نوحاً بشريعة تتفاوت قليلا عن شريعة إبراهيم وهذه تتفاوت عن شريعة موسى وشريعة موسى تتفاوت عن شريعة عيسى وأخيرا خُتمت الرسالات بشريعة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، هذا يعني ان ثمة حالة من التطور، وحالة من التكامل ختمت بشريعة الإسلام حيث يقول الله عز وجل اليوم {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِينًا}.

 الإمام الحسين عليه أفضل الصلاة والسلام إنما خرج في نهضته المباركة من أجل أن يحافظ على الدين نقيا كاملا، كما أراد الله، حتى لا يتأثر أو لا يبذل المحرفون والمزورون والمدلسون جهدهم في حرف الناس عن دين الله عز وجل، ولذلك بذل نفسه رخيصة وليست برخيصة هي، لكنه بذل الغالي والنفيس في سبيل حفظ هذا الدين ونعرف كم ان مثل هذه التضحية ستكون ثمينة جدا لكن نلمس آثارها، لأن هذا الدين إنما بقي عند اتباع أهل البيت بهذه الصورة المتكاملة، بل حتى عند غيرهم إنما حفِظ هذا الدين ببركة تلك الدماء الطاهرة والزكية التي سفِكت في كربلاء على أيدي أولئك الطغاة وأولئك المجرمين.

 لكن أيضا هذا لا يعني حينما نقول إن الدين كامل وأن هناك ثبات ومتغير، وأن حلال محمد حلال إلى يوم القيامة، وأن حرامه حرام إلى يوم القيامة، لا يعني أن شريعة الإسلام ستظل جامدة.

مثلا الإسلام يطالب المرأة أن تتحجب تستر مواضع عديدة من بدنها ويستثنى منها ما يذكره الفقهاء على تفصيل عندهم الوجه والكفان، لكن هل يلزم المرأة أن تتحجب بنفس الطريقة واللباس التي كانت قبل ألف وأربعمئة سنة، لا، المهم أن تتحجب في بدنها، بل في المناطق الحارة قد يختلف حجاب المرأة عن المناطق الباردة، والمرأة التي تعمل قد يختلف حجابها وسترها عن المرأة التي لا تعمل، حجاب المرأة خارج المنزل ليس كحجاب المرأة داخل المنزل، ثمة حركة حالة من التغير لكن الإطار العام هو أنه يجب على المرأة ان تحافظ على ما ألزمها الله عز وجل أن تستره، وأن تجعله حجابا لها، وكذلك حال الرجل يجب عليه أن يستر عورته عن أن ينظر إليها الأجانب الذين لا يجوز لهم أن ينظروا إلى عورته، لكن يريد أن يستر عورته، وبدنه  بثوب أبيض بثوب أسود، ببنطال، بثوب طويل، هذا أمر يرجع إليه، لكن عليه ان يحافظ على فكرة ستر العورة، من جهة، وحفظ شخصيته، حتى لا يلبس اللباس الذي يؤدي به إلى أن يُهتك بين الناس، مما يعرفه الفقهاء بـ«لباس الشهرة» وكذلك حالة التزيّن، والأمثلة على ذلك كثيرة.

 الأمر الثالث - هو أن الإنسان إذا أراد ان يقيّم ويقوّم، لا يسوغ أن يقع منه ذلك بطريقة غير منضبطة وبطريقة غير ممنهجة.

 يعني نحن حينما نريد ان نقيّم، يعني أن نحدد قيمة الأشياء ومنزلة الأشياء، لأي شيء مادي أو معنوي، ثمة معايير، هذه المعايير يجب أن تحكمنا، أنا كمؤمن وكمسلم، وأنت كمؤمن و كمسلم، هل يسوغ لك ان تحكم على الأشياء بالصواب والخطأ، بالقبح والحسن، بالخير والشر، إلى غير ذلك من الثنائيات والأمور المتقابلة، بعيدا عما سطره الله عز وجل في القرآن الكريم والسنة المطهرة، المرويّة عن النبي وعن آله، عليهم أفضل الصلاة والسلام؟

الجواب : كلا، لو أن الله عز وجل، ولو أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، الذي لا ينطلق من ذاتيته ولا من عندياته، وإنما يتحرك دائما إثر وحي يوحيه الله عز وجل إليه، فإذا قال قدّموا فلاناً على غيره من الناس، هل للناس أن يختاروا ويقولوا لا، الله سبحانه وتعالى قال صحيح أنه قال {قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى} وصحيح أن الأمة تعرف أن الذين أمر الله عز وجل بمودتهم هم علي وفاطمة والحسن والحسين، هذه العناوين التي نصّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على أنهم أهل بيته، لما وضع عليهم الكساء قال اللهم هؤلاء أهل بيته، حتى أن إحدى زوجاته أو اثنتين من زوجاته، على افتراض تكرر الواقعة، رغبتا في أن يدخلا معه ومعهم تحت الكساء، فلم يأذن لهم بذلك، حينما لا يأذن رسول الله صلى الله عليه وآله، لزوجته، التي قد تسمى في العرف أنها من أهل البيت، لكن رسول الله، بأمر من الله أراد أن يضع مصطلحا شرعيا تحديدا شرعيا، لا يدخل فيه إلا هؤلاء الأربعة مع شخصه الكريم، صلوات الله وسلامه عليه وعليهم، هل لي انا كمسلم، بعيدا عن القرآن الكريم والسنة المطهرة، أن أعمل مزاجي وأقول لا، اللغة والعُرف يقول أن أهل البيت يزيدون كذا وينقصون كذا! سيكون هذا على خلاف ما قاله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أو أننا في حِلٍ أن نودَ الذين أمر الله عز وجل في مودتهم، هذا خلاف الانضباط، خلاف المنهجية، لذلك سيكون عملا عشوائيا، الآن الدول، حينما يحكم على دول بأنها دول متقدمة ودول تقدمية ودول أخرى نامية، أو دول متخلفة، سبب هذا التخلف والتقدم في هذه الدولة أو تلك، ما هو؟

 السبب الرئيسي يرجع إلى المنهج، هؤلاء يعلمون ويعرفون، ويلتزمون الضوابط التي يجب التزامها، من أجل تصحيح أوضاعهم، فيتقدمون، وآخرون لا يفعلون مثل ما يفعل أولئك، فيبقون في حالة التخلف، وإلا إذا أردنا أن نقيس المستوى الفردي، عند هؤلاء وأولئك، بل حتى المستوى الاجتماعي، قد نجد هذه الشريحة الاجتماعية، التي شاءت الأقدار أن تبقى متخلفة، على مستوى الفرد والاجتماعي، قد تكون أكثر ذكاءا، لكن لأنهم لم يلتزموا، الله سبحانه وتعالى وضع لإدارة هذا الكون سننا، من جد وجد، أدرس جيدا، تعلم جيدا، تفقه جيدا، أنضبط وألتزم، الله سبحانه وتعالى يوفقك، ماذا يقول سبحانه وتعالى {إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ}.

 أما أن يتوهم الإنسان أن مجرد ادعائه الإيمان بالله، مجرد أن يرفع شعار الله أكبر، فيظن أن على الله عز وجل أن ينصره، لا، الله سبحانه وتعالى يقول {وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ} المؤمنين منهم؟

 المؤمنون هم الذين ترجموا إيمانهم، بالقول والفعل، على مستوى التنفيذ، أما الإرهاب والاجرام، مهما بالغ المجرمون والإرهابيون، في وصف أنفسهم بأنهم من المؤمنين، هم في منطق القرآن ليسوا من المؤمنين، ومن ثم فإن الله عز وجل، ليس فقط لا ينصرهم،  بل يكبتهم ويخذلهم، من أجل أن يبيّن لهم ولغيرهم، أن القوانين والسنن حاكمة عليهم وعلى غيرهم، حتى المجتمع المسلم في زمن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، لما خرج عن هذه الضوابط وعن هذه السنن، أصابه ما أصابه، وذلك في موردين اثنين، في محضر رسول الله، ولا يمكن أن نقول إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن يعرف، أو نعوذ بالله، قصّر، لم يكن هذا ولا ذاك، لكن الحالة الاجتماعية، توهموا في [معركة] حُنين أن كثرتهم أو أعجبتهم كثرتهم لم تغن عنهم من الله عز وجل شيئا، في [معركة] أحد كذلك غلبت عليهم الدنيا، أرادوا الغنائم وخالفوا رسول الله فيما أمر، حلّت بهم تلك الانتكاسة والهزيمة الكبرى، لكن في بدر، كان عددهم قليلا، ومع ذلك نصرهم الله عز وجل، ويصفهم {وأنتم أذلة} أذلة من حيث العدد، من حيث الإمكانات، لكن {كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإذْنِ اللَّهِ} فالله سبحانه وتعالى حينما يضع لنا هذه الأطر، حينما يضع لنا هذه الأشخاص من أجل أن نلتزم بها، حتى تصح عملية التقييم والتقويم، وإلّا فان الأمور مهما طالت، وهذا ما وعدنا وسيتبين لنا لاحقا ان شاء الله من خلال النصوص التي نريدها، كيف أن رسول الله حذر هذه الأمة، من أنها ستخرج على المسار وأن خروجها على المسار لن يقيها حلول نقمة الله عز وجل بها، كما كان ذلك هو المصير للأمم التي سبقتنا.

 فيما يتعلق بضرورة المنهجية والمنطقية، التي يجب أن نلتزمها في عملية التقييم والتقويم، نشير إلى أمرين اثنين:

 الأمر الأول - هو أن ثمة متفقا فيه، أو متفقا عليه ومختلف فيه، حتى في أوساط المسلمين، صحيح أن الإسلام يجمع المسلمين جميعا، لكن لما حصلت حالة التفرّق والتمزق والتمذهب والتشرذم، يعني أن هناك أمور تختص بها هذه الفئة وأمور تختص بها تلك الفئة، لسنا الآن بصدد أن نقول أن هؤلاء أصابوا وأولئك أخطاؤا، لكن ما دام هناك اختلافات، لا يمكن أن نقول بالمطلق أن هؤلاء أصابوا أو يحاكم هؤلاء أولئك، ما اتفقوا عليه هو الإسلام، وما لم يتفقوا عليه هذا بُعدٌ مذهبي، نأتي في مرحلة ثانية لنحاكم هذا الرأي المذهبي، على حساب ذاك الرأي المذهبي، فنقدم هذا ونؤخر ذاك، أو العكس، هذا أمر آخر، لأن المسألة ترتبط ارتباطا وثيقا جدا، ولذلك أشرتُ إلى أن الامام الحسين عليه أفضل الصلاة والسلام هو محل إجماع بين الأمة، ما دام محل إجماع بين الأمة، فليكن منطلقا لعملية التقييم والتقويم، يعني لا يصح أن يقول أن الحسين سبط رسول الله المقتول ظلما، هو الذي أخطأ وقاتله المجرم الملعون على لسان رسول الله، هو الذي يجب ان يطاع.!هذا اختلال في الموازين.

من أجل أن نقوم بعملية تقييم وتقويم لمسيرة الأمة لابد أن نرجع إلى الامام الحسين عليه أفضل الصلاة والسلام، لأنه الذي شهد له الله، لأنه الذي شهد له رسول الله بالطهر وجوب المودة والالتزام ولأنه الذي لن يفارق القرآن في حله ولا في ترحاله، في قيام ولا في قعوده، وهذا ما أشار إليه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في الرواية التي يرويها الشيخ الصدوق في علل الشرائع (الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا) يعني أن هذين الشخصين، لأن الله عز وجل شهد لهما بالطهر والنقاء، على الأمة ان تلتزمهما، ولطهرهم أسباب وله نتائج تترتب عليه ثمرات، لذلك لو أن الأمة التزمت هؤلاء فسيلتزمون [المسلمون] القرآن ولو تفرقوا عنهم سيتفرقون عن القرآن الكريم بقدر ما يتفرقون عنهم.

الأمر الثاني - هو أن ثمة نظرية وثَمَ تطبيق، هل يكفي الإنسان المسلم والمؤمن، وأي صاحب نظرية، حتى النظريات الوضعية، أن نقول إن هذه النظرية جيدة، لكن في مقام التطبيق لا يلتزم الناس التطبيق، أو يسلمون قيادهم في تطبيق هذه النظرية إلى شخص لا يحسن فهم النظرية من جهة، ولا يحسن تطبيق النظرية من جهة أخرى، ستكون النظرية صوابا، لكن في مقام التطبيق لن يكون الأمر كذلك، وهذا ما فعلته هذه الأمة، الكل يلهج بالكتاب الكريم، الكل يلهج بسنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، والله عز وجل في الكتاب الكريم ينطق واصفا القرآن الكريم بأنه {لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ} و يصف القرآن بأنه {يهدي للتي هي أقوم} لماذا تخلّف المسلمون، إذا كان القرآن لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ويهدي للتي هي أقوم والمسلمون يزعمون انهم متمسكون بالقرآن الكريم، كان يجب ان يكونوا على التي هي أقوم، لكن لما تخلفوا -ولا نستطيع أن نتهم القرآن بأنه هو السبب- لأن هذه شهادة من الحق بالحق في حق هذا الكتاب الذي هو حق خالص، فلابد أن الخلل في المسلمين.

الخلل في مَن؟ هل نقول أن رسول الله -نعوذ بالله- قصّر..؟ حاشاه، هل نقول أن عليا عليه أفضل الصلاة والسلام، الذي شهد الله له بالطهر أنهم قصّر؟ حاشاه، هل نقول أن الإمام الحسين، الذي أمر رسول الله ووجّه رسول الله الأمةَ إلى أن تحبه بالمطلق، دون استثناء، أن نقول هو الذي أخطأ وقصّر؟ مستحيل، لأن هؤلاء بشهادة رسول الله عِدلُ القرآن، توأم القرآن، لن يتفرقوا عن القرآن دائما وأبدا، يعني ان الخلل في الجهة الأخرى، في الضفة الأخرى، التي اختارت طريقا غير طريق الإمام الحسين عليه أفضل الصلاة والسلام.

 وأما عن هذا الموسم لأختم المدخل ونؤجل بقية الحديث إلى الأسبوع الآتي، سائلين الله عز وجل يبقينا وإياكم على خير وفي خير.

موسم عاشوراء الذي هو موسم الخير والبركة كما أشرنا إليه، ماذا يمكن، أو كيف يمكن أن يحقق لنا هذا العنوان، عنوان التقييم والتقويم؟

 الجواب هو: ببركة هذه المجالس، التي يجب أن تكون عامرة بالحضور، يتفاعل فيها الجميع ونحن نلمس هذه البركة، وأذكر أربعة منها؛

 البركة الأولى لموسم عاشوراء وهذه المجالس المباركة: اجتماع المؤمنين.

نفس اجتماع المؤمنين، يفتح آفاقا للخير لا تتأتى ولا تتيسر لهم لو كانوا متفرقين، ولذلك الله سبحانه وتعالى يقول ان إن الله عز وجل {يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ} ويمن عليهم أنهم مجتمع ولو ان أموال الأرض بُذلت ما كان يمكن أن تتحقق هذه النتيجة، لولا تأييد الله عز وجل وتوفيقه سبحانه وتعالى، فإذن هذه المجالس وهذا الموسم، الذي صار سببا لاجتماع المؤمنين، نفس هذا الاجتماع فيه بركة أمر مطلوب من الله عز وجل، لأن الإسلام من أشد ما يستبشعه حالات التفرق، وحالات التفرق تجلب و تستجلب للناس حالات التنازع، والتنازع يؤدي إلى الفشل حتما {وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} كيف يقطع الناس الطريق على حالات التنازع، وبالتالي الفشل؟

هذا الاجتماع، هذا الاجتماع بالأبدان، ولذلك ليس من الصواب أن يعتقد أحد أنه يمكن له أو يحقق النتيجة من خلال الاستماع في منزله من خلال وسائل الاتصال الحديثة والوسائل الإعلامية، هذا صحيح من جهة، لكنه خطأ من جهات كثيرة.

البركة الثانية : هي تكثيف الإرشاد والوعظ

لأن الذي يفعله شيعة أهل البيت في مشارق الأرض ومغاربها في هذا المجال ما هو؟

 ذِكْرُ الله سبحانه وتعالى، ذِكْرُ رسول الله ذِكْرُ آله، وكل هذا الذكر يحقق عنوان العبادة، هذا عنوان العبادة، لأن حينما نستذكر رسول الله نستذكر كمالَه، نستذكر جمالَه، نستذكر كل الخير وكل الصفات الحسنة التي كانت فيه، وهكذا الحال بالنسبة إلى الامام الحسين عليه أفضل الصلاة والسلام، ولذلك نجد من خلال هذا الإرشاد، من خلال هذا الوعظ أن كثيرا من الناس قد يقتصرون في ثقافتهم التي يحصّلونها، الثقافة الدينية، على مجرد هذه المجالس، مع ذلك، نلمس مثل هذه البركة، فكيف بهم لو جعلوا ما يسمعونه من الإرشاد والوعظ منطلقا لزيادة التبصّر لزيادة التفقّه لزيادة التثقّف اللازم الذي لا يستغني عنه الإنسان إذا أراد ان يقيّم ويقوّم.

 البركة الثالثة: هي ظاهرة التعاون والتكاتف بين المؤمنين.

 نعرف جميعا أن الله سبحانه وتعالى يقول {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى}

 أبناؤنا كيف يتدربون على التعاون؟

 هناك مهام قد نؤديها في المنزل، نؤديها في المدرسة، لكن ما نجنيه ونحصل عليه من التعاون في المجالس الحسينية له طابع آخر، طابع مختلف، نجد كثيرا من المؤمنين قد يفرغ نفسه تفرغا كاملا  أو نصف تفرغ أو ربع تفرغ أو مقدارا يعتد به من وقته، على حساب عمله على حساب كسبه، من أجل الآن يخدم هؤلاء المؤمنين ويخدم مثل هذه المجالس، تولّد هذه الحالة تولّد فيه روح لا يستغني عنها الناس، تدفع بالآخرين إلى أن ينافسوه تنافسا حسنا، إلى أن يسارعوا كما سارع هو، في بذل شيء لا يستغني عنه الناس في حالات التعاون والتكاتف، لأن الفرقة -كما أشرنا قبل قليل- تجعل من المجتمعات ممزقة، لذلك أخطر ما يصيب الأوطان والمجتمعات هي الأصوات النشاز، التي تؤدي بالناس إلى أن يتفرقوا، وإلى أن ينال بعضهم من بعض، لأي سبب من الأسباب، هنا تتحطم الدول، هنا تتمزق المجتمعات، ولذلك نجد أن مجالس الامام الحسين عليه أفضل الصلاة والسلام، ونعتقد جازمين، أنها تصب في مصلحة حفظ المجتمعات، حفظ الدول التي هم فيها، ومن ثم نجد أن اتباع أهل البيت، سابقا ولاحقا، كانوا مسالمين ومعطائين، بل ويتحملون الكثير من الأذى الذي يوجه إليهم، ببركة الوعظ والإرشاد الذي يسمعونه في مثل هذه المجالس، وهذه الروح التي تولد فيهم القدرة على التحمل، كما تحمل الامام الحسين عليه أفضل الصلاة والسلام، والثبات على شرع الله، حتى لو كان له حق سُلب، لكن إذا كان حسينيا في انتمائه الثقافي والفكري والوجداني والمذهبي والديني، لا يمكن أن ينال حقه بالباطل، لا يمكن أن ينال حقه بالعدوان على الناس، بعدوا أو قربوا.

 البركة الأخيرة التي أذكرها: هي ظاهرة البذل والعطاء.

 نعرف جميعا ان المجالس الحسينية ليست إلا هي مشاركة من المؤمنين، كل واحد من المؤمنين، كل حسب يسره، حسب قدرته، يبذل شيئا من المال أو شيئا من الجهد أو شيئا من النشاط الذي يؤديه، هذا نوع من أنواع البذل الذي يحتاجه الناس في مثل هذه المجالس، روح البذل تدفع بالإنسان إلى أن يتخلص من حالات الأنانية، لأن الإنسان الأناني هو الذي لا يفكر إلا في نفسه، يدرس من أجل نفسه، كل جهده الدراسي فقط من أجل أن يبحث عن وظيفة، لكن الحسيني الذي يرتاد مثل هذه المجالس يفكر في الآخرين بقدر ما يفكر في نفسه، لأن الإمام الحسين عليه أفضل الصلاة والسلام هذا هو ما فعله.

 لو أن الإمام الحسين أرادت الهناء لنفسه والسعادة الشخصية لنفسه، كان بالإمكان أن يركن إلى زاوية من الزوايا، وهذا ما نصحه به آخرون أن يذهب إلى اليمن حتى يجنب نفسه، لكن لماذا ضحى الامام الحسين عليه أفضل الصلاة والسلام بنفسه الشريفة؟

 لأنه يعرف أن أحدا من الناس إذا لم يضحى الإمام الحسين، لن ينال شيئا من الخير الذي بعث الله عز وجل جده الرسول الأمين محمدا صلى الله عليه وآله وسلم من أجله.

ولذلك روح البذل الحسيني والعطاء الحسيني، هي التي نستنشقها نتنسمها في مثل هذه المجالس، نسأل الله عز وجل لن أن يثيب لها على مصابنا على مصابنا بأبي عبد الله الحسين صلوات الله وسلامه عليه و يحفظنا وإياكم على نهجه وعلى منواله، سائلين الله عز وجل أن يحفظ المجالس ومن يرتادها ويحفظها بلدان المسلمين جميعا، من كل أذى يراد بهم وأن يفرج عنا عنكم ويقضي حوائجنا وحوائجكم.

اللهم صل على محمد وآل محمد، اللهم كن لوليك الحجة ابن الحسن صلواتك عليه وعلى آبائه في هذا الساعة، وفي كل ساعة، وليا وحافظا وقائدا وناصر ودليلا وعينا، حتى تسكنه ارضك طوعا وتمتعه فيها طويلا.

اللهم انصر الإسلام والمسلمين، واخذل الكفار والمنافقين، اللهم أشف مرضانا وارحم موتانا وأغن فقراء وأصلح ما فسد من أمر ديننا ودنيانا.

 وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين