موقع السيد حسن النمر الموسوي

حديث الجمعة

جديد الموقع

نص الخطبة التي ألقاها سماحة العلّامة الحجة السيد حسن النمر الموسوي يوم الجمعة ٨ محرم ١٤٣٩ هجري بعنوان «عاشوراء، موسم تقييمٍ وتقويم-٢» في جامع الحمزة بن عبدالمطلب في مدينة سيهات:

 أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين

 رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي

 عباد الله، أوصيكم ونفسي بتقوى الله

 السلام علي الحسين وعلى علي بن الحسين وعلى أولاد الحسين وعلى أصحاب الحسين والسلام عليكم يا شيعة الحسين.

 في هذه الأيام، نتشرف وإياكم بإحياء ذكرى شهادة أبي عبد الله سيد الشهداء عليه أفضل الصلاة والسلام والكوكبة الطاهرة ممن كان معه، ولذلك يشكل وراء موسما للتقييم والتقويم، وقد قدمنا بعض الحديث في الأسبوع الماضي، ونكمل ما يجب علينا أن نلتفت إليه إخواني وأخواتي، منتهزين هذه الفرصة الطيبة، فرصة عاشوراء حيث يتوافد المؤمنون على مجالس الذكر والإرشاد والوعظ والتعلّم والتعليم، من أجل أن نكون أقرب للأمام الحسين عليه أفضل الصلاة والسلام، وأعرف بالإمام الحسين صلوات الله وسلامه عليه، وأحبَ للأمام الحسين، ممتثلين بذلك ما رُوي مستفيضا عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أنه قال (حسين مني وأنا من حسين) (أحب الله من أحب حسينا) (حسين سبط من الأسباط).

 النبي صلى الله عليه وآله وسلم حينما يتقدم بهذه الشهادة وهو الصادق المصدَّق من الله عز وجل، لأنه ما ينطق عن الهوى {إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ} لم يكن يتحرك ناحية الحسين بدوافع عاطفية، حيث يندفع الأبُ والجدُ نحو ولدِه ويشيد به وبمآثره، سواءا كانت موجودة أو ليست موجودة، وإنما كان يدفعه إلى ذلك الوحيُ الذي ينزل إليه من عند الله عز وجل والذي كُلّف من الحق سبحانه وتعالى أن ينطق به في ليله ونهاره، مع أوليائه، وفي محضر أعدائه، ولأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان شفيقاً بالمؤمنين رحيما بهم عطوفا عليهم، وهو يعلم أن نجاة الناس لن تحصل إلا بالإمام الحسين، عبر محبته ومعرفته وأتباعه ونصرته وإحياء ذكره، فإن الله عز وجل يخاطب كليمَه موسى صلوات الله وسلامه عليه بقوله {وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ}.

ومن ثم فإن إحياء ذكرى شهادة الإمام الحسين ليست نبشاً سيئاً للتاريخ، لأننا نبش التاريخ قد يأخذ صورة سيئة لكنه في كثير من الأحيان، أو في بعض الأحيان على أقل التقادير هو نبش حسن، والقرآن الكريم مشحون بعِبر التاريخ حيث إن الله عز وجل قص علينا قصص آدم وقصص سائر الأنبياء، قصص الأنبياء وقصص الأشقياء، حتى نتعظ من هؤلاء وهؤلاء، لنقتدي بأهل التقوى منهم، فنكون آدميين ومن أتباع نوح من أتباع إبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلى الله عليه وآله وسلم وسائر الأولياء، ممن سار بسيرتهم ونَهَجَ منهجَهم، ومن أجل أن نتجنب الشيطان وأعوانه.

موسم عاشوراء من خلال ما يتزوده الناس من هذه المنابر المباركة، هو يصب في هذا الاتجاه، حيث يستفيدون وينهلون منها المعايير والقواعد التي تعينهم على وضع كل شيء في موضعه، حتى يكونوا من أهل الحكمة، حتى يضعوا لكل شيء قيمته وحتى يستعينوا بذلك من أجل أن يقوّموا ما اعوج من حياتهم، وحياة الناس في الغالب معوجة، {وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ} والله عز وجل إنما بعث الأنبياء وختمهم برسوله خاتم المرسلين وسيد الخلق أجمعين، من أجل أن يفد إليهم بهذا الكتاب الذي يهدي للتي هي أقوم، ولأن في هذا القرآن الكريم، يعني القرآن الكريم إنما يهدي الناس للتي هي أقوم، لأن فيه العلم الحق، لأن فيه علم الصواب، والقرآن الكريم لا يعلمه كل الناس {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} الراسخون في العلم يتمثلون أولا في رسول الله صلى الله عليه وآله، ومن بعده مَن جاءت الآية القرآنية لتشهد لهم بالطهارة التامة، حيث يقول عز وجل {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}.

الحسين صلوات الله وسلامه عليه والذي نحتفي ونحتفل وإياكم بذكرى شهادته، هو واحد من هؤلاء الطاهرين المطهرين هو واحد ممن ضمن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه سيبقي على منهاج الله ورسوله،  وقد ضمن محبة الله له ومحبته لله، ومن ثم، فإن من كان أقرب إلى الامام الحسين وأعرف بالإمام الحسين وألصق بالإمام الحسين وأكثر اتّباعا له، فهو ممن يطمئن بأن الله يحبه، لأن من أحب قوما حشر معهم، فمَن أحب الحسين سيكون من هؤلاء -جعلنا الله وإياكم منهم- أما أولئك الذين قتلوا وقاتلوا وأعانوا وأعدوا واستعدوا أو يستهجنون ذكرى شهادة الامام الحسين عليه أفضل الصلاة والسلام، لا يمكن أن يقولوا نحن نحب الحسين لكن لا نحب ذكره، نحب الحسين، لكن لا نحب أن يأتي أحد وينبش التاريخ ليذكّرنا بهذا المصاب حتى نعرف من قتله ونتخذ الموقف اللازم والمناسب منه.!.

شهادة الامام الحسين عليه أفضل الصلاة والسلام أبكت رسول الله قبل أن تقع الحادثة بأكثر من ست وخمسين سنة، فكيف بها وما تفعله بالمؤمنين المحبين للأمام الحسين بعد وقوعها..؟هذا هو المنطق.

لكن لا يمكن أن يوفق لهذا إلّا من يمارس عملية التقييم والتقويم، أما من يريد أن يمسك العصا من الوسط، هو يحب الحسين، لكن لا يبغض أعداءه، ويحب الحسين، لكن لا يريد أن يتخذ موقفا تجاه من قتل الإمام الحسين ومن حضّر، سواءا كانت تحضيرا قريبا أو بعيدا، لهذا القتل، هذا لا يمكن أن يكون من المحبين الصادقين للأمام الحسين عليه أفضل الصلاة  والسلام.

 ومن ثم فإن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، كان من ضمن ما ذكره في سنته الشريفة قياما بدوره المكلف به من الله عز وجل، أن نَبَّه الناسَ على أن لله عز وجل سننا حاكمة على واقع الناس أفرادا وجماعات، وأن هذه الأمة ستبتلى بما ابتُليت به الأمم السابقة، وقد ورد في ذلك ما يتفق الفريقان عليه، مثلا، يقول الله عز وجل، في سورة الانشقاق { فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ * وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ * وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ * لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ * َفمَا لَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ..} إلى آخر الآيات

{ لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ } ذكر فيها عدد من التفاسير منها ما ذكره ابن الجوزي في كتابه (زاد المسير) حيث ذكر وجوها عدة، خامس تلك الأوجه إنه ركوب سنن من كان قبلهم من الأولين، وفي ذلك عن أهل البيت عليهم أفضل الصلاة والسلام روايات،

 أنا ذكرت هذا القول عنهم لأننا نريد أن نرفع الشبهة، لا عن أولئك الذين لا يحبون مثل هذا الذكر، وإنما عن بعض من هم محسوبون على الإمام الحسين، ومن أتباعه ومحبيه وشيعته، لكن قد يتأثرون بطريقة أو بأخرى، وكان أتباع أهل البيت وعلماء هذه المدرسة حينما يذكرون مثل هذه الأقوال لا سند لهم، نقول أن السند موجود مما ورثناه عن أهل البيت، بل مما ورثه غيرنا عن أئمتهم وعن علمائهم، مثل هذا القول. وأذكر على ذلك بعض ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في صحيح البخاري، روايتان اثنتان.

 البخاري يروى عن طريق أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: لا تقوم الساعة حتى تأخذ أمتي بأخذ القرون قبلها شبرا بشبر وذراعا بذراع فقيل يا رسول الله، كفارس والروم فقال ومن الناس إلّا أولئك.

يعني أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يحذّر هذه الأمة، ليس مما وقع فيه الأمم السابقة، هولا يريد أن يخبرهم، يقول إن ما وقع في الأمم السابقة ستقع فيه هذه الأمة، إلّا من اعتصم بحبل الله، ولذلك جاءت هذه التحذيرات من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وكان الذين كانوا في محضره الشريف وفقا لهذه الرواية استغربوا وتعجبوا كيف أن أمة من الأمم، أنجاها الله عز وجل على يدي رسول الله، ثم تقع فيما وقعت فيه أمم أخرى، قد تتدين بدين سماوي منحرف أو قد لا تتدين بدين سماوي أصلا، كما كان الحال في فارس حيث كانوا من المجوس، والروم حيث كانوا من النصارى، النبي صلى الله عليه وسلم قال هذا ما سيقع في هذه الأمة.

ولو أن الإنسان عاد إلى وجدانه لتبين له بالجزم واليقين، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يحذر الأمة واكتفى بالتحذير، بل لابد أنه رسم لهم معالم الخروج من هذه الفتنة معالم الثبات على منهج الحق حتى لا تُبتلى هذه الأمة بما ابتُلي به أولئك، دون أن

 يكون لديهم من الحجة والحبل ما يعتصمون به ليصلوا به إلى الله سبحانه وتعالى.

 الحديث الثاني:

ما رواه عن طريق أبي سعيد الخِدري، أو الخُدري، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرا بشدة وذراعا بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب تبعتموهم قلنا يا رسول الله اليهود والنصارى، قال فمَن.انتهى الحديث.

هنا ندرك من هذين النصين، وهذان النصان ليس نصين رُويا بطريقتين مختلفتين، أبو هريرة رواها بطريقة وأبو سعيد الخدري رواها بطريقة، وإنما نستكشف من ذلك أن النبي كرر ذلك في أكثر من مجلس، وفي أكثر من صيغة، لأن هؤلاء وفقا لهذه المدرسة كانوا أمناء على ما قاله رسول الله ولم يكونوا يغيّرون شيئا منه، مضافا إلى أن الحديثين تعبيراتهما مختلفة، ليست مسألة نقل بالمعنى، فيكون الراوي الأول نقلها بصورة والراوي الثاني نقلها بصورة، فإذا ضممنا إلى ذلك حشدا كبيرا من الروايات، نستكشف أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يكثر من تحذير هذه الأمة أن تقع في ما وقعت فيه الأقوام السابقة، مما قصه الله عز وجل في القرآن الكريم، ولذلك فإن ذكر التاريخ ليس أمرا معيبا، بل هو أمر لازم، أمر مستحسن، لأن الأمم التي لا تعرف تاريخها وتاريخ غيرها ولا تقرأ التاريخ لا تحسن التخطيط للمستقبل، أولم يقل النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فيما رواه الفريقان يقول لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين.

 كيف لا نلدغ من جحر مرتين..؟

يعني نقرأ التاريخ، فإذا عرفنا أننا وقعنا في خطأ نتيجة اطمئنانا لشخص أو لجماعة، لم يكن ينبغي أن نطمئن إليهم، حتى لا نكرر الخطأ، أما ما أن يطوي الصفحة تماما، لن يتعلم من التاريخ، وسيقع المرة تلو المرة، وهذا ما حصل، وإلا فإن أمة تقدم على قتل شخصية بمكانة الامام الحسين عليه أفضل الصلاة والسلام، لسنا بحاجة إلى أنه في نفيض في الحديث عن المبررات والخلفيات، حتى نستكشف أن درجة الانحراف كانت كبرى وكانت عظيمة، وإلّا فإن الأمم يمكن أن يقع منها حادث بسيط، لكن هذا هو الحسين بن علي، لم يبق ابن بنتٍ لرسول الله إلا هو، تتفق الأمة كلها متواترا عن رسول الله أن له مكانة عند الله وعند رسوله، ومع ذلك يقدمون على قتله به بدم بارد كما يقال، هذا يعني أن الانحراف بلغ درجة كبيرة

هل أن الانحراف انتهى تماما..؟

نقول إن الإنكار على شيعة أهل البيت أن يستذكروا مصاب الإمام الحسين، ويواسوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وابنته وأمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه والامام الحسن بهذه الشهادة المفجعة، هذا يعني أن الخلل لا يزال قائما، لأن لا يمكن لأمة من الأمم تحترم الآخرين إذا استذكروا المآسي والمجازر التي تقع، يقولون -وهذا حاصل- إلا نستذكر نحن العرب في هذا الزمن، يقولون (مجزرة دير ياسين) -كانت مجزرة، الآن كل يوم مجزرة- مجزرة دير ياسين، ونصر على أن نذكرها، وهو أمر حسن، وأمر لازم، حتى لا يفر المجرم بجريمته وتنقى صفحته السوداء، كذلك ينبغي، بل هو ألزم علينا أن نعرف من قتل الإمام الحسين، وما هي الدواعي وما الذي ترتب على قتل الإمام الحسين عليه أفضل الصلاة والسلام، حتى نرجع إلى الجادة التي اختارها الإمام الحسين بتكليف من الله، بوصية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، لأن رسول الله قال لنا (حسين مني وأنا من حسين) لأن رسول الله قال (أحب الله من أحب حسينا) لأن رسول الله قال (حسين سبط من الأسباط) يعني باب من أبواب الخير، وهذا ما جاء معززا بكلام أهل البيت عليهم أفضل الصلاة والسلام أن (الحسين مصباح هدى وسفينة نجاة) كيف يكون الإمام الحسين مصباح وجود وسفينة نجاة؟

يعني يستنير الناس بمسيرة الإمام الحسين وبمنطق الامام الحسين عليه أفضل الصلاة والسلام، فإذا هم اختاروا منهجه، واختاروا طريقته واختاروا منطقه وميّزوه عن المنطق الآخر والطريقة الأخرى والمنهج الآخر، وانحازوا انحيازا للأمام الحسين أصبحوا حسينيين محبين له وهو محب لهم، ومن كان كذلك كان أقرب إلى رسول الله، ولو أن الأمة في مجموعها فعلت، لما وقعنا في هذا التخبط الذي نلمسه، هو محكوم بالحليّة..؟ تبقى الأمة سنين متطاولة عقود متطاول يعتقدون انه محرّم، ثم بقدرة قادر يكتشفون أن الأمر لم يكن كذلك، كان حلالا مباحا زلالا، بل تتحول المسألة إلى منظومة مدح، وهو كذلك، السبب ما هو؟ السبب هو أن هناك من لا يستطيع أن يقول مقولة الحق، ولا يحسن اختيار الحق، لأن الظروف تحكمه، الامام الحسين عليه أفضل الصلاة والسلام يعلم أشياعه وأتباعه أن لا ينحازوا إلى الباطل وأن لا يختاروا الباطل، فضلا عن أن يروجوا الباطل في أوساط الناس.

فإذن، ثمة تشوّهٌ وتشويه حصل في أذهان الأمة، ليس على مستوى الأفراد فقط، بل على مستوى القيادات، وعلى مستوى الأتباع، وأذكر لذلك نموذجين اثنين، وإلا فإن التاريخ مشحون بأشكال هذا التشوّه، التاريخ وبطبيعة الحال، الحاضر.

[شاهد أول]

 الذهبي ينقل في كتابه (تاريخ الإسلام) في ترجمة عبد الله بن محمد بن عثمان بن المختار المُزْني أو المُزَني، الحافظ أبو محمد ابن السقا الواسطي -المتوفى سنة ثلاثة وسبعين أو واحد وسبعين بعد الثلاثمئة، ينقل عن مؤرخا سبقه بقرن أو يزيد أو ينقص اسمه السلفي أو على اختلاف الضبط- قال سألت خميسا الحوزي الجوزي -أيضا على اختلاف الضبط والأشهر الحوزي هؤلاء من رجال الحديث والذين يقيمون ويقومون رجال الحديث -عن ابن السقا-هذا المترجم له، يشتهر ويعرف بابن السقا- فقال هو من مزينة مضر -نسبه ينتمي- يقول ولم يكن سقاءا، بل هو لقب له -يعني كنّاه به الناس، بعض المصادر تذكر أن هذا التلقيب المقصود منه الحط منه، يقول، من وجوه الواسطيين وذوي الثروة والحفظ رحل به أبوه فسمّعه من أبي خليفة وأبي يعلى وابن زيدان والمفضل بن محمد الجندي أو الجَندي وجماعة وبارك الله في سنه وعلمه، واتفق -وهذا موارد الشاهد- واتفق أنه أملى حديث الطائر، الطائر المشوي، في زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أهدي إلى رسول الله صلى الله عليه وآله طائر مشوي، فسأل الله أن يبعث إليه أحب الخلق إليه، فطرق الباب عليٌ صلوات الله وسلامه عليه، فرده خادم النبي (،أنس) رده مرة ثم طرق مرة ثانية بحجة أن النبي مشغول، طرق الباب مرة ثانية، يعني أنه أخذ وقت، ثم رده مرة ثانية، وفي الثالثة بعد أن طرق الباب، رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أمره أن يفتح الباب فدخل عليٌ، فسأله قال[أنس] أحببت أن يكون رجلا من قومي.

هذا الحديث فيه شواهد فيه دلالات كثيرة على أن علياً صلوات الله وسلامه عليه، هو أحب الخلق إلى الله بعد رسول الله وأن يكون عليٌ عليه أفضل الصلاة والسلام أحب إلى الله بعد رسول الله يعني انه سيكون أشجع الخلق وأعلم الخالق وأطهر الخالق، لها لوازم كثيرة ولذلك تنكّر بعضهم، كما حصل في هذه الحادثة، قال فلم تحتمله أنفسهم، يعني أنفس هؤلاء الذين حدّثهم، مَن هم؟ أهل الوسط.

واسط هذه من المناطق في وسط العراق، وسميت واسط لأنها تتوسط بين الكوفة والبصرة، كانت بلدة ومدينة يغلب عليها النصب والعداء لأهل البيت عليهم أفضل الصلاة والسلام، يتدينون إلى الله، والآن هناك من ينكر أن الأمة أبتُليت في يوم من الأيام بالنصب لأهل البيت عليهم أفضل الصلاة والسلام، قال فلم تحتمله أنفسهم فوثبوا به، يعني فزعوا إليه وأقاموه، اخرجوه، يعني رفعوه عن مكان التدريس والتحديث، وغسلوا موضعه ، المكان الذي كان يجلس فيه غسلوه بالماء ، كأن هذا المكان أصيب بنجاسة لأن هذا تحدث بحديث طاهر قال فمضى ولزم بيته فكان لا يحدث أحدا من الواسطيين ، فلهذا قلّ حديثه عندهم

 هذا واحد ، في سير أعلام النبلاء والكتاب نفسه للذهبي ، يقول إن هذا محدث واسط، طبعا من هذا الحديث ومن هذا التصرف نعرف أنه حينما يقال ان هذا الحديث تفرد به فلان، ولم يُروى إلا عن فلان، ولم نجده كذا، لنعرف تاريخ الحديث كيف رُوي، أن يقل رواية حديث من الأحاديث عن رسول الله لا تعني انه ضعيف ، فضلا عن أن يكون موضوعا، وإنما علينا أن نعرف الظروف التي رُويَ فيها هذه الأحاديث، وكيف أن كثيرا من الأحاديث غُيبَت بسبب مثل هذه الثقافة لدى هذا الفريق من الناس الذي أصيب بتشوه، هذا عند الاتباع.

وأما عند القادة، الشاهد الثاني:

ابن ماجه يروي في سُننه، حتى نعرف كيف قتل الإمام الحسين وما الذي ترتب على قتل الإمام الحسين ، ولا نستغرب هذه الحملات التي نسمعها ليلا ونهارا من هذا الفريق وذاك الفريق ، يعيّرون اتباع أهل البيت عليهم أفضل الصلاة والسلام وأنهم انحرفوا عن مسار الإسلام يغفلون عن أن هذا هو الواقع الذي عاشته هذه الأمة ، أطهر شريحة في هذه الأمة هم أهل البيت عليهم أفضل الصلاة والسلام ، الذين وظف الله وكلف الأمة أن يكون أجر رسالة رسول الله مودتهم حيث يقول عز وجل (قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ)

 فصارت هذه المحبة عيباً ثم لأنهم يستحون من ذكر أن محبة أهل البيت عيب ، يقول نحن لا نعترض على هذه المحبة ، وإنما نعترض على الحواشي والأمور التي تصاحب محبة أهل البيت عليهم أفضل الصلاة والسلام

 يروي ابن ماجه في سننه عن أبي هريرة قال ، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم -إضافة مني للأمانة- قال (من أحب الحسن والحسين ، فقد أحبني ومن أبغضهما فقد أبغضني)

 ولعل أحد يسأل ويستغرب ألم يكن من الطبيعي أن يحب الناس الحسن والحسين استصحاباً لمحبة النبي صلى الله عليه وآله وسلم؟

 الجواب: هذا هو الوضع الطبيعي، لكن الأمة بتحذير من رسول الله لن تكون في وضع طبيعي، وهل من المستغرب أو من المستنكر أن يقال أن بغض الحسن والحسين صلوات الله وسلامه عليهم قد حصل في تاريخ الإسلام؟

 الجواب: إن هذا الحديث يثبت أن الأمة كانت بحاجة إلى التذكير بأن الحسن والحسين ممن يجب محبتهما وان من المحرم أن يبغض صلوات الله وسلامه عليه لأن الأمرين، يعني ما يجب أن يحصل ارتفع، وما يجب أن يرتفع وقع، هذا ما حصل في المستدرك على الصحيحين للحاكم النيشابوري، يروي ويقول في ضمن حديث اجتمعوا، طبعا الشاهد الأول ذكرناه، كيف ان الأتباع ابتلوا بالتشوه والتشويه، الآن نريد القادة الكبار، الذين كان لهم الرأي والتوجيه والقرار في صنع ثقافة هذه الأمة.

 قال اجتمعوا عند الحجاج، أي الحجاج بن يوسف الثقفي فذُكر الحسين بن علي عليه السلام، فقال الحجاج انه لم يكن من ذرية النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أنكر أن يكون الحسين من ذرية النبي، وعنده يحيى بن يعمر أو يحيى بن يَعمر ، هذا يحيى بن يعمر كان أيضا مقرب، وهو الذي ينسب إليه تنقيط القرآن الكريم، لأن القرآن كان يُكتب من دون تنقيط، وعندما كان يكتب حروف العرب هكذا كانوا يكتبون الحروف من دون نقاط، ثم لما كثر الأعاجم واختلط الخلط بين الحاء والخاء والجيم، وضعوا هذه النقط على الحروف المنقطة الجيم والخاء والتاء والثاء والباء وأمثال ذلك، حتى لا يأتي هؤلاء الذين لم يكونوا من أهل العربية طبعا، يقال ان هذا هو الذي اقترح، ثم نسب الأمر إلى الحجاج أنه هو الذي اُقترح عليه كما هو العادة في أن أصحاب السلطة ينسب إليهم ما يفعله أهل الثقافة والعلم والفكر، فقال له -هذا يحيى بن يعمر هذا غير محسوب على أهل البيت عليهم أفضل الصلاة والسلام- كذبت أيها الأمير- هذا المخاطب الحجاج لم يكن أميرا عاديا ولا واليا عاديا، شخص  سطوته معروفة، لكن هذا وغر صدره، لم يتحمل أن يصل الكلام الفاحش والكلام المنحرف وتشويه الأمة وتشويه الواقع إلى هذا المقدار أن يكون الحسين ليس من ذرية النبي، كان هذا أمر كبير فقال[الحجاج] لتأتيني على ما قلت ببينة ومصداق من كتاب الله عز وجل أو لأقتلنّك قتلاً..!

طبعا القرآن الكريم لم يستعرض كل ما هو موجود في ثقافة الإسلام، وإنما هناك سنة من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تشرح هذا الكتاب الكريم، باعتبار أن القرآن يمثل الدستور والسنة هي الشارحة له، فقال كأنه أراد أن يورط وظن انه سيورط يحيى بن يعمر/ يعمَر، بهذا الحديث، قال {وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلاًّ هَدَيْنَا وَنُوحاً هَدَيْنَا مِن قَبْلُ وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ* وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِّنَ الصَّالِحِينَ * وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطاً وَكُلاًّ فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ * وَمِنْ ءابَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِراطٍ مُّسْتَقِيمٍ} طبعا الكلام حينما يذكر عيسى عليه أفضل الصلاة والسلام، عيسى في عقيدتنا نحن المسلمين وغير المسلمين، أيضا لا يعرفون أن له أباً بشريا، عيسى ولد من مريم دون أن يكون له أب، فعلاقة نسبية والقرآن يقول أن من ذرية إبراهيم عيسى ، كيف يكون عيسى من ذرية إبراهيم إلا بواسطة مريم، فهذا شاهد قرآني على أن من وُلد من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عبر ابنته هو من ذريته، بهذا المعنى إلى قوله عز وجل وزكريا قال فأخبر الله،  يكمل يحيى بن يعمر، فأخبر الله عز وجل أن عيسى من ذرية آدم بأمه والحسين بن علي من ذرية محمد صلى الله عليه وآله وسلم بأمه، فقال صدقت، قال صدقت، لكن ما انتهت المشكلة، فما حملك على تكذيبي في مجلسي لِما نطقت بالحق وكذبتني في المجلس كنت نصحتني سرا، ما كان ينبغي أن تشوه سمعتي أمام الحاضرين، لأن بعض الناس يصعب عليه ان يسمع كلمة الحق، حتى وإن كان يعني ليس عيبا عليه أن ينكر علنا هو أن الحسين من ذرية رسول الله، لكن يعيب على الآخرين أن يصححوا له أن الحسين من ذرية رسول الله، والخطأ إذا وقع علنا لا يعاب على مصحح أن يصحح علنا، خصوصا في مثل هذا المقام في مجلس أو في مجلسي حسب الاختلاف الروايات، قال ما أخذ الله على الأنبياء ليبيننه للناس ولا يكتمونه ، قال الله عز وجل، {فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا} قال انتهى؟ قال لا ، فنفاه إلى خراسان، لكن هذا لم يقع منه خطأ، لا في الأول ولا الثاني، في كلا الموقفين كان محقا، وكان مصيباً، لكن لأن الحجاج كما يذكر المؤرخون يتفقون على أنه كان له ناصبياً، لا يحتمل ذكر علي وآل علي صلوات الله وسلامه عليهم، ولا ذكر آل محمد صلوات الله وسلامه عليهم، لعلمه ان سلطانه وثقافته وفكره، تقوم على تغييب الإمام الحسين عليه أفضل الصلاة والسلام، واستحضار خصوم الإمام الحسين وقتلته صلوات الله وسلامه عليه، طبعا هذا النص مذكور في المستدرك، وهو صحيح والذهبي له تعليق  يستدرك فيه على المستدرك من حيث صحة الأحاديث وعدمها، ولم يعلق سلبا على هذا الحديث، أي انه يسلم بصحتها، هذا ما ابتليت به الامة في السابق. لذلك هل نحن بحاجة الى ان نستذكر الامام الحسين؟

نعم، وسنظل نستذكر الامام الحسين الى أن يرتفع كل إشكال بعث الله سبحانه وتعالى رسوله صلى الله عليه وآله وسلم لأجل تقويم الناس منه ورفعه وانتشاله من بين الناس، الامام الحسين صلوات الله وسلامه عليه لم يكن قد ذهب الى العراق من أجل ان ينال سلطانا، وهو يعلم وغيره كان يعلم انه مقتول في كربلاء، لكنه أصر على ان يقوم بما قام به لأن الامة كانت بحاجة الى أن يُحفظ دين رسول الله أصيلا نقيا حقيقيا، كما جاء من عند الله عز وجل، وأن الحسين صلوات الله وسلامه عليه هو أول وأولى من غيّر، أحق الناس بالتغيير، طبعا التغيير الى الأحسن، حفظ دين الناس، هو الامام الحسين لأنه الاعرف بالإسلام والاعلم بالإسلام والاكثر تطبيقا للإسلام والاكثر تأثيرا في نفوس من يرغبون أن يصلوا الى الله عز وجل عبر دينه النقي الذي لم تشبه شائبة.

نسأل الله سبحانه أن نكون وإياكم ممن يستمع القول فيتبع أحسنه.

ثمة محطة ثالثة هي الحلول والعلاج، نستدركها لاحقا إن شاء الله.

اللهم صل على محمد وآل محمد، اللهم كن لوليك الحجة ابن الحسن صلواتك عليه وعلى آبائه في هذا الساعة، وفي كل ساعة، وليا وحافظا وقائدا وناصر ودليلا وعينا، حتى تسكنه ارضك طوعا وتمتعه فيها طويلا.

اللهم انصر الإسلام والمسلمين، واخذل الكفار والمنافقين، اللهم أشف مرضانا وارحم موتانا وأغن فقراء وأصلح ما فسد من أمر ديننا ودنيان، ولا تخرجنا من الدنيا حتى ترضى عنا ياكريم.

 وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين