موقع السيد حسن النمر الموسوي

حديث الجمعة

جديد الموقع

نص الخطبة التي ألقاها سماحة العلّامة الحجة السيد حسن النمر الموسوي يوم الجمعة ٢٢ محرم ١٤٣٩ هجري بعنوان«عاشوراء، موسم تقييمٍ وتقويم-٣» في جامع الحمزة بن عبدالمطلب في مدينة سيهات:

 

عاشوراء موسوم تقييم، وتقويم

خارطة الطريق كما رسمها الإمام السجاد (عليه السلام) - 1

 

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين.

رب اشرح لي صدري، ويسر لي أمري، واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي.

عباد الله! أوصيكم ونفسي بتقوى الله.

مدخل: نبل عاشوراء، وأهمية إحيائها

لا نزال في أجواء عاشوراء، حيث نستقبل شهادةَ وأحدٍ من رموزها، وبطلٍ من أبطالها، أدى دوراً لا يقل أهميةً عن أدوار الذين استشهدوا في كربلاء، أعني به الإمامَ علي بن الحسين زين العابدين (عليه أفضل الصلاة والسلام)، والذي يصادف ذكرى شهادته الخامسَ والعشرين من شهر محرم.

ولذلك، فان من حقه علينا أن نذكره في سياق ما كنا نتحدث عنه، من أن موسم عاشوراء هو موسم تقييم وتقويم.

ولهذا السبب، نجد أن الشيعةَ - بتوجيه من أهل البيت (عليهم أفضل الصلاة والسلام) - يسعون إلى أن يكون ذِكرُ الحسينِ (عليه أفضل الصلاة والسلام)، وذِكرُ عاشوراء، متجدداً دائماً، لا يقف عند حدود ذلك اليوم الذي استشهد فيه أبو عبد الله (صلوات الله وسلامه عليه)؛ أي يوم العاشر من شهر محرم، وإنما هم يعيشون الحسينَ ليلاً ونهاراً، حتى اشتهَر هذا الشعار (كل يوم عاشوراء، وكل أرض كربلاء)! يراد منه إلا يخلو ذِكر الحسين (صلوات الله وسلامه عليه) من واقع الناس؛ لأن ذكرً الحسين من ذكر الله؛ فإن الإمام الحسين (صلوات الله وسلامه عليه) - في نهضته المباركة - لم يقصد شيئاً، ولم يتحرك نحو تحقيقِ شيءٍ، يرتبط بشخصه الكريم! وإنما كان يرتبط بمشروعِ جدِّه الذي هو مشروع الله، أراد أن يصلح في هذه الأمة، من أجل الانتقال بهذا الإنسان من أن يكون شيطانيّاً إلى أن يكون ربانيّاً.

ومن يبتعد عن الحسين (عليه أفضل الصلاة والسلام) فإن الشيطان سيستولي عليه بنفس النسبة التي ابتعد فيها عنه (صلوات الله وسلامه عليه). وبخلاف ذلك كلما اقترب الإنسان من الإمام الحسين فانه سيكون أقربَ إلى الله سبحانه وتعالى.

دور الإمام السجاد (عليه السلام)

الامام السجاد (عليه أفضل الصلاة والسلام)، ولن نستوفي الحديث عنه في ما خصصناه من موضوع في هذه الخطبة، وإنما نكمل ذلك في خطبةٍ لاحقةٍ، كما سيتبين إن شاء الله، عاش بعد الإمام الحسين فترة في منتهى الحراجة، وفي منتهى الدقة والقلق، ليس على المستوى الشخصي فقط وإنما على مستوى الأمة كلها.

أذكر خمسة عناوين كانت تحدق بالإمام، حتى يسهل علينا فهمُ طبيعةِ الدورِ الذي قام به (صلوات الله وسلامه عليه)؛ لأن الأدوارَ التي ابتلي بها أهلُ البيت، وإن كانت متعددةً في أشكالها لكنها واحدة في مضمونها. النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قام بدور هو - في جوهره - مشابه تماماً للدور الذي قام به عليٌ (عليه أفضل الصلاة والسلام)، بل مشابه لما قامت به السيدة الزهراء (صلوات الله وسلامه عليها).

وهكذا أدوارهم جميعاً تتشابه في المضمون والجوهر، وإن كانت من حيث الظاهر تتفاوت. وهذا هو السر، أو أحد الأسرار، في ما روي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال "الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا"([1])؛ لعلمه (عليه أفضل الصلاة والسلام) أن الدور الذي سيقوم به الإمام الحسين سيختلف - في الشكل - عن الدور الذي سيقوم به الإمام الحسن، لكن كلاهما يلتقيان في أنهما يريدان أن ينتقلا بالناس من عالم الدنيا إلى عالم الآخرة، ومن عالم الشيطان إلى عالم الرحمن.

وهذا التشكل والتنوع والتعدد في الشكل نجده حتى في الأنبياء! دور آدم يختلف عن دور نوح، دور نوح يختلف - في الشكل - عن دور إبراهيم، ودور هؤلاء جميعاً يختلف عن دور موسى، وهكذا بالنسبة لعيسى ولمحمد (صلى الله عليه وعليهم أجمعين)، وكذلك الحال في الأنبياء، لكن كل الأنبياء كانوا يدعون إلى عبادة الله واجتناب الطاغوت.

وليس المقصود من الطاغوت الذي حاربه الأنبياء هو (هُبَل)، الذي كانت تضعه قريش والعرب ويعبدونه، ولا خصوص (اللات)، ولا خصوص (العُزى)، وإنما هو كل شيء يُبعِد الإنسانَ عن الله عز وجل، تمثل في حجر، أو تمثل في معدن أو نحاس، أو تمثل في فكرة، أو تمثل في أي انتماء يصنِّمه الإنسانُ ويجعله مبعِّداً له عن الله عز وجل.

الأزمة الأولى: الانحراف عن أهل البيت (عليهم السلام)

التي عاشها [الإمام علي بن الحسين] صلوات الله وسلامه عليه هي أزمة الانحراف العلمي والعملي عن أهل البيت (عليهم أفضل الصلاة والسلام)، مع تأكيد الله عز وجل والنبي صلى الله عليه وآله وسلم بوحي منه، على خصوصية أهل البيت من حيث الطهارة والنقاء والتميز والاصطفاء والاجتباء.

وسنورد إن شاء الله - لاحقاً - نماذج على هذا الانحراف، تؤكد كيف أن الإمام (صلوات الله وسلامه عليه)، أراد أن يرجع بالناس إلى ما أراد الله عز وجل منهم أن يقفوا عنده ولا يتجاوزونه.

مثلاً، كنماذج من انحراف الأمة:

1 - الأمة حاربت الإمام علياً (عليه أفضل الصلاة والسلام)، مع أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم - في نصوص متواترة - أكد على أن علياً منه "بمنزلة هارون من موسى"، وأكد على أن عليّاً "مع الحق، والحق مع علي"([2])، وأن عليا "مع القرآن، والقرآن مع علي"([3])، وإن من سيقاتلونه سيكون مقاتلين له ظالمين إياه([4])، وأن علياً (عليه أفضل الصلاة والسلام) سيقاتل الأمة على [التأويل] كما قاتل هو (صلى الله عليه وآله وسلم) الأمةَ - قبل الإسلام - على تنزيل القرآن الكريم([5]). ونصوص متواترة، ومستفيضة([6])، تؤكد أن لعليٍ دوراً امتداديّاً لدور النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).

ومع ذلك حاربته الأمة! ولم تحاربه على شكلٍ واحدٍ، ثلاثة حروب، كل هذه الحروب يمثل الفريق غير الفريق الثاني، يعني طابع المخاصمة والمحاربة لأمير المؤمنين في الحرب الأولى غير الثانية، وهذه غير الثالثة، يعني أن تعددَ وتشكُّلَ الحروب يؤكد على أن الانحرافات كانت متعددةً!

2 - لم يقف الأمر عند هذا الحد، كذلك بالنسبة للإمام الحسن (عليه أفضل الصلاة والسلام).

3 - وكذلك الحال بالنسبة إلى الامام الحسين (صلوات الله وسلامه عليه)، حتى استشهد بتلك الطريقة المفجعة والفظيعة.

4 - وقبل هؤلاء ما عانت منه الزهراء (عليها أفضل الصلاة والسلام)، حيث خرجت من هذه الدنيا مظلومةً "واجدة"([7])، وهذا ما تتفق عليه هذه الأمة، وإن اختلفوا في التفاصيل، لكن بالتأكيد لم تخرج من هذه الدنيا راضيةً مرضيةً، بشكلٍ كاملٍ، وإنما كان في نفسها حسرة ووجد وألم، هذا يعني أن الأمة لم تقف عند الحدود التي أراد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يوقفها عليه.

5 - كذلك، العزوف عن الامام السجاد!

أنت الآن لو رجعتَ إلى تاريخ الأمة، وأردت أن تتعرف على مَن هم رموزُ الأمة العلمية والعملية؟! لن تجد الامام السجاد (عليه أفضل الصلاة والسلام) من هؤلاء الذين يُنسب إليهم الفقه والعلم والتوجيه! وإنما ستجد أسماء أخرى! أما الامام السجاد - للأسف الشديد - لم يحتضنه، ولم يرتبط به، إلا مَن وُصفوا بأنهم شيعةٌ له، مع أن الجميع يتفقون على أن الامامَ السجادَ كان رمزَ أهلِ البيت، الذين ورد في حقه ما ورد في حق آبائه الكرام (صلوات الله وسلامه عليه).

الأزمة الثانية:

أ - السخط على السلطة الأموية

الإمام السجاد (عليه أفضل الصلاة والسلام) لم يكن الوحيد الذي كان ساخطاً على الوضع، وإن كانت تعبيره عن سخطه على الوضع العام أخذ هذا المنحى المعروف عنه (صلوات الله وسلامه عليه)، بل إن الأمة - في مجموعها - كانت تعيش [السخط]، كانت هناك انشقاقات شعبية، وتمرد على الوضع القائم.

العراق - مثلاً - فيه أزمات متعددة. مثلاً في العراق والمدينة، وهما المركزان الأساسيان لثقل الأمة، في المدينة كانت انتفاضة (الحَرَة) التي نعرف ما الذي حصل فيها من هتكٍ لمسجد النبي! ولصحابة النبي! ولأبناء الصحابة! حتى وُلد المئات من الأبناء لا يُعرف لهم أب!([8]) لأن المدينة أُبيحت لذلك الجيش الظالم، وهم أيضا لم ينتفضوا من فراغ، وإنما أرسلوا وفداً منهم إلى يزيد ليتعرفوا على الوضع، فلم يجد وضعاً إسلاميّاً بالمرة، فلم يجدوا بدّاً إلا أن يأخذوا الخيار الذي أخذه الامام الحسين (عليه أفضل الصلاة والسلام)، وهذه أزمة.

ب - الأزمة الثانية في هذا الباب: الانشقاقات السياسية

ما حصل من فترةٍ لاحقةٍ، طبعاً غير الانشقاقات أو التمردات التي حصلت والثورات، من أجل الأخذ بثأر الامام الحسين (عليه أفضل الصلاة والسلام)، والتوبة عن خذلانه، هناك معركة كانت تعرف بمعركة أو انتفاضة القرّاء، حصلت في فترة الحجاج بن يوسف الثقافي، نفس الحجاج هذا يُعتبر خللاً كبيراً في أوساط هذه الأمة.

القرّاء لم يكونوا محسوبين على أهل البيت! مع ذلك، انتفضوا على ذلك الوضع، يعني أن هذا يُسهم، إلى جانب ما سيأتي، يُسهم في حالة من التأزم في أوضاع الأمة، يجب أن يوضع هذا بعين الاعتبار، حتى نعرف ما هو الدور الذي قام به الامام السجاد (عليه أفضل الصلاة والسلام)؟ وما هو الطبيعة الجهادية التي قام بها بأمر من الله عز وجل وتكليف منه؟

الأزمة الثالثة:  الانشقاق السياسي داخل البيت الأموي

الذي كان قد تصدي لشؤون الأمة، الانشقاق داخل البيت الأموي وخارج البيت الأموي، مثلاً فتنة ابن الزبير، تسع سنوات استولى على الحجاز، فانشقت الأمة، حتى أن أهل الشام لم يتيسر لهم أن يفدوا إلى الحج في هذه الفترة إلا على تفصيلات يذكرها المؤرخون.

وكذلك الحال بالنسبة لعَمر بن سعيد الأشدق، انتفض على بيت بني أمية، واستولى على دمشق، وانتهى به الحال إلى أن تُقمع هذه الثورة ويقتل هو على تفصيل يذكره المؤرخون، هذه أيضا أزمةٌ.

فإذن، العراق كان في أزمة، الشام كان في أزمة، المدينة كانت في أزمة، وكل هذه الأزمات لابد للأمام (عليه أفضل الصلاة والسلام) أن يلاحظها من أجل أن يقيّمها تقييماً صحيحاً، ويقوّم الأمةَ لترجع إلى منهاج الله ورسوله بالطريقة التي يعرفها هو، ولا يعرفها غيره!

الأزمة الرابعة: انتفاضات الخوارج

أيضاً كان هناك انتفاضات متعددة في أكثر من بقعة وكانت شرسةً جدّاً.

وكل هذه الانتفاضات التي حصلت منهم، ومن غيرهم، ستلقي بظلالها على واقع الأمة! حتى نعرف أن الخلافات الموجودة اليوم، المذهبية والتعددية، لها جذور سياسية وفكرية وعلمية واجتماعية وأخلاقية، من تلك الحقبة، التي كلما استطعنا أن نستوعبها بشكلٍ صحيحٍ، ونتعرف على جذورها بشكلٍ صحيحٍ، سيسهُل علينا أن نتعرف على هذا الواقع، ونضع النقاط على الحروف؛ من أجل الحكم على هذا بالخطأ وذاك بالصواب، أو العكس.

الأمر الخامس: حشود الروم

لم يكن الأزمات التي تعيشها الأمة منحصرة في الفتن في البيت الداخلي للأمة الإسلامية، بل كان الروم يحشّدون أيضاً، من أجل أن ينتهزوا الفرصةَ للانقضاض على واقع هذه الأمة، ليعيدوا أمجادَهم التي كانت في السابق!

وهذا أحد أسباب الدعاء المسجل في الصحيفة السجادية بدعاء الإمام (عليه أفضل الصلاة والسلام) لأهل الثغور.

فإذن، هذا البيت الإسلامي العام، كان يعيش حالةً من التصدع الشديد والكبير، في نفس الوقت الذي كان الإمام (عليه أفضل الصلاة والسلام) - أي السجاد - يرفض هذا الواقعَ السلطويَّ، لكن كان يجب أن يضع باعتباره هذه الأزمات المتعددة، حتى لا يسير في اتجاهٍ غيرِ مقبولٍ وغيرِ محمودٍ، من أجل الإصلاح.

هذا نعتبره مدخلاً.

***

ما الذي قام به الامام السجاد (عليه أفضل الصلاة والسلام) كخطوات؟

لا نستطيع أن تستقصي - في خطب قليلة - ماذا قام به الإمامُ.

لكن نذكر مؤشراتٍ تعيننا نحن أيضاً، على كيف نشكِّل، أو نرسم لأنفسنا خارطة طريق من أجل أن ننتقل من حالات الاعوجاج إلى حالات الاستقامة، ومن حالات الغواية والانحراف إلى حالات الاستقامة الفكرية والإيمان المطلوب.

الخطوة الأولى: تعزيز الطموح في نفوس الأمة

ليس مقبولاً - إسلاميّاً - أن يعيش الإنسانُ بطموحٍ خفيفٍ!

هذا الطموح الذي يجده كل واحد منا في تحسين معيشته، وهو أمر مطلوب، نجده عند الناس، الشريعة الإسلامية تحبذه، وتندب عليه ﴿وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة/10].

مطلوب أن يسعى الإنسانُ في مناكب الأرض، ويبتغي من فضل الله عز وجل، ليس مسموحاً للإنسان أن يكون فقيراً باختياره، يُكره للإنسان، بل قد يصل إلى درجة الحرمة، أن يتسول للناس، وهو قادر على أن يكسب([9])، لكن قد يبتلى الإنسانُ؛ لعاهة، لشيخوخة، لمرض، لطوارئ، لسبب من الأسباب، أن يمد يده إلى الناس، من أجل أن يؤمِّن لقمةَ العيش الكريمة، لكن مع ذلك، القرآن يؤدبنا على التعفف، وإلا من حيث المبدأ، المطلوب أن يكون الإنسانُ طموحاً، ليس في دنياه، وهو أمر مطلوب، بل إن الطموح في عالم الدين أعلى وأعلى.

إبراهيم (صلوات الله وسلامه عليه)، يسوق الله عز وجل لنا ما الذي سأله من ربه واجعلني ﴿لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان/74] لم يطلب من الله عز وجل أن يكون مجرد تقي، وإنما أن يكون صاحب طموح في عالم التقوى، حتى يكون من أئمة المتقين، مثل هذا الطلب ليس طلبا منبوذا، هذا من التنافس الذي حبذنا عليه ﴿وَفِي ذَٰلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين/26]، ما عند الله عز وجل من الكرامة للناس كبير، ماذا يقول؟

﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات / 13].

تريد الكرامة لنفسك؟!

كن من أهل التقوى.

تريد أن تكون من الأكرمين؟!

عليك أن تكون من أهل التقوى المبرَّزين.

يقول (صلوات الله وسلامه عليه) - في ما يرويه عنه أبو حمزة الثمالي، الذي علَّمه الدعاء المعروف بدعاء أبي حمزة الثمالي، وهو دعاء الإمام السجاد، يرويه أبو حمزة فنُسب إليه، كما أن دعاء كميل علَّمه الإمام علي (عليه أفضل الصلاة والسلام) لكميل فنُسب إليه - قال "قال علي بن الحسين (عليه السلام) : مَن عمل بما افترض الله عليه فهو من خير الناس"([10]).

من التزم، وأدى، ما افترضه الله عز وجل عليه بشقيه، ما افترضه الله علينا فيه شقان:

1 - الفعل، وهو الواجبات

2 - والترك وهو المحرمات

كلاهما مفروض علينا، أن نفعل الأول ونترك الثاني.

لو أننا التزمنا هذين إلى المقدارين فقط سنكون من خير الناس!

الإمام ما الذي أثاره فينا؟

 أن يكون الإنسان من خير الناس، يعني الإمام لامس فينا شيئاً جِبلِّيّاً فطريّاً غريزيّاً، هي أن لا نكون في الصفوف الخلفية، وإنما أن نكون في الصفوف الأمامية، في عالم الخيرية، ليس ذلك معيباً، الإمام فقط أشار إلينا إلى الطريق لتحقيق ذلك والى بلوغه، وهو أن نعمل بما افترض الله عز وجل علينا.

هل هذا يتحقق من دون أن نستعين بوسائل أخرى؟

نستعين بماذا؟

بما ذكره الإمام من خطوة تالية

[الخطوة الثانية: المنهج السليم]:

أن يكون الإنسان لديه منهاج سليم، وطريق قاصد يؤدي به، وهذا يمكن أن نسميه أصل التسليم.

من لا يسلِّم لله عز وجل ولرسوله ولأئمته تسليماً تامّاً، فلن يوفق إلى أن يعمل بما افترض الله عز وجل عليه.

كيف ؟

مَن ضمن ما افترض الله عز وجل علينا، أشياء كثيرة، هي تدخل في عالم الغيبيات؛ كالصلوات. هذا التوزيع للصلوات، هذه الشروط في الصلوات، هذه الأركان في الصلوات، أعداد الركعات، التوقيتات، وكذلك الحال بالنسبة إلى الصوم والحج، فلو أن الإنسان فتح ثغرةً للشيطان أن يتسلل إليه ليقول (أنا عقلاني!) ولا أقبل حكماً شرعيّاً إلا أن يستوعبه عقلي!

طبعاً، وهو لا يشعر، يريد أن يقول أن لديَّ القدرةَ على أن أستوعب كلَّ خطأٍ! وكلَّ صواٍب! وكلَّ خيرٍ! وكلَّ شرٍّ! فإذا لم أقتنع بالشيء لن أؤديه!

حتى لو كان الآمرُ هو الله، يصح للإنسان أن يقول هذا الكلام؟!

الله سبحانه وتعالى هو عالم الغيب والشهادة، أنا وأنت لا نعلم الغيب والشهادة، نحن أكثر عالم الشهادة لا نحيط به، فكيف بعالم الغيب؟!

ولذلك، يقول الله عز وجل﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء/65]، أو يقول عز وجل ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب/56].

 أصل التسليم هذا نجد له عدداً من المرويات عنه (صلوات الله وسلامه عليه)، حيث يقول - كما يرويه الشيخ الصدوق، في كتابه (كمال الدين) و كتاب آخر له - قال علي بن الحسين (عليه السلام) : إن دين الله عز وجل لا يصاب بالعقول الناقصة والآراء الباطلة والمقاييس الفاسدة ولا يصاب إلا بالتسليم، فمن سلّم لنا سلم ومن اقتدى بنا هدي ومن كان يعمل بالقياس والرأي هلك ومن وجد في نفسه شيئا مما نقوله أو نقضي به حرجا كفر بالذي أنزل السبع المثاني والقرآن العظيم وهو لا يعلم"([11]).

أقف قليلاً عند هذه الرواية، لنكمل الحديث في خطبة ثانية، الإمام ماذا يقول (صلوات الله وسلامه عليه)؟

الإسلام لا يرفض العقلانية والعقل بالمطلق، وإنما الإمام (صلوات الله وسلامه عليه)، نريد أن ينبهنا أن يضع كلَّ واحدٍ منا نفسه في الموضع الذي وضعه الله عز وجل فيه، لو أن الناس كانت عقولهم تامّةً لما احتاجوا إلى الأنبياء!

أصلاً، الأنبياءُ لماذا بعثهم الله عز وجل وهم خيرة الناس عقلاً وكمالاً؟

لأن الناسَ قاصرون عن أن يدركوا أشياءَ كثيرةً، ولأننا قاصرون عن أن ندرك أشياءَ كثيرةً، لا نزال نطمح، في الكليات والجامعات والبحوث العلمية، لنتعرف على أشياء نقر بأننا لا نعرفها.

فإذن، عقولنا قاصرةٌ، و "من شاور الرجال شاركها في عقولها"([12])، فكل الناس يدركون انهم قاصرون عقليّاً حتى في ما بينهم، فكيف في ما بينهم وبين الله عز وجل، كيف في ما بينهم وبين الماضي والمستقبل، الأمر يكون أوضح ولو أن أحداً ادَّعى أن لديه الكمالَ العقليَّ التامَّ، فهذا من المتكبرين المغرورين، ولا فائدة في الحديث معه.

وقد يبلغ المخلوقُ هذا المقامَ كما بلغه إبليسُ؛ حيث وقف بين يدي الله عز وجل معترضاً! ومحتجّاً! فقال ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ﴾ [الأعراف / 12]، مع أن الله عز وجل أمره أن يسجد لآدم، وهذا يعني أن آدمَ المسجودَ له خيرٌ من إبليس المأمور بالسجود، مع ذلك بلغ به الكبرياءُ هذا المقدار، فقال ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ﴾ في تحدٍّ صارخٍ لله عز وجل.

فالإمام ماذا يرفض؟

يقول "إن دينَ الله عز وجل لا يصاب"، علميّاً وعمليّاً، يعني : لا ينال، ولا يُبلغ، ولا يفقه، :

أ - "بالعقول الناقصة!"

يعني يجب أن يقر الإنسان على أن عقلَه ناقصٌ! يمكن أن يتكامل لكن في ظل توجيه الله عز وجل.

ب - "والآراء الباطلة".

لو أن الإنسان اهتدى، إلى رأيٍ بمجرد تفكيره، ليس مستظِلاً بالوحي الذي جاء من عند الله عز وجل، فإن في رأيه خللاً، وإن في رأيه نقصاً!  والدليل على ذلك: أننا نجد البشر يعتقدون رأياً، ثم يكتشفون ويقرون لاحقاً أن ما توصلوا إليه - لأنهم ابتعدوا عن الوحي - اختاروا رأياً باطلاً، فتبين لهم خطأُهُ، وقد يتبين لهم في فترةٍ لاحقةٍ خطأُ حتى الرأي الثاني، الذي توصلوا إليه! لأنهم لم يهتدوا بهديِ الله عز وجل، والحق سبحانه وتعالى يقول ﴿إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء / 9].

فالإمام (عليه أفضل الصلاة والسلام) لا يرفض الرأيَ مطلقاً، وإنما يرفض الرأيَ الباطلَ، والرأيُ يكون باطلاً إذا لم يتكئ ويستند على أساسٍ متينٍ، هو ما يأتي من عند الله عز وجل.

جـ - "والمقاييس الفاسدة"

طبعا هناك فرق بين : العقول، والآراء، والمقاييس، أشير إليها.

المقاييس ما هي؟

المقاييس هي الطريقة المنطقية التي يختارها الإنسان لنفسه، وقد تكون طريقةً منطقيةً غيرَ منطقيةٍ! وغيرَ صحيحةٍ! وهذا ما يقع فيه أهل القياس، حيث يبنون حكماً على حكمِ موضوعٍ آخر، فقط لمجرد التشابه! الذي بان لهم بنحو الظن وليس بنحو الجزم واليقين، وهكذا، يسمونه (قياس)، تفصيله يذكره الفقهاء.

إبليس على ماذا استند أنه خير من آدم؟!

لأن الله خلقهم من نار وآدم مخلوق من طين، والنار بطبيعتها تنير، وبطبيعتها تتحرك وتؤذي، في حين أن الطين راكد وأسود ...، فللوهلة الأولى قد يبدو للإنسان أن النار خير من الطين، وهذا قياسٌ باطلٌ، لأن يكون بدا لنا شيء، ولم يبد لنا شيئاً آخر، الله سبحانه وتعالى يقول هذا قياس الباطل لا يصح أن نبني عليه حكماً.

ما هو الفرق بين : العقل، والرأي، والقياس؟

العقل هو الأداة الداخلية التي نستعملها في استكشاف الآراء، والآراء هي النتائج التي نستخلصها بالعقل، لكن العدة والمادة التي نستخدمها، المادة الخام والعدد التي نستخدمها لتوظيف العقل للانتهاء إلى الآراء، هذا نسميه (القياس).

فهي أمورٌ ثلاثة، يقول "ولا يصاب إلا بالتسليم".

طبعاً التسليم لمن؟

التسليم لمن أمر الله عز وجل بالتسليم لهم، وليس عيباً على الإنسان أن يسلِّم لأحدٍ، ويتابع أحداً، ويقلد أحداً، ما دام الدليل العقلي والنقلي قد قام على ذلك.

مثلاً، الله سبحانه وتعالى بماذا يصف إبراهيم (عليه أفضل الصلاة والسلام) يقول ﴿وَإِنَّ مِن شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ﴾ [الصافات/83]، الضمير - ظاهراً - يرجع إلى نوح، وإن كان هناك تأويلات أخرى ﴿وَإِنَّ مِن شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ﴾.

أنا لا أريد أن أقول المتشيَّع له من هو؟ لا يهم، أنا أتكلم أن إبراهيم قد تشيع لشخص آخر، التشيع ماذا؟

يعني : المتابعة، والتقليد، والرجوع. إبراهيم من هو إبراهيم؟

ليس شخصاً عاديّاً! إبراهيم شيخ الأنبياء، ومع ذلك وصفه الله عز وجل بأنه تشيع لشخص آخر، فمجرد التشيع والاتباع ليس عيباً، العيب في أن يتشيع الإنسانُ لقاتل الإمام الحسين، ويَعيب على الآخَرين، ويدع التشيعَ لمثل الإمام الحسين، الذي شهد له رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بأنه - وأخوه - "سيدا شباب أهل الجنة"([13]).

إذا كان الحسين (صلوات الله وسلامه عليه) - كما وصفه رسول الله - على هذا المقدار والقرب من الله عز وجل، ما العيب في أن ينحاز الشخصُ، الإنسانُ، العاقل، الحكيم، الحصيف، لمثله، فيجعله مصباحاً يستنير به؟!

"إن الحسين مصباح هدى، وسفينة نجاة"([14]) هذا هو [سبب] إصرار الشيعة على ذكر الإمام الحسين حتى لا تتيه بنا السبلُ، وحتى لا تختلط علينا الشخصيات، فنحسب أن الحسين وقتلته جميعاً سواء!، جميعاً قريبون من الله عز وجل!

 مثل هذا التخليط والتخبيط هو الذي ينتج شخصياتٍ مشوَّشةً، يعتقد أن هؤلاء يُطاعون، وأن أولئك الآخرين يطيعون، وينتج لنا خليطاً عجيباً ننتهي إلى آراء باطلة ومقاييس فاسدة.

نسأل الله عز وجل أن يجعلنا وإياكم ممن يستمعون القول فيتبع أحسنه.

اللهم صل على محمد وآل محمد.

اللهم كن لوليك الحجة ابن الحسن صلواتك عليه وعلى آبائه، في هذه الساعة، وفي كل ساعة وليّاً، وحافظاً، وقائداً، وناصراً، ودليلاً، وعيناً، حتى تسكنه أرضك طوعاً، وتمتعه فيها طويلاً.

اللهم انصر الإسلام والمسلمين، واخذل الكفار والمنافقين، اللهم اشفِ مرضانا، وارحم موتانا، وأغن فقراءنا، وأصلح ما فسد من أمر ديننا ودنيانا، ولا تخرجنا من الدنيا حتى ترضي عنا يا كريم.

وصلى الله على محمد، وعلى آله الطيبين الطاهرين.

 


([1]) علل الشرائع 1/211، باب العلة التي من أجهل صالح الحسن بن علي ...

([2]) مناقب آل أبي طالب 3/61.

([3]) بحار الأنوار 38/35.

([4]) شرح نهج البلاغة 1/234.

([5]) بحار الأنوار 22/316.

([6]) راجع في التعرف على ألفاظ هذه النصوص، ومصادرها المطبوعة وغير المطبوعة، موسوعة إحقاق الحق للشهيد التستري، وملحقاتها للسيد المرعشي (رحمهما الله).

([7]) بحار الأنوار 28/316؛. وانظر: السنن الكبرى للبيهقي 6/485، كتاب قسم الفيء والغنائم، باب بيان مصرف أربعة أخماس الفيء بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ...

([8]) بل روي أنهم أربعة آلاف، وقيل عشرة آلاف. انظر: الطرائف للسيد ابن طاووس 1/166؛ حلية الأبرار للسيد البحراني 4/262.

([9]) قال المرجع السيد محمد سعيد الحكيم (دام ظله) : تكره المسألة مع الحاجة. ويظهر من جملة من النصوص حرمة السؤال مع عدم الحاجة. بل يظهر من بعضها أنه ليس المراد بالحاجة هو الفقر الشرعي، بل الحاجة العرفية القريبة ففي الحديث: «من سأل الناس و عنده قوت ثلاثة أيام لقي اللّه يوم يلقاه و ليس على وجهه لحم» " [منهاج الصالحين، آخر كتاب الوقف].

([10]) أصول الكافي، كتاب الإيمان والكفر، باب أداء الفرائض، الحديث 1.

([11]) كمال الدين 1/324.

([12]) نهج البلاغة، الحكمة 163.

([13]) بحار الأنوار 10/353.

([14]) انظر: مدينة المعاجز 4/52.