موقع السيد حسن النمر الموسوي

حديث الجمعة

جديد الموقع

 

نص الخطبة التي ألقاها سماحة العلّامة الحجة السيد حسن النمر الموسوي يوم الجمعة ٢٩ محرم ١٤٣٩ هجري بعنوان «عاشوراء، موسم تقييمٍ وتقويم-٤» في جامع الحمزة بن عبدالمطلب في مدينة سيهات

خارطة الطريق للتقويم ٢

 

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد الخلق وأشرف الأنبياء والمرسلين محمد بن عبد الله وعلى آله الطيبين الطاهرين.

ربِّ اشرح لي صدري، ويسِّر لي أمري، واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي.

عباد الله! أوصيكم - ونفسي - بتقوى الله.

لا نزال نتفيأ ظلالَ عاشوراء، حيث التقييم والتقويم. وقد تبين لنا أننا نريد بالتقييم وضعَ قيمة كلِّ شيء بجانبه؛ حتى لا تختلط علينا الأمورُ، فنرفع الوضيعَ ونضع الرفيعَ. وأما التقويم فنقصد به الانتقالَ من الخطأ إلى الصواب، ومن القبيح إلى الحسن؛ لأن الله عز وجل، كما أحسن خلقَنا، أراد منا أن نكون من المحسنين فـ ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ [الأعراف/56].

ولن يتأتى لنا ذلك إلا أن يكون لدينا خارطة دقيقة مرسومة، لو أننا سِرنا على ضوئها، واهتدينا بهديها، لوصلنا إلى هذه النتيجة، وهذا لا يكون إلا من عند الله عز وجل.

ولذلك، أُدِّبنا بأن يكون شعارنا في الحياة ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ [الفاتحة/6].

ولما كان الله عز وجل لا يتولى هداية الناس مباشرة، وإنما عبر الرسل، وعبر الأنبياء، وعبر من نصبهم أئمةً للناس، ليتولوا هدايتهم، وحذَّر الناسَ من الأئمة المضلّين، كما وردت النصوص عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بذلك([1]).

ومن ثَم، فإننا بأمسِّ الحاجة إلى الامام الحسين عليه أفضل الصلاة والسلام وبأمس الحاجة إلى ذكره، في الليل والنهار، وفي كل منعطف يمر به هذا الإنسان.

ذكرنا أن الامام السجاد (صلوات الله وسلامه عليه)، وهو أحد أبطال كربلاء؛ لأن كربلاء امتد دور الأبطال فيها، قبل وقوع الحادثة، وفي أثناء وقوع الحادثة، وبعد وقوع الحادثة، ومن ثم، لا نستطيع التفكيك بين ما فعله سيد الشهداء (صلوات الله وسلامه عليه) يوم عاشوراء، وبين ما فعله من قبل أخوه الإمام الحسن أو أبوه الإمام علي أو أمه الزهراء (عليهم جميعاً أفضل صلوات المصلين)، أو رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، أو قبل ذلك جميع الأنبياء. ومن ثم، صح أن نصف الامام الحسين (عليه أفضل الصلاة والسلام) بأنه (وارث الأنبياء).

وكذلك لا يصح أن نقطع صلة الإمام الحسين بمن جاء بعده من الأئمة وأولهم الامام السجاد (عليه أفضل الصلاة والسلام)، حيث تولوا جميعاً، رسم هذه الخارطة، بأمر من عند الله عز وجل، كما جاء وصف الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) من الله عز وجل بأنه ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى [النجم/3، 4]. وقد وصف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم علياً خاصةً، وعترتَه عامة، بأنهم مع القرآن والقرآن معهم، وأنهم مع الحق والحق معهم، وأنهم لي يفترقوا عن القرآن قيد أنملة، كما ذكر ذلك أو كما يستفاد ذلك من حديث الثقلين.

ذكرنا أن خارطة الطريق هذه، يمكن أن نختصرها بعدد من الخطوات:

الخطوة الأولى:

أن يكون لدى الإنسان الطموح، يطلب هذا الحق، ولذلك يقول الله عز وجل ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ [القصص/56]، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ [الرعد/11]، وآيات كثيرة جدّاً، كلها تصب في أن مفتاح الهداية بيد الإنسان، ثم يفيض اللهُ عز وجل عليه أسباب الهداية، لأننا لا نتكلم عن الهداية التكوينية حيث يقول عز وجل ﴿الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى [طه/50] هذه رحمةٌ منبسطةٌ على جميع الخلق، وإنما نتكلم عن الرحمة الخاصة، عن الهداية الخاصة، التي جاء الأنبياء من أجل أن يخاطبوا الناسَ بها ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ [الكهف/29].

هذه المسألة لا نستطيع أن نُكره عليها أحداً، هذه من مصاديق قول الله عز وجل ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ [البقرة/256]، بيد الناس أن يكونوا مع الحسين، أو أن يكونوا مع قتلة الإمام الحسين! سابقاً وحاليّاً وما سيأتي من الزمن. نسأل الله عز وجل أن يثبتنا وإياكم على نهجه ونهج آبائه وأبنائه (صلوات الله وسلامه عليه).

الخطوة الثانية، المنهج:

لا يكفي أن يكون الإنسان لديه الطموح والرغبة والإرادة وإنما لابد أن يكون هناك منهج، هذا المنهج يتمحور حول ما سميّناه بأصل التسليم. من لا يسلِّم لله عز وجل، فإنه لن يستفيد مثل من هذه الخارطة.

الخطوة الثالثة: [الإسلام والإيمان علم واعتقاد من جهة وعمل من جهة أخرى]

وأذكر لذلك رواية رُويت عن الامام السجاد (عليه أفضل الصلاة والسلام)، هذه الخطوة تتمثل في أن الإيمان وكذلك الإسلام، يتكونان من عنصرين أساسيين، غير قابلين لأن ينفك أحدهما عن الآخر، وهما العلم والاعتقاد من جهة، والعمل والتطبيق، من جهة أخرى.

الإسلام ليس شعاراً نرفعه على مستوى الكلمات والألفاظ، لم يكن صعباً على كفار قريش أن يتلفظوا بلا إله إلا الله، لو أن الأمر كان مطلوباً منهم على مستوى التلفظ، لكان ذلك سهلا، خصوصاً وأنهم من أصحاب الفصاحة والبلاغة، لكنهم كانوا يعلمون أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، يريد منهم أن يتلفظوا بها عن قناعة من دواخلهم ويترجموا تلك القناعة على مستوى التطبيق، فيزيلوا (هبل) و(اللات) و(العُزى) و(مناة) ويزيلوا كل القيم السلبية والمنحرفة، التي كانت مترسّخةً في واقعهم، فلا فواحشً! ولا أخطاء! ولا خطايا! ولا معاصي! ولا ذنوب! كل حسب قدرته.

هذا لم يكن أمراً باليسير عليهم، لذلك شنوا عليه الحروب المعنوية أولاً، ثم المادية في مرحلة لاحقة، إلى أن فتح الله عز وجل عليه فقال ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا [الفتح/1]، حتى أنهم كانوا يرون رسولَ الله مخطئاً! ومنحرفاً! وعاصياً! ومجرماً مطلوباً! لكن الله عز وجل محى ببركة ذلك النصر كل تلك الصورة السلبية ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ [الفتح/2].

أي ذنب هذا الذي غفره الله لرسوله؟

الذنب الذي كان يراه قريش وكفارها ومن حالفهم، وإلا فإن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، كان معصوماً لا ذنب له، من ناحية الله، لكن من ناحية الناس، كانوا يرونه مذنباً عاصياً مخطئاً، غير أن الله عز وجل ببركة هذا الفتح المبين انمحت هذه الصور، لأن هناك من لا يفهم إلا لغة القوة، إلا لغة التمكُّن.

ومن ثم، أُمِرنا - نحن كمسلمين - بأن نُعد للذين يخاصموننا ويعادونا، القوةَ، فيقول عز وجل ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ[الأنفال/60].

لأن الأمة إذا ضعفت صارت نهشة لكل طاعم، هؤلاء يؤذونها أولئك يؤذونها، أما لو أن الأمة كانت [قوية] مادياً ومعنوياً، فإن منطق العالم سيتغير تغير لاحقاً، وسيتغير إن شاء الله، إذا اجتمعت هذه الأمة على هذا المنهج.

ماذا يقول الامام السجاد (صلوات الله وسلامه عليه)؟

في رواية مروية عنه، في عدد من المصادر، منها مسائل علي بن جعفر، علي بن جعفر هو أخو الإمام الكاظم (صلوات الله وسلامه عليه)، من أجلاء علماء أهل البيت، له مجموعة مسائل، سألها الإمام الكاظم وغير الإمام الكاظم، ويروي فيها عدداً من الروايات، عن العترة الطاهرة (صلوات الله وسلامه عليهم).

في هذا الكتاب يروي يقول، "قال علي بن الحسين عليه السلام".

حتى نتبين أن الإسلام ليس شعاراً والإيمانَ ليس شعاراً أجوفَ، وإنما نظريةٌ وتطبيقٌ، علمٌ وعملٌ.

(ليس لك أنت تقعد مع من شئت، لأن الله تبارك وتعالى يقول ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [الأنعام/68].

هذه هي الفقرة الأولى، الأدب الأول، من آداب المؤمن والمسلم أن يزيل من ذهنه الاعتقاد بأن له الحرية المطلقة، ليس هناك حرية مطلقة، حتى في حياتنا الاجتماعية وحياتنا الاعتيادية، ليس هناك أحد يمارس الحرية المطلقة، ويدعو إلى الحرية المطلقة، نحن نأكل فنكف عن الأكل، نشرب فنكف عن الشرب، ننام فنكف عن النوم، نستيقظ فنكف عن اليقظة، نحن نمارس عملية التقييد، لأن هذا التقييد فيه مصلحتنا، لأن لا يمكن للإنسان أن يسترسل وراء كل شهواته، وكل نزواته، وكل غرائزه، وإنما لابد له من أن يضع ضوابطَ! مثل ما أن لك حرية في حدود، الآخرين لهم حرية.

كيف نمارس عملية الضبط لهذه الحرية؟

أن نعرف حقوق أنفسنا، وحقوق الآخرين، لك حقوق من حقك أن تطالب بها، وتمارس حريتك في دائرة هذه الحقوق، شرط أن لا تتعارض ممارستُك لحريتك حقوقَ الآخرين فتتعدى عليهم، هذا في المخلوقين، الله عز وجل أيضاً له دائرة حقوقية، ليس للناس أن يسيئوا التعامل مع الحرية، حتى يتجاوزوا على حقوق الله عز وجل الله سبحانه وتعالى ﴿... لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة/190] لا يرضى بالعدوان على الخلق، وكذلك لا يرضى عن نفسه.

فمثلاً، هل يجوز لنا أن نذهب إلى أي مجلس؟

طبعاً، المقصود هنا، ليس المقصود أن نجلس الجلوس المباشر فقط، وإن كان هذا الذي ينصرف في الذهنية الأولى، لا، حتى يمكن أن نعمم ونوسع، لأن المناط واحد.

هل لنا أن نجلس مع كل مَن هب ودب من الناس، سواء كان القعود مع هؤلاء والجلوس مع هؤلاء ينفعنا أو لا ينفعنا، ينفعنا أو يضرنا؟

ليس هناك عاقل يقول انا سأجلس مع كل أحد، لا، ثمة قوانين وتشريعات وأعراف وضوابط، لابد أن يراعيها.

أنت تمارس عمليةَ الضبط في حق أخيك الصغير، فتحذره، لا تجلس مع فلانٍ من الناس، فإنه سيء الأخلاق، سيء السمعة، إنسان مشاغب، إنسان مشاكس.

كذلك، هذا الكلام يقال لك أنت، يتولى قولَ هذه المقولة من هو أعرف منك، ومن هو أعلم منك ومن له الولاية عليك، فإن لم تكن ترى الولاية لأحدٍ عليك، فإن الله عز وجل، لا شك أن له الولاية علينا جميعاً. لو صدر أمر من الله عز وجل، وأوامره دائماً معللة بالغايات والحِكَم، لا يصدر لنا أمراً يرجع النفع فيه إليه، وإنما النفع يرجع إلينا؛ لأنه الغني ونحن الفقراء([2])، فإذا أمرنا بأمرٍ، أو نهانا بنهيٍ، فإن في أمره ونهيه مصلحةً ترجع لنا نحن، فإذا أمرنا الله عز وجل أن لا نقعد مع هؤلاء، يجب أن نمتثل، خصوصاً إذا كان الأمرُ معللاً.

من هؤلاء الذين يصدر الأمر من الامام (عليه أفضل الصلاة والسلام)، ويستند في ذلك إلى قول الله عز وجل، هل هو أمر بالنهي عن القعود مع هؤلاء اعتباطيّاً؟!

الجواب: كلا.

ثمة سبب وجيهٌ، وحكيمٌ، وعقلانيُّ في الأمر بمثل هذا النهي، وهو أن نقعد مع مَن شئنا. يجب أن تُقيّد مشيئتك، حتى تكون مشيئتك مشيئةً عاقلةً، ليس هناك أحدٌ يقول أنا .. مزاجي! على كيفي! أحب أن أجلس مع من [أحب]! نعم ، تستطيع أن تمارس ذلك، لكن لا تعاتبن أحدا إذا قال عنك - لو جلست مع السفهاء - أنك سفيه، لأنك مارست سفاهة في هذه المشيئة وهذه الإرادة. ولأننا حريصون على أن لا نوصف بهذا، نحرص على أن نكون من أهل الحكمة في الاختيار، ثم نبرِّر، لو أننا وجدنا شبهة، قد تنتقل إلى الآخرين، في هذا الجلوس أو ذاك، نبادر إلى شرح خلفيات هذا الفعل الذي صدر منا، لو أن أحداً وجدنا نمارس شيئاً قد يبدو للآخرين ليس صحيحاً، ونحن نعرف أنه وجيهٌ، نسارع إلى شرح خلفيات هذا الفعل، حتى لا يتهمنا! لأن لنا حرصاً شديداً في أن لا تشوّه سمعتنا.

لو غضضنا الطرف عن هذا، فإن ثمة مصلحة نرجوها، بغض النظر على أن الآخرين وافقونا أو خالفونا، هناك مصلحة ننشدها في أنفسنا، لا نفعل كلَّ شيء، ومنه هذا. لا نقعد مع كل أحد، لأن هناك فريقاً من الناس لو قعدت معهم، فإنه لن يلحق القعود معهم إلا ضرر مادي أو ضرر معنوي.

كم من الناس كانوا يغبطون فلاناً من الناس، لو أن الله عز وجل وفقهم إلى ما وفقه إليه! حيث لديه المال والثراء والعطاء، ثم تدور الأيام، والأيام دول، ليتبين لك أن تمنيك السابق، كان تمنيا خاطئاً، لأن هذا المال وهذا الثراء وتلك الوجاهة و تلك الإمكانات التي توفرت لفلان، لو كنت في موضعه لأصابك ما أصابه.

مثل ما حصل لقارون، كان بسطاء من الناس يظنون أنه لو كان لهم مثل مال قارون، ما الذي انتهى به إليه حال قارون؟

أن خسف الله عز وجل به وبداره و بماله الأرض.

فالإمام (عليه السلام) يقول - يستند إلى قول الله عز وجل - "ليس لك أن تقعد مع من شئت لأن الله تبارك وتعالى يقول"، يعني الإمام يريد أن يوجّه، يبين لنا الحكمة في هذا الأمر- ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا﴾ الخوض في الآيات هنا، ليس المقصود منها المدارسة والمذاكرة العلمية، حتى نتبين معنى هذه الآيات، هذا أمر مندوب إليه، الله سبحانه وتعالى يقول ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا [محمد/24].

المقصود من هذا الخوض، الخوض السيئ، يعني يخوضون بالباطل، إما أنهم يتنكرون لآيات الله، المنصرف والآيات القرآنية، لكن نوسع، بإمكاننا أن نوسع هذه الآيات إلى كل آية لله، كل علم نافع، إذا كان هذا المجلس ممن لا يهتم، لا بالقرآن ولا بالسنة الشريفة، ولا بالأنبياء، ولا بالرسل، ولا بالأولياء، ولا بالأئمة، ولا بالصالحين، فإن مثل هذا المجلس سيكون مجلساً ضارّاً، مجلساً له سلبياتٌ مضرةٌ.

فيقول ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ إذا انتقلوا إلى حديثٍ نافعٍ اجلس معهم، اقعد معهم، أما إذا كان هذا هو دأبهم، وهذا هو شأنهم، تعرف مسبقاً أن مثل هذا المجلس هو مجلسٌ مضرٌّ، هذا جليسُ سوء، رفيق سوء ﴿وَأِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ الإنسان ضعيف، يمكن للشيطان أن يتسلل إليه عبر ثغرة من الثغرات، ولذلك نحتاج إلى أن نتعوذ بالله، ونلجأ إليه، حتى لا نكون في معرض السيطرة عليه من قبل الشيطان، والتولي عليه من قبل الشيطان، لو أن الإنسان نسي - لسبب من الأسباب -، ضعف أمام إغراءات الشيطان، فجلس مع هؤلاء ثم تذكّر، عليه أن يبادر، فيفعِّل هذا التذكر من الله عز وجل والتذكير ﴿وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ.

[الجانب الأول]

فإذن، الحكمة التي بينها الله عز وجل، لعدم مجالسة هؤلاء ومشاركتهم في مجالسهم، هو أن هؤلاء قومٌ ظالمون، هؤلاء يعتدون على العلم، على المعرفة، على الهداية، على الحق، على الحقيقة، على الحكمة! الجلوس مع هؤلاء سنُصنَّف - بسببه - أننا منهم، نركن إليهم، نخالطهم نعاشرهم، ثم نكون من حيث نشعر أو لا نشعر، سيكون حالنا حالهم، يخوضون في آيات الله، نخوض في آيات الله! ولذلك الإمام (عليه أفضل الصلاة والسلام) يحذر.

وهذا التحذير ليس تحذيراً بسيطاً يستخف به الناس، كم من الناس انحرفوا، لأنهم لم يعملوا بمثل هذا التوجيه، وظنوا من حيث يشعرون أو لا يشعرون، يعرفون ولا يعرفون، أن مثل هذه التوجيهات يمكن لنا أن نغض الطرف عنها، لأن لدينا الحصانة! الله سبحانه وتعالى أعرف بنا، وألطف بنا، هذا جانب.

الجانب الثاني:

يذكر أدبين اثنين - الإمام (صلوات الله وسلامه عليه) - يرتبطان بالسياق نفسه، حتى لا نمارس حريتنا بشكل مغلوط.

لكن قبل ان أنتقل إلى الأدبين الثانيين - اللذين أجد نفسي مضطراً أن أؤجل الحديث عنهما إلى خطبة لاحقة - أنبه إلى ما أشرت إليه، إلى أن المقصود بالمجالس ليس فقط المجالس المباشرة، هذا يشمل ويتسع حتى وسائل والتواصل الاجتماعي، والقنوات التلفزيونية، والجرائد، والكتب، انتق ما تقرأ، خالط من تريد أن تخالطه مباشرة أو غير مباشرة، بمنتهى العناية، حتى لا يتلف وقتك، ولا يضيع وقتك، ولا تتسلل إليك كمفاهيم تضرك من حيث تنتبه أو لا تنتبه.

لو لم يكن في مثل هذه المجالس الضارة إلا أن وقتك - الذي هو رأس مالك الذي تتجر به بين يدي الله عز وجل - سيتبين لك لاحقاً أنه تبخر ولم تستفد من، لو لم يكن له إلا هذا الضرر، فإن هذا كفيل بأن يحول بينك وبين مثل هذه المجالس، فضلاً عما لو كان الضرر محققاً.

ليست المسألة مسألة متلفة وقت فقط! لا، هي مسألة انحراف في المفاهيم، ستتشوه الكثير من المفاهيم لدينا، ثم نكتشف - بعد مدة طويلة - أننا صرنا - نعوذ بالله أسرى للشيطان - وكثير من الناس لا يتوب، ليس لأنه لا يعرف الخطأ، يعرف أن هذا خطأ، لكن يستشعر الضعفَ، ثم يدفع به الشيطان إلى تبرير خطأه وخطيئته ومعصيته.

نسأل الله عز وجل أن نكون وإياكم ممن يستمع القول فيتبع أحسنه.

اللهم صل على محمد وآل محمد.

اللهم كلن لوليك الحجة ابن الحسن صلواتك عليه وعلى آبائه، في هذه الساعة، وفي كل ساعة، ولياً وحافظاً، وقائداً، وناصراً، ودليلاً، وعيناً، حتى تسكنه أرضك طوعاً، وتمتعه فيها طويلاً.

اللهم انصر الإسلام والمسلمين، واخذل الكفار والمنافقين. اللهم اشفِ مرضانا، وارحم موتانا، وأغن فقرائنا، وأصلح ما فسد من أمر ديننا ودنيانا.

وصلى الله على محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين

 


([1]) انظر من باب المثال ما أورده الهيثمي – من علماء أهل السنة - في كتابه مجمع الزوائد ومنبع الفوائد 5/ 233، باب في عمال السوء وأعوان الظلمة.

([2]) قال الله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ [فاطر/15].