موقع السيد حسن النمر الموسوي

حديث الجمعة

جديد الموقع

نص الخطبة التي ألقاها سماحة العلّامة الحجة السيد حسن النمر الموسوي يوم الجمعة ٦ صفر ١٤٣٩ هجري بعنوان «عاشوراء، في جامع الحمزة بن عبدالمطلب بعنوان

 « موسم عاشوراء، تقييم وتقويم-٥»

خارطة الطريق للتقويم ٣

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين.

رب اشرح لي صدري، ويسر لي أمري، واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي.

عباد الله، أوصيكم ونفسي بتقوى الله.

التعزية بشهادة الإمام الحسن (عليه السلام)

نستقبل اليوم أوغدا - على اختلاف التاريخ - ذكرى شهادة الإمام الحسن (صلوات الله وسلامه عليه)، والذي عانى ما عانى بسبب أن الأمة - في مجملها - ابتليت بآفات، ترتبط بما كنا بصدد الحديث عنه، وهي أنهم أضاعوا الخارطة التي رُسمت لهم من قِبل الله عز وجل والنبي وآله (صلوات الله وسلامه عليهم)، فلم يتمكنوا من تمييز الخطأ من الصواب، والصالح من الطالح، حتى أن الامام الحسن (عليه أفضل الصلاة والسلام) وُوجه بما وُوجه به، وخُذل خذلاناً شديداً من دوائر قريبة أو بعيدة!

ولو أن الأمةَ سارت وفق ما رسمه الله عز وجل لهم لعرفوا أن الحسن والحسين "سيدا شباب أهل الجنة"، ومن تأتي له، وفي حقه، هذه الشهادةُ من رسولٍ مبعوثٍ من عند الله عز وجل ما ينبغي الترديدُ، ولا الارتيابُ والشكُّ، في أن له تميّزاً مطلقاً، وتقدماً بالمطلق، على مَن عداه، خصوصاً ممن خالفه وخاصمه.

لكن هكذا هي الابتلاءات والحفر التي يقع فيها الإنسان لو لم يلتفت إلى مثل هذه الخريطة!

***

٢ – إكمال الحديث عن الخطوة الثالثة = التجسيد

ذكرنا جزءاً من حديثٍ مرويٍّ عن الامام السجاد (عليه أفضل الصلاة والسلام) بيَّن فيه بعضَ المعالم التي يلزم الناسَ أن يضعوها في حسبانهم، إذا أرادوا أن يسيروا سيراً صحيحاً مؤدياً بهم إلى الغاية المرسومة لهم من قِبل الله عز وجل، وهي، الخطوة الثالثة التي ذكرناها، وهي (التجسيد لتعاليم الإسلام).

قدمنا أن الإسلام ليس شعاراً يرفعه الناس، ليقول أنا من المسلمين، على مستوى اللفظ، لكنه لا يترجم ذلك على مستوى الفعل!

{كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ} [الكهف: 5] هكذا يعبر الله عز وجل عن بعض الكلمات، إذا كانت باطلةً.

أو أن الله عز وجل يعيب على الناس، كما يحكيه لنا في القرآن الكريم بالخصوص بني إسرائيل، أنهم كانوا يقومون بعملية انتقاء، يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض الكتاب([1])! هذا أمر معيب في حق اليهود، والذي فصّل القرآن لهم باعتبارهم شريحةً من البشر تجلت فيهم أغلب خصائل الانحراف والضلال والتيه، مع كثرة ما بعث الله عز وجل إليهم من الأنبياء، لكن لم ينتفعوا من ذلك!

فالعبرة ليست بأن يتوفر لك - أيها الإنسان - أسبابُ الصلاح، بل العبرة - يعني الوافرة والكثيرة - بل العبرة أن تختار - أنت - أن تكون مع الله ليكون الله عز وجل معك.

المقطع الذي ذكرناه، أذكّر به حتى انتقل إلى مقطعين فقرتين من هذه الرواية، لتبيّن لنا كيف أن الإمام (عليه أفضل الصلاة والسلام) يوجّه الأمةَ إلى ما ينبغي لهم أن يفعلوه وما لا ينبغي لهم أن يفعلوه، مستنداً في كل ذلك إلى القرآن الكريم الذي {يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} [الإسراء: 9].

أما ما قرأناه فقوله (عليه السلام) "ليس لك أن تقعد مع مَن شئت لأن الله تبارك وتعالى يقول {وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} [الأنعام: 68]".

هذا تحدثنا عنه، لا نعيد.

وإما الفقرتان اللتان ترتبطان بالحديث الذي نريد أن نتحدث عنه، لنؤجل بقية الحديث إلى خطبةٍ لاحقةٍ. يقول (عليه السلام) "وليس لك أن تتكلم بما شئت، لأن الله تعالى قال {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} [الإسراء: 36]، ولأن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: رحم الله عبداً قال خيراً فغنِم".

المقطع الثالث "وليس لك أن تسمع ما شئت، لأن الله تعالى يقول {إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا} [الإسراء: 36]"([2]).

قدمنا - في الخطبة السابقة - أن الإسلام لا يريد أن يحجر علينا حجراً مطلقاً، لكن في المقابل ينبّهنا إلى أنه ليس من العقلانية والعقلائية أن يتصور أحدٌ أنه حر بالمطلق! لا، ما دمتَ تعيش في عالم الدنيا فأنت محدودٌ. محدود بالمكان، محدود بالزمان، محدود بحقوق الآخرين وحريات الآخرين.

تصوروا لو أن الناسَ، كل واحد منهم، أراد أن يكون حرّاً بالمطلق، لما احتجنا إلى أن نضع هذه الشوارع، وأنظمة المرور التي تحدد مرور السيارات ومرور العابرين، ولا أن يقوم أهل الاختصاص في عالم الطائرات، أن يحددوا مسارات الطائرات حتى لا تتصادم، بعضُها مع بعض، بعقيدة أن كلَّ واحدٍ من الناس له أن يسير وفق ما يرغب!

لا، لو أنك سرتَ وفق ما ترغب سنتوقع - بشكلٍ مظنونٍ، بل مقطوعٍ في كثيرٍ من الأحيان - أنك ستُلحق الأذى بالآخرين، أو سيلحقون الأذى بك، أو سيُلحق كلُّ واحدٍ منكما الضررَ بالآخر. والعاقل - بغض النظر عن مسألة التشريعات - لا ينشد هذا المعنى، الإنسان - بطبعه - يحب الخيرَ لنفسه، والآخرون يحبون الخيرَ لأنفسهم، ما داموا عقلاء.

بل حتى المجانين والبُله من الناس، حتى المجانين والبُله والصغار الصبية جدّاً من الناس، ينشدون الخيرَ لأنفسهم، ويفرّون مما يدركون أنه يُسبب الضررَ لهم.

بل حتى البهائم، ألا تجدون أنك تسير أحياناً بالسيارة فتجد أمامك قطةً، تفر هذه القطة.

لماذا تفر هذه القطة؟

لأن لها مقداراً من الإدراك، تدرك معه أن السيارةَ ستُلحق بها الضررَ، فتفر يميناً أو شمالاً، أفهل يُعقل أن يكون الإنسانُ أقلَّ عقلانيةً من هذه القطة، لتعرف أن ثمة قانوناً يجب أن يُرسم إلى سيرها، حيث تُقدِم أو تُحجِم ..؟

الإمام (صلوات الله وسلامه عليه)، يقول أن الله عز وجل رزَقك لساناً، وليس المقصود فقط اللسان هنا، ليس لك أن تتكلم، لأن أغلب تواصل الناس - بعضهم ببعض - على مستوى بيان المفاهيم والتخاطب هو باللسان، لكن الإمام يتكلم عن مطلق الكلام، سواء كان كلاماً باللسان، ونعمم لوحدة المناط، نعمم الكلامَ، لليد حينما تكتب، لتعابير الوجه، لأن الإنسان قد يُعبّر عن رضاه، وعن سخطه، وعن محبته، وعن كراهيته، ليس بلسانه ولا بيده، وإنما بعبوس جهة، أو استبشار وجهه.

ونعرف - جميعاً - ما حصل من حادثة أن إحدى زوجات النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، لما دخلت تلك المرأة القصيرة القامة على الرسول، زوجة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لما خرجت تلك المرأة، أشارت بيدها لم تتكلم، أشارت بيدها، إلى قصرها، فالنبي نبهها إلى أن هذه غيبة، لا يجوز([3]).

ولذلك، الفقهاء يوسعون معنى الاغتياب للكلمة، ولتعبير الواجهة ولتعبير ولحركة البدن، ذاك الذي لعنه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وهو الحكم بن العاص، أبو مروان بن الحكم، لما عاب على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وحاول أن يقلد مشيّة رسول الله مستهزئاً، كان يسير خلف الرسول ويسير بطريقة، كما لو كان يحاكي رسول الله - من باب الاستهزاء - ، فالتفت إليه رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وقال هكذا فكن، فأبقاه على تلك الطريقة حتى نفاه، فأُعيد بعد وفاة الرسول بفترة، أعيد على خلاف ما فعله رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، من نفيه([4]).

هذا فعلٌ مذموم، فالإمام (صلوات الله وسلامه عليه)، يقول : نعم، منَّ الله عليك بلسان، لكن من أجل أن تقول به الخير، وكذلك الحال بالنسبة لكلِّ جارحةٍ من جوارحك، تستطيع أن تعبر بها عن الخير، أو نعوذ بالله عن الشر، هل لك حرية؟!

يقول ما دمتَ مسلماً ومؤمناً، فيجب أن تتقيَّد في ما تتكلم به بأي طريقة من طرق الكلام والتعبير، لابد أن تتقيد بما يجعلك مسؤولاً أمام الله سبحانه وتعالى، فينبغي أن ترجو ثوابه، وتتجنب عقابه.

فيقول "وليس لك أن تتكلم بما شئت" أي بالحق والباطل، بالخير والشر، بالحسن والقبيح! لا، ما دمتَ مؤمناً ومسلماً، يُفترض أن لا تنطق إلا بالحق، ولا تتكلم إلا بالحق، ولا تعبر إلا عن الحق، ولا ترجو لنفسك ولا الآخرين إلا الخير "لأن الله تعالى قال {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ}".

ولعل أحد يسأل يقول أين وجه الارتباط، الإمام ينهى عن الكلام، والآية تقول {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ

لعل الإمام (صلوات الله وسلامه عليه) أراد أن يقول أن الآية تريد أن تقول {وَلَا تَقْفُ} أي لا تتَّبع، {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} أن كلامك الذي تعبّر به عن فعلك، أو تعبر بفعلك عنه، عن موقفك السلبي أو الإيجابي، ستكون مسؤولاً عنه، لا يجوز لك أن تتكلم ولا تتبع، ولا تتحرك، ولا تخطوَ إلا بناءً على علم، والمفروض أن العلم هو الذي يبين لك الحق من الباطل، والخير من الشر، الصالح من الطالح، فلو أن الإنسانَ خالف علمَه، أو عمل بغير علمٍ، سيضل عن طريق الحق. ولذلك، الإمامُ يستشهد بالآية "لأن الله تعالى قال {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ}".

وأغلب ما يقع الناس فيه من آفات اللسان - التي أفاض العلماء، وفقاً للآيات والروايات عن الحديث عنها، آفات كثيرة، الغيبة والفتنة والنميمة، وأشياء كثيرة جدّاً، والكذب ومتفرعات ذلك، وما يرتبط به - كلها تنشأ عن أن هؤلاء الذين يقعون في هذه الآفات وتصدر منهم، في الحقيقة يتكلمون بغير علمٍ، أو أنهم يعلمون لكن يعلمون ظاهراً من القول، باطن القول حقيقة القول لا يعلمونها، كما يختلط على غير العالم الحياة الدنيا بالحياة الآخرة، فيبين الله عز وجل لنا ذلك في قوله {وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} [العنكبوت: 64].

لو أن الناس يعلمون، لعرفوا أن حياة الدنيا ليست حياة في مقابل الحياة الآخرة، ولذلك لا ينبغي للإنسان أن ينتقل، أو يضحي بعالم الحياة، في سبيل تحصيل عالم الممات.

عالم الدنيا، وإن كان ثريّاً بالحركة والحيوية عندنا اليوم، سيتبين لنا لاحقاً، إذا بعثنا اللهُ عز وجل في الآخرة، أن تلك الدار هي الحياة، أما هذه الحياة، أصلاً لا تكاد، الآية تقول {وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} يعني أن الحياة الدنيا لا تسمى حياة، قياساً بالفارق الفاحش والكبير، بين تلك الحياة وفاعليتها، وهذه الحياة، لأن الله تعالى قال {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ}.

"ولأن رسول الله (صلى الله عليه وآله)، قال، رحم الله عبداً قال خيرا فغنم، أو صمت فسلم".

هل إن النبي (صلى الله عليه وآله)، في هذا الحديث الشريف، يدعو للرحمة أو يحكي؟

كلا الاحتمالين قائمان:

أ - يمكن أن يكون النبي (صلى الله عليه وآله) يدعو لهذا الإنسان الذي لا ينطق إلا بالخير، لأنه سيسلم، أو سيصمت فيسلم. يعني إذا أراد الغنم لنفسه فلن يتكلم إلا بالخير، وإذا أراد السلامة لنفسه فسيصمت عن الباطل، هذا الاحتمال قائم.

ب - ويُحتمل أن النبي (صلى الله عليه وآله) يحكي واقع هذا الإنسان، لو أن الإنسان لم يتكلم إلا بالخير، النبي يقول : رحمة الله شملت هذا الإنسانَ، يعني أحد وجوه ومظاهر شمول رحمة الله عز وجل للإنسان أن لا ينطق إلا بالخير، وأن يصمت عن الشر، فيسلم ويغنم من ناحية ثانية.

فإذن، الكلمةُ مسؤوليةٌ، ولا يسوغ للناس أن يتساهلوا فيها، ولا أن يشتغلوا في مجالسهم بفاكهةٍ محرمةٍ، هي هذه الكلمات التي لا تدخل في حيّز المباح، ولا تدخل في حيّز المستحب ولا تدخل في حيّز الواجب وإنما تدخل في حيّز الحرام، وأحياناً في حيّز المكروه، كلا هذين سيبعثان بالإنسان إلى أن يكون من أهل الندم.

وأما التعبير الأخير الذي قاله الإمام - وهو أدب - حتى ننتقل بتديننا، وإيماننا، وإسلامنا، من عالم النظريات إلى عالم التطبيق والتجسيد، فنكون خيرَ الأمم، لا أن نكون في آخر ركب الأمم، فنعيش عالةً على الأمم الأخرى، نأخذ منهم الخيرات، ولا نصدِّر إليهم إلا الشرورَ والآفاتِ، بسبب ابتعادنا عن هذا الدين، أبعدنا الله وإياكم عن الشيطان وأهله.

يقول (عليه السلام) "وليس لك أن تسمع ما شئت" يعني أذنك هذه، ومثل ما قلنا في الكلام، ليس المقصود الأذن فقط، هذه الجارحة، التي يصل الصوت من الآخرين إلينا، فنتفاعل معه، إيجاباً أو سلباً.

لا، الإمام يريد أن يقول : أي وسيلة من وسائل الإنصات، سواء كان وصولَ الصوت أو الإنصات للصوت، والفقهاء يفرقون بين السماع والاستماع.

يعني - مثلاً - الغناء، ليس المحرم أن تسمع الغناءَ، تمر في الشارع ويكون هناك أحد يسمع الغناء ويمر بشكلٍ عابرٍ عليك، أو الإذاعة أو التلفزيون ... ، هذا سمعته، لا خيارَ لك في أن تسمعه، لكن أن تتوقف فتنصت فتستمع، هذا هو المحرم، لأنك تفاعلت معه تفاعلاً إيجابيّاً، الله سبحانه وتعالى يقول مواطن الحرام، ومواطن الكراهية، ومواطن المبغوضية والمذمومية، الذين {إِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا} [الفرقان: 72]. هذا لغو، هذا لا يرتقي بك إلى حيث ينبغي ويجب على العاقل أن ينشده، وهي أن تصل إلى الله، راضياً مرضيّاً، لأنك أصبحت من ذوي النفوس المطمئنة، هؤلاء هم الذين يعدهم الله عز وجل بجنان عالية ﴿فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (29) وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر: 29، 30].

أما هؤلاء الذين يشتغلون باللغو من القول، يشتغلون بما حرم الله عز وجل أن يشتغلوا به، يسمعون هذا المحرم، ويسمعون هذا الكلام الباطل، ويتفاعلون معه يقضون أوقاتاً طويلةً أو قصيرةً معه، فإن هذا سيكون على حسابهم.

الإمام (صلوات الله وسلامه عليه) يقول ليس هذا من الحرية المتاحة لك، إن كنت مؤمناً ومسلماً، فثمة قيودٌ تمنعك أن لا تسمع ولا تتفاعل.

الإمام الجواد - لعله - (صلوات الله وسلامه عليه) يقول (من استمع إلى ناطق فقد عبده)([5]) يعني يتحدث الشخصُ بكلامٍ باطلٍ، فنقبل باطله، نصفق لباطله، نرضى بباطله، نروّج باطله، سواء قال ذلك نطقا فسمعناه، أو قال ذلك كتابة فقرأناه، أو قال ذلك بأي وسيلة من وسائل التعبير، هل لنا أن نتقبله، والمقصود هنا الاستماع "ليس لك أن تسمع" أي أن تتقبل، حتى لا يأتي أحد ويقول الإمام قال "ليس لك أن تسمع"، لكني سأقرأ لكل من هب ودب، ممن يكتب، لا، هذه مضيعة للوقت، وفي كثير من الأحيان مهلكة للدين، ومتلفة للدين.

النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لما جاءه أحد الصحابة بتوراة اكتتبها من اليهود، قال (هذا وأنا بينكم)، يعني الله سبحانه وتعالى يبعثني بالقرآن الذي {يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} [الإسراء: 9] ثم تأتي بالتوراة لتقول نزيد علما إلى علمنا..!([6]).

وهل في التوراة التي هي محرّفة، علم بعد أن بعث الله عز وجل نبيه بقرآن يهدي للتي هي أقوم؟

هكذا ينبغي للإنسان أن يحسن الانتقاء، فيقول عليه السلام "وليس لك أن تسمع ما شئت، لأن الله تعالى يقول ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً﴾ [الإسراء: 36].

لا ينبغي أن نستهين - إخواني وأخواتي - بكلام نسمعه، أو كتاب نقرأه، أو مقولات نرددها في ما بيننا، بظن أنها لن تؤثر فينا! لا، ستؤثر في الإنسان، الإنسان يتأثر بشكلٍ واعٍ، وبشكلٍ غيرِ واعٍ، كما نتعلم اللغة واللسان، وكما نتعلم اللهجة، فمن يعيش في بلد معينة، في بيئة معينة، يتعلم لهجتها دون أن يقول له أهله انطق بهذه الطريقة، أو لا تنطق بهذه الطريقة، يسمعها مرة ومرتين وعشرة وألف وألفين، ينتهي، أذنه تعتاد على السماع بهذه الطريقة، والنطق، لسانه يتعود بالنطق بهذه الطريقة.

كذلك الكلام حينما نسمعه من الآخرين، أو نقرأه في كتب الآخرين أو ما يكتبونه، شئنا أم أبينا، ما لم نحصن أنفسنا، فسنتأثر به، ونفكر بهذه الطريقة.

ألا نسمع - الآن - كثيراً من الحالات، يسمع الإنسان الآية وتفسيرها، ويسمع الرواية التي رويت - بشكلٍ معتبرٍ - عن النبي وعن آله (صلى الله عليه وآله وسلم)، ويأتي أحدهم يقول أنا عندي تحفظ ..!

هل المسلم والمؤمن يليق به إذا صدر شيء عن الله عز وجل، بشكل قطعي، أو عن الرسول بشكل معتبر، يقول أنا عندي تحفظ علي هذا الكلام؟!

المسلم والمؤمن لا يقول هذا الكلام.

لكن متى يقوله؟

إذا بُنيت شخصية الإنسان على أن له الحقَّ في أن يستقل عن الله عز وجل، فيحكم بما يعارض حكم الله، ولذلك القرآن يقول {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة: 44]، {فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [المائدة: 47]، {فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [المائدة: 45] السبب ما هو؟

لأن الإنسان حينما يحكم على الأشياء يعطي لنفسه حقا تجاوز فيه الحدود التي ينبغي له أن يقف عندها.

نسأل الله عز وجل أن نكون وإياكم ممن يستمع القول فيتبع أحسنه.

اللهم صل على محمد وآل محمد

اللهم كن لوليك الحجة بن الحسن، صلواتك عليه وعلى آبائه، في هذه الساعة، وفي كل ساعة، وليّاً، وحافظاً، وقائداً، وناصراً، ودليلاً، وعيناً، حتى تسكنه أرضك طوعاً، وتمتعه فيها طويلاً.

اللهم انصر الإسلام والمسلمين، واخذل الكفار والمنافقين، اللهم اشف مرضانا، وارحم موتانا وأغن فقراءنا، وأصلح ما فسد من أمر ديننا ودنيانا، ولا تخرجنا من الدنيا حتى ترضا عنا يا كريم.

وصلى الله على محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين.

 


([1]) سورة البقرة، الآية 85.

([2]) بحار الأنوار 2/116.

([3]) انظر: بحار الأنوار 72/224؛ مسند إسحاق بن راهويه 3/921، الحديث (1613).

([4]) انظر ترجمته في كتاب الطبقات والتراجم.

([5]) انظر: فروع الكافي 6/623، باب الغناء، ولفظ الحديث "من أصغى ...".

([6]) انظر : المصنف لعبدالرزاق الصنعاني عبد الرزاق الصنعاني 6/113؛ مسند أحمد - ط الرسالة -30/280، الحديث (18335).