موقع السيد حسن النمر الموسوي

حديث الجمعة

جديد الموقع

 نص الخطبة التي ألقاها سماحة العلّامة الحجة السيد حسن النمر الموسوي يوم الجمعة ٥ ربيع الأول ١٤٣٩ هجري عاشوراء، في جامع الحمزة بن عبدالمطلب:

 

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

 بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد الخلق وأشرف الأنبياء والمرسلين محمد بن عبد الله وعلى آله الطيبين الطاهرين.

 رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي عباد الله أوصيكم ونفسي بتقوى الله.

 وإن تقوى الله لا تتحقق إلّا أن يوفق الإنسان إلى أن يستنير بنور الله عز وجل، والله سبحانه وتعالى {وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ} وأن يكون الإنسان من أهل النور والاستنارة، يعني أن يعزم ويسأل بإلحاح، من الله عز وجل أن يخرجه من الظلمات، ظلمات الجهل والوهم وسوء الأخلاق، وكل ما يجعل الإنسان يرتكس في عوالم الفتن العلمية من جهة، والعملية من جهة أخرى.

 ولذلك أسباب، يعني هذا الخروج والإخراج له أسبابه، له علله التي نستقيها ونمتحها من معين الله عز وجل.

 الله سبحانه وتعالى ممن كلفهم بأن يخرجوا الناس من الظلمات إلى النور الأنبياء والأئمة صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، فإن الله عز وجل، كما ورد عن الامام الصادق، عليه أفضل الصلاة والسلام، أبى أن تجري الأشياء إلا على أسباب، ثمة سنن الله، سبحانه وتعالى، يذكر ويؤكد على أن هذا العالم في تكوينه وفى تشريعه يُدار وفقا لسنن أمضاها الله عز وجل، فمن أدرك هذه السنن وعلم هذه السنن ونظّم حياته وفقا لهذه السنن، فليطمئن بأن الله عز وجل سيحييه حياة طيبة في الدنيا أولا وفي الآخرة، ثانيا.

 الحق سبحانه وتعالى يذكر في سورة إبراهيم خطابا للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وبيانا للقرآن، يقول {الر ۚ كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَىٰ صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ} الكتاب إشارة إلى القرآن الكريم، يخرج من هو الذي كُلّف بهذا الإخراج وتفعيل القرآن الكريم؟ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم.

 فإذن، القرآن وحده لا يكفي الله يقول{كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ} لم يقل ليخرج، آي القرآن يُخرج، يعني أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليس ساعي بريد فقط، وإنما هو حامل لأمانة لا يمكن أن تنفك عن القرآن الكريم، وهذا يبين لنا سر وصيته صلى الله عليه وآله وسلم الأمةَ أن تلتزم الكتابة والعترة، (فانهما لن يفترقا حتى يرد عليَّ الحوض) فواهم من يظن أن الكتاب وحده يهدي للتي هي أقوم، دون الراسخين في العلم الذين يعلمون تفسير القرآن و تأويله، ظاهره وباطنه، ناسخه منسوخة، عامه وخاصة، مجمله ومبيّنَه، إلى غير ذلك من التفصيلات التي لا يستغني عنها الناس.

ثم إن الله عز وجل ذكر في القرآن الكريم ما ينبغي للإنسان أن يجعله منطقه في الحياة، حيث يلقن النبيَ صلى الله عليه وآله وسلم وهو سيد الكائنات، وأكملهم، فكيف بنا، ماذا يقول له؟

{وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ} لا ينبغي للإنسان أن يقدم ولا أن يحجم عن شيء هنا أو هناك، إلّا أن يعرف أن هذا الطريق الذي يريد أن يدخله أو يريد أن يخرج منه، هذه الخطوة التي يريد أن يقدم عليها أو التي يريد أن يكف عنها ويحجم عنها، إنما تصب في مصلحته العاجلة والآجلة، على حد سواء، وهذا معنى {رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْق} تطبيقاتها كثيرة، يمكن للإنسان أن يبدأ بداية صائبة لكن ينتهي به الحال إلى نهاية خائبة، ليست صائبة، ينبغي للإنسان أن يفكر في كل شيء أن يكون دخوله صحيحا وخروجه أيضا صحيحا، في كل تفاصيل الدنيا وحالاتها.

الله سبحانه وتعالى أيضا يقول في سورة الإسراء عن أن الناس حينما يُحشرون بين يدي الله عز وجل لهم شكلان من أشكال الحشر، شكلٌ يحاسب فيه كل فرد عما فعل، وشكل آخر، لا نستطيع ان ندخل الآن، بل قد لا نستوعب طبيعة هذا الجمع بين هذين الأمرين.

الشكل الثاني هو أن الأمم تُحشر كأمم، يعني يقول الله عز وجل {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ} ويذكر في آيات أخرى عند الناس يقفون بين يديه سبحانه وتعالى فرادا، لكن هذه الآية التي ترتبط بما نريد أن نتحدث عنه، وهو «نور الإمامة» بمناسبة ما سنستقبله من ذكرى شهادة إمامنا العسكري عليه أفضل الصلاة والسلام، الإمام الحادي عشر من أهل البيت، يقول عز وجل في سورة الإسراء {يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ ۖ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَٰئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا } هذه الآية نص صريح في أن الناس لن يحشروا أفرادا، وإنما سيحشرون بإمامهم.

فرعون يقدم قومه، وكذلك أئمة الحق يقدم كل واحد منهم قومه {إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ} يخاطب الله عز وجل النبي الكريم صلى الله عليه وآله {إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ ۖ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ}.

بعد هذا المدخل أنطلق مما رواه الفريقان عن النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم، حتى ندرك سر ما كافئ به الحق سبحانه وتعالى خليله إبراهيم، وما سأله إبراهيم عن الله عز وجل، ما الذي كافأ الله عز وجل به إبراهيم؟ أنه قال {إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا ۖ قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي ۖ قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ} الذي يصل إلى الله عز وجل هم أهل النور، في قولهم أو في أقوالهم وفي أفعالهم، وهؤلاء بقدر ما يتجنبون الظلم، الظلم في كل شيء، الظلم الفردي، الظلم الاجتماعي، الظلم على نفس الإنسان، الظلم على الآخرين، بقدر ما يرتكس الإنسان في عالم الظلم والمعاصي والخطايا و كل ما يبعده عن الله عز وجل، سيُحرم من النور، فإذا حُرم من النور، صار من أهل الظلمات والذين في الظلمات يكونون في تيه.

قد يغدق الله عز وجل عليهم من الأموال والثراء، لكن يبقون في عالم تيه، في عالم ظلمات، لا يصلون إلى النور إطلاقا.

 ما الذي استفاض عند الفريقين هذا المضمون من مات وليس عليه إمامٌ أو لم يعرف أمامه أو ليس في عنقه بيعة ألفاظ متعددة (مات ميتة جاهلية) الإسلام إنما جاء من عند الله عز وجل من أجل أن ينتقل الناس من الجهل، بكل اشتقاقاته، الجهل المعرفي، جهالة الطيش والسلوك هي أوسع من مسألة الأمية، قد لا يكون الإنسان أميا، لكنه من أهل الجاهلية، يعني هذا الإنسان الذي يصر على أن يرتكب ما يستنكره العقلاء، وما يسمى في شريعة الإسلام والديانات السماوية الفواحش والمنكرات، هذا وإن كان، وإن سمى نفسه مثقفا وعالما وما أكثرهم، لكن هؤلاء أهل جاهلية، يعني الجاهليون يعني أيام العرب -الجاهليون- لن يكونوا جهّالا بمعنى أميين فقط، لا الأمية لا تعيب الناس، كثير من الناس نجحوا في الحياة وهم أميون، بمعنى لا يقرأون ولا يكتبون، لكن ليس الطريق الوحيد في رفع الأمية الثقافية هي أن يتعلم الإنسان القراءة والكتابة، فمن يحرم نعمة البصر يكون أميا، لا يستطيع لا يقرأ ولا يكتب، لأنه لا يرى ومن لا يرى لا يستطيع أن يكتب الكتابة العادية، لكن قد يتعلم، يذهب إلى حلقات العلم وحلقات الدرس فيصبح مثقفا ثم عالما ثم مفكرا ثم مفتيا ثم قاضيا، وأمثال ذلك من المراتب العلمية.

أميٌ لا يقرأ ولا يكتب لكنه عالم، الذين كانوا أيام العرب، هكذا كان كثير حال كثير منهم، إلا ينقل عنهم خطب وأشعار وكلمات منثورة، يعجز المثقفون في مثل هذه الأزمنة، عن أن يأتوا بعشرها، كيف نجمع بين هذين الأمرين؟ هم كانوا أهل جاهلية، لكن ليسوا بالضرورة أهل أميّة بهذا المعنى الذي يقع فيه الناس.

فإذن، المهم هو أن يكون الإنسان من أهل العلم والمعرفة، ليس بالضرورة من أهل القراءة والكتابة، الله سبحانه وتعالى حينما يقول {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ} لا يريد أن يقول يقرأون ويكتبون، كثير ممن يقرأ ويكتب لا يستفيد من قراءته، ولا من كتابته شيئا، وكثير ممن لا يحسن القراءة والكتابة نجد عنده، أو نجده من أهل الحكمة في القول والفعل، هذا هو المطلوب، وهذا هو المهم.

هذا الذي استفاض نقله عند الفريقين، يعني كل المسلمين ينقلون عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ضرورة أن يكون الإنسان على ارتباط بمن يوصف شرعا بأنه الامام، الإمام مَن هو؟ الإمام ليس بالضرورة الذي نسميه القائد السياسي، لا، المقصود بالإمام هنا الذي يريده رسول الله هو من يتولى إرشادك وهدايتك إلى الله، لأنه، مثلا، في الأزمنة التي كان فيها الأنبياء، القيادة السياسية لم تكن عند الأنبياء إمام الناس من هو؟ شيخ القبيلة، حاكم البلدة، أو النبي؟ يعني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حينما كان في مكة ومعه جماعة يؤمنون به نبيا مرسلا، من عند الله عز وجل، إمامهم من هو؟ رسول الله صلى الله عليه وآله.

هل كان لرسول الله الآمر والنهي في أوساط مكة، سياسيا واجتماعيا؟ أبداً، اضطر إلى أن يخرج ويهاجر من مكة، وكذلك الحال، كثير من الأنبياء، بل أغلب الأنبياء ممن سبقه والأئمة ممن جاء بعده صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.

فإذن لابد أن نعرف، أو أن يكون في عنق كل واحد منا بيعة لهذا الإمام الذي يريده رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، من أجل أن ننتقل من خلاله بواسطته، من الجهل إلى العلم والمعرفة، من الطيش إلى الاستقامة السلوكية، من الظلمات إلى النور، لأن هذا هو ما كلفهم الله سبحانه وتعالى به.

 لاحظوا ماذا يقول الإمام العسكري عليه أفضل الصلاة والسلام أبو همّام قال سمعت محمد بن عثمان العمري -سفير، أحد السفراء الأربعة- قدس الله روحه يقول سمعت أبي -أبوه كان أيضا أحد السفراء- يقول سئل أبو محمد، الحسن بن علي عليه السلام -أي العسكري- وأنا عنده عن الخبر الذي رُي عن آبائه عليهم السلام أن الأرض لا تخلو من حجة لله على خلقه إلى يوم القيامة -هذا قانون. سنة من سنن الله عز وجل- وأن من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية، فقال عليه السلام إن هذا حقٌ، كما أن النهار حق.

أيشك أحدكم في أن ثمة نهارا، وثمة ليلا، لا، النهار موجود الليل موجود، لكن لأن السؤال كان في النهار، يقول كما ان النهار بيّن واضح، لكل من يعرفه، كذلك هذا القانون وهذه السنة الالهية، ثم يعرج الإمام على ذكر الإمام المهدي عليه أفضل الصلاة والسلام ويكذّب الوقّاتين، وأن لهذا الإمام غيبة سينتكس فيها كثير من الناس، لأن الامتحان في زمن الغيبة هو أن الناس مطلوب منهم ان يؤمنوا بهذا القانون، لكنهم لا يشاهدون الإمام، القانون لا ينتقض، الإمام موجود، يؤدي دوره، وعلى الناس ان يرتبطوا بهذا الامام من خلال القواعد والثوابت الشرعية التي ثبتت عندهم.

 مما يقوله أيضا الإمام صلوات الله وسلامه عليه، أن من سلوكيات المؤمن الذي يهتدي بالإمام وبإمامة الإمام ويستنير بنور الإمامة، يقول عليه السلام في نص آخر (قلب الأحمق في فمه وفم الحكيم في قلبه).

ثمة فئتان من الناس، هناك من يتكلم دون أن يتدبر في كلامه، لا في مبدأه ولا في وسطه ولا في منتهاه، المهم أن يتكلم، يثرثر، بما هب ودب من الكلام، سواء كان حقا أو باطلا، هذا نسميه في تعبير الإمام يقول (قلب الأحمق في فمه) لأن القلب هو مكان التفكير، ليس المقصود المضخة، يقول أن الاحمق قلبه في فمه، كل ما يخطر على باله، على فكره، يتكلم به، لا يتدبر كلامه، لا يحسن دراسة هذا الكلام أن هذا مما يليق النطق به في هذا المجلس أو في مجلس آخر، هذا هو التوقيت المناسب، هل الكلمة التي اختارها هي الكلمة الصحيحة أو ليست هي الصحيحة، المناسبة أو ليست هي المناسبة؟ أحمق، ليس من شأنه أن يفكر، ولا يليق بالمؤمن أن يكون أحمقا، بل اللائق بالمؤمن أن يكون من أهل الحكمة، التي لا تُستقى ولا توهب إلّا من الله سبحانه وتعالى، والحق سبحانه وتعالى يقول {يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ} الحكمة ليست شيئا نتعلمه، كثير من الناس يذهبون إلى المدارس والجامعات وحواضر العلم، لكن للأسف الشديد حمقى، أفتح التليفزيون شوف وسائل الإعلام، واقرأ ويكتب وأسمع ما يتكلم به المتكلمون، ألا يملأ هؤلاء الحمقى الأثير والفضاءات؟

كم أحمق يتكلم في الليل والنهار، في شؤون الدين وفي شؤون الدنيا، وما أكثرهم، وما أفسد الدنيا سابقا ولاحقا، إلّا أمثال هؤلاء الحمقى، الذين يحسنون الكلام ظاهرا، لكن كل ما يتكلمون به هو كلام أحمق من حمقى بتعبير الإمام صلوات الله وسلامه عليه، لكن يقول (وفم الحكيم في قلبه) الحكيم لا يسبقه فمُه قلبَه، وإنما قلبه يتدبر يتأمل في الكلام ثم يتكلم.

وفى نص ثاني له يقول عليه السلام، في ضمن حديث (الناس على طبقات) يصنف الإمامُ الناسَ حتى يريد أن ينتهي فيها إلى نتيجة، يقول ( المستبصر على سبيل نجاة متمسك بالحق متعلق بفرع الأصل غير شاك ولا مرتاب لا يجد -عن الإمام عليه السلام- ملجأ) لأنه حكيم ولأنه عاقل، ولأن الإمام منصوب من الله سبحانه وتعالى، مثل هذا الإنسان مستبصر، لا يشك ولا يرتاب في الحقائق التي تلقى إليه بعد أن تبيّن صوابها وصحتها ودقتها، فمثل هذا لا يفر عن الأنبياء ولا عن الأئمة الذين نصبهم الله سبحانه وتعالى، زين هذه فئة، الطبقة الثانية (وطبقة لم تأخذ الحق من أهله) لأن الحق لكي نتعرف عليه، له مفاتيح وله منابع، ما لم تمتلك المفاتيح المناسبة وتطرق وتدخل البيوت من أبوابها، لن تهتدي إلى الحق الصحيح، كثيرون عاصروا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وعاشوا في كنفه واستظلوا بظله، لكن لم ينجهم هذا أن ابتلوا بشيء من الفتن، هلك كثير ممن هلك، والروايات في هذا كثيرة، لا نريد أن نخوض فيها الآن.

 قال (وطبقة لم تأخذ الحق من أهله فهم كراكب البحر يموج عند موجه ويسكن عند سكونه) هذا مثل ريشة في مهب الريح، قال فلان أيده، قال فلان أيده، اختار فلان الرأي الفلاني، أيده، واختار الرأي الآخر، ولم تتغير الظروف، أيده، يعني يصفق له إذا مال يمينا ويصفق له إذا مال يسارا، مثل هؤلاء في عالم تيه، لم يلجأوا إلى ركن وثيق.

يقول [الإمام عليه السلام] (….يموج عند موجه ويسكن عند سكونه) لكن هؤلاء ليسوا بالضرورة أهل نية سيئة، بسطاء سذّج ولم يعزموا على أن يأخذوا الحق من أهله، ولم يطرقوا الأبواب الصحيحة والسليمة، ولذلك نقرأ في الزيارة عن أهل البيت، أنهم (الأدلاء على الله) انهم (أبواب الإيمان) يعني لا يمكن للإنسان يريد أن يقول المهم أن تؤمن بالله، لا، أن تؤمن بالله عبر الطرق التي حددها الله عز وجل، يقول سبحانه وتعالى {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ} لا يمكن أن تقول أنا أريد ان بنا، لكن ليس بالضرورة عن طريق محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله وسلم، لا، هذا لا يمكن.

في قوانين الله عز وجل وفي شرعه، في زمن موسى يجب أن تؤمن بموسى نبيا من عند الله، وفي زمن عيسى أن عيسى مرسل من عند الله، وفي زمن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن تؤمن به نبيا خاتما، ختم الله عز وجل به النبوات والرسل، دون هذا لا يمكن للإنسان أن يكون مؤمنا.

أما الطبقة الثالثة يقول [الإمام عليه السلام] (وطبقة استحوذ عليهم الشيطان شأنهم -لأنهم استحوذ عليهم الشيطان- شأنهم الرد على أهل الحق ودافع الحق بالباطل حسدا من عند أنفسهم) لا، هؤلاء اختاروا مسبقا أن يكونوا من أهل الباطل، ليسوا من أهل الحق ولا يطلبون الحق، لذلك يكون الحديث معهم، وعرض الأدلة عليهم شأنا عبثيا، لا قيمة له، ماذا يقول الله عز وجل عن مثل هذه الفئة {قلْ اللهَ ثم ذَرْهم} هؤلاء لا يجدي النقاش معهم ولا الحوار معهم، ولا عرض البينات عليهم، لأنهم ليسوا من طلاب الحق أصلا.

الإمام صلوات الله وسلامه عليه، واختم بذلك الحديث، يبيّن لنا في حادثة وقعت في زمنه عند واحد من المثقفين، فيلسوف معروف عند العرب ذاك الوقت يقال له إسحاق الكندي من الفلاسفة والمفكرين والعلماء، لكن نيته كانت نية حسنة، ظن أنه من خلال عقله وفلسفته يستطيع أن يصل إلى الحق، وقد اعتد بذاته، فلما قرأ القرآن الكريم، ولم يرجع في تفسير القرآن الكريم وتأويله إلى أهله، ظن ان في القرآن متناقضات، والله عز وجل قد امتحن الناس في القرآن الكريم بأن فيه محكما وفيه متشابها، حتى يضطر -هذا أحد وجوه الحكمة في إيداع المحكم والمتشابه معا في القرآن الكريم- حتى يضطر الناس إلى الرجوع إلى رسول الله في زمنه، فلا يقول أحد أنا أستطيع انا عربي، أنا أستطيع أن أفهم القرآن، لا يمكن، من دون الرجوع للقرآن الكريم للرسول، لا يمكن أن نفهم القرآن الكريم، وهكذا من بعده الذين أوصى النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأمر من الله، لأنه ما ينطق عن الهوى، {إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ } أوصى بعترته، وأشاد بأنهم مع الحق وأن الحق معهم وأنهم مع القرآن، وأن القرآن معهم وأنهما لن يفترقا حتى يرد عليَّ الحوض فواهم من يظن أن بإمكانه الرجوع إلى القرآن الكريم، دون الرجوع إلى سنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وإلى سنة آله عليهم أفضل الصلاة والسلام.

ولأن النص واضح يبين لنا ثلاثة أمور، حاجة الإنسان إذا أراد أن يكون من أهل النور وأن يستنير بنور الله ونور النبي ونور الأئمة عليهم أفضل الصلاة والسلام، يحتاج إلى وحي ويحتاج إلى عقل ويحتاج إلى تواضع، وهذا إشارة إلى الأخلاق الحسنة، الإنسان يحتاج إلى عوامل خارجية وعوامل داخلية.

في الرواية، أن إسحاق الكندي كان فيلسوف العراق في زمانه، أخذ في تأليف تناقض القرآن -موجود، الآن بعض الناس يقول لك أية تضاد آية، حديث يضاد حديث، ولا يملك أدوات تفكيك تفكيك لهذا النص، وتفسير النصوص القرآنية، حتى يدرك أن هذه الآية جاءت لهذا الغرض، والأية الأخرى جاءت تعالج الغرض الآخر- يقول، أخذ في في تأليف تناقض القرآن وشغل نفسه بذلك، وتفرد به في منزله -انكب يعني، تفرغ، تفرغ لهذا الغرض- وأن بعض تلامذته دخل يوما على الامام الحسن العسكري عليه السلام، فقال له أبو محمد عليه السلام، سمع الإمام [عن ذلك] (أما فيكم رجل رشيد يردع أستاذكم الكندي عمما أخذ فيه من تشاغله بالقرآن؟

لاحظ، ما نهاهم عن أن يتصلوا به أصلا، وإنما سجل ملاحظة على هذه المهمة الباطلة، (عما أخذ فيه من تشاغله بالقرآن) -أي تشاغله بجمع متناقضاته وليس تشاغله بالقرآن، لأنه حميد، فقال التلميذ نحن من تلامذته، كيف يجوز منا الاعتراض عليه؟ - يعني الأدب أن لا يعترض التلميذ على الأستاذ، مضافا إلى أن التلميذ معلوماته ومعارفه لا تضارع معارف وقدرات الأستاذ، وبالتالي نحن أعجز من أن نرد عليه- كيف يجوز من الاعتراض عليه في هذا أو في غيره، فقال له أبو محمد: أتؤدي إليه ما ألقيه إليك؟ -أنا سأعلمك سؤالا وأشكالا تحمله إليه، -قال نعم، قال فصر إليه وتلطف في مؤانسته، ومعونته على ما هو بسبيله - لا تفاجئه بأنك جئت لهذا، حتى تتولد لديه العصبية الجاهلية والكبرياء، كثير من الناس إلى جئته بهذه الطريقة، يرفض، وإنما تلطف، حتى يطمئن بأن غرضك حميد وقصدك حسن -قال نعم، قال فصر إليه، تلطف في مؤانسته ومعونته على ما هو بسبيله، فإذا وقعت الأَنسةُ في ذلك، فقل قد حضرتني مسألة -يعني تورية- أسألك عنها فإنه يستدعي ذلك منك -يعني يقول لك ما هي مسألتك- فقل له أن أتاك هذا المتكلم - أي المتكلم بالقرآن الكريم الذي تعتقد أن فيه متناقضات - هل يجوز أن يكون مراده بما تكلم منه -أي في القرآن- غير المعاني التي قد ظننتها -يعني أنت حملت القرآن الكريم على معنى هل تجزم بأن المعنى الذي وصلت إليه هو مقصود هذا الذي جاء بالقرآن الكريم سواء كان الذي جاء في القرآن الكريم هو الله سبحانه وتعالى أو أحد آخر انك ذهبت إليها- هل يجوز أن يكون مراده بما تكلم منه غير المعاني التي قد ظننت انك ذهبت إليها فانه سيقول لك إنه من الجائز -ثم يعلل الإمام- قال لأنه رجل -أي الكندي- لأنه رجل يفهم إذا سمع.

 يتدبر في الكلام، هذا كلام معقول، يعني كاحتمال، نعم، يمكن أن يكون المعنى الذي يريده المتكلم غير ما وصلت إليه- فإذا أوجب ذلك -يعني التزمه-فقل له فما يدريك لعله قد أراد غير الذي ذهبت أنت إليه -من التفسير- فيكون واضعا لغير معانيه -التي أنت توصلت إليها- فصار الرجل إلى الكندي وتلطف إلى أن القي عليه هذه المسألة، فقال له أعد عليّ -سؤال دقيق يعني أشكال دقيق والكندي ذكي وباحث عن الحق- فأعاد عليه، ففكر في نفسه ورأى ذلك محتملا في اللغة وسائغا في النظر -يعني اللغة تحتمل الوجهين والتفكير يحتمل ان ثمة احتمالين- فقال أقسمت عليك إلا أخبرتني من أين لك -هذا الإشكال منين جئت به- فقال انه شيء عرض بقلبي فأوردته عليك فقال كلا، ما مثلك من اهتدى إلى هذا ولا ممن بلغ هذه المنزلة -هذا الإشكال مو [ليس] من عندك، مع احترامنا لك قدراتك الفكرية والذهنية لا تسمح لك- فعرّفني من أين لك هذا، فقال أمرني به أبو محمد -وهو يعرف، الكندي يعرف أبو محمد يعني الإمام العسكري وأنه من آل البيت وأنه من الأئمة- فقال الآن جئت به -يعني الاشكال كان واضحا مو [ليس] من عندك وأشكال حق - وما كان ليخرج مثل هذا إلا من ذلك البيت، ثم انه دعا بالنار، واحرق جميع ما ألفه.

لأن الذي ألفه كان باطلا، لأنه لو كان مصرا على الباطل لما سمع الأشكال، ولا ما تفاعل معه، لكن من يوفق إلى مثل هذا؟ -هذه القصة انتهت- من يوفق إلى مثل هذا؟

الإنسان اللي قلبه سليم، لكن الذي في قلبه مرض لو ألقيت عليه ألف أشكال وأشكال سيراوغ ويناور، ويبحث عن أساليب للفرار عن هذه وتلك، وإنما يوفق إلى هذا طلاب التقوى بحق.

 نسأل الله عز وجل أن نكون وإياكم ممن يستمع القول فيتبع أحسنه.

 اللهم صل على محمد وآل محمد اللهم كن لوليك الحجة بن الحسن، صلواتك عليه وعلى آبائه، في هذه الساعة، وفي كل ساعة، وليّاً، وحافظاً، وقائداً، وناصراً، ودليلاً، وعيناً، حتى تسكنه أرضك طوعاً، وتمتعه فيها طويلاً.

اللهم انصر الإسلام والمسلمين، واخذل الكفار والمنافقين، اللهم اشف مرضانا، وارحم موتانا وأغن فقراءنا، وأصلح ما فسد من أمر ديننا ودنيانا، ولا تخرجنا من الدنيا حتى ترضا عنا يا كريم.

وصلى الله على محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين.