موقع السيد حسن النمر الموسوي

حديث الجمعة

جديد الموقع

 

نص الخطبة التي ألقاها سماحة العلّامة الحجة السيد حسن النمر الموسوي يوم الجمعة ٣ ربيع الثاني ١٤٣٩ هجري، في جامع الحمزة بن عبدالمطلب:

 

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

 بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد الخلق أشرف الأنبياء والمرسلين محمد بن عبد الله وعلى آله الطيبين الطاهرين

رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري يحمل عقدة من لساني يفقهوا قولي

عباد الله، أوصيكم ونفسي بتقوى الله

هذه التقوى التي أمرنا بها وأوصانا الله عز وجل أن نتواصى بها، تتسع لجميع مجالات الحياة، حياة الفرد وحياة الجماعة، ولا يستثني حقل من حقول النشاط الإنساني إلّا وفيه حالتان، حالة التحلي بالتقوى أو التخلي عنها، نعوذ بالله.

ومن هذه الحقول، العلاقات الاجتماعية، لذلك سأتحدث بشكل موجز جدا، عن مسألة السلم الاجتماعي وتنظيم علاقات الناس بعضهم ببعض، حتى لا يترتب أو حتى لا تتفكك هذه الشبكة الاجتماعية التي لا يستغني عنها الناس.

ما الذي نريده بالسلم الاجتماعي..؟

وهناك تعابير أخرى كالأمن الاجتماعي، السلم الأهلي، قد تستعمل في علاقات المجتمع بعضه ببعض، من جانب السياسي، وهذا لا أريد التحدث عن وإنما أتحدث عن العلاقات الاجتماعية.

كما أن هذا المصطلح لم يرد لا في الآيات الشريفة ولا في الروايات الواردة عن المعصومين عليهم أفضل الصلاة والسلام.

قد نجد تعابيرا أخرى، لكن الفكرة هي هذا الذي شرحته، كيف ننظم علاقات بعضنا ببعض، حتى لا يعتدي الواحد منا على حقوق الآخر، سواء كانت هذه الحقوق مادية أو معنوية، وسواء كان الآخر الذي نريد أن ننظم علاقاتنا معه، ممن يألفنا ونألفه أو ممن يخالفنا ونختلف معه؟

لكل هؤلاء حقوق مادية ومعنوية، لا يجوز لأحد أن يعتدي عليها، ولو اعتدى، فسيكون السلم الاجتماعي قد أصابه الشرخ والتصدع إلى أن ينفلت الزمام إلى حالة الاحتراب والحروب، كما نجده في مجتمعات كثيرة، سائلين الله عز وجل أن يحفظ مجتمعنا وبلادنا وسائر بلاد المسلمين، بل البشر أجمعين، من كل حالات التصدع وحالات الاحتراب.

هذا الموضوع متشعب جدا، لا يمكن أن يوفّى حقه في الحديث، في خطبة لا تتجاوز الخمسة عشر دقيقة أو العشرين دقيقة أول الأزيد من ذلك.

الأمر الآخر، هو أن هذا الموضوع مهم جدا وخطير جدا، مهم وخطير، لأن أحدا منا لا يمكن أن يعيش منفردا، كما أشير إلى ذلك، والتخلي عنه، التفكير فيه والاهتمام به يترتب عليه مخاطر كثيرة، لذلك سأذكر مداخل ثلاثة:

 المدخل الأول - هو أن الإنسان مدني بطبعه، كما يقال الإنسان لا يعيش وحده، ولو في الدائرة الضيقة التي هو فيها ويحتاج فيها إلى السلم الاجتماعي، كدائرة الأبوين والزوجة والأولاد، الإخوة والأخوات، أبناء العمومة، الأخوال، ليس هناك أحد وُلد من دون أب -في حياتنا- من دون أب ولا أم وليس له أقارب، كل الناس، ليس هناك أحد يعني من شجر نابت من شجرة، لك أم، لك أب، لك اخوة، لك اخوات، لك أقارب، قلوا أو كثروا، وبالتالي أنت بحاجة إلى أن تفقه السلم الاجتماعي، حتى في حدود هذه الدائرة، أما إذا كانت شبكة العلاقات عندك تتسع إلى ما هو أوسع من هذه الدائرة، فحاجتك أكثر لأن صنوف إدارة السلم الاجتماعي في الدائرة القريبة تختلف أحيانا، كثيرا أو قليلا، عن إدارة السلم الاجتماعي مع الدائرة الأوسع، ومع من تتفق معهم، الحال لن يكون مشابها لمن تختلف معهم، وهكذا.

 المدخل الثاني - هو أن الناس الذين تعيش معهم، سواء كانوا في الدائرة الأقرب أو في الدوائر الأبعد، ليسوا على مزاج واحد، وليسوا على فهم واحد، وإنما تختلف أمزجتهم، أفعالهم، ردود أفعالهم، وكذلك تختلف أفهامهم، ومن ثم ليس من حقك أن تتصرف تصرفات قد تكون هي وجيه في ذاتها، لكن بلحاظ أن الآخرين سيتعاملون معك على ضوئها، رفضا أو قبولا، لابد أن تلاحظ فهمهم وتلاحظ أمزجتهم، ولذلك شواهد كثيرة جدا.

 المدخل الثالث - هو أن هؤلاء الناس الذين يعيشون مع بعضهم، سواء كانوا أقارب أو أباعد، مصالحهم ليست متفقة، فما يوافقك قد لا يوافق زوجتك، وما يوافقك قد لا يوافق أباك، يوافقك قد لا يوافق والدتك أو اخوانك أو الأقارب الآخرين أو الأباعد عنك، حتى في مستوى التكييف الذي تشغله في الغرفة، هناك أزواج وزوجات لا يتفقون حتى على مستوى البرودة في الغرفة، لذلك يضطرون إلى أن يبيت أحدهم داخل الغرفة أو خارج الغرفة، لأن مزاجهما لا يتحمل، أحدهما يشترط برودة الغرفة بشكل كامل والآخر يشترط حرارة الغرفة بشكل كبير، مثل هذا المزاج، يفرض عليهما أن يعيشا في بيت واحد لكن في غرفتين، على مستوى المبيت -المنام-  أو غير ذلك.

فإذن، هذه المصالح التي تتعارض مع الناس، في الداخل والخارج في البيع والشراء، تفرض عليك أن تراعي مسألة السلم الاجتماعي.

 لذلك، هناك محوران أريد أن أشير إليهما، وقلت واكرر، المسألة متشعبة جدا، وإنما أريد أن أضع، أو أسلط ضوءا خافتا على هذه المسألة، إن احتجنا أن نوسع فيها لاحقا، نسأل الله عز وجل ذلك.

 المحور الأول:

ما الذي فعله الإسلام وثقافة الإسلام لما جاءت في أوساطنا، من أجل تنظيم مسألة السلم الاجتماعي؟ أخذت محورين أساسيين

 المحور الأول - محور التوجيه، ماذا نعني بالتوجيه ؟

أذكر لذلك عددا من الأمثلة، مثلا الله سبحانه وتعالى يلزمنا فيما يتعلق، أو يوجهنا بشكل واجب في بعض الأحيان ومستحب في بعض الأحيان، أن نلتزم القول السديد.

وقد تسأل: نحن نتحدث عن السلم الاجتماعي، وهو يتسع لمسألة أكثر من القول، الكتابة وهى مشمولة بالقول، لكن الناس لا يتفاهمون فيما بينهم فقط بالكلام ولا بالكتابة، بل حتى المصافحة، حتى المصافحة، الناس يوصلوا بعضهم إلى الآخرين، الرسائل الودية أول العدوانية من خلال المصافحة.

فرق كبير بين أن تصافح أحدا وتضغط على يده، وبين شخص آخر تصافحه ولا تضغط على يده، هو فهم الرسالة، فهم الرسالة، الأول يفهمها أنك توده، وانك تميل إليه، والآخر فهم ان عندك موقفا، سواء كان مبررا أو غير مبرر، أن العلاقة بينكما ليست على ما يرام.

يُروي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا صافح أحدا يضغط ولا يسحب يده إلا أن يكون الطرف الآخر هو الذي يسحب يده، السبب ما هو؟

رسالة نفسية روحية أخلاقية من دون الكلام، النظر حينما يقال لا تحد النظر، لا تنظر شزرا إلى أبويك، لماذا لا تنظر شزرا إلى أبويك؟

لأن هذه لغة، الإنسان يتفاهم مع الآخرين، وقد تثار الخلافات والاختلافات بل قد تصل إلى الحروب والسبب كلمة أو تصرف، قد يكون بسيطا عند بعض الناس، لكن الذين يفقهون السلم الاجتماعي يدركون هذا المعنى.

يقول الله عز وجل {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا}

سديد يعني صائب، يعني لا تخطئ في القول، هذا ماذا يلزمنا؟

يلزمنا أن نتعلم، ماهو القول السديد، وما هو القول الخطأ، وبالتالي، إذا أردت أن تتحدث مع آخر، إذا أردت أن تصيب في كلامك معه، لابد أن تحسن لغته {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ} واللسان هنا أوسع من مسألة اللغة التي نسميها اللغة العربية أو الإنجليزية أو غير ذلك من اللغات، بل بما يشمل الأعراف والتقاليد

لذلك إذا أردت أن ترسل أحدا -يقولون- وأرسل حكيما ولا توصه، لأن السفيه إذا أراد أن يتكلم يفسد أكثر مما يصلح، مع أن نيته قد تكون نية حسنة، لكن لأنه سفيه، ليس حكيما لا يحسن اختيار العبارات الجيدة، أو اليوم نوسعها، يمكن  نقول البروتوكول، ثمة أعراف وتقاليد بين الأفراد، كما هو الحال بين الدول، حينما يقال إن فلانا، الزعيم الفلاني لم يحسنوا استقباله.

كيف يحدد الناس أن الاستقبال كان حسنا أو ليس حسنا؟

والله أحيانا يقيسونه بالسجاد الأحمر، إنْ وضع له سجادا أحمرا، فهذا استقبال حسن، إنْ استقبل في المطار استقبال حسن، لم يستقبل في المطار، لم يستقبل استقبالا حسنا، هذا حتى على مستوى الأفراد، ثمة آداب إذا لم نراعها ولم نلتفت إليها، سيكون الكلام غير سديد، القول غير سديد، الفعل غير سديد.

فإذن، مطلوب منا أن نحرص على أن يكون القول، بمعناه الواسع سديدا.

الثاني: ليس المطلوب ان يكون القول سديدا فقط، وإنما مطلوب أن يكون حسنا.

حسنٌ، يعني أن تختار الصيغة الأفضل، في فعلك السديد، هذا الفعل سديد، وهذا الفعل سديد، لكن هذا أسدّ من هذا، وهذا أصوب من هذا، المفروض بالمؤمن أنه كيس فطن، لا يكتفي بالقول السديد، وإنما بالقول الحسن، بل بالقول الذي هو أحسن في بعض الأحيان.

يقول الله عز وجل {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا} لم يقل قولوا للمؤمنين، ولا قولوا للمسلمين، كل الناس، ينبغي أن يكون قولك لهم حسنا.

الله سبحانه وتعالى لما بعث رسوله وكليمه موسى وأخاه هارون، ماذا قال لهما لما وجّههما إلى أن يتحدثا إلى أعلى سلطة في زمنهما، على مستوى من كان يقول أنا ربكم الأعلى، قال لهما قولا له قولا لينا لأن القول اللين هو القول الحسن، أنت تريد أن تؤثر عليه، أما شخص تريد أن تؤثر عليه لكن تغلظ له في القول، سيصم آذانه، آذان روحه، لن يسمعك، لن يستوعب كلامك.

ولذلك، الإعلاميون الذين يحملون موقفا تجاه طرف معين، تجدون أنهم يتعمدون اختيار الألفاظ غير اللائقة، الألفاظ المشوِهة، حتى إذا ما سمعها المتلقي، يأخذ موقفا تبعا لهذه الكلمات، في حين أنه إذا لم يُرد تشويه هذه الجهة، يختارون التعبيرات، مثلا تجدهم الذين اتخذوا موقفا من (تنظيم داعش الإرهابي) يحرصون على أن يقولوا (داعش) لأن كلمة (داعش) صارت تساوي القبح والتشوه، لكن هناك جهات لا تزال تريد أن تقول (تنظيم الدولة) يعني هو لا يريد أن يستعمل ذاك التعبير الذي أصبح أيقونة للقبح، لأن له غرضا في أن لا يستعمل، فإذا سألته قال انا أريد أن التزم الأنظمة، الأنظمة تفرض عليّ نستعمل المصطلح لكنه في جهة أخرى، يعبر تعبيرا بالعكس، لا يراعي الأدب، كما يراعي هناك، فتكتشف أن ثمة رسالة.

يقول الله عز وجل إذن {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا} فإذا لم نعرف السداد ولم نعرف الحسن كيف سيحسن الإنسان التصرف؟ قد يقع في ما هو مخالف للسلم الاجتماعي، دون أن يلتفت.

 

الأمر الثالث: الدقة.

 ليست المسألة مطلوب سديد فقط، ولا حسن، وإنما مضافا إلى هذا وذاك، الدقة، وأحيانا يكون الكلام سديدا لكن ليس دقيقا، يعني كان ينبغي أن نختار هذا التعبير الذي هو أقرب، لإيصال الرسالة، يقول عز وجل مخاطبا المؤمنين في زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ونستوحي منه ما ينفعنا في هذا المجال {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انظُرْنَا} المسلمون كانوا يريدون من النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يترفق بهم، وأن يعطيهم مهلة، حتى يتيسر لهم تنفيذ ما يريده، وهناك تعبيران يمكن أن يؤديا هذا الغرض، راعنا أو انظرنا، انظرنا يعني أمهلنا، المسلمون كانوا يقولون راعنا، في حين أن كلمة انظرنا موجودة.

كلمة راعنا، كان اليهود يستفيدون منها استفادة سيئة، يسيئون استغلال وتوظيف كلمة راعنا، الله سبحانه وتعالى نهى المسلمين أن يستعملوا راعنا، مع أن معناها جميل، لكن التعبير ليس دقيق، والسبب هو أن عدوك قد يستخدم هذا التعبير للاساءة إليك.

مثلا كلمة (الرافضة) بعض الناس -يعني [بها] الشيعة- يقولون الرافضة، الرافضة تعبير ممكن يؤدي إلى أن كل شيء ترفضه، كل من يرفض شيئا، يصح أن نقول فلان رافض لكذا، لكن حينما يتحول هذا التعبير إلى تعبير نبز، هل يصح أن نستعمله؟ لا، عدوك يستعمله في حقك من أجل أن ينبزك، كما أنه لا يحب أن تسميه -لو اختلفت معه الناصبي- كلمة (ناصبي) أيضا معناها واسع.

الله سبحانه وتعالى يقول للنبي صلى الله عليه وآله وسلم {فإذا فرغت فانصب} يعني بعد الله استعمل كلمة فانصب، فيُسمي هذا الذي أٌمر بأنه ناصب؟لا،أصبح التعبير (ناصبي) ذا مدلول وحمولة سلبية، وكذلك الرافضي، لذلك إذا أردنا أن نحافظ على السلم الاجتماعي فيما بيننا، يخطئ من يُسمي الآخر وبالمناسبة إذا لم تتوفر فيه الشروط الشرعية للناصبي، أنا لا أريد ان أتحدث أن تعبير ناصبي لا يوجد في الفقه، الشيعة يستعملون كلمة ناصبي، في الفقه، والسنة يستعملون كلمة ناصبي، وله أحكام خاصة، هذا له أحكام خاصة يُتحدث عنه في محله، وكذلك الرافضة، لكن هل ينبغي أن نستعمل -إذا أردنا السلم الاجتماعي- ان نستعمل هذا التعبير وهذا التعبير؟ إنْ استعملنا التعبيرين، سنقوم بعملية تصنيف تضر في الأوساط الاجتماعية.

فإذن، ينبغي أن يكون الإنسان دقيقا في استعمال المصطلحات.

التوجيه الرابع:  المقبولية والألفة.

لا ينبغي للإنسان، إذا أراد أن يحقق السلم الاجتماعي وأن يراعيه، أن لا يستعمل التعابير المقبولة والمألوفة.

لاحظوا ماذا يقول الله عز وجل يقول {وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَّعْرُوفًا} السفيه هومن يقابل الحكيم، والسفيه ليست هي التصرف لمرة واحدة أو مرتين، وإنما هو الشخص الذي يغلب عليه أن لا يحسن التصرف في الأمور المالية، حكمه في الفقه أن يحجر عليه، يجعل عليه وصيا يدير أمواله ويحقق مصالحه، لكن هل من حقنا أن هذا الشخص الذي صنفناه فقهيا وشرعيا، بأنه من السفهاء، أن نغلظ له في القول، أن نسيء له في القول؟ لا، ينبغي أن نختار التعابير التي تهدئ من خاطره، ونلين القول له، وهو ما أراد الله عز وجل بوصفه هنا بالقول المعروف، يعني القول المعروف القول الذي يقبله الناس، مثل المعروف في مقابل المنكر، المعروف على الإطلاق هو الفعل الحسن، والمنكر هو الفعل السيء.

التوجيه الخامس: هذا لا يعني أن يكون الإنسان مائعا ومتفلتا من الالتزام بالحق، المهم أن نرضي الطرف الآخر..!

لا، ليس دائما انت ترضي الطرف الآخر، وإنما ينبغي أن يكون قولك سديدا  وحسنا ومعروفا وسليما ودقيقا، لكن في الوقت نفسه إذا توقف الأمر على مسألة الحق، لا تتنازل عن مبدأك كالحق في سبيل أن فلانا نريد أن يسترضيه، لا، لاحظوا التعبير القرآني ماذا يقول الله عز وجل يقول {فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ * وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ } المداهنة هنا المقصود منها المصانعة، يعني تنازل عن بعض ما عندك لنتنازل عن بعض ما عندنا..!

 إذا كانت المسألة تتعلق بحق صريح، مثل مسائل الاعتقاد والتوحيد والفقهيات والقانونيات، لا يحق للإنسان أن يتنازل عن حقه، من أجل أن الطرف الآخر نريد أن نسترضيه، خصوصا إذا كان متعجرفا ومعتديا، يعني مثلا:

 الصهاينة لما يأخذون فلسطين، لا ينبغي للإنسان أن يختار اللغة اللينة، حتى يسيء ذاك الطرف استعمال هذه الليونة ليسلب منك بعض حقك، الله سبحانه وتعالى ماذا يقول عن الكافرين  {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ} ثم يكرر، فإذا انت تحتاج إلى صلابة في الموقف، لكن في الإخراج، ينبغي أن يكون إخراجك إخراجا حسنا، حتى تمسك بالحق كما هو، وتراعي قدرات الآخرين، مزاج الآخرين، أفهام الآخرين.

المحور الثاني: التحذير.

الله سبحانه وتعالى لا يكتفي في القرآن الكريم والسنة المطهرة، على لسان النبي والائمة صلوات الله عليه وعليهم، بمسألة التوجيه، وإنما يحذرنا من أشياء كثيرة، أذكر منها بعضها، مثلا:

[الأول] - الله سبحانه وتعالى يحذرنا من عداوة الشيطان، الذي دوره في الوجود هو عملية -أصلا وجوده متنافر مع وجودك تماما- وجود الإنسان فطره الله عز وجل على حب الخير والاتجاه إلى الله عز وجل، أما الشيطان، ليست هذه هي طبيعة الشيطان، طبيعة الشيطان مختلفة تماما، هي طبيعة شريرة، ليست طبيعة خيرة مثل الإنسان، يمكن أن تنحرف.

لاحظوا ماذا يقول الله عز وجل محذرا إيانا من عمل الشيطان قال {وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ۚ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ} عداوة الشيطان مكشوفة، والبينونة بينكم وبينه واضحة، والشقة بينكم وبينه بعيدة، الهوة سحيقة بينكم وبينه.

كيف ينبغي أن نتعامل مع هذا الشيطان؟ أن لا نتبعه، بل ان نحذر منه حذرا شديدا.

ثم يفصح الله عز وجل في محطة ثانية، عن مخططات هذا الشيطان، الذي يفترض بنا أن نعرفه وأن نعرف ملامحه ومعالمه، التي فصّل القرآن الكريم فيها تفصيلا كبيرا نسأل الله عز وجل أن نوفق لاستعراض بعضها، مثلا:

مخططات الشيطان يصفها الله عز وجل بأنها في ذاتها قبيحة، طبيعة ما يصدر من الشيطان القبح، ماذا يقول عز وجل يقول {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ۚ وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ} ما يصدر من الشيطان من خطط وتوجيهات للبشر، تتمثل في هذين الأمرين، الفحشاء والمنكر، وهما مرتبتان من مراتب القبح الذي يصدر منه.

الأمر الثاني - الذي يصدر عن طبيعة المخططات الشيطانية، التحريش بين الناس -حتى يرتبط بالحديث الذي نريد أن نتحدث عنه في خصوص السلم الاجتماعي- ماذا يقول عز وجل {وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} هنا بعد تجاوز مسألة الحسن {يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ ۚ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا}.

ومن ثم أمرنا في حالات الغضب كيف ينبغي للإنسان أن يتصرف، يسكت إلى ان تهدأ ثورة الغضب عنده، حتى يحسن اختيار الكلمات المناسبة، وأن يبدل وضعه إن كان قائما يستحب له أن يجلس، إن  كان جالسا يستحب له أن يضطحع، المهم أن تتغير حالته، حتى لا يستولي عليه الشيطان، لأن الحدة شعبة من شعب الجنون.

نختم بما ورد عن الامام الصادق، عليه أفضل الصلاة والسلام، في كلمة من عيون الحكمة، يبيّن فيها كيف نحفظ على السلم الاجتماعي، في كل الدوائر التي أشرنا إليها، يقول عليه أفضل الصلاة والسلام (صلاح حالة التعايش والتعاشر ملئ مكيال ثلثاه فطنه وثلثه تغافل).

التعايش يعني معيشة الناس بعضهم ببعض، والتعاشر عشرتهم، اختلاطهم مع بعض، والانسان مدني بطبعه، هل يجب عليك ومسموح لك أن تفتح عينيك جدا على الناس، أو أذنيك فتسمع كل ما يقولون، تسجل الملاحظات على كل ما يفعلون، الناس ليسوا معصومين، الأخطاء تقع منهم، الخطايا تقع منهم، الاشتباهات تقع منهم.

الإمام عليه أفضل الصلاة والسلام يقول أنت تحتاج إلى أمرين اثنين:

 تحتاج إلى الفطنة والتغافل.

 فطنة تتيح لك أن تميز بين الخطأ المقصود وغير المقصود، التغافل يعينك على أن تتجاوز عن الأخطاء التي يمكن أن تتجاوز عنها، ثمة خطأ، حتى لو كان مقصودا {وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا} صحيح أن هذا صدر الكلام منه عن عمد، لكنه جاهل، ليس بمعنى صغر السن، وإنما بمعنى أنه شخص لا يليق بك كإنسان يحترم نفسه، أن تنزل إلى مستوى هذا الإنسان، الذي وصف أو يوصف بأنه جاهل، فتشاتمه أو تشتمه كما شتمك، تسبّه كما سبّك، لا، ينبغي للإنسان أن يتخلى عن الفطنة ولا عن التغافل (المؤمن كيس فطن).

نسأل الله عز وجل أن يعيننا وإياكم على حفظ السلم الاجتماعي، وكلنا يجب أن نساهم في حفظ السلم الاجتماعي، الذي قد يحفظه البسطاء من الناس بتدينهم وبنياتهم الحسنة، ولا يحسن التعامل معهم من يصنفون بأنهم من أهل العلم والمعرفة والثقافة والوجاهة والشهرة.

 نسأل الله عز وجل يعيننا وإياكم على أنفسنا بما أعان به الصالحين على أنفسهم، وأن يحفظ جميع المؤمنين والمسلمين من كل ما يسيء لهم في الدنيا والآخرة.

اللهم صل على محمد وآل محمد، اللهم كن لوليك الحجة بن الحسن، صلواتك عليه وعلى آبائه، في هذه الساعة، وفي كل ساعة، وليّاً، وحافظاً، وقائداً، وناصراً، ودليلاً، وعيناً، حتى تسكنه أرضك طوعاً، وتمتعه فيها طويلاً.

اللهم انصر الإسلام والمسلمين، واخذل الكفار والمنافقين، اللهم اشف مرضانا، وارحم موتانا وأغن فقراءنا، وأصلح ما فسد من أمر ديننا ودنيانا، ولا تخرجنا من الدنيا حتى ترضا عنا يا كريم.

وصلى الله على محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين.