موقع السيد حسن النمر الموسوي

حديث الجمعة

جديد الموقع

 

نص الخطبة التي ألقاها سماحة العلّامة الحجة السيد حسن النمر الموسوي يوم الجمعة ١٧ ربيع الثاني ١٤٣٩ هجري، في جامع الحمزة بن عبدالمطلب:

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

 بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد الخلق أشرف الأنبياء والمرسلين محمد بن عبد الله وعلى آله الطيبين الطاهرين

 رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي

 عباد الله، أوصيكم ونفسي بتقوى الله.

 إنما بعث الله سبحانه وتعالى الأنبياء والرسل، من أول الخليقة إلى أن ختمهم بأفضلهم وسيدهم محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله وسلم، من أجل أن يكون هذا الإنسان ربانيا، ولا يكون هذا الإنسان ربانيا، إلا أن تكون تلك الشرائع تعمل على خطين اثنين، على أن تنظم أفعال الإنسان وتروكه، يعني ما الذي ينبغي له أن يفعله وأن يتحلى به، وما الذي ينبغي أو يجب عليه أن يدعه ويتخلى عنه، على مستوى تفكيره، على مستوى مشاعره على مستوى أفعاله في جوارحه، في الدوائر القريبة منه والدوائر البعيدة عنه.

ولذلك لا ينبغي للإنسان أن يظن أنه بالإمكان أن ينقطع أو يقطع صلته بالمحيط الذي هو فيه، الإنسان كائن فاعل ومنفعل، مادام موجودا على هذه الدنيا، وفي هذه الأرض وفي هذا المحيط الاجتماعي، فإن كل خير يصب في مصلحة الأرض والدنيا والناس يرجع عليه بالفائدة، وكل ضرر يصيب ما هو في الخارج، لا يمكن للإنسان أن يقطع صلته به ويدّعي أنه لا يتأثر به بشكل أو بآخر.

بهذه المناسبة حديثي سيكون عن ضرورة التكافل الاجتماعي، ضمن عدد من الوقفات انطلاقا من أربعة أصول:

 الأصل الأول - سنة الابتلاء

 الله سبحانه وتعالى خلق الناس على هذه الأرض ممتحنا لهم ومبتليا إياهم، والامتحان والابتلاء لا يصدر ممن لا يحبك فقط، بل هو أكثر صدورا ممن يحبك، لأن من يحبك والله عز وجل هو أول من يحبنا وأفضل من يحبنا.

 يبتلينا بالوجدان تارة، أن يملّكنا شيئا يهبنا أشياءا، ويبتلينا بالفقدان والحرمان، تارة أخرى، وقد جاء في هذا الباب آيات كثيرة وأخبار تخرج عن حد الإحصاء.

 يقول الله عز وجل في سورة العنكبوت {بسم الله الرحمن الرحيم ألم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ(٣)} الفتنة تعني الابتلاء، تعني الامتحان والاختبار، تعني أن الله عز وجل يهبك نعمةً من النعم، ثم يريد أن يعرّف نفسك ويعرّف الآخرين، لا أن يعرف هو، فالله عز وجل لا تخفى عليه خافية، لكن يعلم، أن يضع عليك العلامة والشعار، ليقال -حينما تحاسب بين يدي الله عز وجل- إن فلانا نجح وهذه علامة نجاحه وإن فلانا الآخر أخفق وهذه علامة اخفاقه، وإلا فإن الله عز وجل لا يمتحن من أجل أن يعرف، نحن نفعل ذلك، أما الله سبحانه وتعالى عالم الغيب والشهادة لا يفعل هذا، من هذا الباب.

 فإذن، الابتلاء والفتنة والامتحان في مجالات متعددة في مسارات كثيرة، لا يمكن للإنسان أن يسأل الله عز وجل أن لا يمتحنه، لا، الامتحان سنة قائمة، يمتحن الصالحون، كما يمتحن [غير] الصالحين.

 الأصل الثاني: قانون الأخوّة.

 الله سبحانه وتعالى خلق البشر وأراد منهم أن يكون الواحد منهم يشعر بالأخوة بينه وبين الآخرين، لكن هذه الأخوّة تضعف وتشتد، تضعف بينك وبين البشر، يعني كل الناس إخوان لك، في حدود الإنسانية فاستشعار الاخوة أمر مهم.

 الأصل الثالث- قانون التعاون.

 الله سبحانه وتعالى كلّفنا وألزمنا بأن يعين بعضنا بعضا، والناس لابد لهم أن يتعاونوا، أي أن الناس ما داموا لا يعيشون في جزر منفصلة، لا يستغني أحدهم عن الآخر -من حيث العموم- أنت تحتاج إلى هذا، وذاك إلى هذا، الحياة الاجتماعية أصلا لا تقوم إلا أن يتبادل الناس الخدمات فيما بينهم، ماذا ما نسميه تعاون، لكن هذا التعاون تارة يأخذ عنوانا حسنا فسميه التعاون على الخير على البر والتقوى، وفي تارات أو في أحيان أخرى، قد يأخذ شكلا غير حميد، ونسميه التعاون على الإثم، الله سبحانه وتعالى يقول { وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} مادام هناك تعاون وأنتم ستقومون فيما بينكم، بأن يعين بعضكم بعضا، اختاروا الإطار الذي يجعل معاونة بعضكم لبعض، في هذا الباب.

 القانون، الأصل الرابع- وهو الذي سيكون الإطار العام لحديثنا- قانون الإنفاق.

 يعني كيف نعبّر، أو كيف ابتلانا الله عز وجل -كما ذكرنا، تارة بالوجدان والفقدان- إذا وجد الإنسان نعمة من النعم، ما المطلوب منه؟ أن يشكر الله سبحانه وتعالى، وإذا فقد نعمة من النعم ما هو المطلوب منه؟ أن يصبر، فبين الشكر الصبر يدور أحوال الناس، بل أحوال الفرد، الواحد الفرد الواحد مطلوب منه أن يكون شاكرا وأن يكون صابرا، كما أن أمره يدور بين الرجاء والخوف، وهذان يعبران بشكل أو بآخر عن هاتين القيمتين، مطلوب من الإنسان أن يحسن التعامل مع الابتلاء، وأن يعبّر في علاقته مع الآخرين، أو يستشعر معهم و تجاههم روح الاخوّة، ليندفع بعد هذا الاستشعار أن يعينهم فيما إذا حلت بهم النكبة، إذا حلت بهم مصيبة، إذا ما ما وقعوا في محنة لا يمكن لهم ان يقفوا على أقدامهم، إلّا أن يقف إلى جانبهم إخوانهم بالعون.

كيف نعبّر عن هذه الأخوة؟ بقانون الإنفاق، وقد مدح الله عز وجل المؤمنين بأنهم { وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ} من يجد مالا فلينفق بالمال، قل أو كثر، النبي صلى الله عليه وآله وسلم حينما خطب الناس تلك الخطبة المعروفة ليستقبل بها شهر رمضان قال (اتقوا النار) وبعضهم وقف وسأل النبي لا نملك شيئا من المال قال (اتقوا النار ولو بشق تمرة) حتى هذا المقدار القليل الذي قد لا يجد الإنسان غيره لا ينبغي له أن يقصّر في تقديم العون للآخرين، لأن اللحمة الاجتماعية والحس الاجتماعي وقوة المجتمع لا تحصل إذا شعر كل واحد منا أن الآخرين لن يقفوا إلى جانبه لو حلت به مصيبة. الإنفاق في سبيل الله، آيات كثيرة جدا، تحدثت عنه وعن دواعيه وعن أسبابه، وعن ثمراته، لا أستطيع أن أقف عند كل الآيات، اختار بعض هذه الآيات.

الإنفاق، ومناسبة حديثي هو هذا البرنامج الذي تقوم عليه جمعية سيهات للخدمات الاجتماعية، والتي أعلن عنها في العام الماضي، ولا يزال الحاجة ماسة وقائمة، وقد خصصنا، كما أعلنا في الأسبوع الماضي، أعلنا أن صدقات هذه الأسابيع الأربعة، ستصب في خدمة هذا البرنامج، الذي هو كان داعي الحديث عن التكافل الاجتماعي، ثمة عدد من إخوانكم وأبناء مجتمعكم، حل بهم العوز، نتيجة ما حصل العام الماضي، من أمطار شديدة، وهم أصحاب مسكنة، أصحاب حاجة، يحتاجون، أن يساندهم إخوانهم المؤمنون، نحن جميعا نسأل الله عز وجل أن ينطبق علينا هذا العنوان و نساهم بمقدار ما نستطيع في هذا الباب، التفاصيل قد تعلن من قبل الجمعية، هذا هو الداعي الذي نسأل الله عز وجل أن لا يحرمنا وإياكم المشاركة في هذا السبيل، سواءا عبر المسجد أو مباشرة عبر التعامل مع الجمعية في حساباتهم البنكية أو غير ذلك.

[أولا] - الإنفاق في سبيل الله سبب للنجاة من الهلكة، والهلاك أنواع سواء كانت هلكة في عالم الدنيا في عالم الآخرة.

كيف يدفع الإنسان عن نفسه الهلاك و يستجلب النجاة من الله سبحانه وتعالى؟

واحد من تلك الأسباب أن ينفق في سبيل الله، لأن الإنسان إذا تعالى على نفسه وعلى أنانيته سيكون الله عز وجل أكرم منه، بهذه النصوص التي جاءت يكون الله عز وجل أكرم منه، فيبادله الخير الذي قدمه، بخير هو أضعاف أضعاف ما تقدم منه، يقول الله عز وجل في سورة البقرة {وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} سبيل الله عنوان عام، يصدق على كل وجوه الخير، سواء كانت معونة ضعيف، فقير، محتاج، مسكين، أشكالها كثيرة جدا، كما تعرفون {وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ۛ وَأَحْسِنُوا ۛ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} لاحظوا السياق، النهي عن إلقاء النفس والأيدي في التهلكة، كناية عن أن الإنسان إذا لم ينفق، أين جاءت؟ {لَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} يعني لا تبخلوا أيها الناس عن الإنفاق في سبيل الله، فإن من يفعل ذلك يلقي بنفسه في التهلكة {وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ۛ وَأَحْسِنُوا ۛ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}.

كيف يحسن الإنسان؟

 يعني له الحق ان يبحث عن أفضل سبل الخير، أفضل وجوه سبيل الله، أكثر الناس أمانة في هذا الباب، ولا نزكي على الله أحدا، لكن نعرف أبنائنا واخواننا في الجمعية، هم جماعة من الصالحين والثقاة والمعتمدين، الأمور شفافة عندهم إلى أعلى درجة، ينبغي لنا أن نختار مثل هذه الطرق وأشباه هذه الطرق، حتى نقدم العون إلى من يستحقون العون.

ثانيا - الإنفاق له في ثقافة الإسلام أجر كبير.

 فإن الله عز وجل يقول كما في سورة الحديد {آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ ۖ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَأَنفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ} الآية تأمر بالإنفاق أولا ثم تنبه إلى أن الله عز وجل لما أمرنا بالإنفاق، لم يأمرنا بالإنفاق مما نملكه ذاتيا، وإنما ما جعله الله عز وجل أمانة عندنا، واستخلفنا عليه، أي أننا خلفاء الله سبحانه وتعالى على كل ما آتانا، كيف ينبغي للإنسان أن يستعمل ما استخلفه الله عليه؟

مثل ما الله سبحانه وتعالى رحمن رحيم بالناس، يعطي من يستحقون، وفي كثير من الأحيان حتى من لا يستحقون، الله سبحانه وتعالى يعطيهم يجحدون الله ومع ذلك يد الله سبحانه وتعالى عُليا عليهم، عل وعسى أن يكون هذا الذي ينفق عليه ويستشعر رحمة الله، في يوم من الأيام تهديه النوائب والمصائب، إلى أن يرجع إلى الله سبحانه وتعالى.

 ثالثا - الإنفاق سبب من أسباب الصلاح والإصلاح

 يعني الإنسان يصلح نفسه بالإنفاق، لأن الإنسان حينما يتصدق وينفق، يدفع عن نفسه معانٍ يبتلى بها كثير من الناس، من أبرزها الشح والبخل، حب الإنسان للمال يدفع به إلى أن يكون شحيحا، بخيلا، جشعا، محبا للدنيا، جبانا، إلى غير ذلك من اللوازم التي قد يقع فيها.

 كيف يحرر الإنسان نفسه؟

أحد وجوه تحرير الإنسان من هذه القيم السلبية وهذه العادات السلبية، أن يجعل من نفسه للآخرين من نفسه نصيبا، على مستوى لسانه، وعلى مستوى يديه، وعلى مستوى عطائه، يعني إن كان معلما يعلّم، إن كان صاحب مالا ينفق من المال، إن كان صاحب وجاهة يشفع للآخرين، إلى غير ذلك من نعم الله عز وجل، التي هي عندنا مما لا يعد ولا تحصى.

يقول عز وجل {وَأَنْفِقُوا} كما في سورة المنافقون {وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ} أمهلوني شيئا قليلا من الزمن، حتى استدرك ما فات، يأتيهم الجواب من الله عز وجل، المهلة انتهت ليس هناك مهلة، ولذلك جُعلت الدنيا مزرعة للآخرة.

أخيرا - نستفيد مما جاء فيما تواتر من الفريقين، ما الذي حصل لما تصدق أمير المؤمنين عليه أفضل الصلاة والسلام بخاتمه وهو راكع؟

جُعل ذلك مناسبة للتعريف الرسمي، بولاية علي عليه أفضل الصلاة والسلام على الناس بعد رسول الله.

 الطبراني في معجمه الأوسط وابن مردويه عن عمار بن ياسر يرويان قال -أي عمار- وقف بعلي -عليه السلام- وقف بعلي سائل وهو راكع في صلاة تطوع -طبعا الرواية والحادثة رويت بألفاظ كثيرة، هذا اللفظ الذي يرويه السيوطي في الدر المنثور عن الطبرآني وابن مردويه- فنزع خاتمه فأعطاه السائل، فأتى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأعلمه ذلك، فنزلت على النبي صلى الله عليه وآله وسلم -إضافة هذه مني- هذه الآية {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ} فقرأ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على أصحابه -أي أقرأ الآية- ثم قال من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم والاه وعاد من عاداه.

جعلنا الله وإياكم من أوليائه صلوات الله وسلامه عليه، الشاهد في هذه الآية ما هي؟

حرف الفاء، تصدق علي، فنزع الخاتم، فرجع هذا السائل إلى رسول الله، فقال رسول الله، فأنزل الله عز وجل الآية، كان الآية تريد أو كان هذه الرواية تريد أن تقول إن كل هذه المتواليات حصلت ببركة هذه الصدقة، وهذا التصدق من علي عليه أفضل الصلاة والسلام في هذه الحال.

 نسأل الله عز وجل أن نكون وإياكم ممن يستمع القول فيتبعون أحسنه.

اللهم صل على محمد وآل محمد، اللهم كن لوليك الحجة بن الحسن، صلواتك عليه وعلى آبائه، في هذه الساعة، وفي كل ساعة، وليّاً، وحافظاً، وقائداً، وناصراً، ودليلاً، وعيناً، حتى تسكنه أرضك طوعاً، وتمتعه فيها طويلاً.

اللهم انصر الإسلام والمسلمين، واخذل الكفار والمنافقين، اللهم اشف مرضانا، وارحم موتانا وأغن فقراءنا، وأصلح ما فسد من أمر ديننا ودنيانا، ولا تخرجنا من الدنيا حتى ترضا عنا يا كريم.

وصلى الله على محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين.