موقع السيد حسن النمر الموسوي

حديث الجمعة

جديد الموقع

نص الخطبة التي ألقاها سماحة العلّامة الحجة السيد حسن النمر الموسوي يوم الجمعة ١٦ جمادى الأولى ١٤٣٩ هجري، في جامع الحمزة بن عبدالمطلب

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

 بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد الخلق أشرف الأنبياء والمرسلين محمد بن عبد الله وعلى آله الطيبين الطاهرين رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري يحمل عقدة من لساني يفقهوا قولي.

عباد الله، أوصيكم ونفسي بتقوى الله.

 تقوى الله، هذا المفهوم الشامل الذي جاء التأكيد عليه بشكل مستفيض جدا، في الكتاب الكريم والسنة المطهرة المروية عن النبي، وعن آله صلوات الله وسلامه عليه، والتي تعني باختصار شديد، أن ينحاز الإنسان إلى ربه وإلى مشيئة الله عز وجل وإرادته على حساب أي شيء آخر، فيما يفعل، فيما يقول، فيما يترك، فيما يحب، فيما يكره، لأن الإنسان ابتلاه الله عز وجل في الدنيا، بأن ثمة رغبات أخرى وإرادات أخرى وأوامر أخرى، وهذا العالم، أي الدنيا، هو عالم التضاد، ليس عالما يمكن أن يجمع الإنسان فيه بين الدنيا بالمطلق، وبين السير إلى الله سبحانه وتعالى بالمطلق، فما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه.

والمقصود من أن الله عز وجل لم يجعل لرجل، أي لإنسان، ليس المقصود الرجل الرجل، لا، القصود كل الناس، إن الله عز وجل لم يجعل له قلبين، أي إليه لم يجعل له قدرة على أن يميل هذين الميلين، أما أن يميل إلى الله، فسيكون على حساب الدنيا بالمعنى الذي سنصل إلى تفسيره إنشاء الله، أو إلى الدنيا على حساب الله عز وجل.

 ما هي الدنيا التي جاء النص الشرعي في القرآن الكريم والسنة المطهرة، في نهي الناس عن أن يميلوا إليها..؟

سنصل إن شاء الله، إلى ذلك في تضاعيف الحديث، الذي سيأخذ أكثر من محطة في هذه الجمعة، وفي جمعات أخرى، نسأل الله لنا ولكم التوفيق والسداد.

لكن من باب المدخل، كيف نستهدي إلى هذا المعنى؟

رُؤي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أنه أوتي جوامع الكلم، وجوامع الكلام هي تلك الكلمات المختصرة المركزة، التي تتضمن وتختزن وتكتنز المضامين العالية والغالية، في كلام موجز جدا، لا يتأتى ولا يتيسر لغيره صلى الله عليه وآله وسلم أن يفعل ذلك، وهذا أحد معاني أنا أفصح من نطق بالضاد، الفصاحة قد يراد بها كيفية نطق الحروف والكلمات، وقد يراد بها أوسع من هذا المعنى، حتى لا نقف عند حدود المصطلح الذي تبناه البلاغيون في علم البلاغة .

 كما أن البلاغة أيضا، لها تعريف خاص في علم البلاغة، وهناك تعريف عام، الله سبحانه وتعالى يصف القرآن الكريم بأنه {بلاغٌ للناس} بلاغ يعني بيان بالغ إلى الناس من جهة الله عز وجل، في قوس النزول، ما نزل من الله عز وجل إلى الناس قامت به الحجة عليهم، ليس لأحد بعد أن أنزل الله عز وجل، هذا الكتاب الكريم أن يحتج على الله سبحانه وتعالى، بأنه لم يكن يدرك، لم يكن يعرف سيُحتج عليه بأن الله عز وجل أنزل كتابا فيه تبيان كل شيء، وبالتالي لابد للناس أن يحسنوا التفاعل { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ} هذا من جهة، الله من جهة الإنسان يستطيع الإنسان أن يهتدي ويستند إلى القرآن الكريم، ليصل إلى الله عز وجل الوصول المطلوب.

طبعا الوصول إلى الله سبحانه وتعالى المطلوب، لا يعني أن يغلق الإنسان على نفسه داره، فيزهد في الدنيا بكل معانيها، ليس هذا هو الزهد المطلوب.

الزهد كما قيل هو أن لا يملكك كل شيء، لا أن لا تملك شيئا، الأنبياء والرسل والاولياء عبر التاريخ، كثيرون منهم كانوا فقراء، لكن كانوا فقراء باختيارهم، لم يكونوا فقراء لأنهم لم يعملوا ولم يحرثوا ولم يتّجروا، وإنما كانوا أو كانوا ينأون بأنفسهم عن اكتناز المال، حتى يعدوا عند الناس من أهل الثراء..!

مثل هذا التصنيف لا قيمة له عندهم، الدونيا بما فيها في مفهومهم { مَتَاعٌ قَلِيلٌ} كل الدنيا هي محطة صغيرة لا تكاد تذكر، من زمن آدم إلى الآن هناك تقديرات مختلفة، كم هو عمر الدنيا من أبينا آدم، أب هذه المجموعة البشرية إلى الآن؟ خمسة عشر ألف سنة عشرين ألف سنة، أقصى التقادير مئة وعشرين ألف سنة..!

مئة وعشرين ألف سنة في عمر الدنيا، التي يعرفها أهل الجيولوجيا والبحث، ملايين من السنين، إن لم نقل مليارات من السنين هذه الدنيا.

فإذن، هذا الإنسان من آدم إلى أن يقضي الله عز وجل على هذه المجموعة البشرية، ليست إلا نقطة في مدة زمنية طويلة جدا، ليست شيئا.

فإذن الدنيا وما فيها، ليست شيئا يستحق أن يتنافس عليه الناس، على حساب ما سبق وعلى حساب ما سيأتي.

 مما أوتيه النبي صلى الله عليه وآله وسلم (جوامع الكلم) سنقف عند مقطع واحد من المقاطع التي رُويت عنه صلى الله عليه وآله وسلم، يصح أن نصفها بأنها من جوامع الكلم، أقف عند المدخل لنؤجل الحديث بتمامه في أحاديث لاحقة.

يُروى، كما يروي ذلك شعبة الحرّاني في كتابه (تحف العقول) كتاب تحف العقول من من غرر الكتب، صنفه علي ما رُوي عن رسول الله، ثم ما رُوي عن أمير المؤمنين، وهكذا سائر الأئمة عليهم أفضل الصلاة والسلام، مع ملحق رُوي عن غيرهم، صلوات الله وسلامه عليهم، كلمات طويلة ثم كلمات قصيرة.

ورد في هذا الكتاب، وقد نقله عما هو مشهور كما يذكر في مقدمة هذا الكتاب، يقول: (وقال له ورجل أوصني -أي للنبي صلى الله عليه وآله- أوصني بشيء ينفعني الله به) فقط عند هذا المقطع، بقية الكلام نذكره لاحقا ان شاء الله.

لاحظوا أولا لم يُذكر من هو هذا الرجل، هل يصح أن ننقل نحن كلاما عن ناس تحدثوا فيما بينهم، ألا يجب علينا أن نقول قال فلان لفلان أوصني؟ ألا يلزمنا أن نقول من هو المستوصي ونحن بصدد الحديث عن الرسول..؟

هذا يعتمد على تقدير الراوي وعلى أهمية ذكر المستوصي، هناك وصايا قد تكون خاصة، يعني لو أن فلانا من الناس كان يعاني مشكلة خاصة جدا، وذهب إلى حكيم من الحكماء، عالم من العلماء وصي من الأوصياء، نبي من الأنبياء، وأراد ان يعالج له مشكلته الخاصة، قد لا يليق بنا أن نذكر السؤال ولا الجواب، لان هذه قضية شخصية بحته، وقد لا يتفوه المستوصى بجوابه في محفل عام، يختلي به في مكان خاص، ليعالج هذه المشكلة الخاصة، وقد يفعل ذلك في العلن، لكن تبقى هذه المسألة خاصة، محكومة بمكانها، محكومة بزمانها.

لذلك قد لا يصح أن ننقل، ولعل هذا أحد وجوه (المجالس بالأمانات) المجالس بالأمانات يدور بين الناس أحيانا أحاديث بين فلان وفلان، وفلانة وفلان، هل يصح أن ننقل كل ما يدور في المجالس؟ لا، ليس دائما يصح أن تنقل تقول أنا سمعتُه، وإن كنت سمعتَه، لكن، قد يكون هناك خصوصيات في هذا الكلام الذي دار في هذا المجلس أو ذاك، يلزمنا معها -أي مع هذه الخصوصيات- أن نحافظ على خصوصية الكلام، فلا ينقل مثل هذا الكلام، ولذلك إذا أراد أحد أن يسجل، إذا أراد أحد أن يوثق ويصور كلاما معينا، إلا يجدر بنا ان نستأذن ممن نريد أن نسجله، ممن نريد أن نوثق كلامه؟

قد يختلف كلامه، فيما إذا كان في محفل خاص، عن كلامه فيما إذا كان في محفل عام، يمكن فيما إذا كان يريد أن يوجه كلاما للعموم، يلتزم بطريقة معينة في الأداء، بلباس معين، لكن إذا كان كلاما في محفل الخاص لا يلتزم بشيء من ذلك، وهذا دارج ومعروف، وبالتالي هذا أحد الوجوه، وأحيانا لا، قد يكون خصوصيات الكلام الذي دار بين فلان وفلان، أو فلانة وفلان، ليس مما يجدر أن يُنقل، لأن هذا الكلام يعني فئة خاصة وشريحة خاصة وسن معين، لا يصح أن ننقله على الملأ..!

للأسف الشديد، اليوم نواجه مع وسائل التواصل الاجتماعي، أصبح كثير من الناس يسجلون كل شيء، ويبثون كل شيء، هناك خصوصيات لك في منزلك، ترتبط بك وبأهلك و بأختك وبإخوانك وبأولادك، وبخصوصياتك الداخلية، لا يجدر بك أن تفتح هذه الخصوصيات لكل من هب ودب من الناس، قد يُسجل ذلك عليك بطريقة أو بأخرى، يستغلها المستغلون ذوو النيات السيئة أو يروجها أصحاب النوايا البسيطة ذوي الفهم المتوسط بل المتدني، ويستغلها أعداء لك أو لفلان أو لفلان من الناس، وبالتالي يجب أن تراعى مثل هذه الخصوصيات.

هل هناك ضرورة أن نعرف من هذا الذي سأل النبي صلى الله عليه وآله وسلم (وقال له رجل) لما لم يسمى؟

قد يكون الرُواة وجدوا انه ليس هناك ضرورة لأن نعرف هذا الرجل، مادام الكلام الذي قيل له يصلح له ويصلح لغيره، ليس ثمة ضرورة، نعم، لو أننا عرفنا هذا الرجل، لعلنا استطعنا أن نعرف لماذا ذكر النبي صلى الله عليه وآله وسلم هذه الأشياء بالخصوص، ولم يذكر شيئا غيرها، يعني أن أحدا من الناس لو راجع هذا الفلان يعني المريض يراجع الطبيب المعين، ليس بالضرورة هذه الوصفة العلاجية التي صدرت من هذا الطبيب لهذا المريض تصلح لكل مريض، وإن شابهت حالُه حال هذا المريض، لأن ثمة خصوصيات في هذا الإنسان المريض، أما لعمره، لسنّه لسابقة مرضه، لشدة مرضه، تستدعي أن يُضاف دواء أو يُنقص دواء ما، وبالتالي ليست هذه الوصفة صالحة، ولذلك في المثل الشعبي يقولون (اربط صبعك، والكل يصف لك دواء) يعني الناس يتبرعون أحيانا ويصفون لكل الناس أوصافا معينة لا تسمح بالضرورة، صحيح أن إصبعك مجروح، لكن فلان سيقترح عليك، ما وجد أنه مناسب، لكنه كان مناسبا له، وليس بالضرورة يناسبك أنت، وفلان سينصحك بما ناسبه هو وليس بالضرورة يناسب هذا، وهكذا، وبالتالي يجب أن تلاحظ خصوصيات المتكلم وخصوصيات السائل.

فهذا الرجل لو عرفناه، لعلنا نعرف أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذكر له هذا لخصوصية فيه، مثلا يُروى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن رجلا استوصاه، قال أوصني يا رسول الله قال: لا تغضب، ولم يقل له شيئا آخرا.

 لو أن أحدا من بعيد نظر إلى هذا المشهد، قد يتصور أن الإسلام لا يوصى إلّا بأن لا نغضب فقط، ليس هذا صحيحا، النبي صلى الله عليه وآله وسلم، لعله شخّص أن هذا الإنسان الكبرى، محنته العظمى هي انه غضوب، فيجب ان تستأصل هذه الحالة منه أولا، لينتقل معه إلى علاجات لأمراض أخرى، أو أن علاج هذه المشكلة سيفتح له باب علاجات أخرى، مع مرور الزمن أو غير ذلك، فقال له لا تغضب، هذا الرجل ذهب، خرج من المسجد، كأنه استقل ما قاله له النبي صلى الله عليه وآله وسلم -ليست هذه الوصية، لكن هذه بالمناسبة- فرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وآله قال أوصني يا رسول الله، النبي صلى الله عليه وآله وسلم، كرر له الوصية نفسها، لا تغضب، قنع هذا، لما ذهب عند باب المسجد أيضا، كأنه استقل، يعني قال لا تغضب، أنا جئت إلى رسول الله يفترض يعطيني وصية طويلة وعريضة، فرجع إلى رسول الله مرة ثالثة، وقال أوصني يا رسول الله، قال ويحك، لا تغضب.

 لاحظوا هنا بهذا التكرار، هذا الرجوع عرف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم-هو كان يعرف لكن أراد أن يعرفه ويعرّف السامعين أن مشكلة هذا الإنسان هي هذا الغضب وهذه الحدة التي كان يعاني منها- قد نستفيد من معرفة السائل بعض هذه الخصوصيات، لكن تبقى الوصية في مجملها، وصية عامة.

مثلا، أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه كلّفه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم برحلة إلى اليمن، وكان له أكثر من رحلة إلى اليمن، بعض المؤرخين يذكر أنها ثلاث رحلات إلى اليمن، في طوال مدة الرحلة، حرص أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه أن يقرأ في صلاة الجماعة سورة التوحيد فقط بعد الفاتحة، الذين كانوا مع رسول الله استقلوا شأن سورة التوحيد، سورة التوحيد سطرين، نريد سور طويلة، اقرأ لنا سورا طويلة، فلما رجعوا إلى رسول الله شكوا علياً إليه صلى الله عليه وآله وسلم، أنه لم يقرأ طوال هذه الرحلة شهرين كاملين، فقط سورة التوحيد، لاحظوا، رسول الله أراد أن يعلّمهم أمير المؤمنين، أراد أن يعلّمهم وحتى يعلموا كم كانوا بعيدين جدا عما رامه أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه، المسألة ليست بالطول والعرض، ولا بالطول والقصر، ترتبط بخصوصيات الكلام.

قد يكون الكلام قليلا، لكنه مما يدل، ولذلك قيل (ما قل ودل) هذا السائل سأل النبي صلى الله عليه وآله وسلم شيئا من هذا القبيل، طبعا النبي صلى الله عليه وآله لما رُفع إليهم أمر عليا عليه أفضل الصلاة والسلام وما فعل، عاتبهم وبيّن لهم كم هي قيمة سورة التوحيد، التوحيد هو أس الإسلام وأساس الإسلام، إذا لم يترسّخ فيكم أيها الناس التوحيد، حتى وإن كانت هذه الكلمات قليلة، ما فائدة بقية الفروع، الفروع قيمتها تأتي من الأصول.

هذا السائل يقول، قال له إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم أوصني بشيء ينفعني الله به، هذا السائل حصيف، لم يسأل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يوصيه وصايا عامة، وإنما شخّص للنبي، أنا أريدك أن وصية خاصة بي تنفعني، بعد وهو يعرف أن النبي إما أنه يعرفه مسبقا أو يعزفه لنبوته، أو أنه شرح حاله للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، كأن يكون شكا إليه من مشكلات معينة، فأراد أن يستوصي النبي من أجل أن يرفع هذه المشكلات التي كان يعاني منها، وسنقف إن شاء الله في ثلاث محطات، على هذه الوصايا القيّمة.

ما الذي نستفيده من هذا الكلام؟ أوصني بشيء ينفعني الله به؟

 الفائدة الأولى:

 أن النفع إنما هو من الله سبحانه وتعالى.

الوصية إذا صدرت، وإن كانت صدرت من أهلها، كالنبي مثل هذه الوصية، لكن إذا لم يكن هناك إرادة ومشيئة من الله سبحانه وتعالى أن ينتفع المستوصي بهذه الفائدة والمنفعة، فلن يستفيد منها شيء، ولذلك كان يدرك، قال أوصني بشيئ، لم يقل أوصني بوصية تنفعني، وإنما قال أوصني بشيء ينفعني الله به، فتكون الوصية هي مثل الوسيلة، التي يستفاد منها من أجل هذه الفائدة.

 الفائدة الثانية:

 أن الإنسان عليه أن يكون حريصا في أن يقدم الأهم والمهم في حياته.

 الحياة تتزاحم بكثير من المسائل، فيما نقرأ فيما نسمع، فيما نحتك به، أشياء كثيرة جدا، لكن ينبغي لك أن تفرز ما ينفعك و يفيدك فتقترب منه وتميل إليه، وما لا ينفعك ولا يفيدك لا ينبغي لك أن تضيع عمرك فيه (الليل والنهار يعملان فيك فاعمل فيهما) يعني عوامل الزمن تؤثر فيك.

الشباب في فترة الشباب عنده قدرة، يتحمل البرد يتحمل الضغط ويتحمل الجهد، لكن الإنسان إذا كبر تبدو عليه علامات الوهن وعلامات الضعف، سرعان ما يمرض سرعان ما يتعب، لكن لا ينفعه التأسف إذا كبر، إلّا بقدر ما استفاد في بدايات شبابه، التعليم في الصغر كالنقش علي الحجر، فإذن ينبغي للإنسان أن يقدم المهم، ولذلك هذا لم يرد من النبي صلى الله عليه وآله وسلم شيئا لا ينفعه.

يقال ان عربيا سأل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، علّمني شيئا من غرائب العلم،

 يعني الحين هو كأنه فرغ من أصول العلم ومن فروع العلم، وأراد الغرائب، الأشياء العجيبة الغريبة، فسُئل يعني أنت انتهيت من هذا حتى تسأل عن هذا؟!

فهذا السائل حصيف، قال أوصني بشيء ينفعني الله به.

الفائدة الثالثة:

هي أن الإنسان عليه أن يقرأ واقعه، ويعرف أن ما يفيده هو الأهم والمهم.

لكن كيف يعرف؟ هذه نحتاج فيها إلى وقفات المحاسبة والمراقبة والتفتيش، ألا نجد إخواني وأخواتي أننا نملك القدرة الفائقة على تحليل أوضاع الآخرين، اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا، لكننا نعجز أشد العجز عن أن يراجع الواحد منا نفسه، كما أفاد نفسه وكما استفاد هو في هذا الجانب أو ذاك الجانب؟ هذا ما ينبغي أن نلتفت إليه.

هذه الوصية، كما سنقف عليه إن شاء الله لاحقا، تبيّن لنا كم هي رحمة الله عز وجل علينا بشخص رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، الذي قال فيه الله عز وجل {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} لكن يبقى، كلُ ما قاله رسول الله، وفوق ذلك ما قاله الله عز وجل، مفتاح الاستفادة منه بيد الإنسان نفسه، لأن الله عز وجل يقول {إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ}.

 قد نسمع كثيرا ونقرأ كثيرا، ونُعد من أهل الثقافة والعلم والمعرفة، لكن قد لا نستفيد شيئا من ذلك، نستصغر شأن فردي صغير من الناس، صغير في عمره قليل في علمه، لكن الله عز وجل فتح عليه باب الفوائد الكثيرة، لأنه طرق الباب الصحيح، وسأل المنفعة الصحيحة، وكان يملك العزم والإرادة اللازمين، من أجل أن يختط لنفسه طريقا لا مناص من الناس أن يسلكوه حتى يصلوا إلى الله عز وجل راضين مرضيين.

 جعلنا الله وإياكم، ممن يستمع القول فيتبع أحسنه.

اللهم صل على محمد وآل محمد، اللهم كن لوليك الحجة بن الحسن، صلواتك عليه وعلى آبائه، في هذه الساعة، وفي كل ساعة، وليّاً، وحافظاً، وقائداً، وناصراً، ودليلاً، وعيناً، حتى تسكنه أرضك طوعاً، وتمتعه فيها طويلاً.

اللهم انصر الإسلام والمسلمين، واخذل الكفار والمنافقين، اللهم اشف مرضانا، وارحم موتانا وأغن فقراءنا، وأصلح ما فسد من أمر ديننا ودنيانا، ولا تخرجنا من الدنيا حتى ترضا عنا يا كريم.

وصلى الله على محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين.