موقع السيد حسن النمر الموسوي

حديث الجمعة

جديد الموقع

نص الخطبة التي ألقاها سماحة العلّامة الحجة السيد حسن النمر الموسوي يوم الجمعة ٢٣ جمادى الأولى ١٤٣٩ هجري، في جامع الحمزة بن عبدالمطلب:

 

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

 بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد الخلق أشرف الأنبياء والمرسلين محمد بن عبد الله وعلى آله الطيبين الطاهرين

 رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي.

عباد الله، أوصيكم ونفسي بتقوى الله

 ذكرنا في الأسبوع الماضي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم آتاه الله جوامع الكلام، وهي مجموعة من الكلمات والعبارات والجُمل ذات التكوين القصير اللفظي، لكنها تختزن الكثير من المعاني، بحيث لا يتأتى لغيره، صلى الله عليه وآله وسلم أن يقوم بهذه المهمة التي تليق به في الدرجة الأولى، دون سواه.

مما جاء في هذه الكلمات الطيّبة من فمه الشريف صلوات الله وسلامه عليه لما استوصاه رجلٌ بكلام ينفعه الله عز وجل به، أن قال له عددا من البنود نذكر منها ونقف عند البند الأول.

يقول صلى الله عليه وآله وسلم (أكثر ذكرَ الموتِ يُسْلِكَ عن الدنيا).

الإكثار في مقابل الإقلال، وهو مفهوم نسبي، يُحمد تارة ويُذم أخرى، ليس مطلوبا الإكثار من الأشياء على الإطلاق، كما أنه ليس مطلوبا على نحو الإطلاق.

 يُذم في بعض الحالات، ويُمدح في بعض الحالات، الإكثار من الأكل مثلا، هذا أمر مذموم، من الناحية الشرعية، ومن الناحية الصحية، ينبغي للإنسان أن يتوازن في أكله، بحيث لا يأكل أكثر مما يحتاج، بل ينبغي له أن يأكل أقل مما يحتاج، حتى لا يترتب على الإكثار ما لا يريده هو ويصب في ضرره نحن قوم إذا أكلنا لا نشبع أو (لا نأكل حتى نجوع وإذا أكلنا لا نشبع).

هذا التوازن في هذا الباب أمر محمود، لكن الإكثار من طلب العلم أمر حميد، لأن العلم من شأنه أن يرتقي بالإنسان إلى المقامات المحمودة، دون العلم لا يستطيع الإنسان أن يصل إلى ما يبتغيه لنفسه من الخير، والله عز وجل يقول {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ}.

جميع الفضائل الأخلاقية ينبغي الإكثار منها والاستزادة منها، ولا ينبغي للإنسان أن يقلل منها، فمفهوم الإكثار لا ينبغي أن يؤخذ على إطلاقه، بل ينبغي أن يؤخذ أو يلاحظ موضوعه ومتعلقه، فإن كان الموضوع حميدا كان الإكثار، بملاحظة معينة، يعني مثلا الغذاء والتغذية في حد نفسه أمر حميد، لكن الإكثار منه يكون أمرا مذموما، العلم أمر حميد والاكثار منه أمر مطلوب، وهكذا ينبغي أن تلاحظ الأمور كلٌ ضمن خصوصيات التي ينبغي أن تلاحظ.

أما الدنيا، التي يذكر النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن الإكثار من الموت، الإكثار من ذكر الموت يُسل الإنسانَ عن الدنيا، الدنيا ما هي؟

حتى نحتاج إلى أن نسلوا عنها، نسلوا يعني نُذهل، يعني ننشغل، هل ينبغي للإنسان أن ينخرط بالدنيا انخراطا ويمتزج بها امتزاجا، بحيث لا يكاد ينقطع عنها ذكراً وتذكّرا وهما واهتماما، أم أن الدنيا لا ينبغي لا العاقل أن يشتغل بها هذا الانشغال ..؟

 هذا يتوقف على أن نستوعب ماذا تعني الدنيا، حتى يكون السلو عنها والانشغال عنها أمراً مطلوبا يشجع عليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم، بل يحض ويحث على أن نستحضر ما من شأنه أن يقطع صلتنا بها.

لو أن المطلوب هو الانقطاع عن الدنيا بالمطلق، لما كان نعمة إيجاد الله عز وجل لنا على الدنيا نعمة تستحق أن نشكره عليها، فإذن ماذا نعني بالدنيا؟

الدنيا تحمل على معان كثيرة نذكر منها ثلاثة معاني:

 المعني الأول – الأعيان، الممتلكات التي نملكها، هذه الأعيان، البيوت والدور والملابس والسيارات والمقتنيات، هذه كلها نسميها دنيا، ولذلك نقول فلان فتح الله عليه الدنيا، أي رزقه الله عز وجل هذه، وفلان الآخر الفقير محروم من الدنيا، محروم من ماذا، من هذه الأشياء هذه الأعيان، طبعا أن يكون عندك شيء من الأعيان أو لا يكون عندك شيء من الأعيان، ليس هذا ما يحدد قيمتك عند الله عز وجل.

نبي الله سليمان سائل الله عز وجل أن يهبه ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده، ماذا يعني أن يكون لديك المُلك؟

يعني لديك الهيمنة والسلطنة التي لم تتح لغيرك، ولا يمكن ويمكن أن لا تتاح لغيرك الآخرين، لو كان هذا أمرا قبيحا لما سأله نبي معصوم، أكمل الله عز وجل إنسانيته، أكمل أخلاقياته، لو كان أمرا مذموما لما طلبه من الله ولا ما لباه الله عز وجل له.

فإذن لما سأل سليمان هذا السؤال، هذا يعني أن هذا التملك في حد نفسه، ليس أمرا مذموما، لكن قد يكونوا حميدا بالنسبة لسليمان النبي، لكنه ليس أمرا حميدا لمثل فرعون الذي لما أتاه الله عز وجل لما أتاه قال {أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي} حتى بلغ به الأمر والقبح والاستقباح في أخلاقياته أن قال للناس {أنا ربكم الأعلى}.

سليمان زاده الله عز وجل تواضعا بهذا الملك، هذه الأعيان التي كانت تحت يده، لكن فرعون أرذله هو الله عز وجل، وكذلك الحال بالنسبة لقارون، قارون كان يعتقد أن ما اتاه الله عز وجل من الخيرات، كانت نتيجة عرق جبينه {إنما أوتيته على علم عندي} سنأتي إن شاء الله في البند الثاني كيف نتعامل مع هذه النعم، فهذا هو معني الأول، أيضا، هذا لا ينبغي أن نأخذه على إطلاقه، نحن يعني مثلا، إذا أردنا أن نشيّد مسجدا أو حسينية أو مستشفى أو جسرا أو أي خدمة من الخدمات، التي يتمنى الناس أن تحصل فيما بينهم، هذه كيف تحصل؟

 هذه تحصل بالنقود، تحصل بالأموال، تحصل بالأعيان، فلو أن الفقر ساد في أوساط الناس بحيث لا يملكون هذه الأمور، لاستُجلب الشر مع هذا الفقر، وما دخل الفقر بلدا إلا وقال الكفر خذني معك، لذلك تتنافس الدول والمجتمعات والأشخاص، على أن يجنبوا أنفسهم الفقر، بهذا المعنى، لأن تبعاته كثيرة، الإنسان الفقير يحرم عادة من العلاج من التعليم من كثير من الخدمات التي يتمناها كل واحد من الناس، فالفقر بهذا المعنى أيضا ليس أمرا حميدا.

لكن الخطأ الذي يقع فيه كثير من الناس هو سوء استعمال، أو سوء التعامل مع هذه الأعيان، حينذاك تتحول الدنيا من أمر حميد إلى أمر قبيح وذميم، هذا هو المعني الأول.

 المعنى الثاني - المكان هل المقصود بالدنيا المكان، البيئة التي أنت فيها، نقول الدنيا التي فيها فلان، يعني المكان الذي يعيش فيه فلان مكان جميل، أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه، في بعض خطبه التي ألقاها على مسامع الناس ويعظهم يقول، يخاطب العرب، يقول أنتم في دار لا تغبطون عليها، ولا تحسدون عليها، أنتم في شر دار، يعني الحر والقفر والصحارى ليس فيها شيء، قياسا بمناطق أخرى، فيها خضرة فيها طقس جميل، فيها أمر ممتاز، ما الذي أجبرك أنت، الذي تعيش في المنطقة الحرة أن تعيش فيها؟ هل هو الطقس الجميل؟ لا، علاقاتك الاجتماعية، ولدتَ في هذه البيئة، أبواك يسكنون في هذه المنطقة، أهلك في هذه المنطقة، أصدقاؤك في هذه المنطقة نشأ بينك وبين هذه المنطقة علاقات ليس من السهل أن تتخلص منها، فتجد نفسك في وعيك ولا وعيك، مضطراً أن تبقى في هذه المنطقة، هل هذا هو المقصود من المكان؟

 الجواب كلا، أنْ يعيش الإنسان في منطقة صحراوية مقفرة، لا يجعله بعيداً عن الكمال، وبعيدا عن الله، وأنْ يعيش الإنسان في منطقة غنّاء، لا يجعله قريباً من الله، وقريبا من الكمال، قد يرتقي الأول إلى أعلى عليين، وينخفض الثاني إلى أسفل سافلين، أيضا ليس المكان هو العبرة.

هل المقصود هو الزمان، الفترة الزمنية التي تعيشها أنت، كأن نقول: زماننا سيئ؟

طبعا أيضا لابد حينما نصف الزمان بالقبح أو الحسن لابد أن يلاحظ أمور أخرى، لكن أحيانا هل فصل الشتاء أحسن، فصل الصيف أحسن، فصل الربيع أحسن فصل الخريف أحسن، هالفترة الزمنية، هل الليل أفضل أو النهار أفضل؟

أيضا، ليس هذا على إطلاقه، قد يكون هناك نِعَمٌ لا تحصل إلّا  في الصيف، فيتمنون الناسُ الصيفَ فيها، وقد تحصل نِعَم أو لا تحصل نِعَم أخرى إلّا في الشتاء، يتمنى الناس الشتاء حتى يجنوا تلك الثمرات وتلك الأشياء، وهكذا أولئك الذين يعيشون في المناطق الباردة، يتمنون أنهم في فترة البرودة أن يكونوا من أهل المنطقة الحارة، والعكس، ولذلك يمنّ اللهُ عز وجل على قريش لإيلاف قريش رحلة الشتاء والصيف، هذا التردد على تلك المناطق، لم يكن ترددا اعتباطيا، كانت له أسبابه وله مبرراته.

هل المقصود إذن الدنيا الأعيان؟ ليس على إطلاقه

 الزمان؟ ليس على إطلاقه

 المكان؟ أيضا ليس على إطلاقه

هذه أمور إنْ أحسنا التعامل معها، كان بها ونعمة، وإن لم نحسن التعامل بها، ليس هذا أمرا حسنا بالمطلق، ولا قبيحا بالمطلق.

النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم كان يحدثنا جماعة من أصحابه، ذات يوم، وذكر أن له إخوانا، قالوا -الحاضرون للنبي صلى الله عليه وآله- أو لسنا اخوانك يا رسول الله؟ قال لا، أنتم أصحابي -طبعا والنبي في الرواية وهي معتبرة السند عند من يرويها- قال لا، أخواني -الذين يفضلهم رسول الله صلى الله عليه وآله على عنوان الأصحاب- قال أناس يأتون في زمن آخر، آمنوا بي ولم يروني، أما أنتم، فرأيتم المعاجز والكرامات والدلائل على نبوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فكان الأجدر بأولئك أن يكونوا أفضل على الإطلاق، والمتأخرون أقل على الإطلاق، هذه الرواية تثبت العكس، ليس بالضرورة، قد يكون مصاحبا لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ويصنّف ضمن المتفوقين إيمانيا، وقد يصنف ضمن المنافقين، كالأعراب الذين كانوا أشد كفرا ونفاقا، وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله، كانوا مرافقين للنبي كانوا يعيشوا مع النبي يروا تشرفوا برؤية النبي، لكن لم يستفيدوا من ذلك، وهناك جماعة يأتون في أزمان متأخرة، كهذا الزمان الذي يفصلنا فيه فترة طويلة بيننا وبين النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فإذا كان الإنسان مؤمنا قابضا على دينه كما يقبض على الجمر، مثل هذا ليس بالضرورة ذاك أفضل منه، بل قد يكون تديّن هذا، حتى بنسبة متساوية مع الأول تديّن هذا تجعل هذا أفضل من ذاك، لأن هذا لم ير رسول الله لم يحظ بالرعاية المباشرة من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وعلى هذه فقس ما سواها.

فإذن، هذه الأمور إنْ أحسنا التعامل معها، كانت أمرا حسنا.

فإذن، ما هي الدنيا التي أراد النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن نسلوا عنها؟ أي أن لا نوليها ذاك الاهتمام، حتى لا نقتتل عليه، وحتى لا نتكالب عليه، وكل مشاكل الناس فيما بينهم ناشئة من سوء التعامل مع الدنيا، بأي معني؟ بهذا المعنى، هي مجموعة الاعتبارات والعلاقات التي يكونها الناس نتيجة سوء فهمهم عن ذواتهم وعن المكان وعن الزمان وعن الأعيان، فيضعوا شيئا في غير مكانه، رفعا أو وضعاً، يعني يرفعون من قدر شيء لا ينبغي أن يصل إلى هذه القيمة، أو يهوّنون من قدر شيئا ما ينبغي أن يقللوا من شأنه. هذه هي الدنيا، التي يقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، إذا أردتم أن تتخلص من هذه الأحاسيس، من هذه المشاعر، من هذه التصورات، فإن ثمة سبيلا وطريقا قصيرا ومختصرا جدا، هو ان يتذكّر كل واحد منكم هذه العقبة، هذه القنطرة التي نسميها بالموت، والتي يخاف منها أغلب الناس، ويتمناها القلة القليلة من الناس (والله لابن أبي طالب آنس بالموت من الطفل بمحالب أمه).

لماذا يتمنى أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه، أو لا يخاف بالموت و يأنس به؟

سٌئل أبو ذر رضوان الله عليه، وهو صاحب النجيب لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لماذا نخشى الموت؟ فأجابهم لأنكم عمرتم دنياكم وخرّبتم آخرتكم.

هذه الدنيا أي المحطة الزمنية، وهذا المكان الذي نعيش فيه، هذه الأعيان التي عندنا، ينبغي أن نضعها ونتعامل معها في حدود الوسائل، وسائل تقربنا إلى الله.

فكل شيء من الأعيان أو المكان أو الزمان أو أي اعتبار من الاعتبارات، لا يقربنا إلى الله هو فتنة اخفقنا في التعامل معها، أموالكم أولادكم، حتى هذه الدائرة القريبة يمكن للإنسان أن يجعلها سُلّما يرتقي به إلى الله والى الكمال، ويمكن أن تهوي به إلى أسفل سافلين.

كيف يتخلص الإنسان من هذه الحالات؟ يتخلص منها بأن يتذكر الموت، بأن الله عز وجل جاء بك إلى هذه الدنيا وحيدا، وستخرج من هذه الدنيا وحيدا، لا مال يخرج معك، لا أولاد يخرجون معك، كل هذه الاعتبارات، المناصب الجاه، الشهرة، حتى العلم، حتى العلم، إنما يبقى معك من العلم، والعلم من شأنه أن يبقى، ما جعلك  قريبا من الله عز وجل، أما ما لم يجعلك قريبا من الله فسيصاحبك ليكون حجة عليك، ليكون مطرقة، والعلم يعني يتكلم عن العلم، لأن العلم ليس كالمال، العلم هو الذي يجعل الإنسان حكيما فيلسوفا ربانيا قريبا، هذا ما يفترض أن يجعل عليه، لكن نجد كثيرا من الناس لا يهتمون بالعلم إلا بالشعار، حتى إذا كان دكتورا مثلا يحمل شهادة يسمى معه الدكتور، لو لم تلقبه بالدكتور تقوم الدنيا ولا تقعد، وكان قيمته بهذا اللقب، هذا الحرف الذي يوضع في مقدمة كلامه، أو أي لقب يختاره لنفسه، في حين أن الغني لو لم تسلبه، لأن المال لا يمكن أن تسلبه أنت عنه، حتى لو قلت أنت فقير، لا يضره شيئا أن تقول له انت فقير، لأنه امتلك المال، بعد لا يزال تحت يده، إلا من يحاول أن يجعل من المال سمعته في أوساط الدنيا.

هناك أشخاص لما قلّ تصنيفهم ضمن الأغنياء احتجوا واعترضوا لماذا تجعلوننا المرتبة الأقل؟! ثم جاءت الدنيا والأحداث لتبيّن له أن مالك الذي كنت تتمنى أن يحافظ الناس على تصنيفك ضمنه، صار وبالاً عليك، دفعت ثمنه ودفعت ثمنه غاليا.

فإذن، لا ينبغي للإنسان أن يتعامل مع الدنيا إلا في حدود ما يجعله أقرب إلى الكمال، أي أقرب إلى الله سبحانه وتعالى، وأشد ضمانا لجنة عرضها السماوات والأرض، الوسيلة الأقصر -لا نقول الوحيدة - الوسيلة الأقصر هي أن يُكثر الإنسان من ذكر الموت، والموت يأتي للناس فجأة، ولا يستثنى منه أحد {إنكَ مَيّتٌ وإنَهُم مَيتون}.

فإذن تذكّر الموت ليس هو موعظة ينبغي أن نقف عندها في مجالس التعزية ومجالس الفواتح، لا، هي حقيقة.

النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول هي حقيقة فلسفية وأداة تربوية، لا يستغني عنها أي واحد منكم، إذا أراد أن يجعل نفسه حاضرا دائما، في مضمار التنافس في فعل الخير، لأن الإنسان إذا علم أن ثمة محطة هي الموت، ستنقطع صلته بسببها مع كل ما ينافس الناس فيه، وينافسونه فيه، سيجد نفسه أحرص الناس على أن يستغل المكان والزمان والأعيان، في أعلى المرتبة.

ذكرنا حديثا فيما مضى (الليل والنهار يعملان فيك فاعمل فيهما) أي عمل؟ يعني أفتح دكانا أكثر؟ نذهب إلى الوظيفة أكثر؟ لا، الناس يحرصون في الوظائف في التجارة والاستثمارات على أيام العطل، ثمة عطل، لا يقبل الموظف أن تقتطع هذه العطلة منه، إلّا أن يعطوه ثمن في مقابل هذا التعطيل، لكن الإنسان الطامح للكمال والقرب الحقيقي من الله، عن وعي واستيعاب، هل يقول أنا هذا اليوم لا أريد أن أتقرب إلى الله؟!

هذا يعني انه لا يريد أن يصل إلى مرتبة أكمل مما هو فيه، هذا لا يقبله أحد، ولا يقول به أحد.

النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول (أكثر من ذكر الموت يسلك عن الدنيا).

أي أن أحداً لو اعتدى عليك عدوانا، دفعه إليه الدنيا هوّن عليك، وخفف من وطأة هذا الأذى والعدوان، لما تعلم بأن الموت سيأتيك ويأتيه، وستقف وإياه بين يدي الله عز وجل، حيث ينتصر الحق سبحانه وتعالى من الظالم للمظلوم، هذا يهوّن عليك هذا الأذى، هذا الإزعاج، لو أن شيئا من الدنيا فاتك، شيئا من المال، كان يمكن أن تناله، لكنه فاتك، لم يشأ الله عز وجل، أن يكون من نصيبك، تذكر أن ثمة موتت، حتى لو أنك اكتسبت ذلك المال، قد تكتسبه اليوم فتموت في الليل، فتموت في يوم آخر، وبالتالي، سيكون هذا المال ليس من نصيبك، لم تكن أنت إلّا جسرا يصل هذا المال من خلالك إلى ورثتك الذين ينتظرونه، فالتبعات عليك والثمرات ولغيرك.

فالنبي صلى الله عليه وآله وسلم، حينما يذكّر الناس ويدعو الناس، ويدعو هذا المستوصي، إلى أن يكثر من ذكر الموت، فالحقيقة الإكثار من ذكر الموت هي أداة تربوية فعالة جدا في حفظ التوازن، في دفع الإنسان في عجلة التنافس نحو الخير ونحو ما يبقى، لأن هذه الدنيا لو استوعبناها، لو فهمناها وأدركناها وفهمنا طبيعتها فهما صحيحا، سنعرف أنها دار فناء وليست دار البقاء، دار البقاء هي أن يقف الإنسان بين يدي الله عز وجل، وقد فتحت ملفاته كلها، ولا يتمنى أي واحد منا، إلّا أن تكون ملفاته ملفات خير { وَالْعَصْرِ. إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ. إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ.}.

هكذا نسلوا عن الدنيا، أي نذهل، أما هذا التنافس الذي نجده في أوساطنا على الدنيا تنافس شديد جدا جدا، للأسف الشديد، ينبغي للإنسان أن يجلس بينه وبين نفسه وليس منا من لم يحاسب نفسه كل يوم، يراجع الإنسان برنامجه اليومي، برنامجه الأسبوعي، برنامجه الشهري.

هذا الحرص على أداء هذه المهمة، أو تلك المهمة، هذا البرنامج الذي تكاد تضحي بكثير من الأشياء في سبيله، هل بالفعل هذا البرنامج الذي اخترته، اخترته من أجل كمالك، من أجل قربك إلى الله، أو من أجل أن ترضي الناس، أي من أجل الدنيا، أي من أجل أن يقال عنك يطلب العلم؟±

حتى العلم قد يطلبه من أجل أن يماري العلماء، ليس من أجل أن يكون عالما ربانيا فقط من أجل أنه إذا جلس في مجلس من المجالس، إذا تكلم أحد استطاع أن يرفع له عقيرته العلمية، ليجعل من نفسه الأعلى، ويجعل من الآخرين هم الأقل شأنا، وكذلك يشتري السيارة الفاخرة، ليس لأنه بحاجة إليها فقط، من أجل أن يقول الناس أنه يملك المال الكثير، ولولا ذلك لما استطاع أن يشتري ويقتني هذه السيارة، وعلى هذه فقس ما سواها، وأما بالنسبة له، بالنسبة له ليس هناك فرق بين أن يركب هذه السيارة الفاخرة والسيارة المتواضعة، هو يريد أن يقطع هذه المسافة الجغرافية المعينة، لا فرق.

ولذلك تجد الأمم والأشخاص المتزنين لا يعيشون هذه العقد، يعني في بعض في كثير من المناطق، تجد إنسان يُولى مهمة معينة، وظيفة معينة، ما أن يولي هذه المضيفة إلا وعشر سكرتيرات وسكرتيرين، وعمال وموظفين، لا يفتح السيارة، وتجد الأمم المتقدمة المسؤول والرئيس والزعيم هو الذي يأخذ الملفات بيده وهو الذي يفتح الباب وهو الذي يتحرك، لا يعيشون هذه العقدة، لأنهم أدركوا شيئا من الواقع، كان ينبغي أن تكون مجتمعاتنا، ونحن نعيش الإسلام، نعيش هذه الثقافة، نحن اجدر بهم أو أجدر منهم من أن ندرك الوقائع على ما ينبغي أن ندركها عليه، ولا نعيش هذه الأوهام، نحن الأفضل.!

الأفضل في ماذا؟ الأفضل في ماذا؟ الأفضل في الجانب الشكلي، وليس في الجانب المضموني، نعم قد يستعيرون، ولذلك يقول بعض المفكرين، يقول حضارة الأشياء، عمارات فخمة وجسور ضخمة، لكن المهندس أجنبي والتمويل أجنبي كذا، هذه ليست من هذا بنائك، هذه من بناء غيرك، غيرك جاء واستثمر عندك في هذا المكان أو في بيتك، هذا ليس من إنتاجك.

الذي ينبغي أن يفتخر به الإنسان هو ما كان من أداءه، بحيث تصاحبه نتائج وثمرات هذه الأعمال، إلى أن يقف بين يدي الله عز وجل، وتصبح جزءاً من شخصيته جزءا من كيانه جزءا من وجوده، لا تقبل أن ينفك عنه.

نسأل الله عز وجل أن يوفقنا وإياكم إلى أن نكون ممن يستمع القول فيتبع أحسنه.

اللهم صل على محمد وآل محمد، اللهم كن لوليك الحجة بن الحسن، صلواتك عليه وعلى آبائه، في هذه الساعة، وفي كل ساعة، وليّاً، وحافظاً، وقائداً، وناصراً، ودليلاً، وعيناً، حتى تسكنه أرضك طوعاً، وتمتعه فيها طويلاً.

اللهم انصر الإسلام والمسلمين، واخذل الكفار والمنافقين، اللهم اشف مرضانا، وارحم موتانا وأغن فقراءنا، وأصلح ما فسد من أمر ديننا ودنيانا، ولا تخرجنا من الدنيا حتى ترضا عنا يا كريم.

وصلى الله على محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين.