موقع السيد حسن النمر الموسوي

حديث الجمعة

جديد الموقع

نص الخطبة التي ألقاها سماحة العلّامة الحجة السيد حسن النمر الموسوي يوم الجمعة ٣٠ جمادى الأولى ١٤٣٩ هجري، في جامع الحمزة بن عبدالمطلب:

 

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

 بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي عباد الله، أوصيكم ونفسي بتقوى الله

 لا يزال حديثنا عن بعض ما رُوي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، مما جعلنا عنوانه «من جوامع الكلم» وقد أوتي صلوات الله وسلامه عليه جوامع الكلم، حيث اللفظ القليل والمعنى الكثير.

وما أحوجنا إلى أن نطرق باب الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، لأنه الذي أرسله الله عز وجل رحمة للعالمين، ولا غنى للإنسان ، عن أن ينال شيئا من رحمة الله، ولهذا أدبنا الله عز وجل أن نكثر من وصفه سبحانه وتعالى بالرحمن الرحيم في صدر كل آية، ما عدا سورة براءة، تكرر هذا المعنى بسم الله الرحمن الرحيم، وذلك للإشارة إلى أن الإنسان غارق في رحمة الله، وأن أبواب رحمة الله مفتوحة دائما، له وبين يديه إلّا أن يغلقها هو بسوء اختياره.

قلنا أن رجلاً وفد على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، كما يروي ذلك ابن شعبة الحراني في كتابه (تحف العقول) فقال أوصني بشيء ينفعني الله به فقال صلى الله عليه وآله (أكثر ذكر الموت يسلك عن الدنيا).

تقدم بعض الحديث عن أن الدنيا ليس المقصود بها المكان والزمان والأعيان، وإنما هي تلك العلاقات التي تعارف عليها الناس والتي توقع أغلبهم للأسف الشديد في تكوين صورة موهومة عن الكون وما فيه، فيظن الباقي فانيا والفاني باقيا، ويظن الوضيع رفيعا والرفيع وضيعا، فتنقلب المفاهيم لديه فيطلب ما لا ينبغي أن يُطلب ويدع ما لا يجوز أن يدعه..!

 ولذلك نجد أنه يؤخر بل لا يكاد يتيقن بأن ثمة وقوفا بين يدي الله عز وجل يحاسبه فيه أن أحسن أو أساء، هذا التصحيح لهذا المفهوم أمر مهم، لأن هذا هو الذي يسلّي الإنسان وينسيه الدنيا بهذا المعنى، أما المكان والزمان والأعيان، فلا غنى للإنسان صالحا أو طالحاً عنه.

نحن إنما نتعبد الله عز وجل في المكان وفي الزمان ونستعين بالأعيان ونبذل الخير إن وفقنا الله عز وجل عليه مستثمرين كل هذه أو واحدا من هذه الأشياء. ليست هذه مذمومة، المذموم هو سوء التعامل معها، المذموم هو الصورة المغلوطة والمقلوبة عنها، فلو أن الإنسان وفقه الله عز وجل إلى أن يحسن استثمار ما أنعم الله عز وجل عليه، لسلى عن الدنيا وطلب الآخرة بمعناها الصحيح.

ما الذي يقوله الله عز وجل لرسوله الكريم؟

{ وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ} في هذا السياق يقول له { وَلَلْآَخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى} النبي صلى الله عليه وآله وسلم نال من الدنيا ما يطمح كلُ واحد من الناس أن يناله حيث الآمر والناهي والنفوذ والإمكانات المادية، كل ذلك كان متاحا لرسول الله، لكنه طلق هذا كله من أجل الله عز وجل، فلم يستغل سلطانه وملكه الذي ناله بين الناس، لما قال ذاك القائل ان ملك ابن أخيك لعظيم، فكان جواب العباس رضوان الله عليه ويحك أنه ليس الملك إنه النبوة، لكن في مقام النفوذ النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان له ما للملوك والزعماء والرؤساء، لكنه لم يسىء استغلاله، كان بين يديه الدنيا وكل ما في الدنيا، لكنه كان يعرف أن الدنيا وما فيها، ليست إلا متاعا قليلا، فسلى عن الدنيا، حينما يحين وقت الصلاة، كان يخاطب مؤذنه بلال (أرحنا يا بلال) يريحه من ماذا؟

يريحه من هذه الدنيا ، من هذه العلاقات ، النبي صلى الله عليه وآله  وسلم وُضع بين يديه قماش، كان فيه شيء من الصور، فأمر بأن ينحى ذلك عن وجهه ، لأنه يشغله عن الله عز وجل.

هكذا ينبغي للإنسان أن ينقطع إلى الله، هكذا جاء في المناجاة التي تروى عن أمير المؤمنين عليه السلام إلهى هب لي كمال الانقطاع إليك, الانقطاع إلى الله ماذا يعني ؟ لا يعني أن ينقطع الإنسان عن عمله ولا عن تجارته ولا عن أولاده ولا عن المجتمع الذي يعيش فيه، بل ينبغي أن يكون فاعلا في كل ذلك ، لكن {قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَىٰ شَاكِلَتِهِ} وإنما الأعمال بالنيات ، تجد شخصين فردين يعيشان في مكان واحد ، وزمان واحد و يملكان شيئا متشابها، غير أن هذا من الأولياء وذاك من الأشقياء والسبب هو أن نية هذا في واد ونية الآخر في واد آخر، إنما الأعمال بالنيات.

نقرأ في سيرة أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه أنه لما برز يوم الخندق كما يروى ذلك في السيرة ماذا علق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على تلك الضربة الموفقة التي نال فيها أمير المؤمنين من فارس قريش و مشرك العرب قال ضربة على يوم الخندق أفضل من أعمال الثقلين وهذا سؤال يتكرر كيف يتصور أن فعلا واحدا يتيما قد لا يأخذ ثوان من الوقت أو دقائق أو سويعات كيف نجعل له هذه القيمة يجيب القرآن {لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ} لا يمكن أن يساوي هؤلاء بمن قاتل بعد ذلك، ولذلك نجد أن أصحاب بدر شهداء بدر لهم في المنطق القرآني منزلة ومكانة مختلفة عن الشهداء الذين استشهدوا في المعارك اللاحقة.

وكذلك نجد مكانة خاصة لمن ناصر الامام الحسين عليه أفضل الصلاة والسلام عمن سبقهم و عمن لحقهم وذلك لأن الظروف التي كانت تحيط بالنبي صلى الله عليه وآله والمشروع الرباني في بدر كانت ظروفاً حساسة لم يكن المسلمون يملكون من السيوف إلا ستة ومن الأفراس إلا اثنتين، ومع ذلك قاتلوا وهم ثلاثمئة وثلاثة عشر فردا حفاة لا يملكون شيء لا يملكون حتى العتاد فأنزل الله عز وجل سكينته عليهم فنصرهم، حيث لم يكن يتوقع أن ينصروا وذلك أن الله عز وجل لمّا علم منهم التقى والإخلاص أنزل النصر عليهم لان النصر من حيث المبدأ من الله {إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ} وآية أخرى {وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ} النصر لا يعني بالضرورة أن يغلب الإنسان ظاهرا، قد يُغلب الإنسان ظاهرا لكنه يَغلب باطناً، وهذا ما حصل للإمام الحسين عليه أفضل الصلاة والسلام.

الإمام الحسين هذا التميز الذي نالته قضيته، في شخصه الكريم وفي من وقف معه وناصره يكمن في هذه النقطة ، إلتبست المفاهيم, تضاربت الأفكار, لم يتمكن كثير من الناس من أن يميزوا الحق من الباطل ، غير أن الله عز وجل لم تنقطع حجته على الناس ولذلك احتج الامام الحسين عليه أفضل الصلاة والسلام أن شخصه الكريم ليس مورد إلتباس هو الحسين بن علي أمه فاطمة جده رسول الله هو الممثل الشرعي لمشروع الله عز وجل ومشروع رسوله، ولذلك فإن الذين انحرفوا عنه أو خذلوه أو تخلفوا عنه لم يكونوا في حياض الحق وإنما كانوا في ضفة الباطل.

أما الذين ناصروا الإمام الحسين، وقد دفعوا ما دفعوا من الأثمان الغالية ، فقد كان لهم بصائر افتقدها الكثيرون ، يحتاج الإنسان إلى أن يكون من أهل البصيرة ، كيف يكون من أهل البصيرة وقد تعلق قلبه بالدنيا ؟ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم حينما يوصي الناس بأن يكثروا ذكر الموت، لأن الموت هو المحطة الفاصلة التي تقطع الإنسان عن أن يرتبط بهذه الأوهام إلى أن يصل إلى نفسه بشكل مطلق وعميق و وثيق بحقائق تبقى ولا تفنى هذه الحقائق، أبرز هذه الحقائق ، الإيمان بالآخرة ولا يُكتفى من الإنسان أن يؤمن بالآخرة، وإنما المطلوب منه أن يكون من أهل اليقين بالآخرة {وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ} كيف يتخلص الإنسان من هذه الآفة، أن يسلو عن الدنيا ويتيقن بالآخرة، كيف يحصل ؟ الإكثار من ذكر الموت، لكن نقرأ الموت في صورته الإيجابية ليس في صورته الحسنة.

 قد يتساءل بعض الناس و بعض المؤمنين لماذا يقلق الناس من الموت، الناس في الحقيقة لو أنهم أدركوا الموت ما هو, والدنيا ما هي والآخرة ما هي, لتذكروا ما ذكرنا أن أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه كان قد قاله وإن ابن أبي طالب آنس بالموت من الطفل بمحالب أمه ما هو السبب؟ لأن أمير المؤمنين يعرف الدنيا وما فيها ومكانتها، فكان حكيماً والحكمة لا تأتي إلا بأن يعطيك الله عز وجل إياها {وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا} من يعرف الدنيا كما هي، ويعرف الآخرة كما هي سيتخلص من كثير من صنوف التنازع والتكالب والاقتتال الذي نجده بين الناس, الاقتتال اللفظي والاقتتال العنفي، كل ذلك ليس من أجل الله عز وجل ، وإنما يفتعله هؤلاء وأولئك طلبا للدنيا الفانية, الله سبحانه وتعالى يقول حتى لوغلبتم فإنكم مغلوبون.

يقول أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه (الغالب بالشر مغلوب) لا يليق بالإنسان الحكيم والعاقل أن يجعل الشر أداة له في نيل ما يرجو أن يناله من الآخرين ، لأنه حتى لو كنت محقا ، وقد نلت ما نالت بأداة شريرة تحت عنوان أن الغاية تبرر الوسيلة، فإنك في منطق الإسلام ستكون مغلوبا، لذلك يجب أن يكون الإنسان محقا في مبدأه وفي منتهاه وما بينهما ، يقول الله عز وجل، يلقن النبي الكريم صلى الله عليه وآله ويلقننا {رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ} ولا يمكن للإنسان أن يكون من أهل مخرج صدق، وهو الأهم، إلا أن يكون مدخله مدخل صدق وما بينهما من أهل الصدق {رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ} هذا المنطق لمن ؟ لأولئك الذين يمتحنهم الله عز وجل في الدنيا، فتأتي لهم الدنيا، وقد تأتي طيعة تأتي سهلة أولئك الذين يتحدون الدنيا فيكفون عن فعل الحرام ويلتزمون ما أمر الله عز وجل إلتزامه، هؤلاء هم أهل التقوى.

ولا يمكن أن يُستغنى عن ذكر الموت بل الإكثار من ذكر الموت, استحباب زيارة المقبرة والقبور، إستحباب التشييع, استحباب المشاركة في مثل هذه المجالات، لم ينشأ من باب الفراغ, وإنما من باب الاتحاد والاعتبار، ولذلك فإن من الأدب للمشيعين أن يسكتوا عن الحديث عن الدنيا، إلا أن يهللوا يذكروا الله عز وجل، أما أن يشيع الناس والجماعة المشيعون وهم مشتغلون بذكر الدنيا من النكات والضحك، هذا لا يليق، وكذلك الذهاب إلى المقابر، والزيارة في المقابر، لا ينبغي أن تتحول إلى شيء من مجالس الأنس, هي مجالس للاعتبار والاتعاظ.

بهذه الطريقة ، يسلو الإنسان عن الدنيا ويقترب إلى الآخرة، وما أحوجنا إلى أن نتذكر الآخرة وإلا سنتحول إلى وحوش لا تعرف حلالاً ولا تعرف حراماً، كل ما يهمها هو أن ينالوا الدنيا ويكفيك أن ترجع إلى وسائل الإعلام, وسائل التواصل الاجتماعي لتعرف كم يسيء الناس إلى أنفسهم عبر الثرثرة، وعبر الإكثار بالاهتمام عما لا ينبغي أن يهتم به الإنسان, كيف يشغلون أنفسهم ويُشغلون الآخرين عما ينبغي أن يشتغلوا به من طلب العلم والمعرفة والحق والثبات على المنهج الذي أنزله الله عز وجل، وهذا لا يأتي إلا بما جعله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بنداً أساسياً يترتب عليه هذه الفائدة الكبرى، ثمة وصاية أخرى نقف عندها لاحقا إن شاء الله.

سائلين الله عز وجل أن يجعلنا وإياكم ممن يستمع القول فيتبع أحسنه.

 اللهم صل على محمد وآل محمد، اللهم كن لوليك الحجة ابن الحسن صلواتك عليه وعلى آبائه في هذه الساعة و في كل ساعة ولياً  وحافظاً وقائداً وناصراً ودليلاً وعيناً حتى تسكنه ارضك طوعا وتمتعه فيها طويلا.

اللهم انصر الإسلام والمسلمين، و اخذل الكفار والمنافقين، اللهم اشف مرضانا وارحم موتانا، و غن فقراءنا وأصلح ما فسد من أمر ديننا ودنيانا ولا تخرجنا من الدنيا حتى ترضى عنا يا كريم، وصلى الله على محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين