موقع السيد حسن النمر الموسوي

حديث الجمعة

جديد الموقع

 

نص الخطبة التي ألقاها سماحة العلّامة الحجة السيد حسن النمر الموسوي يوم الجمعة ٢١ جمادى الثانية ١٤٣٩ هجري، في جامع الحمزة بن عبدالمطلب:

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وعلى آله الطيبين

الطاهرين

رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي عباد الله، أوصيكم ونفسي بتقوى الله، وأسأل الله عز وجل أن يبارك لنا ولكم في ذكرى مولد بضعة النبي المصطفى صلى الله عليه وآله فاطمة الزهراء عليها أفضل الصلاة والسلام، سائلين الله عز وجل أن يجعل أيامنا وإياكم زاهرة بها وأرواحنا وأرواحكم طيبة باتباعها واتباع نهجها، وأن يمن علينا وعليكم وعلى جميع المؤمنين والمؤمنات برضاها ومحبتها، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.

 الحديث عن الزهراء يطول، ومثلي تقصر باعُه عن أن يوفّي الزهراء حقها، بل حتى أن بعض حقها ينبغي لمثلي ان يتواضع ويقر بالعجز والعي، غير أن المقام يفرض عليّ أن أستذكر وإياكم بعض ما ينبغي لنا أن نثيره في مثل هذه المناسبات، فما أحوجنا إلى استلهام الدروس والعبر واغتنام هذه الفرصة الثمينة، حيث إن الله عز وجل من علينا وعليكم بمحبة الزهراء عليها أفضل الصلاة والسلام، بل اختصنا واختص أمثالنا بهذه المحبة التي حُرم منها كثيرون.

الله سبحانه وتعالى من علينا بنعمة الإسلام و بنعمة رسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وبنعمة النبي المصطفى صلى الله عليه وآله، ومن هذه النعمة تفرّعت هذه البضعة الطاهرة والنسلة الميمونة، التي ربط الله عز وجل على لسان رسوله الكريم الأمة بها، من أجل أن تكون لهم نبراسا، كما أنها لأهل السماء نبراس، والزهراء عليها أفضل الصلاة والسلام في أسمائها وكُناها لم تسمى ولم تكنى اعتباطا كما نفعل نحن بأبنائنا حينما نختار لهذا الولد هذا الاسم أو ذاك الاسم، فإننا قد نختار الاسم ولا يكون ذلك مطابقا للمسمى، والأمثلة على ذلك كثيرة، غير أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم حينما يسمى الزهراء، فإنه يسميها بفاطمة بأمر من الله، وحينما يكنّيها فإنه يكنيها بأمر من الله، لأنه {ما ينطبق على الهوى إن هو إلا وحي يوحى}.

سُمّيت وكُنّيت، سميت بفاطمة وكُنهيت بكنى كثيرة، منها أنها الزهراء، فماذا يعني أن تكون الزهراء الزهراء؟

ورد في بعض ما روي عنهم صلوات الله وسلامه عليهم أنها تُزهر لأهل السماء كما تزهر نجوم لأهل الأرض.

وذلك حينما تقف في محرابها متضرعة إلى الله عز وجل لتجسّد عنوانا يرتبط بها ويرتبط بنا، وهي أن نكون عباد الله عز وجل.

الحق سبحانه وتعالى في الكتاب الكريم يقول {قل ما يعبأ بكم ربي لولا دعائكم} ويقول عز وجل في مقام آخر أدعوني أستجب لكم} بين هذا وذاك ثمة تبيانٌ لحقيقة واضحة هي أننا لا يمكننا أن نستغني عن عطاء الله عز وجل، بل لا قيمة لأي منا أن إلا بمقدار ما نكون من أهل الدعاء بين يدي الله.

الدعاء الذي يعني أن يقر الداعي للمدعو بأنه عبده وأنه محتاج إليه وانه مرتبط به ارتباطا المخلوق بالخالق، كما أن ثمة وعدا من الله عز وجل، وهو لا يخلف الميعاد أن مَن دعا الله استجيب له.

يبقى كيف يستجيب الله، متى يستجيب الله ما هي صور استجابة الله؟

يكفينا نحن أن كنا عبادا صالحين، أن ندرك ونعرف كما كانت الزهراء عليها الصلاة والسلام  تعرف، أن الله لا يمكن أن يتخلف وعده، فمن دعاه استجاب له، غير أن المطلوب منا أن نكون من أهل الدعاء الصادق.

كيف نكون من أهل الدعاء الصادق؟

ثمة شروط ولوازم، يجب أن يتوفر عليها الواحد منا، منها أن نلتزم بالمأثور.

فقد ورد لبعض الأئمة، ولعله الإمام الصادق عليه أفضل الصلاة والسلام، شخص قال إني اخترعت دعاءا، فقال له دعني من اختراعك.

الدعاء ليس مما نخترعه نحن، نعم، هذا لا يعني أن لا ينطق الإنسان بحال من أحواله ويبسطها بين يدي الله عز وجل، لكن إذا أردنا الدعاء الذي يأتي في الطبقة العليا، الدعاء الذي يراعي فيه أدبه والذي يراعي فيه حق المدعو والذي يراعي فيه حق الثناء على الله عز وجل، فإنما يوكل وذلك إلى من يعرف الله حق معرفته، وهو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وآله الذين أُمرنا أن نرتبط بهم ارتباط المقود بالقائد، وارتباطا المأموم بالإمام، وهذا معنى أننا أمة وهم أئمة.

الإمام هو الذي يأخذ الجماعة من الناس الذي ينطبق عليهم أمة حيث يجتمعون على مقصد الواحد، أما إذا تعددت مقاصدهم وتشعبت غاياتهم فليسوا أمة، هم جماعة من البشر يلتقون، كما يلتقي الناس في الأسواق، لكن إذا أردنا أن نكون أمة {إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون} {وأنا ربكم فاتقون}.

كيف نتعلم هذا؟

بالرجوع إلى رسول الله والى آله صلوات الله وسلامه عليهم، والزهراء هي عقد هذا النظام.

 رُوي عنها في باب تأديب الناس وتعليم الناس شيءٌ لا نستغني عنه، وهي أننا وإياكم جميعا لا نستغني عن الدعاء والوقوف بين يدي الله فيما خطر من الأشياء وما صغر، لأننا لسنا نحتاج إلى الله حتى ندعوه في الأمور الجليلة والضخمة أما الأمور الصغيرة فإننا في غنى عن الله عز وجل..! أبدا، نحن في حاجة إلى الله في جميع أحوالنا، في حالات الغنى، في حالة الفقر، في حالات الصحة، في حالات المرض، والذي يستقرئ ما ورد من الأدعية بين الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وعن آله صلوات الله وسلامه عليهم يجد أن الدعاء حاضر في جميع محطات أحوالهم، في حالة الرخاء، وفي حالات الشدة، في حالات الضعف، في حالات القوة، في حالات الغنى، في حالات الثروة، في جميع أحوالهم، تجد ذلك في الصحيفة السجادية، تجد ذلك في موسوعات الأدعية.

وقد جُمع على يد بعض العلماء -جزاهم الله خير الجزاء- بعض ما رُوي عن سيدتنا صاحبة الذكرى عليها أفضل الصلاة والسلام، مجموعة من الأدعية تحت عنوان (الصحيفة الفاطمية) جُمع فيها ما توفر، حسب ما توصل إليه هؤلاء أو هذا العالم، ما بلغه من أدعية الزهراء عليه أفضل الصلاة والسلام، مقاطع من الأدعية نتعرف من خلال هذه الادعية على مدرسة الزهراء وفلسفة الزهراء والغايات والأساليب والأدوات التي ينبغي لكل واحد منا أن يدير حياته، في علاقته بالله وفي علاقته بالناس وفي علاقته بنفسه وفي علاقته بكل ما يرتبط به. كيف ندير ذلك؟ من خلال الدعاء.

ما الذي يجب أن يشغل بالك؟ ما الذي يجب أن يكون حاضرا في وعيك؟ بل ما الذي يجب أن يكون حاضرا حتى في لا وعيك؟ كيف نتعلمه؟

من خلال هذه الادعية، لأنها تضع النقاط على الحروف، حتى نعرف طبقات الاهتمامات، ما هي هذه الأهمية، وبهذه الطريقة يتربى الواحد منا في هذه المدرسة المعطاءة.

تقول عليها أفضل الصلاة والسلام، اختار بعض المقاطع مما رُوى عنها صلوات الله وسلامه عليه، تعلّمنا ما الذي يجب أن نهتم به فنجعل له ظلم ليست ضمن اهتماماتنا، بل نجعل همّنا الذي يشغلنا، حتى لا نُستهلك في شؤون الدنيا وفي شؤون هذا الجسد، الله عز وجل لم يخلق لنا لأن نقضي في حياة الدنيا هذه السنوات المعدودة،  وإن طالت، وإنما خلقنا الله عز وجل لنفد عليه فتكون نفوسنا نفوسا مطمئنة تفد عليه راضية مرضية، وبهذا وُصفت صلوات الله وسلامه عليها أنها الراضية المرضية، ما الذي كانت تطلبه من الله، ليس من الناس، لأننا لا نستغني عن مثل هذه المطالب، التحديات التي تواجهها، أنت أيها الإنسان تجعلك في حاجة ماسة إلى هذا الذي سألته الزهراء من الله سبحانه وتعالى في سياق الدعاء، حتى نعرف كيف يربينا الدعاء، تقول عليه السلام:

(اللهم إني أسألك قول التوابين وعملهم).

التوابين لا تعني الذين يخطئون فقط، وإن كان من شأن الإنسان غير المعصوم أن يخطئ، لكن حتى المعصوم يحتاج أن يرجع إلى الله من محطة إلى محطة، فإذا بلغ مقاما سأل الله عز وجل المقام الأعلى، فإذا لم يصل إليه عد نفسه مخطئا، أما أمثالنا، فإننا نهوي من حفرة إلى حفرة، حتى أننا إذا سألنا الله عز وجل أن يخرجنا من حفرة هذه المعصية وقعنا في حفرة أخرى، فالجامع وبين أمثالنا وبينها، صلوات الله وسلامه عليها، طلب كل واحد منا ما يفتقده طلب كل واحد منا ما يرغب فيه، وطموح الناس ومطامعهم تتفاوت.

تقول عليها السلام (اللهم إني أسألك قول التوابين وعملهم).

التوبة التي تعني الرجوع إلى الله ليست ألفاظا ينطق بها وإنما يضاف إلى ذلك سلوك نجسده فنؤكد أننا عائدون وراجعون إلى الله عز وجل.

(ونجاة المجاهدين وثوابهم) والمجاهدون عنوان يتسع لما هو أوسع ممن يقاتلون في جبهات القتال، كل إنسان في هذه الدنيا، يجب أن يكون مجاهدا لأن عدوك الذي هو الشيطان يكمن لك في جميع خطواتك، فقد أخذ على نفسه مقسما بين يدي الله عز وجل وعزته أن يغوي الناس أجمعين، فواهمٌ من يظن أنه في مأمن من مكامن الشيطان ومن حربه الشرسة.

 كيف ننجو؟

بالله عز وجل، ولذلك السيدة عليها أفضل الصلاة والسلام تسأل الله عز وجل، (ونجاة المجاهدين وثوابهم) إذا وفق الإنسان إلى أن يكون ممن جاهد بين يدي الله عز وجل هذا الشيطانَ الرجيم، وكل خطوة شيطانية فإن الله عز وجل ينجّيه، وقد وعده بثواب جزيل.

(وتصديق المؤمنين وتوكلهم) المؤمنون هم الذين يصدقون الله عز وجل في ما ينطق به أو فيما ينطق به سفراؤه أنبياؤه رسله أوصياء الله عز وجل وأولياءه، المؤمنون الصادقون هم الذين إذا بلغهم شيء من هذا العلم صدّقوه ويروضون أنفسهم على أن يصدقوا ما يأتي من عند الله عز وجل، لأن الله عز وجل يقول {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما}.

هذه الروح كيف نحظى بها؟

 بالتمرين بالرياضة، التي يأتي في صدارتها أن نسأل الله عز وجل خاضعين متواضعين خاشعين، أن يمن علينا وعليكم بها.

فمن كان من المؤمنين، النتيجة المنطقية هي أنه سيكون من المتوكلين، مهما كانت الضغوط عليه شديدة، المادية والمعنوية، من الأعداء الظاهريين والباطنيين، فإنه قد التجأ إلى ركن وثيق هو الله عز وجل، فمنطقه هم في الحياة، {حسبنا الله ونعم الوكيل}.

أولم تخرج صلوات الله وسلامه عليها من الدنيا واجدة ساخطة على فئة من الناس؟ لكن كل ذلك لم يمنعها أن تكون الزهراء، وأن تكون فاطمة، القريبة من الله سبحانه وتعالى.

ثم سألت (والراحة عند الموت) .

الموت هو الحقيقة التي لا يمكن أن تغيب عن واقع هذا الإنسان، وفيها شدائد لن يرتاح الإنسان منها إلا أن يريحه الله عز وجل بأعماله الصالحة وبتوفيقه ثم بلطفه وفضله سبحانه وتعالى.

والمحطة الأخرى (والأمن عند الحساب).

 الله سبحانه وتعالى لما خلق الناس في هذا العالم، فقد بيّن لهم أنهم جميعا أفرادا وجماعات سيقفون بين يديه ليحاسب المحسن بإحسانه والمسيئة بإساءته، ولذلك فإن في ذلك اليوم، في ذلك اليوم فيه خير كثير، وفيه شر مستطير، من الذي يوقى الشر ذلك اليوم ؟

هم الذين يسيرون هذه السيرة الحسنة، السيرة الفاطمية السيرة الزهرائية السيرة التي عرف هؤلاء من خلال ارتباطهم الوثيق بالله عز وجل كيف ينجّون أنفسهم ويكونون دعاة صالحين إلى الله عز وجل، ولذلك نسأله عز وجل الأمن عند الحساب.

(واجعل الموت خير غائب انتظره)

الموت لا يستطيع أحد منا أن يفر منه، أوليس المطلوب منا إذن أن نستعد لهذه الحقيقة التي ستأتي وإن طالت؟

كيف يكون الإنسان مرتاحا ويحسن استقبال الموت؟ بالعمل الصالح.

(وخير مطلع يطلع عليّ –أو- مطّلع يطّلع عليّ) لان الإنسان إذا مات انكشفت سرائره {يوم تبلي السرائر} الله سبحانه وتعالى يوم القيامة حينما يقف الناس جميعا بين يديه يظهر كل واحد من الناس بين يدي الله عز وجل لا ستر عليه، وهذا معنى أن يخرج الناس عراة.

طبعا نحن نستحي، الواحد العاقل منا والعفيف من الناس، يستحي أن يخرج بين الناس عاريا، هنا وهناك، كيف يُستر؟ وهذا ما كان يقلق الزهراء، أنه كيف تفد على الله عز وجل عارية، لكن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بيّن لها أنها لن تكون كذلك، لأن الله عز وجل قد ألبسها لباس التقوى {ولباس التقوى ذلك خير} غير أن الله عز وجل اكراما لها، كما ورد في الروايات الواردة على الفريقين أن الله عز وجل حينما يستدعي الزهراء بين يديه يأمر المحشر ومن فيه، غضوا أبصاركم فإن فاطمة ستجوز، هذا اكراما لها، ليس لأنها عليها أفضل الصلاة والسلام فيها شيء لا يحق للناس أن ينظروا إليه كما هو حال وغيرها من الناس، ولكن اكراما لها سيؤمر البشر وان يغضوا أبصارهم عنها.

نسأل الله عز وجل أن نكون وإياكم ممن يرتبط بها، في عقله وفي وجدانه في قوله في فعله وفي دنياه وفي آخرته، وأن لا يفرق بيننا وبينها طرفة عين أبدا.

اللهم صل على محمد وآل محمد، اللهم كن لوليك الحجة ابن الحسن، صلواتك عليه وعلى آبائه في هذه الساعة وفي كل ساعة ولياً وحافظاً وقائداً وناصراً ودليلاً وعيناً، حتى تسكنه ارضك طوعا وتمتعه فيها طويلا.

اللهم انصر الإسلام والمسلمين، واخذل الكفار والمنافقين، اللهم اشف مرضانا وارحم موتانا، وأغن فقراءنا وأصلح ما فسد من أمر ديننا ودنيانا ولا تخرجنا من الدنيا حتى ترضى عنا يا كريم.

 وصلى الله على محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين