موقع السيد حسن النمر الموسوي

حديث الجمعة

جديد الموقع

 نص الخطبة التي ألقاها سماحة العلّامة الحجة السيد حسن النمر الموسوي يوم الجمعة ٢٨ جمادى الثانية ١٤٣٩ هجري، في جامع الحمزة بن عبدالمطلب:

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد الخلق وأشرف الأنبياء والمرسلين محمد بن عبد الله وعلى آله الطيبين الطاهرين.

رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي.

عباد الله، أوصيكم ونفسي بتقوى الله.

لا يزال حديثنا عن جوامع الكلم فيما رُوي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن رجلا استوصاه بكلام ينفعه الله عز وجل به، ونقف عند ما قاله عليه أفضل الصلاة والسلام (وأكثر من الدعاء، فإنك لا تدري متى يُستجاب لك).

ثقافة الدعاء في الإسلام وعموم العمل الصالح، ليست من مبتكرات الدين الإسلامي فقط، أو كذلك، بل، كل الديانات التي جاءت من عند الله عز وجل ركزت وأكدت على هذه المفردة، بما تختزن و تكتنز من الدلالات التي تكشف عن طبيعة العلاقة الواجب أن تقوم بين المخلوق والخالق، فالله عز وجل يقول {قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ} ويقول عز وجل {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} وقد ورد في الحديث الشريف أن (الدعاء مخ العبادة).

الدعاء ليست هي فقط هذه الكلمات التي نقرأها، بخشوع إن وفقنا الله عز وجل، ومدرسة أهل البيت مَنّ الله عز وجل عليها بمخزون هائل وضخم جدا، لا تمتلكه المدارس الأخرى، فيما رُوي عن النبي صلى الله عليه وآله، وعن آله عليهم أفضل الصلاة والسلام،  من أدعية تغطي كل المساحات حياة الفرد، في شؤون الدين وفي شؤون الدنيا، لا تكاد تجد مساحة من مساحات الحياة إلا وثمة دعاء طويل أو قصير يملأها، لأن الإنسان إذا خليت حياته من الدعاء والمناجاة يتصحّر أخلاقيا، يجف روحيا، وإذا تصحر الإنسان وجف في روحه وفي أخلاقياته، استطاع الشيطان أي يتسلل إليه بسهولة، فيجعله فرعون صغير ثم يكبر إلى أن يتحول إلى فرعون الكبير الذي قال أنا ربكم الأعلى، والذي دفع بفرعون الكبير والفراعنة الصغار أن يقولوا ويفعلوا ما قالوا وما فعلوا هو أن الحقيقة حجبت عن أن يروها و يتبصروها، فانقلبت لديهم المفاهيم فصار الحق باطلا والباطل حقا والمنكر معروفا والمعروف منكرا، فبعث الله عز وجل النبيين من أجل أن يبشروا الناس وينذروهم ويبينوا لهم الحق، كلٌ بما يستطيع.

الأنبياء يرون الحق بما يتناسب ونبواتهم والأئمة يرون الحق بما يتناسب وإمامتهم، والمؤمنون كل واحد منهم يرى الحق في حدود ما يجاهد به نفسه، والله عز وجل يقول {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} أما الذين لا يجاهدون في الله عز وجل ستعمى بصائرهم.

مثلا، القرآن الكريم يقول {أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} لاحظوا القرآن يطرح مسألة وجود الله عز وجل وربوبيته لهذا العالم كمسألة فطرية، والفطريات لا يستدل عليها، لا يمكن أن يُستدل على أمر فطري، وما يذكره العلماء من الأدلة والبراهين على وجود الله، كثيرٌ من العلماء يتحفظون على تسميتها بالأدلة والبراهين، ويقولون إنها منبهات، والمنبهات هي فقط إزالة شيء من الغشاوة الوجدانية.

يعني هل نحتاج أن نستدل على أن الواحد إذا أضفنا إليها الواحد تساوي اثنين..؟!

لا نحتاج أن نستدل، فقط نحتاج أن نستوعب حقيقة الواحد كعدد وحقيقة الواحد الآخر كعدد، لنعرف أن النتيجة المنطقية اللازمة التسليم، هي انهما إذا جمعناهما سيكونان اثنين.

فما يتعلمه الأبناء في المدارس هم يتعلمون الرموز، يعني نعلم هذا الولد أن هذا الرمز الرسم العربي أو الإنجليزي أو أي لغة أخرى، يراد به ما يساوي هذا الشيء الذي إذا رفعته كعود، يصبح وحدة عددية، فنعلمه الرموز حتى يربط ويتفاهم مع الآخرين، إذا أراد هذا المضمون يشير إليه بكلمة (واحد) أو يشير إليه بهذا الرسم المعين، وإلّا في الحقيقة لا نضيف إليه شيء.

بعض الناس يلتبس عليه الحال، يقال أن بعض الأساتذة لما درّس تلميذه علم المنطق -الذي هو قواعد التفكير السليم، التي إذا رُوعيت لا يقع الإنسان فيها في الخطأ إذا سلمت المضامين- قال له أذهب وانظر هل الناس يفكرون بالمنطق أو لا يفكرون بالمنطق؟ رجع إلى أستاذه بعد تأمل في واقع الناس، قال إن الناس لا يفكرون بطريقة منطقية، فكان جوابه: أعاننا الله أن ندرس المنطق وإياك من جديد، قال لم؟ قال لأنك أدركت قشور المنطق لم تدرك واقع المنطق.

نحن لا نريد بالمنطق مصطلح التناقض المراد عند المنطقيين، ولا بالتضاد المراد عند المنطقيين أو عكس النقيض أو العكس المستوى وبقية الاصطلاحات، لكن واقع الناس في كثير من الأحيان هم يفكرون بطريقة منطقية، قد تكون المواد التي يستعملونها غير منطقية.

هذا الطفل الصغير الذي بعد لم يدرك شيئا، للتو ولدته أمه، إذا وضعت يدك على خده ماذا سيفعل؟

سيقوم بردة فعل، ردة فعل إما أنه سيلتفت إلى اليمين أو اليسار ليتحسس ما الذي تسبب في هذا الفعل الذي حصل له وشعر هو به، هذا تفكير منطقي، لكن لو سألته لن يجيبك، لأنه بعد لا يحسن الكلام.

فإذن الله سبحانه وتعالى يقول {أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} نجد الآن ناسا ليسوا جهّالا لم يدخلوا المدرسة، وليسوا متعلمين في المراحل الأولى، بل جهابذة في العلم يقال لهم، يقولون الله غير موجود.!

لاحظوا كيف يفكر القرآن وكيف يطرح المسألة وهؤلاء كيف ينتهون إلى هذه النتيجة، ثمة خلل، هذا الخلل، أين هو؟

نحتاج أن نتمم له بما يضعه لنا الإسلام والديانات السماوية في الدعاء، المسألة ليست منطقية عقلية فقط، المسألة في كثير من الأحيان ترتبط بالروح، الذي دفع بإبليس إلى أن يتشيطن ويصبح شيطانا رجيما يستحق لعنة الله عز وجل، ليس هو أنه لم يفهم ان الله هو الله، وأن الله إذا أمر يجب أن يُطاع وأن آدم مخلوق يمكن أن يكون أفضل ويمكن أن ألا يكون أفضل، ما الذي دعاه إلى أن يتمرد على أمر الله الواجب الاتباع، أنه {قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ} هذه أنا خير منه ماذا يريد؟ ما الذي وقع في روعه؟

حالة الكبرياء، هذا الاستكبار دفع به إلى أن يستكبر، ليس على آدم وإنما استكبر على الله، لأن الذي صدر الأمر منه ليس آدم، الذي صدر منه الأمر الله سبحانه وتعالى.

مشكلة إبليس، الذي تحدثت الروايات عن عبادته الشيء الكثير، عبدَ اللهَ عز وجل ستة آلاف سنة، كما يروي في نهج البلاغة عن أمير المؤمنين، لا يُدرى أمن سني الدنيا أم من سني الآخرة، يعني دع لخيالك أن يسبح ما شاء الله، لا تستطيع أن تحدد هذه السنوات، ستة ألاف ليست ستين سنة وسبعين سنة، لكنه كان يعبد الله عبادة لم يتمكن معها من أن ينتزع هذه الأنانية، يحتاج إلى ماذا؟

يحتاج إلى أن يروض نفسه، يروض روحه، يطوع نفسه ليعترف بينه وبين ذاته، أن الله هو الله، أن الله هو الخالق، أن الله هو المولى، أن الله هو المالك، أن الله هو الغني، وأن المخلوقين جميعا دون استثناء هم الفقراء.

كيف نصنع هذه الحالة؟

 الجواب عندما جاء من قول لرسول الله (وأكثر من الدعاء) نحتاج أن نكثر من الدعاء، في الليل والنهار، أدبار الصلوات، قبل الصلوات، عند العمل، بعد العمل، أثناء العمل {رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ} هذا الذكر إذا عمرت به النفوس والقلوب طهرت من هذه الأدران وإذا طهرت أنفس الناس من الأدران سأل الله عز وجل أن يضعه حيث يجب أن يكون، إن كان من العالين جعله الله من العالين، وإن لم يكن كذلك سأل الله أن يهديه للتي هي أقوم، فإذا فعل الله عز وجل به ذلك، أتاه الحكمة { وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا}.

بعض من يعترضون مثلا على الأحكام الشرعية، هم لا يدركون أن هذا الاعتراض قد يتوهمون انه اعتراض على أن هذا الحكم الشرعي ثابت أو ليست بثابت، ويغفلون عن انهم يحتاجون إلى أن يدعو الله عز وجل دائما وأبدا أن يهديهم للتي هي أقوم، بعض الأحكام الشرعية قد لا تبدو لنا مفهومة ولا مستوعبة، يستطيع الإنسان أن يدعي أنه عاقل، وأن الله عز وجل لا يأمر بشيء لا يتوافق مع العقل، ثم يتساءل لم جعل الله عز وجل صلاة الظهر أربع ركعات للمقيمين في بلده؟

 سؤال مشروع أن يطرح، لكن هل من المشروع أن يصر الإنسان على هذا السؤال، فيدع الصلاة لأنه لم يستوعب خلفية أن تكون هذه الصلاة أربع ركعات وليس ثلاث وليس اثنتين وليس أزيد ولا أقل؟!

لك أن تتساءل فتسأل الله أن يهديك، فإن تعلقت مشيئة الله أن يبين لك، فتلك نعمة من الله، أما إذا تعلقت مشيئة الله أن يمتحن الناس، بأن يسلموا للحكم الشرعي الثابت، ما هو المنطق؟ المنطق الأخلاقي والوجداني والديني والإيماني أن يفرض؟

{ إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ} أولئك الذين ساوموا ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على أن يتدينوا بالإسلام، ثم وضعوا شروطا يبايعوا على أن يكون لنا الأمر من بعدك، ماذا كان جواب رسول الله لهم؟ ذاك إلى الله يضعه حيث شاء، هذا ليس لي.

ولذلك لما نصب عليا عليه أفضل الصلاة والسلام سألهم، أي سأل الناس (ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ قالوا بلى يا رسول الله....) من الذي جعل رسول الله أولى بالناس من أنفسهم؟ الله، من الذين استجابوا لهذه الدعوة التي أحيت القلوب ؟ من حيت قلوبهم، من هم الذين حيت قلوبهم؟ هم الذين دعوا الله أن يفتح قلوبهم على الحق فيسلموا له {يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ}.

هل يظن هذا الذي قد يعترض على حكما شرعيا هنا أو حكما شرعيا وهناك بعيدا عن المصاديق المتفرقة، أن هؤلاء يدفعهم إلى ذلك عقلانيتهم، هل هم أكثر عقلانية من رسول الله الذي سلم لله عز وجل تسليما تاما، لم يعترض على الله عز وجل، لما جعلت الصلاة بهذه الركعات، لما جعلت الطواف بهذا العدد والسعي بهذا العدد، كان بإمكانه وهو أولى منا أن يطرح هذه الأسئلة ولو طرحها ولم يجد جوابا، مقام إبراهيم إنما ميّزه أنه قال أسلمت وجهي للذي فطر السماوات والأرض، كيف تمظهر إسلام وتسليم إبراهيم عليه أفضل الصلاة والسلام لله الذي يحتاج أن يدعو الله أن يفتح عليه {يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ} هذا السؤال لو تقدم به أحد العقلانيين، هل يصدق ان هذا حكم شرعي؟ لم ينطق به فقيه وإنما نطق به نبي، هو شيخ الأنبياء إبراهيم، لو كانت المسألة بالمنطق والعقل فقط لطرد هذا وقال إن هذا من أضغاث الأحلام، وأن هذه من الأوهام التي لا تُصدق { إِنِّي أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ} الإنسان لا يجوز أن يذبح شخصا أجنبيا، فكيف بولده الذي ألح على الله أن يسأله ولم يرزقه إياه إلا بعد عمر طويل، مع ذلك نجد إبراهيم العبد الصالح الأوّاب، إن إبراهيم لحليم أواه منيب، يعني دعّاء، كان دعّاء لله عز وجل، ماذا كان جواب ولده الصغير في السن، قال{يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَالصَّابِرِينَ}.

فمن لا صبر له لا إيمان له، كيف نصبر على هذه الأحكام الشرعية التي قد تبدو غير مألوفة لنا، وقد تكون غريبة لنا ؟ هي ان يدعو الله عز وجل أن يُطوع نفسه لله.

نعم، من حق الإنسان أن يسأل لأن هذا الحكم الشرعي ثابت أو غير ثابت، أما إذا ثبت انه ثابت، فيجب أن يستسلم، أحب هذا الحكم أو لم يحب رضي أو لم يرضى ،كره أو لم يكره، هذا أمر آخر، نعم من حق الإنسان أن يسأل، هذا سؤال منطقي ليس لأحد أن يمنع.

كيف نصنع في أنفسنا هذه الحال؟

بالدعاء، أن نخضع لله عز وجل، أن نضع هذه الجباه التي نعتز بها لنتواضع بين يدي الله (اللهم ارزقنا توفيق الطاعة) لا يوفق إلى ذلك كل أحد، ومطلوب منا أن نثابر على هذا الأمر، في جميع الأحوال، في صغائر الأمور وكبائرها أن نسأل الله عز وجل أن يهدينا للتي هي أقوم {إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَم}.

النبي صلى الله عليه وآله في هذا الفقرة، ماذا قال (وأكثر من الدعاء) لا تدعوا الله عز وجل في موسم دون آخر، في حالات الشدة وتَدَع الله عز وجل في حالات الرخاء، المطلوب ان يلتزم الإنسان الدعاء دائما وأبدا، بل أن يكون شاكرا في وقت الرخاء ليس أقل من حالات الشدة، حتى يكتشف من نفسه أن علاقته بالله علاقة حب (وهل الدين إلا الحب) الدين حب، لكن ليس حبا للناس، هو حب لله، يترشح من محبة الإنسان للخالق المحبة للخلق، حتى يصبح منطقه وفعله، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أليست هذه هي تحية الإسلام؟

هي تحية السلام هي تحية الأمن، لأن الإيمان يفترض بالإنسان أن يأمن منه الناس (المسلم من سلم الناس من يده ولسانه) إذا كان المطلوب أن يسلم الناس أليس المطلوب وان يسلم شرع الله عز وجل، فلا يتطفل عليهم متطفل؟

أليس المطلوب وان يسلم جناب الله عز وجل، فلا يجهل في حقه أحد؟

هذا هو المطلوب، على الإنسان أن  يدعو الله عز وجل بخير الدنيا و الآخرة، ومن أهم هذا الخير أن يفقه دين الله، فيخضع لله عز وجل، ويسأله اللهم فقهنا في دينك، هذا خير.

الإمام عليه أفضل الصلاة والسلام حينما يقول (لوددت أن السياط على رؤوس أصحابي حتى يتفقهوا في الدين) هذا واحد من أسراره، الإسلام لا يريد أناسا لا يفقهون ولا يدركون، لكن لا يعني العقلانية والعقل والفهم والاستيعاب لا تعني التمرد حتى نكون كالأبالسة والشياطين، لأن أولئك أيضا كان عندهم قياس منطقي، وكانوا يقولون أنا خيرٌ منه، هل اكتفى الشيطان بهذا؟

لا، بل استدل، جاء باستدلالات، ليس كل استدلال صحيح {خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ} يعني جاء بمقولة ظاهرها انها حسنة ومبنية على أساس منطقي فيه دليل ان النار خير من الطين، وكأنه قد أحاط بخصائص النار و بخصائص الطين وانه استطاع أن يصل إلى سر الأفضلية، الله سبحانه وتعالى ماذا يقول {أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَىٰ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ}الأفضال التي منَّ الله عز وجل بها على الناس تتفاوت، لما جعل الله عز وجل محمدا صلى الله عليه وآله وسلم خاتم النبيين والمرسلين {اللهُ أعلمُ حَيثُ يَجْعَل رِسالتَه} لما جعل الله عز وجل أهل البيت هم الطاهرون المطهرون؟ الله أعلم، حيث يفعل ما يفعل، ليس للناس ان يعترضوا، يجب على الناس أن يسلموا، إما أن يقبل فلان أو لا يقبل فلان، يعني اننا أدخلنا وأقحمنا الهوى، الدين حقيقته {فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}.

أولم يلزمنا الله عز وجل بقوله {إنّ اللهَ وملائكتَهُ يُصَـلُّونَ على النبي يا أيها الذين آمنوا صَلُّوا عليه وسلِّمُوا تسليما}

هذا تسليم مبني على أن الله عز وجل أودع رسوله الكريم و أودع ذريته الطاهرين علما ليس عند الناس، حتى قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (أنا مدينة العلم وعلي بابها -أو- أنا مدينة الحكمة وعلي بابها) لا يستطيع الإنسان أن يصل إلى علم رسول الله من أي باب، ثمة أبواب حددها الله عز وجل لنصل إلى هذا العلم، هو أن نسلك السبل التي فرض الله عز وجل على الناس ان يسلكوها ليعرفوا ما يجب أن يعرفوه، فما جاء في الكتاب الكريم أو الروايات التي ثبت اعتبارها، نحن لا نزال نتكلم لأن هناك من يثير إشكالات، هذه الرواية لم تثبت دعك من هذا، الرواية ثبتت أولم تثبت، لأن إشكالك لا يقف عند حدود الروايات التي ثبتت أو لم تثبت، أشكالك هذا الذي يثار هنا وهناك يسري حتى على آيات الله عز وجل لأن هذا الذي يتحذلق يظن أنه من العقلاء، من حقه أن يعترض على إبراهيم في الآيات التي تلوناها، ومن حقه أن يعترض سيعترض طبعا، على العبد الصالح الذي ساق الله عز وجل قصته انه قتل ولدا بريئا بعد لم يصدر منه ما يستوجب أن يُقتل، الله سبحانه وتعالى لماذا ساق لنا هذا الخبر؟

يعني أن ثمة سقوفا في الأحكام الشرعية والمعارف الدينية لا يستطيع الناس بقدراتهم هذه أن يدركوها، والأنبياء والأئمة إنما سلموا لله عز وجل، لأن الله جعلهم أعقل من أن يعترضوا على الله عز وجل، مثل ما فعل إبليس ومن سار بسيرة إبليس.

 دخل أحدهم على الإمام الصادق عليه أفضل الصلاة والسلام وتكلم معه حول القياس أنه سمعنا انك تقيس؟ قال نعم إذا لم نجد دليلا في الكتاب الكريم والسنة المطهرة اعملنا الرأي هل لو كانت المسألة بالسنة لكان غسل باطن القدم أولى من ظاهرها، إذا أردنا أن نصلي الله سبحانه وتعالى، هل كلفنا بأن نمسح باطن القدم؟ لا، كلفنا ان نمسح ظاهر القدم امسحوا بأرجلكم، أرجلكم من الأعلى -مع حفظ الخلاف بين مدرسة أهل البيت والآخرين- لكن لماذا الله عز وجل طلب منا هذا ولم يطلب منا غسل مواضع أخرى هي أولى بالغسل؟

لا ندري، لا نستطيع أن ندري هل غسل هذا فقط للتطهير؟ إذا لم تكن يدك قد  أصيبت بنجاسة هل يجب عليك حينئذ أن تتوضأ بمعنى التطهير، يدي ليست نجسة، فأصلي دون توضؤ، لكن الله عز وجل ألزم الجميع متطهرين وغير متطهرين أن يتوضأوا اذا أرادوا أن يصلوا، فلو كانت المسألة لكان مواضع العورة من الإنسان أولى بأن تُغسل قبل أن يصلي، لم يُلزمنا الله عز وجل بذلك إلا إذا كنا قد خرج منا شيء من النجاسة يستوجب تطهير الموضع، أما إذا لم نفعل ذلك لا يجب عليك.

لو كانت المسألة بالقياس لتغيرت كثير من الأحكام الشرعية، فما هو المطلوب؟

المطلوب أن نتعبد لله عز وجل، التعبد لله لا يصنع اعتباطا، وإنما يصنع عبر الدعاء، كما قال النبي (وأكثر من الدعاء، فإنك لا تدري متى يستجاب لك).

 يقبل علينا بعد أيام قليلة شهر رجب، شهر الدعاء، الشهر الذي نسب إلى الله سبحانه وتعالى، من أهم أعمال شهر رجب الدعاء بين يدي الله عز وجل، مضافا إلى الصيام وزيارة الامام الحسين عليه أفضل الصلاة والسلام وعمرة رجب وزيارة الإمام الرضا، سلسلة من الأعمال ذكرها العلماء، لكن كل هذه الأعمال تدور حول مسألة التعبد لله عز وجل.

حرمة هذا الشهر القادم، شهر رجب، حتى الجاهليون كانوا يراعونها، وقد ذكر ذلك في عدد من الروايات، فجاء الإسلام ليكرس حرمة هذا الشهر الذي هو من الأشهر الحُرم، الجاهليون الذين كان يسود في أوساطهم والسلب والنهب والقتل والاقتتال، كانوا يضعون أسلحتهم في هذا الشهر، لشعورهم، طبعا هذا مأخوذ ممن سبق من الأنبياء، لكنهم أدركوا السر وأهمية ذلك لأن الناس يحتاجون إلى شيء من السلم، حتى تستمر معيشتهم ويستمرؤا هم معيشتهم، لأن الناس لا يستطيعون أن يكونوا في حالة احتراب، استمرار الإنسان على هذه الحالة تجعله من أهل السلم، تجعله من أهل العطاء ومن أهل طلب الخير للآخرين.

روايات كثيرة فقط أقف عند واحدة من هذه الروايات وهو ما يرويه السيد ابن طاووس رضوان الله عليه في كتابه عن الشيخ الصدوق كتابه «إقبال الأعمال» وهو من أهم الكتب التي عنيت بتسجيل ما يستحب فعله في الشهور والأيام، كتاب جميل جدا، والسيد ابن طاووس ممن أجمعت الطائفة على جلالة قدره وعلى ورعه وعلى تقواه، كان يتورع حتى عن الفُتيا، وإن كان هو من أهلها، لكنه كان رجل، هذا الكتاب، كتاب «إقبال الأعمال» كتاب روحي قيم جعل له مداخل في تبيان أهمية الأشهر والأيام، المأمول من الإخوة أن يحتفظوا به في بيوتهم، ويكثروا من مطالعته.

طبعا ما ذكر من الأدعية، ومن الأعمال الصالحة، سواء في هذا الكتاب أو في غيره، الفقهاء يقررون القاعدة، أشار إليها السيد ابن طاووس وهي القاعدة المسماة التسامح في أدلة السنن، في الأعمال المستحبة لا يشترط الفقهاء أن تثبت هذه الأمور بالقطع واليقين، يكفي، لأن هناك روايات مروية عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وفيها شيء من الاستفاضة إن لم نقل مستفيضة، إن من بلغه ثواب عن رسول الله كان له ذلك الثواب، وإن لم يصدر هذا من رسول الله، هذا من فضل الله عز وجل.

يقول – بالإسناد- قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (ألا أن رجب شهر الله الأصم -أو الأصب في لفظ آخر- وهو شهر عظيم، وإنما سمي الأصم لأنه لا يقاربه شهر من الشهور حرمة وفضلا عند الله) يعني باستثناء شهر رمضان، يستفاد من الروايات الأخرى، لكن بقية شهور لا تضارع هذا الشهر، (وكان أهل الجاهلية يعظمونه في جاهليتها، فلما جاء الإسلام لم يزده إلا تعظيما وفضلا إلا أن رجب شهر الله وشعبان شهري ورمضان شهر أمتي ألا فمن صام من رجب يوما إيمانا واحتسابا استوجب رضوان الله الأكبر وأطفأ صومُه في ذلك اليوم غضبَ الله، وأغلق عنه بابا من أبواب النار، ولو أعطي ملئ الأرض ذهباً ما كان بأفضل من صومه- طبعا الذي يصدق بأمثال هذه الروايات التي مضامينها ثابتة فقط المؤمنون، أما الذين لا يعتقدون بنبوة النبي اعتقادا كاملا وعقلانيون شديدا جدا، يجدون أن في هذا شيء من المبالغة، وكأن خزائن الله تشبه خزائن البشر، لا، نحن مؤمنون برسول الله مؤمنون بالله نصدق الله عز وجل ورسوله وأولياءه فيما ينطقونه عنهم، لأن الحق منهم وفيهم واليهم- ولا يستكملوا أجره بشيء من الدنيا دون الحسنات إذا أخلصه  لله وله إذا أمسى-هذا عن الصيام وعن فضيلة رجب وعن الصيام- وله إذا أمسى عشر دعوات مستجابات -يعني بعد أن يصوم ويدعوا الله عز وجل في المساء في ختامه، الله سبحانه وتعالى يكافئه)

فإذن، هو شهر صيام وهو شهر دعاء وهو شهر أعمال صالحة وإحسان إلى الفقراء لمن عجز، كما يستفاد من روايات كثيرة -وله إذا أمسى عشر دعوات مستجابات إن دعا بشيء من عاجل الدنيا أعطاه الله، وإلا ادخر له من الخير أفضل ما دعا به داع من أوليائه واحبائه وأصفيائه).

وفي رواية عن رسول الله يرويها، قال رسول الله صلى الله عليه وآله (من صام أول يوم من رجب وجبت له الجنة) هناك ليالي أربع كان أمير المؤمنين عليه أفضل الصلاة والسلام أو بعض الأئمة يستحبوا أن يخلو بينه وبين الله عز وجل، منها أول ليلة من ليالي رجب.

 شهر عظيم كما جاءت الروايات لا ينبغي لنا أن نفرط فيه، بالصيام قدر ما نستطيع، بالدعاء قدر ما نستطيع، وأدعية شهر رجب تتميز بخصوصيات لا يتسع الوقت للوقوف عندها، لعلنا نوفق لاحقا في بيان بعض خصوصيات هذه الادعية، تدور كلها حول تأكيد حاجتنا إلى الله وغنى الله عز وجل، وكم هو عطاء الله لمن كان من الموفقين أن يكون عبدا صالحا لله عز وجل.

 من لا يوفق إلى ذلك من حُرم من ذلك لمرض أو شيخوخة أو لسبب شرعي آخر، يستبدل بتسبيح جاء في بعض الروايات أو يُستبدل بإطعام، لمن يتمكن أن يطعم بمد من الطعام بعض الفقراء.

أسأل الله عز وجل  أن نكون وإياكم من أهل شهر رجب وأن نكون وإياكم من أهل الدعاء ومن أهل إحياء لأننا دخلنا في موسم رجب وشعبان ورمضان هذا موسم روحي لا يستغني عنه أي واحد منا، نسأل الله عز وجل أن نكون وإياكم ممن يستمع القول فيتبع أحسنه.

اللهم صل على محمد وآل محمد، اللهم كن لوليك الحجة ابن الحسن، صلواتك عليه وعلى آبائه في هذه الساعة وفي كل ساعة ولياً وحافظاً وقائداً وناصراً ودليلاً وعيناً، حتى تسكنه ارضك طوعا وتمتعه فيها طويلا.

اللهم انصر الإسلام والمسلمين، واخذل الكفار والمنافقين، اللهم اشف مرضانا وارحم موتانا، وأغن فقراءنا وأصلح ما فسد من أمر ديننا ودنيانا ولا تخرجنا من الدنيا حتى ترضى عنا يا كريم.

 وصلى الله على محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين