موقع السيد حسن النمر الموسوي

حديث الجمعة

جديد الموقع

 

 نص الخطبة التي ألقاها سماحة العلّامة الحجة السيد حسن النمر الموسوي يوم الجمعة ٥ رجب ١٤٣٩ هجري، في جامع الحمزة بن عبدالمطلب:

 

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد الخلق وأشرف الأنبياء والمرسلين, محمد بن عبد الله وعلى أهله الطيبين الطاهرين.

رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي.

عباد الله، أوصيكم ونفسي بتقوى الله .

كنا قد تحدثنا فيما مضى عن شيئ رُوي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وصفناه بأنه من جوامع الكلم، وقد أُوتي عليه أفضل الصلاة والسلام جوامع الكلم وهي كلمات قصيرة غير أنها تحتوي من المضامين الشيء الكبير والكثير مما لا يستغني عنه الإنسان في بناء إنسانيته وتكاملها 

بلغ بنا الحديث إلى الفقرة الأخيرة من هذه المقولة الرائعة النبوية، أسأل الله عز وجل لنا ولكم التوفيق إلى العمل بمضمونها و مقتضاها.

لا يجوز للإنسان إلّا أن يكون سلوكه سلوكاً حسناً، فإن الله عز وجل يؤكد في مواضع عديدة من القرآن الكريم أن الإنسان يدور أمره بين النجاح والخسران، بين الفوز والخسارة، ولا يمكن أن نفكك بين عالم الآخرة، وبين عالم الدنيا، فالدنيا مزرعة الآخرة، من نجح بموازين الله عز وجل في الدنيا فإن مستقبله الأخروي مضمون، ومن أخفق بموازين الله عز وجل في الدنيا، فإنه سيكون من الخاسرين -نعوذ بالله من ذلك- وباعتبار أننا عقلاء والعاقل من طبعه أنه ينشد الخير لنفسه، ينشد الخير الكثير والوفير، ويفرّ حتى من الضرر القليل قدر استطاعته.

هذا ما يفعله العقلاء، والذي يختلف فيه الناس قد يختلفون في المصاديق، فإذا عرفنا أن هذا الكلام قد ورد من الله عز وجل اللطيف الخبير,  أو ورد على لسان رسول كريم قامت الأدلة والبراهين على أن كلامه من كلام الله، حيث أنه {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ (*) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ} تطمئن نفس العاقل إلى العمل بهذا المضمون الوارد عن الله عز وجل أو الوارد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

هذا الذي استوصى رسول الله صلى الله عليه وآله بكلام ينفعه الله به، ذكر له فقرات استعرضنا بعضها نقف عند الفقرة الأخيرة التي يؤكد فيها النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالتحذير الشديد من السلوك غير الحسن، والسلوك غير الحسن مثل والسلوك الحسن من جهة أنه يتفاوت شدةً وضعفأ، يعني كما أن فلانا يقال سلوكه حسن، والحُسن مراتب، كذلك السلوك غير الحسن، القولي والفعلي والمشاعري، يتفاوت شدةً وضعفاً، حينما يوصف النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأنه على خلق عظيم، هذا الوصف إذا جاء من عند الله عز وجل في حق النبي، لا يقاس بما لو وصفنا نحن أحدا بأنه على خلق عظيم، وصفك صحيح، لو وصفت أحدا تجد أن خلقه عظيم بهذا الوصف لا تعد كاذباً، والله عز وجل حينما يصف رسوله الكريم بأنه { لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ} هو صادق في أعلى مراتب الصدق، لكن هذا الوصف لا يداني هذا الوصف، وإن تشابه التعبيران، كذلك حينما نقول فلان سلوكه حسن وفلان الآخر سلوكه حسن، هذا لا يعني التماثل التام بين المرتبتين في السلوكين عند هذا وذاك، قد يتفاوتان، كذلك حال الظلم.

النبي صلى الله عليه وآله وسلم يحذر في هذه الفقرة الأخيرة، من شيء لا يقدم العاقل عليه إلا بمقدار ما يتفلت منه عقله، وبمقدار ما يفوته رشده، يقول صلوات الله وسلامه عليه عن مسألة وُصفت في اللغة العربية بالبغي، البغي هو مرتبة من مراتب الظلم العالي، ليس الظلم العادي، والإسلام لا يتسامح مع الظلم بمختلف مراتبه, لكن بطبيعة الحال رفضه للظلم الشديد يتناسب مع شدته، ورفضه للظلم الضعيف يتناسب مع ضعفه.

النبي هنا صلوات الله وسلامه عليه، يمكن أن نقول يشير إلى خمسة أمور، تشكل كل هذه الأمور الخمسة مقدمة من مقدمات وقواعد السلوك:

أولا - أن الظلم والعدوان بمختلف مراتبه أمر قبيح، ليس هناك ظلم حسن، حتى لو اضطُر الإنسان إلى أن يرتكب الظلم، قد يرتكب الإنسان الظلم ويباح له شرعا فعل ذلك، لكنه لا يكون حسنا، كما إذا تعرض شخص للغرق، وفي بيت من البيوت صاحب البيت لا يسمح لك أن تدخل بيته، وفي الوقت نفسه يُلزم الله عز وجل إياك أن تنقذ هذين الغريقين، هنا لابد أن نوازن بين الظلم والظلم، فنجد أن رفع أو الالتزام بأمر الله عز وجل بإنقاذ الغريق أولى من مراعاة هذا الظلم القبيح، فنقوم بعملية موازنة وكسر وانكسار.

طبعا حينما دخلنا بيت هذا الإنسان الذي لا يسمح لنا بدخول بيته، قد فعلنا أمرا قبيحا، لكن لما هو أهم، كما يفعل الطبيب حينما يأخذ المشرط ويفتح بطن المريض أو شيئاً من بدن المريض يقطعه، هذا القطع قبيح لا يقدم عليه الإنسان في الحال الاعتيادي، لكن ما الذي دفعه إلى قبول هذا الأمر السيئ، ما هو أسوأ منه.

هذا ما ينبغي أن يُلاحظ، الظلم بمختلف مراتبه أمر قبيح.

الثاني- أن الظلم ليس على مرتبة واحدة كما أشرنا.

الثالث- ان الظلم لابد له من عاقبة وخيمة.

ليس هناك ظلم لا يدفع الإنسان ثمنه، إلّا إذا قّدر الله عز وجل في عالم الكسر والانكسار أن يثيبك على انقاذ الغريق ويدفع عنك بسبب هذا و ببركته، هذا الظلم الذي وقعت فيه نتيجة التزاحم في عالم المادة وعالم الضيق.

الأمر الرابع- هو أن الله عز وجل جرت سنته على أن ينتصر للمظلوم من الظالم، طال الزمن أو قصر, ويوم المظلوم على الظالم أشد من يوم الظالم علي المظلوم، حتى لا نستهين بأن نظلم أحدا، ونتصور أن هذا الظلم يجوز, لا يجوز على الله عز وجل ظلم ظالم، لا يمكن إلّا أن يعاقب الظالم على ظلمه.

الأمر الأخير- هو أنه لا فرق في قبح الظلم بين أن يكون ظاهراً أو باطناً، علنياً أو سرياً، معروفا أو غير معروف، الظلم أمر مستقبح عند الله عز وجل.

ماذا يقول النبي صلى الله عليه وآله؟

 يقول في فقرتين (وإياك والبغي فإن الله قضى...) حينما يقول واياك في صيغة من صيغ الردع والزجر إياك لا تفعل، وإياك والبغي، فإن الله قضى, أي حكم وبتّ (فإن الله قضى أنه من بُغي عليه لينصرنَّه الله) ثم يستشهد صلى الله عليه وآله وسلم بقول الله عز وجل وقال { يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ} يعني لا يمكن للإنسان الباغي، نعوذ بالله، إلّا أن يدفع ثمن بغيه.

يُلحق ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بأمر قد يتصور الناس أنه من الذكاء ومن الفطنة، أنه يتمكن أن يخادع الناس بل حتى أن يخادع الله، وهو في الحقيقة لا يخدع إلا نفسه، كالمنافقين الذين يخادعون الله وما يخدعون إلا أنفسهم.

 ما الذي يحذر منه النبي وينهى عنه؟

المكر، والمكر هي اللف والدوران ومحاولة تعمية الأمور وتسمية الأشياء بغير مسماها، وهذا ما يرتكبه كل أولئك الذين لا يجدون في دواخل أنفسهم واعظا ولا يراعون زاجرا من زواجر الله عز وجل، لسبب من الأسباب، و{ كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ (*) أَن رَّآهُ اسْتَغْنَىٰ}.

يقول صلى الله عليه وآله (وإياك والمكر) المكر هي المخادعة اللف والدوران والذي يظن الماكرون بأن هذا يشير إلى قدراتهم وأنهم أذكياء يستطيعون أن يتلاعبوا بالحقائق يستطيعوا أن يزوروا الأمور ويدلّسوا الأمور، ويفرح إذا استطاع أن يمرر أمرا ما، يعرف أنه باطل، لكنه استطاع أن يمرره على كثير من الناس، والله عز وجل هو الذي يحاكم الناس، وهذا ما يمكن أن يردعنا ويجعلنا من أهل التقوى، لا أن نجعل المحاسب لنا والذي يخيفنا هو الناس، الذي يجب أن نراعيه أولا وأخيرا هو أن الله عز وجل هو المراقب والمطلع والمحاسب الذي لا تخفى عليه خافية، حيث يفد المجرم والظالم والإنسان على الله عز وجل { يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (*)إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} ليقول { مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلا أَحْصَاهَا }.

هذه الحقيقة لو استحضرناها لن نجد أحدا يظلم أحدا، لا زوج يظلم زوجته ولا زوجة تظلم زوجها ولا والدٌ يظلم أولاده ولا ولدٌ يظلم والديه ولا حاكم يظلم محكوما ولا محكوم يعتدي على الحاكم، وكل الناس يعيشون في سلام وأمن في ظل هذه الشريعة الربانية، نسأل الله عز وجل أن نكون واياكم [فيها]

 ثم يقول صلى الله عليه وآله، (فإن الله قضى أن...) يذكّر بسُنة من سنن الله عز وجل، التي جاءت في الكتاب الكريم (فإن الله قضى أن { لَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ}.

الذين يمكرون المكر السيئ لأن هناك مكر ليس سيئا، { وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} في مقابل مكر الماكرين السيئين، فإن لله عز وجل مكرا، أي أن الله عز وجل لما كان مطّلعا على نوايا هؤلاء وقدرات هؤلاء ويظن هؤلاء أنهم يستطيعون أن يغالبوا الله، فإن الله سيغلبهم فإن (من صارع الحق صرعه). 

الله سبحانه وتعالى يمهل ولا يهمل, وبالتالي لا ينبغي للظالم والباغي أن يفرح لهذه الفترة الزمنية التي استطاع أن يمرر فيها ظلمه على الناس، نسأل الله عز وجل أن نكون وإياكم ممن يستمع القول فيتبع أحسنه.

[يوم بر الوالدين]

هذا اليوم يصادف اليوم الذي قرر بعض المؤمنين في هذه المنطقة أن يحتفلوا به باعتباره يوم بر الوالدين، والوالدان حقهما عند الله عز وجل عظيم وبالفطرة البشرية عظيم، ليس هو مخصص في يوم من الأيام، لكن لا مانع أن يُجعل يوم من الأيام يذكّر به الناس, ويذكّر به المؤمنون أن يبروا آباؤهم أن يبروا أمهاتهم، حيين كانا أو ميتين، كما جاء في الآيات والروايات، هذا ما ينبغي أن نضعها.

إن شاء الله تبدأ احتفاليات, هذا اليوم في هذه المنطقة في هذه البلدة، الساعة الرابعة والنصف مقبرة سيهات لزيارة الموتى أسأل الله عز وجل أن يوفق الجميع إن شاء الله، أن يراعوا هذا الأمر المستحب في بعض مراتبه والواجب في بعض مراتبه. ونسأل الله عز وجل ألا يحرمنا وإياكم من بر آبائنا وأمهاتنا، فإن لهما عند الله عز وجل حق عظيم، حتى قيل إن الجنة تحت أقدام الأمهات، وأن رضى الله من رضا الوالدين 

اللهم صل على محمد وآل محمد، اللهم كن لوليك الحجة ابن الحسن، صلواتك عليه وعلى آبائه في هذه الساعة وفي كل ساعة ولياً وحافظاً وقائداً وناصراً ودليلاً وعيناً، حتى تسكنه ارضك طوعا وتمتعه فيها طويلا.

اللهم انصر الإسلام والمسلمين، واخذل الكفار والمنافقين، اللهم اشف مرضانا وارحم موتانا، وأغن فقراءنا وأصلح ما فسد من أمر ديننا ودنيانا ولا تخرجنا من الدنيا حتى ترضى عنا يا كريم.

 وصلى الله على محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين