موقع السيد حسن النمر الموسوي

حديث الجمعة

جديد الموقع

نص الخطبة التي ألقاها سماحة العلّامة الحجة السيد حسن النمر الموسوي يوم الجمعة ١٧ شعبان ١٤٣٩ هجري، في جامع الحمزة بن عبدالمطلب:

 

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

 بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين

 رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي.

 عباد الله، أوصيكم ونفسي بتقوى الله  وأبارك لنفسي ولكم وللمؤمنين جميعا ذكرى مولد الإمام صاحب العصر والزمان عجل الله تعالى فرجه الشريف، جعلنا الله وإياكم  من المتأسين به والناصريين لنهجه والمستشهدين بين يديه.

حديثنا سيكون باختصار شديد عنه صلوات الله وسلامه عليه تحت عنوان «وعد غير مكذوب».

الحديث طويل، سأختصر جدا لكن، بين يدي الحديث، أنوه إلى البرنامج السنوي الذي اعتدنا أن نشارك فيه جميعا -الإخوان في (جمعية سيهات للخدمات الاجتماعية)- للوقوف إلى جانب الذين ابتلوا بالحرمان في هذه المنطقة، سواء من سيهات أو من غيرها، ممن تتولى الجمعية مشكورة تقديم الخدمات لهم تحت عنوان (رحماء بينهم) سلة غذائية لشهر رمضان.

هناك أكثر أوتقريبا خمسة آلاف مستحق، الميزانية المقدرة تبلغ مليون ريال، السهم الواحد لكفالة الفرد الواحد هي مئتين ريال، أنتم مدعوون جميعا كما عودتمونا بكرمكم وسخائكم وجودكم، أن لا تقصروا في حق أنفسكم وفي حق هؤلاء الذين يشاركوننا الانسانية والدين والبلد والحاجة، هم سيكونون حَمَلة لنا لهذا الثواب بين يدي الله عز وجل، إن شاء الله نأمل من الجميع ألا يقصّروا.

 ما يُجمع في هذا اليوم من الصدقات وليالي الجمعة على مدى شهر شعبان كله أيام الجمعة وليلة الجمعة سيخصص لهذه السلة الغذائية.

 نسأل الله عز وجل ان شاء الله أن تكون وجوهنا وجوهكم مبيّضة في هذا الباب. 

 قضية الإمام المهدي عليه أفضل الصلاة والسلام ليست قضية جزئية في الفكر الإسلامي، بل في الفكر الديني عموما، فكرة المخلص والمهدي والإصلاح النهائي المبني على الرؤية الدينية النازلة من عند الله عز وجل ليست من خواص الفكر الإسلامي، بل هي تشمل كل الأديان.

وبطبيعة الحال، فإن ما ورد في القرآن الكريم والسنة المطهرة الذي يشير تصريحا وتلميحا إلى هذه القضية أكثر من أن يحصى، وقد شهد المحققون من العلماء بأن ما جاء فيه من النصوص بلغ حد التواتر، أي أنه لا مجال لإنكار أصل القضية، وان كان هناك مجال التحفظ على هذا النقل أو ذاك النقل هذه الرواية أو تلك الرواية، هذا الكتاب معتمد أو ليس بمعتمد، هذه تفاصيل، يمكن للعلماء أن يناقشوها، كما يناقشون أي قضية ترد أو تُروى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو عن الأئمة الطاهرين.

 لكن لو أردنا أن نؤصّل لهذه المسألة، حتى نعرف أن قضية الإمام المهدي عليه أفضل الصلاة والسلام هي بالفعل مصداق للوعد غير المكذوب، لاحظوا ماذا يقول الله عز وجل عن أصل الفكرة، أصل فكرة الإمامة وقضية الإمام المهدي نابعة من هناك.

الله سبحانه وتعالى سيحشر الناس من دون استثناء، كل واحد منا سيكون تحت راية إمامٍ اختاره لنفسه، فإن اختار ما اختاره الله عز وجل، كان اختياره صالحا، وإن اختار لنفسه هو فإن عليه أن يتحمّل تبعات هذا الاختيار، ماذا يقول الحق عز وجل في سورة الإسراء، يقول {يَوْمَ نَدْعُو} في يوم القيامة {يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ ۖ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَٰئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا}.

 يوم القيامة هو اليوم، يوم العدل المطلق يوم العدل النهائي، الذي يحاسب الله عز وجل فيه كل إنسان على ما قدم، فإن كان اختياره حسنا كما قلنا، كان من الصالحين، كيف يكون اختيار الإنسان حسناً؟ إذا اختار ما جعله الله عز وجل المسار الصحيح الذي أشير إليه في القرآن الكريم بالصراط المستقيم {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} يعني أجعل من اختياراتنا الفكرية والعلمية والقلبية والعقلية والسير العملي، كل هذا في الصراط المستقيم، حتى لا نحيد عما اخترت.

 كذلك يقول الله عز وجل عن مصداق هذه الإمامة، وكيف أن هناك إمامة الهية قدّرها الله عز وجل يقول سبحانه {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ}.

 فإذن، هناك إمامة مقدّرة من الله شُخصت أولا في إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه. 

طبعا الذين سبقوه من الأنبياء هم أئمة، غير أن إمامة إبراهيم أخذت طابعا مختلفا، أكثر تجذّرا أكثر عمقا وأكثر شمولا، فلذلك صار منعطفا، يقرّ به أتباع الديانات السماوية جميعا، المسلمون والنصارى واليهود، كل هؤلاء يقولون أن إبراهيم هو إمامهم، وهذا خطوة أساسية في عملية الإصلاح لِلَم الشمل على ما يريده الله عز وجل {مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا} لأن الله عز وجل يريد أن يذكّر بني إسرائيل، ويذكر اليهود والنصارى، اعتمدوا ما اخترتموه سابقا، أنتم تقولون أن إبراهيم هو أمام لكم، فلنرجع إلى سيرة إبراهيم وماذا قاله إبراهيم، هل إن إبراهيم يقرّ اليهود على يهوديتهم والنصرانيين على نصرانيتهم، أم أن إبراهيم كان يقول أسلمت وجهي للذي فطرني، أسلمت وجهي لله، لا يريد أحدا غير الله، فما نطق به موسى صلوات الله وسلامه عليه كان هو التطبيق العملي لما جاء به إبراهيم، ثم جاء عيسى ليصحح المسيرة التي انحرفت نتيجة انحرافات البشر، ثم ختم الله عز وجل الأنبياء بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم على المنهاج نفسه، على الصراط المستقيم نفسه، أي على منهاج إبراهيم.

 هذا المنهاج الذي لا يختلف ولا يتغير، ثمة بعض التفاصيل الصغيرة الفقهية التي قد يتغير الحكم الشرعي فيها بين زمن وآخر، بين مكان وآخر، بين فرد وآخر، لا يعد هذا بدعا في الديانات، في الديانات كلها مسألة النسخ موجودة بطريقة أو بأخرى.

 ما الذي يدعو له الله عز وجل في الديانات؟

 أمور كثيرة، ما يتعلق بما نحن بصدد الحديث عنه، يمكن أن نشير إلى مسألة العدل.

 الله سبحانه وتعالى إنما بعث الأنبياء من أجل العدل، العدل الذي يعني إعطاء كل ذي حق حقه، أول أصحاب هذه الحقوق، صاحب الحق الأول والاكبر هو الله سبحانه وتعالى.

من حقه أن يُعبد وحده لا شريك له، ثم من حق الأنبياء أن يصدقوا كناطقين عن الله عز وجل، ثم من حق الناس فيما بينهم أن يحسنوا الاختيار، حيث الدين الذي نزل من عند الله عز وجل، ثم من حقهم على أنفسهم ان يحسنوا تطبيق هذا الدين، كل في نطاق الشريعة التي حددها الله عز وجل له، لكن فيها ظل هذا النظام العام {إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ} يعني لا يجوز لليهودي -حتى في زمن موسى- إلا أن يسلم لله، ومعنى الإسلام لله التسليم لله، ليس لهم أن يتنكروا ولا أن يبتدعوا ولا أن يضيفوا ولا أن ينقصوا، وهكذا الكلام بالنسبة إلى النصارى، والكلام نفسه بالنسبة إلى المسلمين، لا يجوز لأحد أن يضيف من عندياته، ولا أن ينقص، يقول عز وجل عن المسلم مؤمنين والمسلمين وهو قانون العام {فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}.

 فإذن، التسليم أمر مطلوب حينذاك يكون الإنسان مسلما.

 هل الإنسان يختار؟

 نقول نعم، إذا ترك الله عز وجل لك أن تختار فاختر لنفسك، لكن إذا جاء حكم من عند الله عز وجل أن هذا هو الرسول، وأن هذا هو الإمام وأن هذه هي الصلاة وأن هذا هو الصوم، وأن هذا هو الحج، وهنا يجب أن يتعبد الله، وهنا لا يمنع، في مثل هذه الحالة يُسلب اختيار الإنسان ويبقى اختيار الله عز وجل {مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ} المؤمنون لا يختارون فوق اختيار الله عز وجل شيئا.

 الملمح الثاني -الوعد الصادق

 الله سبحانه وتعالى وعد المؤمنين الذين تدينوا وله بالدين، بوعود عديدة، منها -من هذه الوعود- هي أن الغلبة ستكون لهم والنصر سيكون لهم.

 لاحظوا ماذا يقول الله عز وجل في سورة النور {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ} والخطاب للمؤمنين، ومع ذلك يقول {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ} أي أن الإيمان مراتب، وهذا الوعد ليس لكل من أعلن الإيمان، بل لفئة خاصة من المؤمنين {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ} طبعا لاحظوا هذا التعبير اللي يقول {كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} يفتح لنا بابا هو أن التاريخ المسجّل عند الناس لم يستوفي وقائع البشر جميعا، لأن الآية تقول إن الله عز وجل استخلف الذين من قبلهم، التاريخ البشري اليوم لا يسجل لنا أن جماعة من المؤمنين استخلفهم الله بالنحو الذي أشارت إليه الآية، نعم هناك استخلافات جزئية، لكن هذا الاستخلاف الذي تلمح إليه الآية، ويعد الله عز وجل المؤمنين في آخر الزمان بأن لهم جولة، كما ان لأولئك جولة، التاريخ الإنساني لا يسجل هذا المعنى، ونحن يعنينا النص الوحياني.

 {وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ۚ وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} ومن كفرا أي تنكر، لم يقبل هذا الوعد، لم يقبل هذا الإيمان، لم يقبل هذه الاستخلافات، أيضا يقول الله عز وجل {إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَٰئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي ۚ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ}

هل بقي أحد من الرسل؟ لم يبق أحد من الرسول ختم الأنبياء والرسل بمحمد صلى الله عليه والحق عز وجل يقول{إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ} توفى الله عز وجل نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم، هل تحقق هذا الوعد أن الله عز وجل، كتب الله لأغلبن أنا ورسلي؟

 لا، لم يتحقق، لا تزال، منذ زمن النبي صلى الله عليه وآله إلى يومنا هذا القطاع الأوسع من الجغرافيا الأرضية والجماعات البشرية لا تعد من المؤمنين، أين إذن هو وعد الله؟

فإذا عرفنا أن الله عز وجل لا يخلف الميعاد، يعني أن هناك يوم من الأيام سيفي الله عز وجل فيه بهذا الوعد، في ظل منهاج الأنبياء، ليس وعدا بشريا عاديا، لا، المنهاج الذي كتب الله عز وجل، بدءا من الأنبياء والرسل، هذا المنهاج سيطبق.

لذلك نحن نحتاج إلى مثل هذا التطبيق الذي لا يتحقق إلّا في ظل هذه الفكرة التي نسميها المهدي.

 يقول أيضا عز وجل {هُوَ الَّذِي} في آيات متعددة، منها ما جاء في سورة التوبة هذا المضمون {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ}.

 كم عدد المسلمين اليوم، مليار ونصف مليار وسبعمئة مليون؟ كم عدد بقية الأديان الأخرى أكثر منا، النصارى أكثر منا، الكونفوشيوسية لعلهم أكثر منا، كيف أين هو هذا الوعد؟

 هل في سجل التاريخ، هذا الوعد الذي كتبه الله عز وجل تحقق؟

 أبدا، رقعة الجغرافيا الإسلامية معروفة، لم تستولي على الأرض كلها، فأين هو وعد الله سبحانه وتعالى؟ لم يتحقق، فلابد أن يتحقق، وعلى الناس أن ينتظروا، حتى يكون وعداً غير مكذوب.

 ابن الجوزي يذكر في تفسير هذه الآية، كيف فسرت هذه أن الله عز وجل يقول {لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ

 حينما تغيب الرؤية الصحيحة القرآنية والروائية الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وآله، ستجد أن الناس يذهبون مذاهب فيها الكثير من الغبش في الرؤية، الكثير من الغبش في التطبيق.

مثلا، يذكر هل يظهره هذا الضمير في {لِيُظْهِرَه} يظهر مَن؟ الله سبحانه وتعالى يظهر أي ينتصر ويغلّب، هذا الظهور والغلبة والانتصار لمن الهاء يرجع لمن؟ للدين، ليظهر الدين أو ليظهر رسول الله صلى الله عليه وآله؟ قال: فيه قولان:

 القول الأول - أن يظهر الله عز وجل الدين على سائر الملل.

 القول الثاني - إظهار الدين بالحُجج.

 طبعا هذا بعد أن سلّم بأن الغلبة لم تكن لرسول الله صلى الله عليه وآله كشخص، لأن النبي توفاه الله عز وجل، ولم يتحقق هذا الإظهار.

 فإذن الغلبة، الأرجح أن تكون للدين، الدين على يَدي مَن؟

 هل يظهر الله عز وجل الدين على يدي شخص في كفاءاته ليست قريبا من رسول الله صلى الله عليه وآله، حتى يكون له شرف التغليب والتطبيق للدين في ظل القرآن الذي {يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} هل يتصور أن أحدا لا يحمل في جوانبه الطهارة اللازمة يستطيع أن يطبق القرآن الذي قال الله عز وجل عنه {لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ}..؟

 تطبيق القرآن التطبيق الكامل يتوقف على أن يكون الذي يتولى تطبيقه شخص قد بلغ حدا من الطهارة، حتى يعرف تأويل القرآن وتنزيله. ظاهر القرآن وباطنه، إن لم يكن بهذه الكيفية سيكون التطبيق ناقصا، وإذا كان التطبيق ناقصا لم يغلب الرسول صلى الله عليه وآله، ولم يظهر ولم يتحقق وعد الله، وكذلك الحال بالنسبة إلى الدين.

القرطبي ماذا يقول؟ وقيل -يذكر من الآراء- يقول:

 المهدي هو عيسى فقط –ينقل قولا، ثم يعلق، يقول- وهو غير صحيح، لأن بعض الأقوال تقول لا مهدي إلا عيسى، قال: وهو غير صحيح، لأن الأخبار الصحاح قد تواترت على أن المهدي من عترة رسول الله.

 ليس تطبيق المهدي علي عيسى، يقول هذا غير صحيح، الروايات التي توفرت، أولا هي صحيحة، ثم هي متواترة، أي لا مجال لأحد أن يتحفظ على هذه الفكرة، وهذه المعلومة التي ثبت نقلها عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ثم يضيف، يقول:

 فلا يجوز حمله – أي حمل عنوان المهدي- علي عيسي، والحديث الذي ورد في أنه لا مهدي إلا عيسى غير صحيح، هذا ما يقوله القرطبي في تفسير الآية الشريفة.

 الهيثمي - أقف عند نص نقله الهيثمي وشهد عليه بأن رجاله ثقات، أي أن شروط الاعتبار بمعنى الصحة بالمعنى العام، قد توفرت، طبعا هناك دواعٍ دعت كثيرا ممن تحفظ على قضية الإمام المهدي أن يتحفظ على قبولها ويتهمها،

السبب الأساس:

هو أن الشيعة هم حملةُ عنوان المهدي، يعني أبرز من قال من المسلمين بمسألة المهدي هم الشيعة عبر التاريخ، حتى أننا نُعرف بالإمامية، نحن حملةُ هذا العنوان، بل هذا هو العمود الفقري لهذا المذهب الذي أعزنا الله عز وجل باختياره، ونسأل الله سبحانه وتعالى الثبات عليه.

السبب الثاني:

 هو أن هناك دعاوى باطلة، عبر التاريخ أخذت أو أرادت أن تطبق وتسرق هذا العنوان المقدس لتطبقه بشكل غير صحيح.

هذه التجاذبات السياسية جعلت كثيرا من الناس، كما هو الحال ما في أي تجاذب حينما يحصل التجاذب الاجتماعي والفكري والسياسي بين الناس، يقل اليقين ويقل الإنصاف، القضية الواضحة جدا تصبح في معرض الشك والريب والتشكيك والتلاعب والعبث، وأنت تجد اليوم قضايا كثيرة ماثلة بين الناس هي واضحة من أوضح الواضحات، نتيجة التجاذب السياسي الناس يهملونها، القوى كما يقولون الأقوياء هم الذين يكتبون التاريخ.

هؤلاء الذين يملكون القدرة على فرض ارادتهم على الناس، يغيّبون الرؤى والمذاهب والأقوال الأخرى، لكن الله عز وجل غالب على أمره.

يقول بإسناده -عقد باباً جعله في كتاب مجمع الزوائد- باب ما جاء في المهدي:

 عن أبي سعيد الخدري في الجزء السابع، طبعا معروف قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أبشركم بالمهدي، يبعث على اختلاف من الناس، وزلازل، فيملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما، يرضى عنه ساكن السماء وساكن الأرض يقسم المال صحاحا -يعني الأموال العامة بيت المال- قال له رجل ما صحاحا؟ -يسأل النبي صلى الله عليه وآله- قال: بالسوية بين الناس -يعني ليس هناك استئثار- ويملأ الله قلوب أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم غناءا ويسعهم عدله حتى يأمر مناديا فينادي فيقول: من له في مال حاجة –يسأل- من له في فيما حاجة -يعني من هو بحاجة إلى المال- يقول: فما يقوم من الناس إلا رجل واحد -لاستيعاب العدل للناس، هناك رجل كان بحاجة يقول- فما يقوم من الناس إلا رجل واحد، فيقول أنا، فيقول له المهدي -عليه أفضل الصلاة والسلام- إإتي السُدّان أو السَدّان -يعني الخزان أو خازن بيت المال- إإتي السَدّان، فقل له إن المهدي يأمرك أن تعطيني مالا فيقول له أحثُو -يعني خذ ما شئت لا يحدد له، لأن الأمانة انتشرت وهذا لن يأخذ إلا حاجته، لأنه يعطي، من خصائص الإمام المهدي عليه الصلاة والسلام أن الخير يعم في زمنه، فيعطي المال حثوا، يعني في رخاء شديد وسخاء يناسبه صلوات الله وسلامه عليه- فيقول له أحثو حتى إذا جعله -أي جعل المال في حجره وإئتزره، أي لمّه - ندم، فيقول -هذا الفقير- فيقول كنت أجشع أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم،  أو عجز عني ما وسعهم؟ -يعني الم أواسى نفسي بهم واجعل نفسي مثلهم، مثل ما سكتوا، لأن كثيرين مثلي، لكن ما كانوا بحاجة إلى أن يقول هذا القول- قال فيرده -أي يردوا المال- فلا يُقبل منه، فيقال له إنّا لا نأخذ شيئا أعطينا-هذه سيرتهم صلوات الله وسلامه عليهم كما كانوا في السابق- فيكون كذلك -يعني يبقى الحال- على هذا سبع سنين أو ثمانية سنين أو تسعة سنين -الترديد قد يكون من الراوي، وقد يكون من النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأن الله عز وجل لم يحدد له هذه الفترة، إذا حملنا السنين هنا على السنين المتعارفة، لأن هناك قولا ان سنينه تمتد، فلا تكونوا كالسنين الاعتيادية- ثم لا خير في العيش بعده، أو قال ثم لا خير في الحياة بعده، قلت - يعلق الهيثمي-رواه الترمذي وغيره باختصار كثير.

نفس هذا الحديث اختُصر، مو روى غيره وروى نحوه، لا، هذا الحديث اختصر يعني أن هناك أحاديث كثيرة قد لا يلتزم المؤلفون بنقل مضمونها بشكل كامل، ويضيف - رواه أحمد بن حنبل بأسانيد -وليس بسند واحد، بأسانيد -وأبو يعلى باختصار كثير ورجالهما ثقاة.

 يعني سند لا غبار عليه، فإذا ضممنا ما جاء في القرآن الكريم والسنة، وهذه نموذج، هذه الرواية نموذج من روايات لا نقول هي بالعشرات، ولا نقول هي بالمئات، بل الروايات التي وردت في الامام المهدي تبلغ الآلاف، كما أحصاها كثير ممن ألّف في هذا الباب.

نعم فيها ضعيف، وفيها صحيح، كما هو الحال في أي قضية دينية، لكن مثل ما أنه لا يصح أن نؤاخذ المحسن بالمسيء، لنجعل الضعيف في محله، ونجعل القوي والمعتبر والصحيح في محله، و نتعبّد بما جاء عن الله عز وجل، وعن رسوله صلوات الله وسلامه عليه.

أيضا رواية أخرى يرويها أيضا الهيثمي عن الطبراني ورجاله رجال الصحيح، كما علق هو قال وعنها- أي عن أم سلمة -قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول -أو سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم – أي يقول- وكلمة يقول لم ترد، لكن هذا المضمون -يكون اختلاف عند موت خليفة أي سلطان فيخرج من بني هاشم -أي المهدي- فيأتي مكة يستخرجوا الناس من بيته بين الركن والمقام فيجهزوا إليه جيش من الشام -أي جيش معادي- حتى إذا كانوا بالبيداء خُسف بهم فيأتيه عصائب العراق وأبداله الشام وينشأ رجل بالشام، أخواله من كلب فيجهزوا إليه جيش فيهزمهم الله فتكون الدائرة عليهم فذلك يوم كلب أو يوم كَلَب -يعني يوم شديد- الخائب من خاب من غنيمة كلب -يعني هذه القبيلة، وقد لا تكون القبيلة المعروفة، لكن لعلها رمز- فيستفتح الكنوز ويقسم الأموال ويلقي الإسلام بجيرانه إلى الأرض، فيعيشون بذلك سبع سنين.

الروايات التي تبيّن كيف أن العدل يعم بين الناس والأمن إلى درجة كبيرة، كثيرة جدا، وهذا ما ينشده الناس بفطرتهم، كل هؤلاء البشر الذين ينظّرون للناس اليوم أن مشروعي أفضل من مشروعك، مقالتي أفضل من مقالتك، في الحقيقة هم يتفقون على مبدأ أن ثمة أمنا، ثمة عدلا، ثمة كمالا، لكن كل واحد منهم يظن أن لديه الحل، مع أن الحل لا يكون إلا عند أهل الحل الذين أكملهم الله عز وجل، حيث قال عز وجل {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} فغير الحل النازل من عند الله عز وجل، لا يوجد حل.

نسأل الله وإياكم  المساء الله عز وجل أن يحعلنا وإياكم ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه. اللهم صل على محمد وآل محمد، اللهم كن لوليك الحجة ابن الحسن، صلواتك عليه وعلى آبائه في هذه الساعة وفي كل ساعة ولياً وحافظاً وقائداً وناصراً ودليلاً وعيناً، حتى تسكنه ارضك طوعا وتمتعه فيها طويلا.

اللهم انصر الإسلام والمسلمين، واخذل الكفار والمنافقين، اللهم اشف مرضانا وارحم موتانا، وأغن فقراءنا وأصلح ما فسد من أمر ديننا ودنيانا ولا تخرجنا من الدنيا حتى ترضى عنا ياكريم.

 وصلى الله على محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين