موقع السيد حسن النمر الموسوي

حديث الجمعة

جديد الموقع

 

نص الخطبة التي ألقها سماحة العلاّمة الحجة السيد حسن النمر الموسوي بعنوان « شهر رمضان وصناعة التقوى -٢» وذلك يوم الجمعة ٢ رمضان ١٤٣٩ هجري في جامع الحمزة بن عبدالمطلب بمدينة سيهات:

 

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين

رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي

عباد الله، أوصيكم ونفسي بتقوى الله.

نحمد الله عز وجل على أن بلّغنا وإياكم شهره الكريم وجعلنا من أهل ضيافته في هذه الأيام المباركة، ونسأله عز وجل أن يتمم معروفه وفضله علينا أن نحسن استثمار هذه الفرصة التي لا تعوض، والتي لا نظير لها إلّا مثلها وهو شهر رمضان القادم، نسأل الله عز وجل أن يبلغنا وإياكم فيه.

[توجيه من سماحة السيد ببعض التنبيهات للمصلين حول تنظيم إيقاف السيارات في المواقف المخصصة ومراعاتهم للمنازل المجاورة للمسجد]

ذكرنا في الأسبوع الماضي أننا نريد أن نذكر للأخوة كعادتنا السنوية مقدار ما جُمع من الصداقات في أثناء العام، من رمضان الماضي [١٤٣٨] إلى آخر جمعة من شهر شعبان [١٤٣٩] بلغت العام الماضي مجموع الإيرادات الصدقات مليون ومئتين وأربعة وثلاثين ألف وسبعمئة وأربعة وسبعين ريالا وفاصلة أربعة عشر، ونحمد الله انها زادت بنسبة واحد وعشرين بالمئة (٢١٪) عما كان في العام الذي سبق، والسبب كان إجراءات الامن، إجرام داعش، لا أعاده الله على أحد من الناس.

 طبعا القسم الأكبر ذهبت إلى الجمعية (جمعية سيهات) كعادتنا، وهناك قسم، جزء منها لا بأس بها أيضا صُرف على خدمات المسجد ونفقات المسجد، من الصيانة الداخلية وكذلك أيضا إنشاء المجلس الذي سيخصص لاستقبال المؤمنين والقيام بما يلزم في حقهم.

هناك أيضا بعض الاخوة تبرع بمسائل عينية، إسمنت وحديد، أيضا هذه مشمولة ضمن هذه المسائل، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يتقبل منكم وأن يجزل لكم العطاء ويجعله في ميزان أعمالكم.

أشرنا في الأسبوع الماضي إلى أننا نريد أن نتحدث عن «شهر رمضان وصناعة التقوى»

 كيف يتيسر للإنسان أن يؤسس لنفسه حالة من التقوى مستثمرا هذه الأجواء الكريمة تشنفنا وإياكم بالاستماع إلى خطبة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، التي تمثل في الحقيقة خارطة طريق، لما ينبغي أن يكون عليه المؤمن في هذا الشهر، من أجل أن يجعل هذه الفرصة الزمنية، منطلقا لحالة تكاملية في بقية الأشهر.

ليس المقصود أن يكون الإنسان إنسانا وآدميا وحسن الأخلاق ومتكاملا في هذا الشهر، فإذا خرج الشهر هو في حل من كل هذه الالتزامات، لا، هذه قراءة مغلوطة، ولا نتوقع أن أحدا من المؤمنين والمسلمين يفهمها، لكن مما يؤسف له أن بعض الناس يفهم أن التركيز في شهر رمضان حينما يكون على التخلق، والتقى والورع، أن هذا الخطاب يخصص بشهر رمضان أو يُولى أهمية فائقة في شهر رمضان ولا يُولى تلك الأهمية في غيره من الشهر، الأمر قد يكون بالعكس، في شهر رمضان تحصيل التقوى أيسر بكثير من تحصيل التقوى في غير شهر رمضان، لأن الله عز وجل يوفق الناس في هذا الشهر أكثر، له خصوصية، له بركة، كما أشير في خطبة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قراءة آية قد تعدل قراءة القرآن كله في غيره من الشهور، هذا يعني أنك ستكون أسرع في حركتك إلى التقوى، لكن حينما يوفق الإنسان إلى أن يؤسس هذه الحالة في هذا الشهر الكريم، يفترض به أن يبنى عليها فيما إذا خرج هذا الشهر.

طبعا هناك أشياء، كما أشار إليها النبي صلى الله عليه وآله وسلم، في هذه الخطبة المباركة ، والتي تأتي في سياق انقلابات قام بها النبي، ثورات فكرية ونفسية واخلاقية واجتماعية واقتصادية، لماذا نقول هذا؟

 بماذا كانت توصف الأيام قبل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وبعثته؟

 كانت تُوصف بالجاهلية، ماذا يعني الجاهلية، هل المقصود بها الأمية؟

 هذا شكل من أشكال الجهل، لكن لا يعيب الإنسان في كماله وتكامله الأخلاقي، أن يكون أميّاً.

 كثير من الناس أميون، لكنهم على خلق عالٍ، على تقوى، على ورع، قد لا نجد نظيره، بل ولاعشره عند كثير من المتعلمين.

المسألة ليست مرتبطة بالقراءة والكتابة، نعم القراءة والكتابة والتعلم يفتح للإنسان آفاقا، قد تكون مغلقة أمام الأميين، في سرعة تحصيل المعلومة، في فحص المعلومة من صوابها من خطئها، إلى غير ذلك مما يؤدي يعين الإنسان على ان يستعجل الخطى، ويحث الخطى في هذا الباب، لكن أبدا، التقوى والورع ليست مربوطة بالأمية، وليس المقصود بوصف تلك الحقبة بالجاهلية أنهم ما كانوا يقرأون ولا كانوا يكتبون، لا، كانت هناك جاهلية فكرية، وكانت هناك جاهلية أخلاقية، وهناك جاهلية اجتماعية واقتصادية، حيث أن الذي كان يحكم في الحقيقة هي قيم الشيطان، ولم تكن قيم الرحمن هي الحاكمة.

يعني الله سبحانه وتعالى على لسان النبي صلى الله عليه وآله في هذه الخطبة أمثالها، حينما يدعو إلى التواصل مع المساكين والبر بالمساكين، ماذا كان يفعل الجاهليون؟

هذه الحالة كانت معدومة، قد يعطون المسكين، لكن لا يعطونه لأن هذه قيمة أخلاقية، يعطونه من أجل أن يستثمروه، يستغلوه، يستفيدوا من هذا الإحسان الذي يقدمونه إليه من أجل أن يكون واحدا من جنودهم واتباعهم، حتى يتاح لهم تحقيق أغراض شيطانية، لا يتيسر لهم أن يقوموا بها لو لم يكن لهم أعوان، يعني مثلا، تريد هذه القبيلة أن تسلب تلك القبيلة، ليس الذي يقوم بهذا هو شيخ القبيلة وحده، مهما كانت أمواله الطائلة، يحتاج إلى جنود، يحتاج إلى اتباع، كيف يجمع هؤلاء ؟

يحسن إليهم، لكن إحسانه لم يكن بداع رباني، ولم يكن بداعي أخلاقي، وإنما كان بداعي دنيوي، كما نجد في هذه الأيام، كثير من الناس نجد، أو كثير من المؤسسات والكثير من الدول يقدمون إحسان..!

قبل أيام، واحد يعيب على الفلسطينيين مثلا، أنكم تشتمون أمريكا، ألا تعلمون بأن أمريكا هي أكثر دولة تحسن إليكم…!

 لعنة الله على هذا الإحسان، أي إحسان؟!!

 لو ب(نحسب)  قد نجد أن إسرائيل تقوم بخدمات للفلسطينيين، نتيجة أنهم واقعون تحت الاحتلال فيهم، يقدمون خدمات أكثر مما تقدمه أمريكا، هل تتحول إسرائيل إلى محسن؟!

أبدا، يجب أن لا يخلط، الإحسان إنما يكون إحسانا إذا أُريد به وجه الله، وهذا أحد محامل قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم (إنما الأعمال بالنيات) لا ينبغي أن يتنافس الناس في شكل العمل العبادي، وإنما ينبغي ويجب عليهم أن يتنافسوا في مضمون العمل العبادي {ليبلوكم أيكم أحسن عملا} ولم يقل أيكم أكثر عملا، حُسن العمل يعني، العمل أن يكون هو جيد وقائم على أساس جيد ونية حسنة، الغاية محمودة، الدواعي محمودة، والفعل حسن.

هذا نسميه عمل حسن، لأن هناك حُسن يوصف به الفعل، وهناك حُسن يوصف به الفاعل، ليس بالضرورة إذا كان الفعل حسنا كان الفاعل حسنا، لا، الفعل حسن، لكن الفاعل الذي قام به، لأنه كان يهدف إلى نيات غير حميدة، أغراض غير حميدة، لا يكون فعله حسن.

قد يمدح من جهة، لكن لا يحمد، يعني يقولون هذا الفعل حسن، لكن لم يكن غرضه ولم تكن نيته ولم تكن أهدافه أهدافا نبيلة.

 النبي صلى الله عليه وآله وسلم أحدث انقلابا في مفاهيم الناس، يعني أراد أن يعيد تركيب الصورة الذهنية في أذهان الناس، حتى لا تختلط عليهم الأمور من جهة، وأيضا يعيد بناء أنفسهم بناءا سليما، إذا بُني الإنسان في فكره وفي وجدانه سهل عليه أن يترجم هذا وذاك بعمل حسن، وإلا كيف نترجم ما كتبت به الخطبة، وتنبأ به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في حق علي من العدوان عليه؟!

عليٌ ليس شخصا عاديا، مع أن الله عز وجل يقول عن قتل النفس الواحدة، أي نفس من دون جرم، من دون حق، فكأنما قتل الناس جميعا، فكيف إذا كان المقتول عليا، عليه أفضل الصلاة والسلام، أخو رسول الله، عبد الله، وصي ورسول الله، مضن اتفقت الأمة على ما له من المناقب والفضائل، متى اقدموا على قتله؟

في شهر رمضان، في سَحَر شهر رمضان، بدل أن يقوم يصلي الليل ذاك القاتل، كان يخطط من مسبقا، هو ومَن كانوا معه، يخططون من أجل ارتكاب هذه الجريمة الشنعاء، في حق عبد الله، في بيت الله، في أيام الله.!

كيف تأتى لهم أن يفعلوا هذا، ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل إن التشوه الفكري والوجداني والأخلاقي بلغ بهم -وقد يُبتلى به كل واحد من الناس، إذا لم يحرص على أن يشذب ويهذب نفسه التهذيب اللازم، بحيث يسد كل الثغرات أمام الشيطان فيُبقيه مغلولاً، حتى تبقى أبواب الجنة مفتوحة أمامه وأبواب جهنم موصدة أمامه - ما الذي وقع أولئك؟ خالفوا الله عز وجل ورجعوا إلى جاهليتهم الأولى.

نعم، بالتأكيد، كانوا يكبّرون حينما كانوا يفعلون تلك الجرائم، كما شهدنا نحن جماعة ممن يصنفون أنفسهم ويُصَنَفون ضمن المسلمين، أين كانوا يقتلون الناس؟! في بيوت الله كانوا يقتلون الناس، ولا فرق عندهم، في شهر رمضان وفي غير شهر رمضان، من أين يأتي هذه الحالة؟

من التشوه الفكري، شهر رمضان الذي يحرص الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، باتفاق المسلمين، كان يؤكد على أن يتحول هذا الشهر إلى فترة زمنية مكثفة ومضبوطة، من أجل الارتباط بالله، عبر تلاوة القرآن والأدعية والأعمال الصالحة، كيف تحولت هذه الأيام، للأسف الشديد؟!

إلى موسم يتنافس فيه شياطين الجن والإنس، في صرف عباد الله عن الله عز وجل، طبعا هم لا يدركون أن الأمم الأخرى، إذا أرادوا أن يقلدوهم، الأمم الأخرى لم يقف عند حدود هذا الفن الهابط، وعند هذه الشيطنة التي تمارسونها في حق الناس، لا بأس ، نافسوهم في المصانع، في المدارس، في الجامعات، أما أن تنافسوهم فقط في هذه الزاوية، هذا يعني أن الشيطان استطاع أن ينال منكم، ونعوذ بالله أن يكون المؤمنون والمسلمون ممن يجاريهم في مثل هذه الآفة.

فإذن، شهر رمضان موسم نفيس، موسم استثنائي في صناعة التقوى، التي بيّن لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أهم الملامح والمعالم والأدوات والخطوات والإجراءات، التي لو شغلنا بها لكنا إلى الله أقرب، حيث نكون أتقى وحيث نكون أقرب إلى فعل الخير، وأبعد عن فعل الشر، وللحديث تتمة.

أسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا وإياكم ممن يستمع القول فيتبع أحسنه.

اللهم صل على محمد وآل محمد اللهم كن لوليك الحجة بن الحسن صلوات عليه وعلى آبائه، في هذه الساعة، وفي كل ساعة وليا وحافظا وقائدا وناصر ودليلا وعينا حتى تسكنه ارضك طوعا وتمتعه فيها طويلا.

اللهم انصر الإسلام والمسلمين، واخذل الكفار والمنافقين، اللهم أشف مرضانا وارحم موتانا، وأغن فقرائنا وأصلح ما فسد من أمر ديننا ودنيانا ولا تخرجنا من الدنيا حتى ترضى عنا يا كريم، وصلى الله على محمد، وعلى آله الطيبين الطاهرين