موقع السيد حسن النمر الموسوي

حديث الجمعة

جديد الموقع

نص الخطبة التي ألقها سماحة العلاّمة الحجة السيد حسن النمر الموسوي بعنوان «شهر رمضان وصناعة التقوى -٤» وذلك يوم الجمعة ١٦ رمضان ١٤٣٩ هجري في جامع الحمزة بن عبدالمطلب بمدينة سيهات:

 

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

 بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد الخلق أشرف الأنبياء والمرسلين محمد بن عبد الله وعلى آله الطيبين الطاهرين

 رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي

 عباد الله، أوصيكم ونفسي بتقوى الله.

 لا نزال وإياكم في ضيافة الله عز وجل في شهر رمضان، شهر الصيام والقيام شهر التقوى والمغفرة، وقد تصرّم أكثره وبقي أقله، ونسأل الله عز وجل أن لا يحرمنا وإياكم بركاته وخيره ورحمته فيه.

 كنت سأتحدث إكمالا لموضوعي الذي أعددته لكن حرارة الجو تفرض علينا أن نغير مسار الحديث، في سياق العنوان الذي اخترناه تحت هذه السلسلة «شهر رمضان وصناعة التقوى».

 يقول الله عز وجل في الكتاب الكريم

{بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا(٣)}.

 من المناسبات التي مرت علينا، ذكرى مولد الامام الحسن عليه أفضل الصلاة والسلام، وستمر علينا ذكرى فتح مكة، وقد اختلف المؤرخون في يوم افتتاح مكة أو يوم فتح مكة، بين الحادي عشر والثالث عشر والسابع عشر أو التاسع عشر أو العشرين أو الواحد والعشرين، على اختلاف المؤرخين، لكن في الثلث الوسطى في شهر رمضان فتح الله عز وجل مكة المكرمة على يدي النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم، كما سنصادف وإياكم ذكرى شهادة أمير المؤمنين عليه أفضل الصلاة والسلام، ونستقبل وإياكم أيضا

ليلة القدر التي هي {خَيرّ مِنْ أَلفِ شَهر} مجموع هذه الأيام هي مننٌ ونعمٌ من الله عز وجل منّ علينا وإياكم بها من جهة، وامتحانات من جهة أخرى.

هذه السورة المباركة تبين لنا أن الله عز وجل ما الذي يطالب به عباده لو أنزل عليهم نعمة بمستوى فتح مكة؟

يطلب منهم التسبيح والاستغفار، لأن فتح هذه البلدة أو تلك، حتى لو كانت على مستوى مكة المكرمة في ذاتها ليس لها تلك الأهمية إلا بقدر ما تكون لله عز وجل في دوافعها وفي أساليبها وفي الغايات التي ترجى منها.

الأمة الإسلامية بقدر ما منّ الله عز وجل عليها بخير كثير، الإسلام، الإيمان، مولد الإمام الحسن كان بالنسبة للمسلمين نعمة كبرى، حيث يمثل السبط الأول لرسول الله، سبط رسول الله، حبيب رسول الله الذي شهد له رسول الله بالجنة، وفي ذلك إشارات واضحة، بل تصريح بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أراد أن يؤمّن للناس وللمسلمين خاصة السبيل الذي لو اتبعوه والقائد الذي لو أطاعوا لأخذ بأيديهم إلى الجنة، غير أن النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم، بَيّن للأمام الحسن وبين لهذه الأمة أن المسار لن يكون، للأسف الشديد، على ما يحب اللهُ عز وجل ويرضاه، فقد ذهب رسول الله مكموداً، وذهبت ابنته الزهراء عليه أفضل الصلاة والسلام واجدة مظلومة، وكذلك أمير المؤمنين استشهد، وكذلك الإمام الحسن استشهد، وكذلك الإمام الحسين استشهد، مجموع هذه الأحداث تؤكد على أن المسار ليس هو المسار الذي يريده الله عز وجل، وكان يجب على الأمة في السابق ويجب علينا حاليا أن نتعرف على مكامن الخطأ ومكامن الخلل، حتى نبقى في المسار الذي أراده الله عز وجل لنا، ولن يكون ذلك إلا بالتسبيح والاستغفار.

ولا يُراد الاستغفار والتسبيح هو أن يأخذ الإنسان بالسبحة بين يديه، ويكرر هذا التسبيح والتهليل على مستوى اللسان، فإن هذا على مستوى اللسان إذا لم يكن نابعا من القلب، إذا لم يكن نابعا من تفاعل الإنسان في جوارحه وجوانحه، لن يجعل من هذا الإنسان تقيا، يكف عن ارتكاب أبشع الجرائم، وإيذاء الزهراء جريمة، كانت بضعة رسول الله يؤذيها ما يؤذي رسول الله، يغضب رسول الله ما يغضبها ويرضي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما يرضيها، كيف يقدم مسلمٌ على إيذائها؟!

افتقاد الوعي وافتقاد التقوى وافتقاد الورع، وإذا كان الأوائل في معرض هذا، فالأواخر من باب أولى سيكون في معرض هذا، لذلك فإن شهر رمضان شهر خير، لنا جميعا، شهر بركة لنا جميعا، أن أحسنا استثماره، كيف نحسن استثماره؟ بالصيام والقيام والتسبيح والتهليل واغتنام هذه الفرص الربانية، من أجل أن نعيد إنتاج الإسلام في أنفسنا، ترسيخ الإيمان وقواعد الإيمان في أنفسنا، نحن نتعلم حتى اللغة العربية، لا نكتسبها هكذا، وإنما نتعلمها شيئا فشيئا، حتى تستقيم ألسنتنا، فلا نخطئ في القول، سواء كنا نريد أن نتحدث باللغة الفصحى أو إذا أردنا أن نتكلم بلغتنا أو بلهجاتنا المحلية، أيضا نحتاج إلى أن نتعلم ذلك، ولذلك نجد الأبوين إذا وجدا ولدهما أو ابنتهما يخطئ في التعبير باللهجة المحلية، يسرعان للتصحيح: يا بني لا تقل هكذا، يقال هكذا، على مستوى الضمة والفتحة والكسرة والسكون، إذا أردنا للإنسان، وما هي المشكلة لو أن الإنسان أخطأ في تعبير؟ يُعاب عليه، فقط يُعاب عليه اجتماعيا، يضحك عليه الناس، لكن الإنسان إذا أخطأ على مستوى التقوى والاستغفار والتسبيح والتهليل والعلاقة بالله، لا تفسد دنياه، بل قد يُمهل اللهُ عز وجل إياه وله، ويستدرجه ويفتح له خيرات كثيرة، لكن كل ذلك سيكون على حساب مكانته عند الله عز وجل.

 لذلك، فإن تفويت مثل هذه الفرصة الثمينة لن يجعل من كل ما تقدم من النعم يصب في مصلحتنا، الله سبحانه وتعالى فتح مكة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وطلب منه شيئا واحدا هو ذكره سبحانه وتعالى {فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا} يَعِده أنه لو فعل ذلك، طبعا وهو يعد المسلمين، لأن رسول الله من أهل التسبيح ومن أهل الاستغفار، لكن نزل القرآن الكريم، كما ورد في الأخبار، بإياك أعني واسمعي يا جارة، الخطاب قد يكون لرسول الله {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ} لكن الله عز وجل يعلم بأن رسوله من أهل تقواه في أعلى المراتب، لكن هو يريد أن يوجه له الخطاب حتى يفهم الآخرون، أنا وأنت نفهم أن النبي إذا كان في هذه المنزلة، يحتاج إلى أن يتقي الله، فأنا وإياك أحوج إلى هذا الخطاب، لأن النبي صلى الله عليه وآله أدبه ربه فأحسن تأديبه، أما أنا وأنت، فإن الخيط الذي بيننا وبين الله من جهتنا ضعيف، هو من جهة الله قوي، لكن من جهتنا نحن ضعيف، كيف نقوي بالاعتصام بحبل الله، بالتسبيح والتهليل الواعيين، الاستغفار الحصيف العميق، لا نريد أن نبقى في حدود الاستغفار الشكلي، هذه المظاهر مطلوبة ومهمة جدا، لكن الأهم من ذلك أن نلتفت إلى ما وراء هذا التسبيح الظاهري، إلى ما وراء هذا التعبد.

لذلك، فإن من أهم ما ينبغي أن نلحّ على الله عز وجل فيه، في ليلة القدر التي تكتب فيها موازين العباد، مقامات العباد، ارزاق العباد، أن يفتح الله عز وجل بصائرنا، وأن يأخذ بأيدينا وأن لا يكلنا إلى أنفسنا طرفة عين أبدا، خصوصا في زمن الانتكاسات، إذا كان أولئك في محضر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم انتكسوا، فكيف بنا نحن؟

نحن جميعا في معرض الانتكاس، إلّا أن يعصمنا الله عز وجل، ولن يعصم الله عز وجل إلّا أن نطرق بابه صادقين مخلصين {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} نحن نتديّن لله، نتعبد لله، لا نريد أن نسترضي فلانا ولا فلانا من الناس، لا يهمني ولا يهمك، وهكذا ينبغي أن يقيم الناس عبادتنا، المهم أن يرضي الله عز وجل عنا، في هذا العمل العبادي، وطريق تحصيل رضا الله سبحانه وتعالى جاء في القرآن الكريم والسنة المطهرة الشارحة له، وهذا أحد حِكَم تلاوة القرآن الكريم، تلاوة القرآن الكريم في هذا الشهر المبارك، في هذا الشهر الكريم، مع هذه النفوس المنفتحة، يزيد عطاء الله عز وجل لمن أقبل عليه إقبالا حسنا.

نسأل الله عز وجل أن نكون وإياكم ممن يوفق إلى أن يستمع القول فيتبع أحسنه.

اللهم صل على محمد وآل محمد، اللهم كن لوليك الحجة بن الحسن صلواتك عليه وعلى آبائه، في هذه الساعة وفي كل ساعة ولياً وحافظاً وقائداً وناصرا ودليلا وعينا، حتى تسكنه أرضك طوعا، وتمتعه فيها طويلا.

اللهم انصر الإسلام والمسلمين واخذل الكفار والمنافقين، اللهم اشف مرضانا وارحم موتانا وأغن فقرائنا وأصلح ما فسد من أمري ديننا ودنيانا.

قبل اثنى عشر عاما افتتاح هذا المسجد المبارك بإنفاق من المرحوم الحاج عبد الله المطرود وأخيه الحاج إبراهيم، المطلوب منا أن نَفِيَهما بعض حقهما، بقراءة الفاتحة والدعاء لهما واستذكار ما قاما به وأبناؤهما من الخير في هذا المسجد المبارك، سائلين الله عز وجل أن يتقبل منكم ومنهم وأن يزيدنا وإياكم في فعل الخير، ونسألكم الدعاء في ليالي شهر رمضان وبالخصوص في ليالي القدر لنا ولإخوانكم المكروبين الذين حرموا مما أنتم فيه، ولا تنسوا إخوانكم المرضى وأهل الحاجة، وصلى الله على محمد وآله الطيبين.