موقع السيد حسن النمر الموسوي

حديث الجمعة

جديد الموقع

نص الخطبة التي ألقها سماحة العلاّمة الحجة السيد حسن النمر الموسوي بعنوان «شكر النعم» وذلك يوم الجمعة ٨ شوال ١٤٣٩ هجري في جامع الحمزة بن عبدالمطلب بمدينة سيهات:

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيد الخلق محمد، وعلى آله الطيبين الطاهرين.

رب اشرح لي صدري، ويسر لي أمري، واحلل عقدةً من لساني يفقهوا قولي.

عباد الله ! أوصيكم ونفسي بتقوى الله

نحمد الله عز وجل على أن وفقنا وإياكم إلى صيام شهر رمضان، ونسأل الله عز وجل أن نكون قد استثمرناه وأحسنا الاستفادة منه، وبقي علينا أن نشكر الله عز وجل على هذه النعمة الكبرى، والسؤال: كيف يؤدي الإنسان شكر النعم؟ ومنها هذه النعمة الكبرى.

أصدِّر حديثي بقول الله عز وجل عن إبراهيم - في سورة النحل - ، يقول عز وجل {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ} [النحل/120 - 122].

هذا المقطع من هذه السورة المباركة يشير إلى خصوصية من خصوصيات إبراهيم كان قد تميز بها بنحو التفرد، حتى منّ الله عز وجل بما منّ به عليه، والحق سبحانه وتعالى يقول في كتابه الكريم {لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ} [إبراهيم/7] المنن التي منّ الله عز وجل بها على إبراهيم كانت كما تشير الآية الشريفة والتي جعلته متميزاً حتى وُصف بأنه أمة "إن إبراهيم كان أمة"، ماذا يعني أن يكون أمة؟ يعني مقصود، أو أن يكون بمثابة الجماعة الكبيرة من البشر، أو أنه كان متميزاً من بينهم، أو المعاني الأخرى التي تشترك في هذا المعنى.

أولاً : أنه كان {قَانِتًا لِلَّهِ}، يعني متعبداً ومطيعاً له سبحانه وتعالى، وخاضعاً في أشد حالات الخضوع له سبحانه وتعالى، {حَنِيْفاً} يعني لم يكن زائغاً بأي مرتبة من مراتب الزيغ، ولذلك استحق بأن يوصف بهذا الوصف الكبير، فاحتيج إلى أن يوضح هذا المعنى ويُبين، فقال عز وجل {وَلَمْ يَكُنْ مِنْ الْمُشْرِكِيْنِ}.

طبعاً، الشرك الذي نُفي عن إبراهيم بالتأكيد لم يكن مشركاً بنحو أن الله عز وجل يريد أن يبين أن إبراهيم لم يكن يعبد صنماً! بالتأكيد أن إبراهيم لم يكن يعبد صنماً، ولم يكن يلتبس على الناس أن إبراهيم كان يعبد صنماً، ولا كان إبراهيم في معرض أن يقع في هذه الوهدة التي هي بيِّنة البطلان والضلال، لكن الآية جاءت لتنفي هذه الصفة القبيحة عن إبراهيم عليه أفضل الصلاة والسلام، وهو أهل بأن تُنزع عنه أو تُنفى عنه هذه الصفة وهي الشرك، ولأن الشرك - إخواني وأخواتي – مراتب.

الشرك لا يقف عند حدود أن يعبد الإنسانُ صنماً دون الله، أو مع الله سبحانه وتعالى، هذا شرك عقائدي يُبتلى به الجهلةُ والسذجُ من الناس، أو الذين لهم أغراض ومصالح شيطانية، قد يُبلتون بهذا البلاء، لكن هناك مراتب أخرى من الشرك لا تُنصف ضمن المرتبة أو المسألة العقائدية، وإنما تدخل ضمن المسألة الروحية والأخلاقية.

مثلاً: حينما نقرأ في الآيات والروايات عن الرياء أنه مرتبة من مراتب الشرك، ما السبب في أن الرياء صار مرتبة من مراتب الشرك؟

الشرك - في معناه العام - هو : أن تجعل شيئاً يحدوك ويدفعك إلى فعل شيء ما، وتنشد غايةً ما، فإن كانت هذه الغاية هي اللهَ، أنت من الموحدين ولم يشرك معك في هذه شيء فأنت من الموحدين التامين كما كان إبراهيم عليه أفضل الصلاة والسلام، حيث يقول أسلمت وجهي للذي فطر السماوات والأرض[1].

أسلمت يعني خصصت وأذعنت وخضعت خضوعاً تاماً لله عز وجل، يعني ليس لدي خضوع لأي جهة أخرى.

هذا مرتبة.

لكن هناك مراتب من الشرك مثل الرياء، الرياء أن يفعل الإنسان عملاً حسناً في ذاته، وهو العمل العبادي كالصلاة والصيام والحج والصوم وأمثال ذلك، لكن الداعي فيه وإليه لم يكن وجه الله سبحانه وتعالى وحده، وإنما يريد أن يُرضي الناس، يريد أن يتقرب إلى الناس؛ لأن الناس إذا كانوا مجتمعاً مؤمناً متديناً يعجبهم الإنسان المصلي والصائم والحاج والمزكي والفاعل لهذه الطاعات والقربات، ولأن هذا الإنسان مريض لا يريد وجه الله وحده ! ولأنه يعتقد أن الناس يمكن أن يوصلوا إليه شيئاً من الخير؛ لأنه في قرارة نفسه لا يقر بأن الخير كله من عند الله! لذلك يصلي ليس لله، إما أصلاً فلا يكون مؤمناً لكنه من المنافقين الذين يتظاهرون بالإيمان - أعاذنا الله وإياكم من ذلك -، أو يكون مؤمناً لكن إيمانه بلغ حداً من الضعف حيث يعتقد أن الله ينفع لكن خلقه أيضاً يمكن أن يوصلوا إلى الناس شيئاً من النفع، فيشركهم مع الله عز وجل، هو يصلي لله لكنه يريد الناس أيضاً من خلال هذه الصلاة، فيكون فعله فعلَ مراءٍ، يريد به اللهَ وغيرَ الله عز وجل، هذا فيه شيء من الرياء.

هذا يبطل العمل، كل عمل عبادي يؤدى على هذا النحو يكون عملاً باطلاً لأن الله عز وجل يقول {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [البينة/5]. الدين بمعنى الأعمال العبادية الخالصة ليس مسموحاً في التركيب الديني والتكوين الفكري الديني أن يقصد به مع الله أحد، وإنما لابد أن يراد به وجه الله وجل فقط، فمن أراد مع الله أحداً يكل الله عز وجل هذا العمل إلى صاحبه ويقول له اطلب ثوابك من الآخرين؛ لأن مقام الكبرياء الإلهي لا يسمح أن يراد وجه الله ويراد مع ذلك وجه آخر غير الله سبحانه وتعالى.

إبراهيم ماذا وصفه الله عز وجل؟

قال {شَاكِراً لِأَنْعُمِهِ}، لأن نعم الله عز وجل ليست واحدة وإنما هي كثيرة والحق سبحانه وتعالى يقول {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا} [النحل/18].

هل يكفي الإنسان أن يكون شاكراً لله عز وجل في نعمة من النعم دون بقية النعم؟

الجواب: كلا.

في نصف النعم دون النصف الآخر؟!

الجواب: كلا.

في ثلاثة أرباع النعم دون الربع الآخر؟!

الجواب: كلا.

في كل النعم باستثناء نعمة واحدة؟!

الجواب: كلا.

النعم كلها من الله، ويجب أن يكون الشكر لله عز وجل، نعم ثمة أدب شرعي أدبنا عليه الشارع المقدس وهو أن الله عز وجل جعل لنعمه هذه، لكي تصل إليك، وسائطَ ووسائلَ وسبلاً. الأب واسطة في إيصال نعمة الله إليك، الأم واسطة في إيصال نعمة الله إليك، الذين يعينونك على البر والتقوى وسائط. لذلك، أُمرنا أن نشكرهم، لكن في طول شكر الله عز وجل، أي في مرتبة ثانية، نشكرهم ليس لأنهم أوصلوا إلينا النعم بالاستقلال، وإنما لأن الله عز وجل جعلهم أبواب الخير إلينا، الأنبياء الرسل، الأئمة، المربون، الآباء، الأمهات، المؤمنون الذين يوفرون لك كل سبل العيش الكريم والطاعة، كل هؤلاء ساهموا في صنع إيمانك فعليك أيضاً أنت أن تسهم في صنع إيمانهم والمحافظة على إيمانهم.

وهذا أحد وجوه ودواعي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لأن الإنسان إذا قصر في حماية مجتمعه إيمانياً عليه أن لا يتوقع أن الفساد إذا وصل إلى الآخرين سيكون هو بمأمن عن أن يصل إليه ذلك الفساد، إذا وصل الفساد إلى جارك سيصل اليوم أو غداً إلى دارك، لذلك عليك أن تحرص على جيرانك، على أحبابك، على أقربائك، على زملائك، على من يعيشون معك، ويسيرون معك في سفينة واحدة.

لاحظوا إذا أردنا أن نشبه، هذا الموسم الذي مرّ علينا - وهو شهر رمضان - لأن الآية فيها تتمة لكن لست بصدد ما الذي منّ الله عز وجل به على إبراهيم لما صار شاكراً، فقط أشير إليها {اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيْمٍ} هذه نعمة كبرى أن يكون الإنسان شاكراً فيمنَّ الله عز وجل عليه بأن يجتبيه، وبأن يهديه الصراط المستقيم، وهذا ما نسأله حينما نصلي مكرراً في اليوم والليلة ونقول {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} [الفاتحة/6] ليس أمراً هيناً ولا سهلاً أن يكون الإنسان، أو يوفق الله عز وجل الإنسان، إلى أن يعرف الصراط المستقيم ويعمل وفقاً لمتطلبات وشروط الصراط المستقيم.

هل يكفي الإنسان أن يكون قادراً على قيادة السيارة حتى يقود السيارة؟

الجواب: هو كلا، لابد أن تتقن قيادة السيارة، ويكون بدنك وقدراتك الجسدية تعينك على قيادة السيارة، وأن تمتلك أو تسيطر على السيارة، وأن يكون هناك شارع مهيأً ومعبداً لأن تسير فيه هذه السيارة التي تحتاج إلى مثل هذا الطريق المعبد، أما السيارات الأخرى تحتاج إلى أرض، إذا لم تكن تحتاج إلى الطرق المعبدة، تحتاج إلى أرض تسير عليها، هي لا تسير على الهواء.

لكن هل تستطيع أن تعرف خصائص هذه السيارة، تكوين وتركيب هذه السيارة؟

لا، يكفي أن تعرف تشغيل السيارة ومقود السيارة والكابح وجهاز وعداد السرعة وذراع السرعة وهذه الأشياء التي يلزم السائق أن يعرفها .

لكن هل ستكون قدرة هذا السائق على قيادة السيارة مثل ذاك الشخص الذي يعرف خصائص السيارة، ويعرف خصائص الطريق ومسافة الطريق، وقد نظر في السيارة وعرف كم هو مخزون الوقود، والذي يعرف الطقس، والذي يستطيع أن يلم بكل ما يلزم في قيادة هذه السيارة ريثما يصل إلى الطريق؟!

الجواب : الثاني ستكون فرصه أفضل.

الذين يصومون شهر رمضان، والذي يوفقهم الله عز وجل إلى مثل هذه النعمة، هم بهذه المثابة، وفر الله عز وجل لنا وعلينا، منّ علينا بهذه النعمة ونحمد الله عز وجل أننا استثمرناها، كلٌ بما وفقه الله عز وجل إليه.

لكن هل هذا يكفي؟

الجواب: لا يكفي؛ لأننا بعدُ لا نزال في طريقٍ يمتد بنا إلى آخر الحياة، والله عز وجل يقول: {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} [الحجر/99]. اليقين فُسِّر - هنا - بالموت.

مطلوب منا أن نختم حياتنا متقربين إلى الله عز وجل بسبل الخير، عنوان العبادة أوسع كما سنأتي إن شاء الله على ذكره في خطب لاحقة، ونسأل الله التوفيق، أوسع من عنوان الصلاة والصيام والحج، لكن كلامنا هنا أن منَّ الله عز وجل بمثل هذه النعمة، هل يكفي أن ينجز ويحقق هذا الإنجاز؟

بالتأكيد لا. كثير من الناس ينجحون، لكن سرعان ما تتهاوى كل إنجازاتهم إذا قصروا. في

الرياضة هكذا يفعلون ، في الاقتصاد هكذا يفعلون، في السياسة هكذا يفعلون، في تربية نفسك إيمانياً وروحياً، الأمر كذلك. إذا لم تراقب نفسك، ولم تحاسب نفسك، أين كنت، ثم أين صرت وإلى أين تريد أن تتحرك؟ فستكون محروماً من رحمة الله عز وجل التي لا ينالها إلا من يُعنون أشد العناية بهذه المسألة. وقد روي عن علي (عليه أفضل الصلاة والسلام) أنه قال: رحم الله امرأ عرف من أين وفي أين وإلى أين[2].

يعني هذا الانسان مرتاح إذا صحت هذه الرواية، ومضمونها صحيح، سيكون مشمولاً برحمة الله عز وجل وعنايته، يعرف مخطط الطريق بشكل كامل، يعرف ما له وما عليه، يعرف ما الذي يحتاجه؛ لأن الله عز وجل يقول {وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى} [البقرة/197]. كيف نتزود؟

بالبنزين؟!

هذا للسيارة. لكن نحن في طريقنا إلى الله عز وجل، ماذا نحتاج للتزود؟ هذا شكل من أشكال النعم لأن الحق يقول كم قدمنا {لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ} [إبراهيم/7].

كيف نشكر الله؟

العلماء يقولون، شكر الله عز وجل في نعه أن نعرف النعمة حتى نقدر النعمة قدرها، ثمة نعم صغيرة، ونعم كبيرة. ووصف الصغر والكبر أمر نسبي؛ لأن نعم الله كلها كبيرة، ليس فيها بالنسبة إلينا كبير وصغير، لكن هي في ما بينها ليست مساوية القيمة والأهمية، فيها شيء قليل وفيها شيء أهم.

مثلاً: في الصلاة عندنا واجبات ركنية وواجبات ليست ركنية. الواجبات الركنية كالنية وتكبيرة الإحرام والركوع والسجود، هذه لو وقع الخلل فيها عمداً أو سهواً أو خطأ أو نسياناً فسدت الصلاة، لكن الواجبات الغير ركنية كالسورة الثانية أو الفاتحة، ينساها الإنسان، أخل في صلاته بهذا الواجب لكن هذا الإخلال لا يضر بصحة صلاته، هناك ما يستدرك، وهناك ما يحتاج فيه إلى مجرد سجود السهو، لكن لو أن الإنسان بعد أن فرغ من الصلاة تماماً وكان خاشعاً في منتهى الخشوع، تبين أنه لم يكبر تكبيرة الإحرام، لا مجال لاستدراك هذه الصلاة لا بد أن تُعاد، كذلك بالنسبة إلى الصوم.

من المهم جداً، ومن الحسن جداً، ومن نعمة الله الكبرى علينا، أن وفقنا الله عز وجل لصيام شهر رمضان، وحُرم آخرون، لكن هل أنا وأنت إذا كنا ممن وفقه الله عز وجل لصيام هذا الشهر، ونسأل الله أن نكون كذلك، كيف نستثمر هذه النعمة ونوظفها توظيفاً حسناً حتى يمن الله عز وجل برمضان ورمضان وآخر وثالث ورابع إلى أن يقضي الله أجلاً أو أمراً كان مفعولا.

هذا يحتاج إلى أن نستزيد من الله عز وجل النعم، فنعرف هذه النعمة، ونقدر قيمتها.

ما الذي اكستبناه في رمضان من الخير ومن النعم؟

منَّ الله عز وجل علينا بأننا أنسنا بالقرآن الكريم، وقد حُرم ويُحرم كثير منا، للأسف الشديد، من تلاوة القرآن في غير شهر رمضان.

جاء شهر رمضان وتبين لنا أننا قادرون على أن نستقطع وقتاً من أوقاتنا لتلاوة هذا الشهر الكريم حتى نعرف من خلال هذه التلاوة ما الذي لنا وما الذي علينا، ونستعين بذلك أيضاً ونستعين بالله عز وجل فوق هذا أن يعيننا على التزام هذه الطاعات وتجنب المنهيات، هذه نعمة أخرى حصلت لنا، ونسأل الله عز وجل أن نثبُت عليها، وأن نستقيم.

ثم إن ثمة أشياء نرجو أن نحصل عليها لأننا اطلعنا عليها ولم نكن قد اطلعنا عليها، أو كنا نعرفها ونسيناها فاستذكرناها من خلال هذه التلاوة فنضعها ضمن الأهداف التي يفترض أن نجعلها نصب أعيننا حتى نعمل إلى تحقيق هذه الغاية، سواء كانت هذه غايةً تُحقق في الدنيا، أو غايةً نعمل على تحقيق آثارها وثمراتها في الآخرة.

هذا أحد أسباب وأحد بركات ما جنيناه في هذا الشهر الكريم. الصيام، مر علينا موسم صمنا فيه في شهر قائظ، حار، فقد بيَّن لك الله عز وجل كما هي قدرتك الروحية والإيمانية حتى لا يشعر الإنسان بسبب نغزات الشيطان ووساوسه أنه أضعف من أن يلتزم ما أمر الله عز وجل به، صمنا، تجنبنا كثيراً مما نستشعر الحاجة إليه، هذه نعمة. فنسأل الله عز وجل الثبات عليها ومعرفتها وتقديرها قيمتها الحقيقية، وقس على هذه كلَّ ما وفقك الله عز وجل إليه.

فإذن، شكر نعم الله عز وجل بأن نعرفها أولاً، ونلهج بالثناء على الله عز وجل بسببها، ثم المحافظة على هذه النعم وتطوير هذه النعم، هذا ما يمكن أن نجمله بعنوان «شكر النعم». هذه مسألة، يعني، مستحبة أو واجبة؟

هي مستحبة في بعض مراتبها، لكن في بعض مراتبها هي واجبة، ولا مجال ولا خلاف بين العلماء في أن مرتبة من مراتب الشكر واجبة، ليس يصح أن نقول أن هذا مبدأ أخلاقي، وأن شكر الله عز وجل ليس لازماً علينا وليس واجباً وجوباً فقهياً!!

لا، هو كذلك، هو واجب في بعض مراتبه وجوباً فقهياًّ، وما الصلاة وما الحج وما بقية العبادات إلا نحو من أنحاء الشكر، لاحظوا العلماء حينما يقررون مسألة العقائد، من ماذا ينطلقون؟

من أحد أهم منطلقات علماء العقائد في الإلزام أخلاقياًّ وعقلياًّ بدراسة مسألة العقائد الأساسية، المسائل الأساسية، هو وجوب شكر المنعم، وهذا وجوب عقلي، لا نحتاج إلى آية ولا إلى رواية، لأنك أنت لو أنك أسديت شيئاً من المعروف إلى شخص من الناس ثم قابلك بالجحود لامتلأت غيظاً وغضباً، فتقول فتصف هذا بأنه جاحد النعم، وأنه لا يقدّر النعم قدرها، كيف بنا نحن إذن الذين أغرَقَنا الله عز وجل بنعم كثيرة جداً، وشهر رمضان واحد منها؟

لذلك، أوصي نفسي وإياكم بتقوى الله عز وجل بأن نكون وإياكم من الشاكرين له على هذه النعمة، وأن نسأله وإياكم لاستثمارها طوال العام، في الليل، في النهار، في الحر، في القيظ، في الصيف، في البرد، في الشتاء، في القيام والقعود، في الصحة والمرض، في جميع حالاتنا، لأن الشيطان كامن لنا، الشيطان لن يسمح لنا بأن نقود هذه السيارة بالراحة، لا يريد لنا، سيضع العقبات والطرق والحفر وكل ما من شأنه أن يجعلنا نقف، حتى أنه قد يبقينا في حديقة غناء، المهم أن لا نسير لأن الله عز وجل يقول إنك مهاجر إلى الله هذه الهجرة إلى الله، {أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ} [الشورى/53]، أو {إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ} [الانشقاق/6]، الشيطان يريدك أن لا تسير إلى الله لكي تواجه الحق سبحانه وتعالى ملعوناً كما هو ملعونٌ بين يدي الله عز وجل، ونعوذ به سبحانه وتعالى من أن نكون وإياكم من الملعونين والمحرومين، وجعلنا وإياكم من المرحومين.

اللهم صل على محمد وآل محمد.

اللهم كن لوليك الحجة ابن الحسن، صلواتك عليه وعلى آبائه، في هذه الساعة وفي كل ساعة، ولياًّ وحافظاً، وقائداً، وناصراً، ودليلاً، وعينا، حتى تسكنه أضك طوعاً، وتمتعه فيها طويلاً.

اللهم انصر الإسلام والمسلمين، واخذل الكفار والمنافقين.

اللهم اشف مرضانا، وارحم موتانا، وأغن فقراءنا، وأصلح ما فسد من أمر ديننا ودنيانا، ولا تخرجنا من الدنيا حتى ترضى عنا يا كريم.

 

 

 


[1] نص الآية هو {إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [البقرة: 131].

[2] رويت مرسلة في بعض الكتب على هذا النحو، ولم نجد لها سنداً، أ ومصدرا قديماً.