موقع السيد حسن النمر الموسوي

حديث الجمعة

جديد الموقع

خطبة بعنوان «من وجوه العبادة- ١» التي ألقاها سماحة الحجة العلّامة السيد حسن النمر الموسوي يوم الجمعة ٢٢ شوال ١٤٣٩ هجري في جامع الحمزة بن عبدالمطلب لمدينة سيهات:

 

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

 بسم الله الرحمن الرحيم 

 الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وعلى أهله الطيبين الطاهرين

رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري واحلل عقدةً من لساني يفقهوا قولي.

عباد الله, وأوصيكم ونفسي بتقوى الله 

فإنه القائل عز وجل { إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ}

 لكنه القائل وفي الوقت نفسه {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ}

 الحق سبحانه وتعالى خلقنا لغايات، يجمع هذه الغايات المتعددة التي نلمسها ونجدها في القرآن الكريم والسنة المطهرة، غاية واحدة اختصرها في قوله عز وجل {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ}.

والسؤال الذي قد يخطر في بال كثير من الناس، هل أن المطلوب من الناس حينما يوصون بالتقوى أن يكونوا من أهل الصلاة فقط، أو الصيام فقط، أو ما هو جار في العرف تسميته بالعبادات بالمعنى الخاص، حيث أننا إذا رجعنا إلى الرسائل العملية للفقهاء، نجد أنهم في الغالب في العصور المتأخرة يقسمون الرسائل العملية إلى قسمين اثنين، القسم الأول يتناولون فيه العبادات ويضعون فيه الطهارة والصلاة والصوم والزكاة والحج والخُمس والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل الله.

هذه الأبواب تسمى بالعبادات في مقابل المعاملات، والفارق الأساسي بين العبادات والمعاملات أن العبادات يُشترط في صحتها فقهياً أن يؤتى بها بنية التقرب إلى الله، فلو أن الإنسان صلى دون أن ينوي التقرب إلى الله عز وجل، فإن صلاته وهذه لا عبرة بها، ولو صام كذلك لن يعتد به صومه، ولو حج كذلك لم يعتد بحجه، بل حتى لو أنفق الخُمس والزكاة ولم ينوي التقرب إلى الله عز وجل، فإن خمسه وزكاته هذه ليستا مقبولين عند الله عز وجل، وفوق هذا وذاك لو جاهد وقاتل المشركين والكفار الذين يستحقون أن يُقاتَلوا وأنزل بهم ما شاء الله له أن ينزلهم، إن لم ينوي بذلك أن يكون عمله هذا لله وفي سبيل الله، فإن عمله هذا لن يُعتد به أصلا وتفصيلا.

هذا ما يسمى بالعبادات في الرسائل العملية، لكن السؤال هو هل أن هذه العبادات هي فقط ما يصطلح عليه في الشريعة المقدسة بالعبادات؟ حتى نقول إن الله عز وجل حينما يقول {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} أي ليصلوا ويصوموا ويفعلوا هذه الأشياء التي جُعلت ضمن بنود وعناوين عشرة، أنها هي هذه العبادات وغيرها ليس من العبادات، طبعا يُضاف إلى ذلك الطهارة يعني ان لم نذكرها؟.

هل هي هذه فقط، ليس المطلوب أن نذهب إلى محلات التجارة والعمل والتعليم وسائر ما هو مذكور مما يسطّره الفقهاء في عنوان المعاملات، يعني ألا يتعبد الإنسان إلى الله عز وجل أثناء البيع والشراء، ألا يتعبد إلى الله عز وجل وهو يتزوج ويُزوج، ألا يتعبد إلى الله عز وجل وهو يربي، ألا يتعبد إلى الله وهو يعلم ويتعلم، إلى سائر أو كافة الأعمال الأخرى التي لا تدخل تحت العنوان الأول؟!

إذا كان هذا هو المطلوب، فلابد أن نعيد النظر لأن الله عز وجل يقول {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} يعني سيكون جهد الناس -لو أجبنا بهذا الجواب- جهد الناس في كل معيشتهم جهدا عبثيا يخالف قول الله عز وجل، هل هذا هو المقصود؟

 الجواب: كلا، إطلاق. 

 وذلك أنه يجب ان نلفت النظر إلى أن أهل العلوم والفنون العلمية، لكل أهل صنعة علمية و نشاط علمي أن يصطلحوا وفقا لما يدفعهم إلى ذلك المصطلح والدليل والتبويب، فيقدمون هذا ويؤخرون هذا ويصطلحون هذا المصطلح، ولا مُشاحَّة في الاصطلاح، لكننا إذا رجعنا إلى القرآن الكريم والسنة المطهرة فسنجد أن عنوان العبادة أوسع كثيرا مما هو مصطلح بين الفقهاء، مثل أن مصطلح (الفقيه) الآن، حينما نصطلح نحن المتدينين والمؤمنين وأهل الإسلام على عنوان الفقيه، لا نطلقها على كل أحد، قد يختلفون شدة أو سعة وضيقا. لكن المصطلح الدارج على أن الفقيه هو العالم المتمكن من القدرة على الاستنباط عندنا في مدرسة أهل البيت، هذا المتمكن من مراجعة الأدلة التفصيلية والقادر على أن يستنبط منها الأحكام الشرعية، هذا نسميه فقيه, غيرنا قد لا يشترطون هذا الاشتراط، لكن يكفي عندهم أن يعرف القواعد العامة للتشريع، ويستطيع أن يراجع كتب الفقهاء فيقال فلان فقيه، أيا كان هذا المصطلح أولى، أو ذاك المصطلح أولى، لكن عندنا وعند غيرنا من المسلمين إذا رجعنا إلى القرآن الكريم والسنة المطهرة، سنجد أن مصطلح الفقيه أوسع مما اصطلح عليه أهل الاختصاص العلمي، تماما كما هو الحال بالنسبة إلى العبادات.

ما هو المطلوب منا نحن المؤمنين؟

المطلوب منا نحن المؤمنين، إذا أردنا أن نسير في خط التقوى حتى لا تتيه بنا السبل ولا تضل البوصلة عند أي واحد منا فيحصل ما لا يحمد عقباه، ويقع في ما لا يتمناه، ويؤذي غيره من حيث أنه يريد أن ينفعه، فيكون يخرج من دائرة المؤمن الكيس إلى دائرة المغفلين والبسطاء والسذج، كما اُبتليت الأمة عبر تاريخها القديم والحديث من مجموعات كثيرة من هؤلاء الذين أرادوا، من حيث لا يشعرون{ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا} وإن أمير المؤمنين عليه أفضل الصلاة والسلام إنما قتل على أيدي مثل هذه الجماعة، يقتلون ويكبّرون، ويذبحون الناس يتقربون إلى الله عز وجل، ولا خلاف بين المسلمين في أن إلحاق الأذى بمثل هؤلاء، ليس أمرا يمكن أن يُتقرب به إلى الله عز وجل.

فإذن، الخلل من أين تسلل إلى أمثال هؤلاء؟

قلة العلم والمعرفة، والذي قد يتكرر في كل حقبة بصورة متعددة .

بالأمس اشتكى إليّ أحد المؤمنين من أن هناك يعني أفرادا أو مجموعة من الناس، بدل أن يحولوا وسائل التواصل الاجتماعي إلى وسائل تواصل في الخير، حولوها إلى منصات للإيذاء والازعاج وهتك الناس، وبالخصوص أهل العلم، شغلهم الشاغل إثارة وتسجيل الملاحظات، ظنا منهم أن هذه الملاحظات في محلها، وظنا منهم أن هذه الملاحظات لم يلتفت إليها الفقهاء، ثم يأخذون بالاجتزاء والابتسار، يقتطع من هذا الفقيه إشكالا، ومن ذاك العالم إشكالا آخرا، ومن هذا خللا، ومن ذاك خللا، فيسلط الضوء على جوانب السلب فيهم ويغض الطرف عن جوانب الإيجابيات فيهم!

هل هذا الفعل صحيح أو ليس بصحيح؟

 طبعا مثل هذا الفعل في المجمل ليس أمرا حميدا، لا يحمده الناس والعقلاء.

لكن من أين يُبتلى هذا وأمثاله بهذه المشكلة؟

حالة الغرور، حالة الكبر التي تجعل هؤلاء أو تتيح للشيطان أن يتسلل إلى هؤلاء فيحسبون أنهم يحسنون صنعا، وإلا فإذا استقرت الأمور وعرف الناس أن علياً هو علي، كل الأمة تجمع على أن عليا قتل ظلما، وحُورِب بغيا، وأوذي دون وجه حق، لكن هذا السؤال وهذا الإجماع الذي تتفق عليه الأمة اليوم، ألم يلتفت إليهم من يسمون بالسلف، وقد كانوا أقرب إلى منابع الإسلام وأقرب إلى رسول الله؟!

نقول أولئك الذين شاركوا في ذلك البغي وشاركوا في ذلك العدوان اُبتلوا بواحدة من آفتين يمكن ان تتكررا في كل جيل وفي كل عصر وفي كل مصر.

الآفة الأولى:هي قلة الفقه والمعرفة.

وهذا هو الغالب على أولئك الذين اصطبغت وجوههم بعلامات السجود، حتى سُمو ذوو الثفنات، لكن ثفناتهم تلك، تعبدهم ذاك ,كثرة ركوعهم وسجودهم لم تحُل بينهم وبين أن يكونوا قتلة، أدوات شيطانية، كما اُبتلينا في مثل هذا الزمن بمثل هذه الأدوات الشيطانية.

السبب ما هو؟

قلة فقههم وقلة معرفتهم.

أما الآفة الثانية: فهي مرض الأرواح، مرض النفوس.

فإن الشيطان كنموذج ليس قليل المعرفة، الشيطان صاحب أول مخلوق من البشر، بل قبل البشر. هو مخلوق قبل أبينا آدم، وهو  عايش مسيرة الأنبياء، بل من أول نبي إلى آخر نبي، فخبرته متراكمة، لكن أين هي؟ مشكلة الشيطان في الأنا

 {أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ}..!

 فإذا ظن الواحد منا أنه إذا قرأ كتابا وكتابين، وحصّل عنوانا أو عنوانين من المراتب العلمية، فإذا ظن أن غيره لا يفقه ولا يعرف، وأن العلم كله قد جمع في جيبه وأنه اجتمع لديه علوم الأولين والآخرين، فأخذ مشرط النقد ومشرط التجريح، ويغفل عن أن هؤلاء العلماء لم يُفتوا من عندياتهم حينما يقولون بأن الهلال، دخول الشهر وخروجه يتم بكذا أو بكذا، وهذا العالم يخالف ذلك العالم، فيأتي مثل هذا يقول ما داما قد اختلفا، فلابد أن هذين ليسا على صواب..!

من أين هذه القاعدة جاءت؟

 هذه القاعدة تماما مثل قاعدة الشيطان {أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ} هذه مشكلة القياس..!

القياس، حينما يدخل أحدهم على الإمام الصادق، عليه أفضل الصلاة والسلام " يقول له: تقيس؟ قال: نعم قال له : أيهما أشد نجاسة البول أم المني؟ قال: لا، البول أشد نجاسة، قال فيما معناه لماذا نتوضأ من البول ونغتسل من المني، مع أن نجاسة البول أشد من المني..؟ لو كان الأمر بالقياس لقُلِبت الآية، ولو كان القياس هو الحجة، لكان اللازم أن يكون مسح أو غسل باطن للقدم أولى من مسح ظاهر القدم.

القضية ليست مسألة ترتبط بأن ما ندركه فقط هو المِلاك في الصحة والصواب، وما لا ندركه، لا ينبغي أن يدخل ضمن الموازين العلمية التي يلزمنا أن نلتزم بها، ثمة منظومة فكرية متكاملة تبدأ مما أعلنه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (قولوا لا اله إلا الله تفلحوا).

يغفل هؤلاء أن المطلوب منا أن نكون متعبدين لله، وهذا ما جاءت الآية في صدده، الآية حينما يقول الله عز وجل {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} ليست في صدد الحديث عن الصلاة فقط، ولا عن خصوص الصيام فقط، ولا الحج فقط، وإنما جاءت من أجل أن تكرس في أذهان الناس أن ثمة حقيقة لا يجوز لأي منكم، أنتم أيها البشر. وأنتم أيها الجن، لا يجوز أن تغيب عن ذهن واحد منكم، هو أن هناك الله المالك الواحد الأحد الخالق السيد المتصرف، أما أنتم، فأنتم مخلوقون مربوبون له سبحانه وتعالى حق الطاعة عليكم، فإن أمر وجب أن تلتزموا أمره، وإن نهى وجب أن تلتزموا نهيه، لذلك يقول عز وجل { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ} يعني أن الأمر بالطاعة منبثق من إنكم أعلنتم أنكم مؤمنون، مؤمنون بماذا؟ يعني لا معنى لأن تخاطب إنسانا بأطع أو لا تطع وافعل ولا تفعل، وهو بعد لم يؤمن، لكنه إذا آمن، يعني أنه آمن بأن الله عز وجل مولاه، وأن الله سبحانه وتعالى ربه وأن الله عز وجل له الخلق والأمر، حينذاك يتهيأ لأن يُقال له أو يقول هو، هل أمرنا ربنا بشيء أو نهانا عن شيء؟

إذا بلغ الإنسان هذا المقام قد يصل إلى ما وصل إليه إبراهيم عليه أفضل الصلاة والسلام، الذي لا فرق عنده في أن يصل إليه أمر الله عز وجل في يقظة أو نوم، نحن من باب اللطف، الله سبحانه وتعالى لم يمتحننا بأن يأمرنا في المنام، مناماتنا ليست حجة، لا يستطيع الواحد منا أن يقول أنا رأيت في المنام أن الله أمرني بكذا أو نهاني عن كذا، لكن إبراهيم، سيان عنده أن ينزل عليه الوحي في يقظته أو في نومه، فخاطب ولده الصغير في سنه {يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ}.

تصوروا هذا الامتحان وهذا التكليف، لكن لأن إبراهيم منطقه منطق أسلمت، منطق إبراهيم منطق الاستسلام التام، منطق التبري من كل ما يبعده عن الله عز وجل فيبادل هذا الأب، هذا الإنسان الصالح، وهذا العبد الذي وصفه الله عز وجل بأنه كان أمة كان قانتاً، يبادله ذاك الولد الصالح {يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ} هذا الولد الصغير في سنه، يدرك نتيجة تربية إبراهيم الصالحة له، أن ما يراه إبراهيم هو وحي موحى من عند الله عز وجل، لا يجوز لإبراهيم ولا لغير إبراهيم إذا صدر من الله عز وجل أمر أن يتمرد عنه.

فهذا الذي ينتقد أو ذاك الذي يسجل ملاحظة، ألا ينبغي أن يسأل نفسه، هل هذا الانتقاد نابع من كتاب الله عز وجل الذي تدبرته؟!

من سنة رسول الله التي وصلت إليك عبر الطرق المعتبرة؟!

أم أن هذا من أحلام يقظتك أو أن هذا من مناماتك التي قد يبعثك إليها الشيطان من حيث تدري أو من حيث لا تدري؟!

طبعا، مثل هذا الصنف من الناس، سيشعر أن هذا السؤال إذا وجِّه إليه، هذا سؤال المتعنتين هذا سؤال المحرجين، بل قد يكون سؤال الأغبياء المتخلفين الرجعيين، الذين لا يعرفون أن الله عز وجل خلقنا ولدينا العقل أننا ندرك، بلى لديك العقل، لكن الله عز وجل آتاك العقل ليبنيك، آتاك العقل ليجعلك عبدا لله عز وجل، لا أن تكون لسانا شيطانيا تؤذي نفسك وتؤذي الآخرين.

نعم من حق المؤمن الآخر أن يسألك إذا وجّهت إشكالا، أين هو مصدر هذا الإشكال المنطقي والسؤال المنطقي؟

هل لديك القدرة أن تماحك وتحاكم الآخرين علميا في هذا السؤال؟

 إئتنا بالآية إئتنا بالرواية، كما يطالب العالمُ العالِمَ إذا اختلفا، هذا العالم حينما يتبنى هذه الرؤية ينبري له العالم الآخر، أين هو مدركك أين هو دليلك الذي استندت إليه؟

فإذا قال هذا دليلي والآخر قال هذا دليلي وصلا إلى نقطة لا يستطيعان أن يجتمعا فيها، يقول كل واحد منهما للآخر أنت مكلف بما أراك الله، وأنا مكلف بما أراني الله، لكن هذا وهذا يجتمعان في أن الواحد منهما لا يمسك الواتساب ويكتب من جيبه بعد الفطور، قبل الفطور، لا، بعد سنين من الدرس والمطالعة والمماحكة العلمية والمحاكمة العلمية لهذا الرأي وذاك الرأي، يبذلون جهودا جبارة، اتفقت معه كعالم أو اختلفت معه كعالم، لكن يجب أن يتعامل مع وجهة النظر هذه من منطق الاحترام والعدل والإنصاف، أما هذه الغوغائيات وهذه الغرائزيات ومخاطبة الناس أنكم الم يأتيكم الله عز وجل عقلا..! بلى، هذا ما يكرره الملاحدة، الملاحدة ماذا يقولون للأنبياء> سابقا ولاحقا؟

كانوا يقولون: لدينا عقول، لدينا القدرة أن نحاكم، فكان يأتيهم الكلام من الله عز وجل {قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِين} أين هو برهانكم؟

برهانكم يعني أين هو استدلالكم المنطقي إن كنتم من أهل المنطق والعقل؟ وأين هو استدلالكم النقلي والشرعي إن كنتم تتكلمون في دائرة الشرع؟

فإذا كنا وكان هؤلاء وأمثالهم يتكلمون عن مسائل شرعية وعن مسائل ترتبط بالدين، فإن من حق المؤمنين عليهم انهم إذا أرادوا أن يسجلوا إشكالا أن يشفعوا هذا الإشكال بأن دليلنا على هذه الملاحظة وهذا الاستدلال وهذا الإشكال هو قول الله عز وجل كذا، وتقريب الاستدلال به كذا ووجه الاستنباط منه كذا، أما أن تخاطب الغرائز من الناس، هذا أمر ميسور، لكن هذا ما كان يفعله الضالون المضلون من السابق.

ولذلك مطلوب منا نحن أن نتعبد لله عز وجل بالصلاة وبالصيام وبالحج، وبكل ما سجله العلماء في باب التعبد، لكن ثمة وجوه أخرى لابد أن نعرفها ونتيقن منها، وهي أن نتفقه، فإن من أفضل وجوه العبادة لله عز وجل الفقه في الدين، لأن الإنسان إذا أدخله الرجال أخرجه الرجال.

نحن لا نريد أن نخرج من دائرة تبعية عمياء دون أن ندرك، إلى تبعية عمياء إلى جماعة أخرى، هذا إذا كان يريد أن يقول لا تتبعوا غيركم بشكل أعمى، من حقنا أن نقول ولن نتبعك بشكل أعمى، إذا كانت ملاحظاتك على العلماء وعلى هذا أو هذا علمية، أخرج لنا دليلك العلمي ثم نحاكم بمقدار ما ندرك، لكن هؤلاء الذين يرجعون إلى العلماء هم يرجعون إلى قاعدة فطرية، الله سبحانه وتعالى يقول { فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} يسلّمون بأنهم ليسوا فقهاء، وليسوا علماء، وبالتالي ليس من المنطقي أن يُخاطب غير المتخصصين بأن يناقشوا المتخصصين، أنا وأنت إن لم نكن من الأطباء، نذهب إلى الأطباء ونسلّم لهم ونستسلم، لا نناقشهم، لأننا نقف أمام إنسان قضى عمراً مديدا في دراسة الطب وأصول الطب، لا يستطيع أن يشرح لي الدواء وخلفيات الدواء وأسباب الدواء، والا لأقعدني في مكانه وقعد هو في مكاني، وكذلك الحال بالنسبة إلى المهندسين والميكانيكيين، وكل أهل اختصاص، نعم من حقنا أن نرتقي بمستوانا الفقهي والعلمي في كل مجال، بل إن الارتقاء العلمي في مجال الدين، هذا أهم، يعني قد يتسامح الناس في مسائل الطب فلا يتعلمون، لكن لا يُدخل أحدا علينا في الغالب شبهة طبية، مع أن الناس اليوم يملكون الوسائل، جربوا العلاج الفلاني للسكر، العلاج الفلاني للضغط، العلاج الفلاني، وهي وصفات شعبية، ثم يتبيّن للناس أن طوامّا كبرى وراء هذه النصيحة أو تلك النصيحة، لذلك يرجعون إلى المراكز المتخصصة، المراكز الموثوقة.

هكذا الكلام في المسائل العلمية، لكن المسائل الدينية الأمر أخطر، الأمر لأن الناس يقولون: الدين مادام مشاع للجميع، فإن من حقنا أن نعمل أو أن نُعمل أذهاننا للجميع.

ليس أمرا ممنوعاً عليك أن تتفقه في الدين، ولا أن تتكلم في المسائل الدينية، لكن المطلوب منك أن تتكلم في المسائل الشرعية بفقه، أن تتكلم بعلم، إذا كنت من أهل العلم، أهلا وسهلا، لا يستطيع عالم أن يحجر على عالم آخر أن يتكلم، وقد يخطّئ هذا هذا أو يصوّبه، هذا أمر طبيعي، لكن أن يأتي أحد ويقر على نفسه: لست متخصصا في المسائل الشرعية، لست متخصصا، بل لا أعرف حتى أن أعرب جملة نحوية، ومع ذلك سأتكلم في القرآن، وأقول هذه الآية هذا معناها، وهذه الرواية هذا معناها، هذا عبث لا يمارسه المنصفون في حق أنفسهم، ولا يمارسه المخلصون لمجتمعاتهم، وإلا ستحصل فوضى، إذا تركنا كل أحد أن يتكلم في الطب كاختصاص، لاحظوا الشأن العام الصحة شأن عام، لكن الطبابة كعلم، ليست شأنا عاما للناس جميعا، التدين حالة عامة، يعني مطلوب من الجميع أن يُصلوا، مطلوب من الجميع أن يصوموا، مطلوب من الجميع، إن توفرت فيهم شروط استطاعة الحج، أن يذهبوا إلى الحج، لكن ليس مطلوبا من الجميع أن يتفقهوا تفقهاً علمياً، لا يستطيعوا، ولذلك يترك هذا التخصص العلمي، هذا الجانب المعارفي العلميي لأهل الاختصاص، كما يترك الطبابة التخصصية لأهل الاختصاص، لكن المسائل يعني شأن الصحة العامة، نعم هذا الناس يتبادلون المعرفة فيه، لكن كل واحد منهم ينقل خبرات الآخرين وأقوال أهل الاختصاص، لكن أن يقحم شخص غير متطبب أو شخص غير مهندس في أي اختصاص من الاختصاصات، في أي حقل من الحقول العلمية، الناس سينظرون إليه، نتكلم عن الناس المحترمين الناس الأسوياء، أما الناس الذين يتم يقحمون أنفسهم في كل ما هب ودب من المسائل، هؤلاء لا تستطيع أن تناقشهم في شيء لأن هؤلاء يشعرون بأنهم يملكون القدرة أن يتكلموا في كل شيء، ونعوذ بالله أن نكون كذلك، لكن ثمة قواعد يجب أن يلتفت إليها.

فمن وجوه العبادة أو وجوه العبادة كثيرة ومتعددة.

نسأل الله عز وجل أن يوفقنا وإياكم أن نتناول بعض هذه الوجوه كما جاء في النصوص الشرعية في الكتاب الكريم والسنة المطهرة، لنصحح بعض المفاهيم التي وقع فيها كثير من الناس، وأتاحت المجال لأمثال هؤلاء أن يدسوا أنوفهم فيما لا ينبغي أن يتكلموا فيه، ليس الأمر محجورا عليهم، إذا أرادوا أن يتكلموا فليقرأوا ويتعلموا ويدرسوا، كما يفعل في كل اختصاص، ثم يبدوا وجهات نظرهم العلمية، نتيجة ما نالوه وما عرفوه، دون أن يستشعر في أنفسهم حالة من الغرور، أنا درست في المكان الفلاني، وأحمل اللقب العلمي الفلاني، وبالتالي من حقي، أن أتكلم في شأن الدين خاصة، لأن هذا شأن عام!. لا، ليس شأنا عاما بالمعنى الذي تفهمه، ومن يكرر هذا الكلام يشي ويكشف عن نفسه، أنه لا يفقه من معارف الدين شيئا، من معارف الدين لا يفقه شيئا إطلاقا.

حتى أولئك الذين عاصروا رسول الله وأهل البيت، يسمعون النبي صلى الله عليه وآله، لكن الناس يميّزون فلان عن فلان، وقد قدمنا في حديث سابق، قولَ الله عز وجل الذي وُصف به أمير المؤمنين، كما جاء في النصوص { وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ}.

 ليس كل من سمع المعلومة استطاع أن يفقهها ويفكك مضامين هذه المعلومة. 

نسأل الله عز وجل ان نكون واياكم ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه.

اللهم صل على محمد وآل محمد.

اللهم كن لوليك الحجة ابن الحسن، صلواتك عليه وعلى آبائه، في هذه الساعة وفي كل ساعة، ولياًّ وحافظاً، وقائداً، وناصراً، ودليلاً، وعينا، حتى تسكنه أضك طوعاً، وتمتعه فيها طويلاً.

اللهم انصر الإسلام والمسلمين، واخذل الكفار والمنافقين.

اللهم اشف مرضانا، وارحم موتانا، وأغن فقراءنا، وأصلح ما فسد من أمر ديننا ودنيانا، ولا تخرجنا من الدنيا حتى ترضى عنا يا كريم.