موقع السيد حسن النمر الموسوي

حديث الجمعة

جديد الموقع

خطبة بعنوان «من وجوه العبادة- ٣» التي ألقاها سماحة الحجة العلّامة السيد حسن النمر الموسوي يوم الجمعة ٦ ذوالقعدة ١٤٣٩ هجري في جامع الحمزة بن عبدالمطلب لمدينة سيهات:

 

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطيبين الطاهرين

رب اشرح لي صدري ويسر لي أمر واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي

عبادالله، أوصيكم ونفسي بتقوي الله

أن تكون متقيا لله عز وجل، يعني أن تكون عبداً صالحا، تعرف اللهَ عز وجل وتعمل بما ألزمك الله عز وجل أن تعمل، وتتجنب ما ألزمك أن تتجنبه.

وهذا لا يتأتى إلا بسلسلة من الأعمال، كل هذه الأعمال التي سنذكرها إن شاء الله -سنذكر بعضها على التوالي في خطب متعددة ونسأل الله عز وجل التوفيق- هي التي تحقق لنا عنوان العبادة لله عز وجل، فإنه عز وجل يقول {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} لسان الآية حاصرٌ للغاية التي من أجلها خلق الله عز وجل الإنس والجن.

 ونحن البشر، نحن مصداق الإنس، لذلك لا يسوغ للواحد منا أن يحيد عن هذه الغاية التي تحقق حكمة الله عز وجل وكماله في خلقه، فالذين خرجوا وحادوا عن هذه الغاية وعن تحقيقها يعني أنهم لم يسعوا في تحقيق هذه الغاية التي أناط الله عز وجل بهم أن يجسدوها، فيما يقولون وفي ما يفعلون، أفرادا وجماعات.

كان الله عز وجل ويستطيع أن يخلق الناس مجبرين على طاعته، كما هو الحال بالنسبة إلى الملائكة {لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ} لا يستطيعون أن يعصوا الله، لأن الله عز وجل خلقهم وفرض عليهم أن يطيعوه، أما أنا وأنت أيها الناس فقد ترك لنا الخيار {قل الحق من ربكم، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر} الآية لا تريد أن تقول أن الله عز وجل ترك للناس الخيار دون أن يحاسبهم، فمن أراد أن يؤمن فبها ونعمت، ومن أراد أن لا يؤمن فالخيار له، الآية ليست في هذا الصدد، الآية في صدد بأن عبادة الله عز وجل والإيمان به، إرادة الإنسان ومشيئته لها دخل رئيس، يعني لا نستطيع أن نكره أحدا على التدين {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} الدين هو خيار شخصي، يعني بإمكانك أنت أن تكون عبدا وبإمكانك أن تتمرد كما فعلت الشيطان أعاذنا الله عز وجل وإياكم منه.

لكنه في الوقت نفسه قال {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ(*)وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} وحشد القرآن الكريم بآيات تتجاوز المئات، أغلب ما جاء في القرآن الكريم جاء ليبيّن هذه الحقيقة ويشرح الثمرات التي تترتب عليها، فريق في الجنة، وفريق في النار {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِوَالْعَصْرِ (*) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ(*) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} فإذا لا يمكن للإنسان إلا أن يواجه واحدا من هذين المصيرين، مصير الفائزين والرابحين، وهو أن يكون من أهل الجنة، والفريق الآخر أن يكون -نعوذ بالله- من أهل النار، الطريق الذي يؤدي بك إلى الجنة أن تكون عبدا، وأن تكون عبدا لا يعني أن تكون من أهل الركوع فقط، الركوع والسجود والصوم والحج والزكاة هذه العناوين التي خصصها الفقهاء بعنوان العبادة هذا شطر من العبادة، لكن هناك عناوين أخرى منها أن تكون من أهل العلم والمعرفة والفقه {فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِيالدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} يعني كيف نتجنب الخطر من خلال التفقه الذي ينقله إلينا الذين نفروا إلى رسول الله، سواء الذين نفروا مع رسول الله واليه صلوات الله وسلامه عليه وشاركوا معه في المعارك، حيث رأوا آيات الله عز وجل تتوالى على رسول الله وعلى المؤمنين، حيث ينصرهم الله عز وجل، إذ يكونون قلة، وكل الموازين لا تكون معهم، ومع ذلك أنزل الله عز وجل النصر عليهم، لأنهم حققوا عنوان الإيمان، هذا عنوان من عناوين التفقُه، لأن التفقه ليس هو خصوص ما يذكره الفقهاء من تعريف عنوان الفقه الذي يقصر على المجتهدين فقط، أما البقية فهم متفقهون، في حين أننا إذا رجعنا إلى الأخبار المتضافرة بل المتواترة كما نص على ذلك عدد من العلماء نجد أن مصطلح الفقه والمتفقهة يتسع ليشمل أناسا عاديين، ليسوا من أهل الحوزات الدينية، لكن يملكون البصيرة الإيمانية التي تتوقف على حد معين من المعلومات، حد معين من المعرفة، به صاروا عارفين بالله عز وجل وبأحكامه، فصار لهم من الميسور لهم أن يعرفوا الطريق الذي يجب ان يسلكوه، فيكونون من أهل الصراط المستقيم والطريق الذي لا يجوز لهم أن يسلكوه، لأنها سبلٌ تتفرق بهم عن سبيله سبحانه وتعالى.

لاحظوا ماذا يقول الله عز وجل في سورة النحل؟

يقول {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} كل الأنبياء الذين بعثهم الله عز وجل، حملوا هذا الشعار، حملوا شعار دعوة الناس إلى أن يعبدوا الله ويجتنبوا الطاغوت، هذا العنوان العريض، لكن كيف نترجم عبادة الله عز وجل، كيف نترجم تجنب الطاغوت؟ تأتي الشريعة لتفصّل لنا فيتبيّن معها أن الإنسان قد يكونوا من المكثرين من الصلاة والصيام، لكن ذلك لا يحول بينه وبين عبادة الطاغوت، سواء كانت طاغوت ظاهرا أو طاغوت خفيا، يتمثل في نفسه التي تحيد به عن سبيل الله، {اتخذ} القرآن الكريم يعبّر في بعض الآيات {اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ} زين كيف نعرف أن أهوائنا صارت أهواءا ربانية، لا نريد إلا ما يريد الله، لا نشرّع إلا ما يشرّع الله لا نحلل إنما يحلل والله لا نحرم إلا ما يحرم الله، إلى آخر ما جاء في السلسلة، دون تفقّه ومعرفة من جهة، ترتبط بتشكيل الوعي من خلال مفاهيم صحيحة، تجعلنا نحسن الاختيار ونصوب الصواب ونخطئ الخطأ، وناحية ثانية ترتبط بالقلب، حيث نجعله قلبا سليما، فتقول الآية {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} أي من الناس {... فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ} لاحظوا الأنبياء بعثهم الله عز وجل من أجل أن يبينوا للناس هذا الخيار، لكن حتى لو أن الناس اختاروا الله عز وجل يقول { فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللَّهُ} الهداية بيد الله، حتى هذا المقدار، الاختيار ليس الاختيار المطلق بيديك، نسبة من الاختيار {وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ ۚ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ}.

 اقرأوا التاريخ المكتوب والمسطور والآثار وما يتناقله الناس، ستجدون أن عاقبة المكذبين واحدة، هي أن الله عز وجل أهلكهم واستأصلهم، باعتبار أنهم تحدّوا الله عز وجل، والله غالب على أمره، لا يمكن لأحد ولا يمكن لجماعة من الناس أن يتمكنوا أن يواجهوا حق الله عز وجل، لأن الحق غالب، فمن صارع الحق صرعه.

ثم يقول الله عز وجل في آية أخرى، الآية التالية، يقول عن النبي {ليُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ} دور النبي ما هو في هذا السياق؟

 التبيين، من أجل أن يتعلم الناس، فالناس لا يمكن أن يتعلموا إلا إذا أنصتوا للرسل والأنبياء وعرفوا ماذا بيّن لهم الأنبياء، وبالتالي تعاملنا مع سنة النبي التي أشرنا إلى الطرق التي نتعرف من خلالها، على ما هي سنة النبي، قوله فعله تقريره، هكذا نعرف سنة النبي، وبالتالي لابد لنا أن نقرأ التاريخ ولابد لنا أن نعرف التاريخ ونغربله، لنحسن الاختيار، حتى لا نصدق الكاذبين ونكذّب الصادقين، ومن ثم قام العلماء بجهد جهيد ومشكور، أصابوا أو أخطأوا هذه مسألة أخرى، في محاولة فحص أحوال من نقلوا إلينا سنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقالوا ان الراوي الفلاني يمكن أن يعتمد على قوله فهو من الصادقين، وأن الآخر لا يمكن أن يُعتمد على قوله لأنه من الكاذبين، فلا نستطيع أن نتقبل أي شيء يُروى لنا على النبي، وكذلك ما يروى عن أهل البيت عليه وعليهم أفضل صلوات المصلين، إلّا بعد أن نفحص أحوال هؤلاء الناقلين و نتثبت من صحة ما نُقل إلينا في ظل ما جاء في القرآن الكريم، بعد ان وعد الله عز وجل حفظه حيث قال {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} ثم يقول عز وجل في آيات تالية في سورة النحل هذه الآيات {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُّوحِي إِلَيْهِمْ ۚ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}.

فالعبرة إذن بماذا، حتى نكون عبادا صالحين؟

أن نتحرك في ضوء العلم وفي ضوء المعرفة، ومن هنا وجب على الإنسان أن يتفقه، كما نص على ذلك الفقهاء، بأي مقدار التفقه، بأي عنوان التفقه؟

هناك تفصيل نستعرض بعض ملامحه لاحقا إن شاء الله، لكن المبدأ العام، هوأن على الإنسان أن يتفقه ويتعلم، فإن الإنسان إذا سار في أي حقل من حقول حياته المعيشية، في الاقتصاد في السياسة في الثقافة في الحياة الخاصة في الحياة العامة، الذين لا يعلمون ويتحركون في أفق يستلزم العلم، فإنهم يضلون ويُضلون، يفسدون من حيث أنهم يريدوا الإصلاح، لا يمكن للإنسان أن يصلح شيئا بسيطا إلّا أن يكون من أهل المعرفة لذلك الشيء، وبإصلاح ذلك الشيء، فكيف بالسير إلى الله سبحانه وتعالى، كيف بمعرفة النفس التي هي محور حركتنا، حيث أننا نريد ولا نريد، نقدم ونحجم، نميل و نعزف عن الأشياء؟

هل يتم هذا من دون معرفة، من دون تفقه؟

 سنبين إن شاء الله كيف أن فرقاء كثيرين من الناس ضلوا وأضلوا، مع أن نياتهم كانت حسنة، والسبب وانهم لم يتفقهوا الفقه الذي ألزم الله عز وجل الناس أن يتفقهوا به. لاحظوا ماذا يقول النبي صلى الله عليه وآله، فيما يرويه الفريقان بألفاظ متعددة (من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية) السبب ما هو؟

واحد من الأسباب يكمن في أن هذا الإمام الذي يشكل قائد مسيرتك الذي يأخذ بيدك وبزمام راحلتك التي تتوجه بها إلى الله عز وجل إن كان من المسلمين وإن كان من المعصومين وإن كان من الطاهرين وإن كان من الأبرار الخيّرين سيأخذ بك إلى الله.

 أما إن لم يكن كذلك، فقد يؤدي بك إلى جهنم، من حيث يريد أو لا يريد، من حيث تريد أو لا تريد، ولذلك من الضروري أن نتفقه ونعرف، حتى تكون خطواتنا كلها خطوات سليمة جعلنا الله وإياكم ممن يستمع القول فيتبعون أحسنه

 اللهم صل على محمد وآل محمد اللهم كل وليك الحجة بن الحسن صلوات عليه وعلى آبائه في هذه الساعة، وفي كل ساعة وليا وحافظا وقائدا ودليلا وعينا، حتى تسكنه ارضك طوعا وتمتعه وفيها فيها طويلا.

 اللهم انصر الإسلام والمسلمين وأخذل الكفار والمنافقين، اللهم أشف مرضانا وارحم موتانا وأغن فقراءنا وأصلح ما فسد من أمر ديننا ودنيانا ولا تخرجنا من الدنيا حتى ترضى عنا يا كريم.

 وصلى الله على محمد وعلى آله الطيبين.