موقع السيد حسن النمر الموسوي

حديث الجمعة

جديد الموقع

 

نصّ  الخطبة التي ألقاها سماحة العلّامة الحجة السيد حسن النمر الموسوي يوم الجمعة ١٨ محرم ١٤٤٠هجري بعنوان «القرآن ودراسة التاريخ» في جامع الحمزة بن عبدالمطلب بسيهات.

 

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محد وعلى آله الطيبين الطاهرين.

رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري واحلل عقده من لساني يفقهوا قولي.

عباد الله، أوصيكم ونفسي بتقوى الله، والتقوى تعني أن يضبط الانسان سلوكه في أفعاله وأقواله ومشاعره، وفق ما رسمه الله عز وجل لعباده بفعل ما يجب فعله أو ينبغي فعله، وترك ما يجب تركه أو ينبغي تركه.

والتأكيد على مسألة التقوى والوصية بها والأمر بها، ليس من الأمور التي ينبغي التهاون فيها، وذلك لأن تجارب البشر تؤكد حاجة الإنسان الدائمة، إلى مثل هذا الأمر ومثل هذه الوصية.

ومن هنا فإن الله عز وجل في القران الكريم ساق لنا كثيراً من الحكايات والقصص التاريخية لأولئك البشر، بصنفيهم، الصالحين وغير الصالحين ولذلك فان من البنود التي تعين الانسان على أن يكون من أهل التقوى أن يدرس التاريخ لكن بشرط أن يكون الدافع له والغاية التي ينشدها من دراسة هذا التاريخ هو أن يعتبر، فالله عز وجل يقول {نَحۡنُ نَقُصُّ عَلَيۡكَ أَحۡسَنَ}.

هذه القَصص، والقَصص هو الرواية والحكاية، وليس القِصص مجموع الحكايات، لا، يعني كيفية القص وكيفية الرواية تختلف بين راوي وآخر، هناك من يحدث من أجل أن يستمتع الناس بالحديث ومن أجل أن يقضي معهم الوقت، فمثل هذا الحديث بمجرده لا يكون نافعا.

فقد ورد في الحديث الشريف أن النبي صلى الله عليه واله وسلم خرج إلى المسجد ووجد الناس ملتفين حول شخص، فقال ما هذا؟ فقالوا علّامة، قال ماذا يعني علّامة؟ -وهو العارف صلوات الله وسلامه عليه، لكنه أراد أن يسألهم حتى يجيبوا الجواب الذي يعرف أنهم سيخطئون فيه- قالوا عالم بأنساب العرب وأيامها، يعني حكايات تاريخ العرب حوادث العرب، القبيلة الفلانية فعلت كذا، لم تفعل كذا، سلبت، نهب، تركت، النبي صلى الله عليه واله وسلم بيّن لهم أن هذا علم لا يضر من جهله ولا ينفع من عرفه.

فليس المقصود عندما نتكلم عن دراسة التاريخ وأهميته، كل حادثة تاريخية، وإنما التاريخ فيه ما ينبغي أن يساق في مسامع الناس وفيه ما ينبغي تجاهله وتركه، لأنه ليس فيه فائدة، ولا نعني بأنه ليس فيه فائدة يعني أن نتعمّد فننتقي من حوادث التاريخ ما يصب في مصلحتنا، وما ينفع غيرنا نتعمّد إهماله، حتى قال من قال هذا مما يجب طيّه وعدم روايته، ليس هكذا، وإنما ينبغي أن يُذكر الواقع كما هو، حتى يُعرف الصالح فيُتأسى به، ويُعرف الطالح فيُتجنب.

فالتاريخ ما هو؟

التاريخ هو مجموعة حوادث، إما مجموع الحوادث أو مجموع حوادث معينة أو جزء من هذه الحوادث، هذا ما نسمّيه بالتاريخ.

هذا إطلاق، علم التاريخ ما هو؟

علم التاريخ إما أنه حكاية هذه الوقائع، طبعا مع اختيار الوقائع التي يصح أن يقال بأنها حصلت، لا المسائل الأسطورية والمسائل التي يُتوهم حتى يكون حال من يسوق هذه الحوادث حال القُصاص والروائيين.

الروائيون وكتبة القصص ماذا يفعلون؟ يُنشئ تاريخا في ذهنه أو واقعا في ذهنه فيحكيه في هذه الأوراق التي يدونها، فليس هناك واقع تستطيع أن تقول أن هذه الرواية تحكيه، هذا إذا كان من التاريخ المتخيّل، لا، نحن نتكلم عن التاريخ الحاصل، التاريخ المتحقق هذا ما نعنيه.

علم التاريخ، له ثلاثة اطلاقات:

على الاطلاق الاول، ما يُسرد في التاريخ ويحكى، مثل ما نذهب إلى كتب التاريخ المعروفة، بغض النظر عن مسمياتها واسمائها ومؤلفيها، نقول الكتاب الفلاني يحكي التاريخ، من أول البشرية إلى حين وفاة هذا المؤرخ، او توقفه عن الكتابة، هذا نسمّيه حكايات التاريخ.

وهناك إطلاق آخر، يُراد بعلم التاريخ حكاية هذه الوقائع مع تحليلها، لا يقف عند حدود حصل في السنة الفلانية كذا، وحصل في السنة التي تم فيها كذا، طبعا ليس هناك سردا كاملا لجميع وقائع التاريخ، كل التاريخ المكتوب بأشكاله المختلفة، لم يدوّن التاريخ من أوله إلى آخره، وإنما يسلط على بعض حوادث التاريخ، فيُنتقى،

فمثلا، قد لا يذكر في أحداث سنة من السنين الاحدث واحد، مع أن هذه السنة مليئة بالحوادث، كما هو الحال في كل سنة من السنوات، فيها ما لا يحصى من الأفعال والتروك، ليس هناك مؤرخ ساق لنا هذا.

فإما أن يراد بعلم التاريخ حكاية هذه الحوادث أو بعضها، على الأصح، أو تحليل هذه الحوادث، يسمونه علم التاريخ، يعني فلانٌ عالم بالتاريخ، يعني فلانٌ يُحسن تحليلها، الزول يُحسن الحكاية، الثاني يُحسن التحليل.

وهناك إطلاق ثالث، وهو ما يجمع بين الأمر، بين الحكاية من جهة، والتحليل من جهة أخرى.

فإذا قلنا علم التاريخ، قد نقصد الأول، قد نقصد الثاني، قد نقصد الثالث، حتى لا تختلط علينا هذه المسائل.

ما هي أهمية دراسة هذا التاريخ، والذين نجد أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه، يذكر في وصيته المعروفة للإمام الحسن المشهورة أنها للإمام الحسن، أنه قرأ التاريخ حتى صار كأحدهم، يعني كأحد الماضين، لماذا نحتاج إلى دراسة التاريخ؟

الجواب:

إن هناك سننا وقواعدا وقوانينا تحكم الماضين وتحكم من يأتي بعدهم، الإنسان هو الانسان.

يعني المشكلة التي وقع فيها أبونا آدم، هي المشكلة التي يقع فيها كل واحد منا، والعلاج الذي منَّ الله سبحانه وتعالى بها على آدم حتى يرجع إلى جادة الصواب عن الخطأ الذي وقع فيه، ولم يكن خطأً ذنباً ولم يكن خطيئة وإنما كان خطأ لأنه معصوم صلوات الله وسلامه عليه، كما أن ما وقع فيه من الخطأ كان قبل أن يأتي إلى هذا العالم، وبالتالي لا يقدح ذلك في عصمته، هو خروج عما كان ينبغي له أن يفعله وقبل التكليف أصلا، لم يكن هناك تكليف من الله عز وجل حتى يقال إن آدم خالف.

التكليف إنما خُطب به آدم، التكليف الذين نعرف أن وراء مخالفته العقوبة، كان لما أهبطه الله عز وجل إلى الأرض، لما أهبطه إلى الأرض جاءت إليه الأوامر التي يعاقب مخالفها والنواهي التي يُعاقب [فاعلها] أما قبل ذلك، كان توجيهات إرشادية.

المشكلة التي وقع فيها أبونا آدم هي المشكلة التي يقع فيها كل واحد منا، والعلاج هو العلاج، ولذلك فإننا إذا قرأنا قصة آدم وتاريخ آدم وتاريخ من يأتي بعده من السعداء والاشقياء، على حد سواء، يعيننا في معرفة الخطأ حتى نتجنبه، إن كان لدينا قصد وعزم على أن نتجنبه، كما أنه يعيننا على معرفة الصواب حتى نفعله، إن كنا من أهل فعل ذلك، وفقنا الله عز وجل وإياكم.

فإذن، هناك معرفة لهذه القوانين وهناك تقليد ومحاكاة، يعني يقلد هذا ذاك الذي سبقه أو يحاكيه، فإن كنت صالحاً وكنا صالحين -أسال الله أن نكون كذلك- سنختار الصالحين، فنتأسّى بهم، والله عز وجل حينما يقول {لَّقَدۡ كَانَ لَكُمۡ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسۡوَةٌ حَسَنَةٞ} هذا ليس خطابا لمن عاصر النبي وكان يعيش معه، هذا خطاب يعني محصور، وإنما هو خطاب لمن عاصر النبي ولمن سيأتي بعد النبي.

كيف نعرف نحن أحوال النبي صلى الله عليه واله وسلم وأفعاله وأقواله حتى نتأسّى؟ هذا يتوقف على أن نعرف تاريخه، أن نعرف سيرته وأن نعرف سيرة الأئمة من بعده صلوات الله وسلامه عليهم، وكذلك نعرف سيرة المشركين والكفار والمنافقين، سواء من عاصر النبي صلى الله عليه وآله أو من آذاه أو آذى المسلمين والمؤمنين من بعده، فان إحاطتنا بهذه الحوادث تعيننا على وضع النقاط على الحروف {لِّيَهۡلِكَ مَنۡ هَلَكَ عَنۢ بَيِّنَةٖ وَيَحۡيَىٰ مَنۡ حَيَّ عَنۢ بَيِّنَةٖۗ}.

لاحظو، االله سبحانه وتعالى ماذا يقول لنا في القران الكريم، الغرض الذي بعث الانبياء من أجله، يقول في سوره التوبة يقول {هُوَ ٱلَّذِيٓ أَرۡسَلَ رَسُولَهُۥ بِٱلۡهُدَىٰ وَدِينِ ٱلۡحَقِّ لِيُظۡهِرَهُ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِۦ وَلَوۡ كَرِهَ ٱلۡمُشۡرِكُون} هذه هي الغاية، الإظهار يعني الغلبة { لِيُظۡهِرَهُ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ} أي لينصره ويغلب، هذا الدين غيره من الأديان {وَلَوۡ كَرِهَ ٱلۡمُشۡرِكُون} لكن قبل ذلك ماذا قال؟ قال {هو ٱلَّذِيٓ أَرۡسَلَ رَسُولَهُۥ بِٱلۡهُدَىٰ }.

لو تصفّحنا القران الكريم، حتى لو لم نفعل ذلك في سنة النبي صلى الله عليه واله، بماذا بعث اللهُ رسولَه محمدا صلى الله عليه واله؟

بعثه بالقران، القران لو تصفحنا فيه، سنجد أنه مملؤ ومشحون بالهدى، أحد أشكال الهدايات القرآنية هي قصص الماضي وقصص السابقين إن في قصصهم لعبرة هذه العبرة أو يقول الله عز وجل في حق موسى {وَذَكِّرۡهُم بِأَيَّىٰمِ ٱللَّهِۚ} كيف يذكّرنا موسى، يعني كيف أمر الله أن يذكّر موسى قومه، أو يذكّر كلُ واحد منا المحيط الذي يعيش فيه؟

بسرد التاريخ، حتى نسرد لنا هذه الأيام التي فيها انتصارات فنشكر الله سبحانه وتعالى عليها أو انكسارات فنسأل الله عز وجل أن يجنبنا إياها.

هذا معنى التذكير بالتاريخ، حتى نأخذ منه العظة والعبرة، حتى لا نكرر الخطأ الذي وقع فيه السابقون أو لنبني على ما فعله السابقون من الأمور الصالحة فنخطو خطوات متسارعة، حتى لا نبدأ من الصفر دائما، وإنما نبني على ما فعله المتأخرون.

فإذن، الأمر الأول- هو أن هناك حاضرا ومستقبلا نريد أن نصوغه، وما دام المصير الإنساني واحدا، لا نستطيع أن نفصل مستقبل الأمم عن ماضي هذه الأمه.

ثانيا- نريد أن نحكم على الوقائع، لأن هذا يصب في مصلحة الفقه مثلا، نحن كيف نحكم، الاحكام الفقهية التي نعرف أن أكثرها لم يستنبط مباشرة من القران الكريم، وإنما استنبطناه من سنة النبي صلى الله عليه وآله، أو من سُنن المعصومين.

هل نستطيع أن نقطع هذا عن التاريخ؟ هذا تاريخ؟ نقول حدثنا فلان حدثنا فلان حدثنا فلان إلى المعصوم؟

هذا إذن من وقائع التاريخ، هل أن هذا التحديث مصيب دقيق، حتى نحكم على أن هذا ما فعله رسول الله أو لم يفعله رسول الله؟ دون دراسة التاريخ لا نستطيع أن نفعل شيئا من ذلك، فلن نعرف الصواب والخطأ ولن نعرف الحق والباطل ولن نعرف الخير والشر، إلّا بعد دراستنا التاريخ في حدود ما نحن ملزمون أن ندرسه.

الأمر الثالث- الحكم على الأشخاص، ولا نستطيع إلّا أن نحكم على الأشخاص، لأنك إذا أردت أن تستقى، لاحظوا في المسائل نوعان، يمكن أن ننوع العلوم.

العلوم نوعان، علوم عقلية وعلوم نقلية، فيما يتعلق بالجانب الشرعي، علوم نقلية مثل علم الفلسفة وعلم الكلام، في جانب منه، وهناك علوم نقليه، العلوم العقلية ما نُعمل فيها ما آتانا الله عز وجل من العقول، المتناقضان لا يمكن أن يجتمعا، ولا يمكن أن يرتفعا، الضدان لا يمكن أن يجتمعا، لكل معلول عله، لكل مخلوق خالق.

هذا قانون عقلي، تستطيع أن تتفق فيه مع من وافقك في الدين والمذهب، ومع من خالفك في الدين والمذهب، لأن كل عاقل يدرك هذا المسائل.

لكن في المسائل النقلية؟ لا، كل أمة من الأمم لها تراثها، لها ماضيها، لها منقولاتها عن أسلافها، هذه المنقولات لا نستطيع أن نتبناها على عواهنه، وإنما لا بدّ أن نغربل هذا المنقول، حتى نستند الي ما يصح في الاستناد إليه ونقبل ما يجب أن يُقبل او ما يمكن أن يُقبل.

دون دراسة التاريخ سيختلط علينا الأمر، لأننا لن نستطيع أن نميّز الصادق من الكاذب، وإذا لم نستطع أن نميّز الصادق من الكاذب، سيكون ما عندنا فيه غثّ وفيه سمين، سواء غلب الغثُ السمين أو غلب السمينُ الغث.

ماذا يقول الله عز وجل في سوره الروم يقول {أَوَ لَمۡ يَسِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَيَنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۚ كَانُوٓاْ أَشَدَّ مِنۡهُمۡ قُوَّةٗ وَأَثَارُواْ ٱلۡأَرۡضَ وَعَمَرُوهَآ أَكۡثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَآءَتۡهُمۡ رُسُلُهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِۖ فَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظۡلِمَهُمۡ وَلَٰكِن كَانُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ يَظۡلِمُونَ} صدر الآية ماذا ينبّه؟

يحفزّ الناس { أَوَ لَمۡ يَسِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ } يعني هل المقصود أن نسير للسياحة والتنزه؟ لا، المقصود هو السياحة الفكرية، يعني نذهب ندرس آثار الماضين، مدونات الماضين، نعرف تاريخ الماضين، فما حصل لهم، طبعا لا يهمنا أن نقف عند هذه الحوادث لمجرد التاريخ والمعرفة، وإنما من أجل أن نأخذ منه الدروس والعبر، أن الله عز وجل أرسل اليهم الهداة والرسل والانبياء بالبينات، غير أن أولئك لم يتعظوا ولم يستثمروا وجود هؤلاء الرسول، فالعاقل لا يكرر الخطأ السابقين، ولا يظلم نفسه، كما فعل أولئك الذين سبقوه، دون السير في الأرض، والسير في الأرض ليس بالضرورة أن تسير في الارض يعني تذهب بقدميك، لا، المقصود السير في الأرض أولئك السابقون كانوا يذهبون في الرحلات، مثلا التجارية، اغتنِم هذه الرحلة التجارية، حتى تعرف أخبار عاد وثمود والأمم السابقة، وتستطيع أن تفعل ذلك بالسير في بطون الكتب، أيضا هذا سيرٌ في الأرض، لكن بطريقه غير مباشره، المهم أن تعرفه هذه الوقائع.

أيضا يقول الله عز وجل  {أَلَمۡ تَرَ كَيۡفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ٦ إِرَمَ ذَاتِ ٱلۡعِمَادِ٧ ٱلَّتِي لَمۡ يُخۡلَقۡ مِثۡلُهَا فِي ٱلۡبِلَٰدِ٨ وَثَمُودَ ٱلَّذِينَ جَابُواْ ٱلصَّخۡرَ بِٱلۡوَادِ٩ وَفِرۡعَوۡنَ ذِي ٱلۡأَوۡتَادِ١٠ ٱلَّذِينَ طَغَوۡاْ فِي ٱلۡبِلَٰدِ١١ فَأَكۡثَرُواْ فِيهَا ٱلۡفَسَادَ١٢ فَصَبَّ عَلَيۡهِمۡ رَبُّكَ سَوۡطَ عَذَابٍ١٣ إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلۡمِرۡصَادِ}.

لحظوا العظة التي أطلقها الله عز وجل في هذا المقطع، بُني على أساس أننا عرفنا قصص هؤلاء الأقوام الثلاثة وقرأناها قراءة معتبر، درسناها دراسة متعظ، لا نريد أن نسرد التاريخ لنعرفته فقط، لا، هذا ليس مطلوبا في حد نفسه.

كذلك أيضا، التاريخ يمكن أن نقّسمه إلي أنه يشتمل على منطقين، منطق رباني ومنطق إنساني.

المنطق الرباني هو المنطق الذي خلق الله عز وجل الإنسان من أجله {إِنِّي جَاعِلٞ فِي ٱلۡأَرۡضِ خَلِيفَةٗۖ} حمّل الله عز وجل هذا الانسان الأمانة العظمى، وأراد منه أن يكون من المتقين، وبيّن له طريق التقوى وسبل التقوى وأشخاص المتقين، وهناك فريق آخر، حاول أن يستقل بنفسه بعيدا عن هدايات الله عز وجل، فظَلم وأوقع نفسي في الضلال، وأضل الآخرين، فهلك وأهلك.

كيف نتجنب، كيف نعرف هذا، وكيف نتجنب ما يجب علينا أن نتجنبه؟ بالتاريخ.

لاحظوا، ما هو المطلوب حتى نعرف هذا المنطق ونميّزه، لأن الآيات التي ذكرت قصص هؤلاء السابقين والتمييز بين هذين المنطقين؟.

القران الكريم مشحون بذلك، لاحظوا ماذا يقول الله عز وجل في سورة الكهف يقول {نَّحۡنُ نَقُصُّ عَلَيۡكَ نَبَأَهُم بِٱلۡحَقِّۚ إِنَّهُمۡ فِتۡيَةٌ ءَامَنُواْ بِرَبِّهِمۡ وَزِدۡنَٰهُمۡ}.

يقصّ اللهُ عز وجل علينا، يحكي لنا قصة هذه السورة المباركة، فيها قصه أهل الكهف وقصص عدد من الأنبياء، ولا تكاد معظم السور القرآنية، لا تكاد تخلو من حكايات تاريخية، ساقها الله عز وجل، فالراوي هو  الحق سبحانه وتعالى والمروي إليه من هو؟ هو أنتم أيها البشر الذين بعث الله عز وجل الانبياء من أجل ان تهتدوا فتتجنبوا هذا، الذي سمّاه بطريق الشقاء، وحثنا وحضنا على أن نتّبع الطريق الآخر الذي وصفه بأنه الطريق المستقيم.

ما الفرق بين حكاية الله وحكاية البشر؟

الفرق أن الله عز وجل يحكي الواقع كما يجب أن يُحكى، يعني البشر قد يحكون الواقع التاريخي، لكن مبلغهم من العلم ما هو؟ الظواهر من الأمور.

لكن الله سبحانه حينما يحكي لنا الواقع التاريخي، لا يقف عند هذا الحد، وإنما يبيّن لنا أن المشركين والكفار مثلا والمنافقين، ما الذي دعاهم إلى هذه السلوكيات المنحرفة؟ يحلل نفسياتهم، فهو بجانب حكايته لواقعهم، يحكي لنا نفسياتهم ودواخلهم، حتى يتبيّن لكل واحد منا أن الكِبْر الذي ابتلي به ذاك، فاصبح كافرا والغِل الذي عشعش في نفس ذاك فأصبح منافقا، حذاري أن نبتلي به نحن.

وهكذا في كل ما ساقه الله عز وجل لنا من الوقائع، التي لا يتمكن المؤرخون البشريون أن يحيطوا بها خُبْرا وعلما.

ولذلك ماذا يقول عز وجل، يقول في سورة الأعراف {فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيۡهِم بِعِلۡمٖۖ وَمَا كُنَّا غَآئِبِين} الله سبحانه وتعالى حينما يقص قصص البشر ويحكي تاريخ البشر، يحكي ذلك عن علم ليس ظنونا وليس توقعات وليست تخمينات، وكذلك ليس بطريقة متحيزة وبطريق انتقائية، وذلك أنه هو الشاهد على الناس { وَمَا كُنَّا غَآئِبِين }.

ويقول أيضا في سوره يوسف {نَحۡنُ نَقُصُّ عَلَيۡكَ أَحۡسَنَ ٱلۡقَصَصِ بِمَآ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانَ وَإِن كُنتَ مِن قَبۡلِهِۦ لَمِنَ ٱلۡغَٰفِلِينَ} أنتم أيها البشر لا تستطيعون أن تحيطوا، طبيعة البشر أن يغفلون، ليس من طبيعة البشر أن يطلعوا على شيء إلّا أن يطلعه الله عز وجل عليه، ولذلك كانت حكاية الله عز وجل للقصص وللتاريخ هي أحسن القصص.

فإذا سألنا انفسنا، كيف نحصل على هذا الواقع التاريخي الذي نجد في أنفسنا الرغبة الداخلية، وقد لا نحتاج إلى من يحفّزنا إلى أن نقرأ، طبيعة البشر يحبون أن يتعرفوا على التاريخ، سواء تاريخ القريبين منهم أو تاريخ البعداء عنهم.

واحد من هذه السبل، المدونات التاريخية البشرية، ولا أعني بالمدونات الكتب فقط، لا، كل م دوّنه البشر، سواء عبر الحروف والكلمات التي سطروها نثرا أوشعرا أو عبر المنحوتات أو عبر الآثار، عبر ما يفعله علماء الاثار من الحفريات، المهم أن ما تركه السابقون لنا من آثار، هذا نسمّيه أثارة علم.

هذا سبب، طريقة من طرق التعرّف على التاريخ، ولذلك نحتاج إلى نقرأ الشعر ونحتاج إلى أن نقرأ النثر ونحتاج إلى أن نقرأ الأدب، وهكذا، حتى نتمكن أن نغربل هذه الحادثة التاريخية، أنها حصلت أو لم تحصل.

الأمر الثاني المطلوب أيضا في هذا الباب، أن تكون الرواية للتاريخ رواية هادفة، رواية ملتزمة.

أولا- لها دوافع سليمة ونقية وغايات ننشدها صالحة، ولا نقع في ما يخل بالالتزام والهدفية والموضوعية، حتى لا نقع في ما وقع فيه آخرون، حيث يقرأون التاريخ بعيون عوراء، هو لا يريد أن يقرأ التاريخ بشكل شامل، ينتقي من التاريخ ما يحلو له، فيجمل ما يريد أن يكون جميلا، ويقبح عنده ما يريد أن يكون قبيحا.

يقول الله عز وجل في هذا الباب، لتحقيق غرضين اثنين، التفكر والاعتبار، ماذا يقول، يقول {فَٱقۡصُصِ ٱلۡقَصَصَ لَعَلَّهُمۡ يَتَفَكَّرُونَ} مطلوب منا أن نُعمل عمل هذا الذهن في هذه الوقائع التاريخية التي نسمعها ونقرأها أو نتوصّل إليها.

الامر الثاني - يقولوا عز وجل {لَقَدۡ كَانَ فِي قَصَصِهِمۡ عِبۡرَةٞ لِّأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِۗ} فالله سبحانه وتعإلى آتانا عقول وآتانا قدرة على التفكّر، يفترض أن نغربل بها هذا التاريخ الذي لا نستطيع أن نستغني عنه، حتى نتعرّف على هذه هو المدونات التاريخية.

مثلا، هناك عِلْمان أساسيان، علم أساسي يرتبط بالعلوم الشرعية.

[القسم الأول] علم الجرح والتعديل، وعلم الجرح والتعديل عند العامة والخاصة موجود، تلك الكتب التي نصّت على أن المحدث الفلاني من الثقات الذين يعتمد عليه، وفلان الراوي الآخر من الضعفاء الذين لا ينبغي أن يعتمد عليه.

لا نستغني عن مثل هذه التقييمات، لكن شرط أن يكون الانسان من أهل التخصص والمعرفة، دون أن يتعبّد بما قاله السابقون، فقد يكون أهل الجرح والتعديل أصابوا في الحكم على هذا بالضعف، أو بالوثاقة أو أخطأوا، ولذلك مجال الاجتهاد في هذا الباب مفتوح، نحتاج أن يبذل أهل الاختصاص جهدهم اللازم فيه.

القسم الثاني – الأعلام، كتب التراجم، كتب الطبقات، هذه كتب التراجم والطبقات التي أرّخت لأشخاص من الناس، لا يعنيهم جانب الرواية الفقهية والشرعية فيه، لا، كل شخص له بصمة في التاريخ، له حضور في التاريخ، يسجلون أسمائه، يسجلون ما يعرفونه عنه.

هذه المدونات التاريخية والجرح والتعديل وكتب أعلام الطبقات هي التي تفتح لنا باب معرفة هذه المسائل التي لا نستغني عنها.

هل ما يفعله الخطباء في المنابر هو هذا؟

شطر كبير منه هو هذا، بعض النظر عن موفقية هذا الخطيب أو ذاك الخطيب وهذا المتحدث وذاك المتحدث، وكذلك الذين يؤلفون الكتب في هذا الباب، ولا يستطيع أحدٌ، بل لا يجوز لأحدٍ أن يقول علينا أن نغلق أبواب التاريخ وليس من شأننا أن نرجع إليها، لأن من أغلق التاريخ سيجد نفسه موجودا في مكان لا وزن له فيه، لا يستطيع أن يحكم على شيء بالخطأ والصواب، لأننا لا نستطيع أن نفعل ذلك دينياً وإسلاميا وإيمانيا، إلّا بالرجوع إلى التاريخ لأن هذا التاريخ هو الصلة بيننا وبين الوحي الذي أنزله الله على رسوله محمد صلى الله عليه وآله وسلم.

جعلنا الله عز وجل واياكم ممن يستمع القول فيتبع أحسنه.

اللهم صل على محمد وال محمد، اللهم كن لوليك الحجة ابن الحسن صلواتك عليه وعلى آبائه في هذه الساعة وفي كل ساعة وليا وحافظا وقائدا وناصرا ودليلا وعينا، حتى تسكنه أرضك طوعا وتمتعه فيها طويلا.

 اللهم انصر الإسلام والمسلمين واخذل الكفار والمنافقين اللهم اشفي مرضانا وارحم موتانا وأغن فقرائنا وأصلح ما فسد من أمر ديننا ودنيانا ولا تخرجنا من الدنيا حتى ترضى عنا يا كريم.

وصلى الله على محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين