موقع السيد حسن النمر الموسوي

حديث الجمعة

جديد الموقع

 

 

نص الخطبة التي ألقاها سماحة العلّامة الحجة السيد حسن النمر الموسوي بعنوان «محمد(ص) خاتم النبيين، إمام الخير ومفتاح البركة- ٢» في جامع الحمزة بن عبدالمطلب، وذلك يوم الجمعة ٢٢ ربيع الأول ١٤٤٠ هجري:

 

أعوذ بالله من الشيطان

 الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين.

 رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي. عباد الله، أوصيكم ونفسي بتقوى الله.

وإن من أهم معالم التقوى أن يتأسى الإنسان برسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم، حيث يقول الله عز وجل {ولقد كان في رسول الله أسوة حسنة}. التأسي بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم، يتوقف على أن نعرف طبيعة هذه الشخصية والمهمات التي أوكل الله عز وجل إليه، وكذلك مسيرة هذا النبي الكريم صلى الله عليه وآله وسلم والمعاناة والجهود التي بذلها وتلقاها النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

 قدمنا في الأسبوع الماضي بعض الأصول التي ينبغي أن توضع بعين الاعتبار كمقدمة لما سنمر عليه في دعاء يروى عن الإمام السجاد عليه أفضل الصلاة والسلام، وهو ثاني أدعية الصحيفة السجادية حسب الترقيم، وإن كان بعض المحققين يذكر أن هذا هو الفقرة الثانية من الدعاء، الدعاء الأول عُنون بعنوان الحمد لله، والثاني بعنوان الصلاة على رسول الله، والثالث بعنوان الصلاة على الملائكة وهكذا.

 أياً كان، هناك مرحلتان يمكن أن نذكرهما في هذا الباب:

 المرحلة الإجمالية وهي التي أشرنا إليها فيما مضى، بلحاظ بعض ما جاء من الآيات الكريمة في هذا الباب.

 أما المرحلة الثانية وهي تفصيل ما جاء عن حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وهذا التفصيل أيضاً هناك تفصيل متواضع، هو ما أشار إليه الإمام السجاد عليه أفضل الصلاة والسلام في سياق تعليمه للأمة، حيث أنه اعتمد عدد من المناهج كان في صدارة هذه المناهج في تعليم الأمة: الدعاء.

 لأن الإمام صلوات الله وسلامه عليه بعد نهضة الإمام الحسين في كربلاء والمأساة التي حلّت بآل البيت عليهم أفضل الصلاة والسلام، ضُيق عليهم تضييقاً شديداً من قبل سلطات الوقت في زمانه، ولما كان الله عز وجل قد كلّف أهل البيت عليهم أفضل الصلاة والسلام في خط النبوات والأوصياء، أن يقوموا بتربية الأمة وتعليمهم، كان لابد لهم أن يختاروا طريقة ما في إيصال ما كلفه الله عز وجل إياهم أن يوصلوه إلى الناس.

وكان من تلك الأساليب والوسائل هو الدعاء، حيث كان الإمام صلوات الله وسلامه عليه يدعو الله في المسجد، الناس يسمعونه من خلال ما يسمعون الإمام عليه أفضل الصلاة والسلام يعرفون بعض ما يجب عليهم أن يعرفوه.

فالدعاء الأول كان حمداً لله، والحمد لله يقتضي أن تسلط الضوء على الذات الإلهية بمقدار ما يتيسر للإنسان أن يعرفه وبمقدار ما تتاح الفرصة أن يُبين، ثم توالت هذه التعاليم وهذه الدروس حتى وصل الإمام عليه أفضل الصلاة والسلام إلى تبيان أو تسليط الضوء على شخصية النبي الأعظم صلوات الله وسلامه عليه، حتى يرفع بعض الغموض وبعض الالتباس الذي حصل بقصد وبغير قصد في حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، لأننا نعرف أن النبي لم يؤمن له العرب ولم تؤمن له قريش خاصة بيسر وسهولة، وإنما بعد معاناة وبعد عنت وبعد كفاح طويل وبعد جهاد ممتد ومتشعب، لم تجد قريش ولم العرب بداً إلا أن يذعنوا لهذه الرسالة التي بان عليها آيات حقانيتها من جهة أخرى وآيات ظفرها ونصر الله عز وجل لها من جهة ثانية.

فهؤلاء إن أرادوا الدنيا أو أرادوا الدين فليس إلّا هذا الدين، إذا أرادوا الله عز وجل ليس لهم باب أن يصلوا إلى الله إلا من خلال هذا الدين {إن الدين عند الله الإسلام} بل وإن أرادوا الدنيا ليس لهم سبيل حتى إلى الدنيا إلا أن يتدينوا بهذا الدين.

طبعاً كثير منهم كان داعِيه في هذا التدين هو مطالب دنيوية ولذلك كان هذا سبب للدس والتلاعب والجهل والغفلة وإقصاء من كان يجب أن يوضع في الصدارة، تقديم من كان يجب أن يكون في المؤخرة، ومنها أن يكون الإمام السجاد عليه أفضل الصلاة والسلام مأموماً بدل أن يكون إماماً، أن يكون مرؤوساً بدل أن يكون رئيساً، كان يجب على الأمة أن تضع مثل الإمام السجاد صلوات الله وسلامه عليه في المقام اللائق به، أن يُعلّم، أن يؤم، لكن الذي حصل هو ليس كذلك، والسبب هو أنهم لو وضعوا الإمام السجاد والإمام الصادق، كما وضعوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في مقام إمامة الأمة، لكان على أولئك أن يتأخروا وعلى هؤلاء أن يتقدموا، وبالتالي حساباتهم ومصالحهم الدنيوية لم تكن تسمح بذلك.

طبعاً حتى يبرروا هذا التقديم غير المشروع والتأخير غير المشروع، كان لابد لهم أن يبرروا ذلك بسبب أو بآخر، وفي هذا السياق جاء المنع الأكيد من كتابة سنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، حتى يسهل على من أراد أن يدس وينسب إلى رسول الله ما لا يصح أن ينسب، لم يكن هناك وثائق مكتوبة للأسف الشديد، فكان الإمام عليه السلام بصدد كان في مورد الاحتياج أن يسلط الضوء على شخصية النبي صلى الله عليه وآله وسلم بخطوط عريضة في هذا السياق، فيقول (الحمد لله الذي مَنّ علينا بمحمد نبيه صلى الله عليه وآله وسلم دون الأمم) الإمام عليه السلام يشير إلى أن وجود النبي صلى الله عليه وآله وسلم كشخص وكمشروع، لم يكن نعمة عادية وإنما هي منة من الله سبحانه وتعالى، حيث أشار الله عز وجل إلى ذلك في القرآن الكريم أنه من على الناس إذ {بعث في الأميين رسولاً منهم} فتستدعي أن يُحمد، حتى نعرف هذه النعمة ونحسن استثمارها (دون الأمم الماضية والقروون السالفة) ولك أن تسأل:

 هل أن الأمم الماضية والسالفة، لم يكن عندها نبي كما عندنا نبي؟

الجواب: نعم، كان عندهم نبي. لكن أين نبوة أولئك من نبوة النبي، وأين شخصية الأنبياء من شخصية رسول الله، حينما من الله عز وجل على هذه الأمة بشخصية كرسول الله وبنبوة كنبوته، جُعلت خاتم النبوات، هذا يعني أن لهذه الأمة خصوصية وأنها أمة مرحومة، أكثر مما رحم الله عز وجل الأمم السابقة، والإمام يريد أن يبين أنكم أيها الناس بعد لم تقدروا نعمة النبي صلى الله عليه وآله وسلم في أوساطكم.

 يضيف[الإمام السجاد]: بقدرته التي لاتعجز عن شيء وإن عظم) يقول هذه النعمة وهذه المنة كبيرة، لم يكن لنحصل عليها لولا أن الله عز وجل الذي يتحلى بصفة العظمة في قدرته، مهما كان الشيء عسيراً فإنه لا يعسر على الله عز وجل، هذا الإله القدير هو الذين من علينا بمثل هذه المنة العظيمة ولا يفوتها شيء وإن لطف.

(فختم بنا على جميع من ذرأ) ختم بنا إما المقصود منها الأئمة صلوات الله وسلامه عليهم، أو لا، ختم بهذه الأمة، يعني مسيرة الركب البشري الذي ابتدأ من آدم ويجب أن ينتهي إلى محطة بشرية معينة، تعلقت المشيئة الإلهية أن تكون هذه الأمة هي خاتمة هذا الموكب البشري الذي يجب أن يدرك هذه النعمة، لأن المطلوب والمفروض أن تكون هذه الأمة خير من الأمم السابقة، وهذا ما نص عليه القرآن {كنتم خير أمة أُخرجت للناس}.

ثم يذكر أن السبب في ذلك هو أنكم تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر، فلو أن الأمة لم تقم بهذين الواجبين لم تكن خير أمة، رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إنما بعثه الله عز وجل من أجل أن يشيع في الناس المعروف وأن ينتشل من أوساطهم المنكر، ظاهره وباطنه.

(فختم بنا على جميع من ذرأ وجعلنا شهداء على من جحد وكثرنا بمنه على من قل) هذه الضمائر (وجعلنا شهداء وكثرنا بمنه) أيضاً نفس الاحتمال المذكور، هل أن المقصود أن الإمام عليه أفضل الصلاة والسلام يشير إلى الأئمة من عترة النبي صلى الله عليه وآله سلم، هذا وارد، لكن أيضاً الاحتمال الثاني قائم، حتى نعمم هذه المنة والنعمة الإلهية على هذه الأمة، أيضاً هذه الأمة هي شاهدة على الأمم السابقة، يعني أمة الإسلام أيضاً شاهدة ومسؤولة وسيوقفها الله ع وجل ليسألها عن بقية الأمم التي لم تؤمن برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

هذه النعمة كيف ينبغي أن نتعامل معها؟

 الإمام في الفقرة الثانية يقول (اللهم فصل على محمد أمينك على وحيك) في هذه الفقرة الإمام يشير إلى بعض وجوه البركة في رسول الله، إلى بعض الاختصاصات التي سيترشح على هذه الأمة شيء كثير من بركاتها ومن خيراتها.

 أولاً: فصل على محمد أمينك على وحيك.

 الوحي هي تلك العلاقة الخاصة التي ينشؤها الله عز وجل مع بعض البشر بعنوان كونهم أنبياء، هذا نسميه وحي وحينما يطلق أوحى الله على عبده، ينبغي أن يلاحظ أن هذا الوحي في الغالب، الإطلاق العام، هو أن المُوحى إليه نبي من عند الله عز وجل، لكن القرآن يشير إلى أن بعض أشكال الوحي قد تنزل على غير الأنبياء، بل حتى بعض الكائنات {وإذ أوحى ربك إلى النحل} حتى النحل يوحى إليه، لكن ليس وحياً نبوياً، ما أوحي به على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان وحياً نبوياً وهذا ما يشير إليه الإمام صلوات الله وسلامه عليه، رسول الله أوحى الله إليه، وفي الوقت نفسه تحلى بأن يكون أميناً على وحيه، وفي ذلك إشارة إلى أن الوحي النازل من عند الله ليس للناس أن يتلاعبوا فيه بالتصرف، بالزيادة والنقيصة، رسول الله على ما بلغ من المقام العلمي في ذاته والمقام القربي من الله سبحانه وتعالى، هو أمين على وحي الله لا يزيد فيه ولا ينقص، لا يتقول على الله، فكيف بغيره من الناس ؟! أيضاً نحن يجب أن ندرك قيمة الوحي من جهة وأن نكون على وحي الله عز وجل، حتى نحسن التعامل مع هذه النعمة الكبيرة.

(اللهم فصل على محمد أمينك على وحيك ونجيبك من خلقك -أو ونجيك- من خلقك) نسختان، وكلا المعنيين يشيران إلى مقام خاص لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، يعني أن الله عز وجل اختار من بين خلقه جميعاً، هذا الشخص الذي اسمه محمد بن عبد الله ليكون نجيبه من خلقه، النجابة هي الاختيار الخاص، نجيب (انتجبه) اختصه من بين خلقه، وكذلك لو قرأناها (ونجيّك من خلقك) يعني أن الله عز وجل ناجاه من بين الخلق، يعني أن له خصوصية، أن له تقدم على غيره من الناس، حتى لا يسوي الناس بينه وبين أنفسهم.

(وصفيك من عبادك) ثم يضيف (إمام الرحمة وقائد الخير ومفتاح البركة) النبي صلى الله عليه وآله وسلم، بما آتاه الله عز وجل من الوحي، وبما صار أميناً على وحي الله عز وجل، ماذا فُتح على الناس من الخير؟

الإمام يشير إلى أن رحمة الله عز وجل النازلة على الناس، إنما نزلت عبر هذا الرسول الكريم الذي هو إمام هذه الرحمة، فمن أراد رحمة الله عز وجل فليطرق باب محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ومن أراد الخير فإن مفتاح هذا الخير هو النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو قائد الخير ومفتاح البركة. البركة يعني النمو، يعني من أراد أن يبارك الله عز وجل له في العطاء الإلهي لا يمكن أن يستغني عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

 ثم يضيف الإمام، لأنه بصدد بيان مقام النبي عند الله من جهة، وماذا يجب أن يكون مقام الرسول صلى الله عليه وآله وسلم عند الناس، يضيف:

 (كما نصب لأمرك نفسه) النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو القوي الأمين لمّا حمّله الله عز وجل ما حمل من هذه الأمانة، وهي ليست أمانة عادية، ليست حملاً يسهل على كل من شاء من الناس أن يتحمله، بل لا يسطتيع أن يتحمله إلا شخص مثل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، الذي خاطبه الله عز وجل بالقول {إنا سنلقي عليك قولاً ثقيلاً} أو يخاطب الله عز وجل نبيه يحيى {يا يحيى خذ الكتاب بقوة}.

لذلك لا ينبغي أن يتصور المؤمن أنه يمكن أن يؤمن ويتدين لله عز وجل دون أن يستشعر شيئاً من العبء في هذا السبيل، أما من أراد أن ينال الخير النازل من عند الله عز وجل بيسر وسهولة، فإن كثيراً من أبواب الخير ستفوته، نحن حتى في نشاطاتنا الاعتيادية، ندرك من أنفسنا أننا إذا كنا طلاباً نريد أن ننجح، يجب أن نتحمل أعباء الدراسة، إذا كنا تجاراً نريد أن نكسب، يجب أن نتحمل أعباء التجارة، إذا كنا رياضيين نريد أن نفوز، يجب أن نتحمل أعباء الرياضة ولوازمها، وهكذا في مناشط الحياة، الوحي النازل من عند الله عز وجل، التدين لله سبحانه وتعالى، الخير النازل، العلمي والعملي النازل من عند الله عز وجل، إذا أردنا أن نكون كفؤاً لتحمّل هذه المسؤولية، فلننظر كيف تعامل معها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ماذا فعل؟

قال: (كما نصب لأمرك نفسه) جعل نفسه وقفاً لهذا الأمر، طبعاً النبي صلى الله عليه وآله وسلم فرّغ حياته من أولها إلى آخرها، لم يكن له هم آخر غير الرسالة، غيره من الناس قد لا يُطلب منهم ذلك، يعني ليس مطلوباً منك أن تكون كما كان رسول الله، لا شغل لك، لا عمل لك إلّا الدعوة إلى الله، ليس هذا من شأنك، هذا من شأن الذين كلّفهم الله عز وجل أن يكونوا كذلك، النبي بعنوان النبوة، الإمام بعنوان الإمامة، بعض العلماء بعنوان أنهم علماء وأمثال ذلك، لكن الناس العاديين ليس مطلوباً منهم ذلك، لكن هذا لا يعني أن لا ينصبوا أنفسهم لأمر الله عز وجل في حدود ما هم مكلفون به.

 لكن بعد يضيف، يقول: (وعرض فيك للمكروه بدنه) النبي صلى الله عليه وآله وسلم بشهادة الإمام السجاد عليه أفضل الصلاة والسلام، ويعزز ذلك ما روي في سيرته الشريفة، لم يكن الحمل الذي احتمله في هذا السبيل وفي هذا الصدد أمراً بالهين، وإنما خاض في ذلك حروباً، أُوذي قبل أن يأذن الله له بالقتال وأوذي بعد أن أذن الله عز وجل بالقتال، أُهين، كُذّب، أوذي، أُزعج، أُصيب بالجراحات، كما حصل في أُحد، رُميت عليه الحجارة كما حصل له لما ذهب إلى الطائف، أُهين بأن وضع عليه أبو جهل اللعين ما وضع عليه من السلا والأذى، هذا ما كان ليتحمّله رسول الله صلى الله عليه واله وسلم لولا شرافة نفسه من جهة، ولولا استعداده أن يكون عبداً صالحاً لله سبحانه وتعالى ولولا اهتمامه بالخير الذي وعد الله عز وجل به من ثبت على هذا الطريق.

ثم يضيف (وكاشف في الدعاء إليك حامّته) الحامّة هي القرابة القريبة، والمكاشفة هي المخاصمة والمعاداة، الرحم بطبيعته الإنسان يحن إلى رحمه، لكن الإمام عليه أفضل الصلاة والسلام يبيّن أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كانت كل علاقاته الاجتماعية والإنسانية محكومة بمبدأ، يجعل أمر الله فوق كل أمر، نهي الله فوق كل نهي، العلاقة مع الله فوق كل علاقة، لو تطلب الأمر أن يكاشف حامّته وأقربائه سيفعل، وقد فعل صلوات الله وسلامه عليه بما يجعله أهلاً لأن يصلي الخلق عليه صلى الله عليه وآله وسلم.

(وكاشف في الدعاء إليك حامته) لأن حامته الذين كانوا قريبين، الذين كان يتوقع، كان ينبغي، وكان الأجدر بهم أن يسارعوا إلى مغفرة الله عز وجل ورضوانه، للأسف، كانت تحكمهم غير مبادئ النبي صلى الله عليه وآله وسلم، اهتماماتهم وهمومهم تختلف عن اهتمامات النبي وهمومه، هممهم كانت تختلف عن همة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، كان ينظر إلى الآخرة وإلى الله وكانوا ينظرون إلى المتاع القليل، وبالتالي كانا في طريقين منفصلين، اختاروا طريقاً واختار هو ما اختاره الله عز وجل لعباده فكاشفهم وخاصمهم حتى اضطر أن يهاجر.

(وكاشف في الدعاء إليك حامته وحارب في رضاك أسرته وقطع في إحياء دينك رحمه) فإذاً هو لم يُبقِ له أحدا، ولم يكن بينه وبين أحد قرابة تجعله يبتعد عن الله عز وجل، وهذا مبدأ، يُفترض بنا أن نتأسي بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم، أن نكون على هذا الاستعداد، ليس هذا دعوة لقطيعة الرحم، لكن لا يبنغي للإنسان أن يساوم على مبادئه الربانية والإيمانية أحداً في هذا السبيل، حتى لو كانوا رحمه، كما فعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ثم سيلمس كما لمس أقرباء النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن الخير العاجل والآجل، إنما كان فيما اختاره النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

وفي المقابل قال (وأقصى الأدنين على جحودهم وقرّب الأقصين على استجابتهم لك) بمقدار ما كانوا يقتربون إلى الله كان يقربهم، وإن بعدوا عنه من حيث النسب، من حيث المكان إلى غير ذلك.

(ووالى فيك الأبعدين وعادى فيك الأقربين وأدءب نفسه في تبليغ رسالتك وأتعبها في الدعاء إلى ملتك وشغلها بالنصح لأهل دعوتك وهاجر إلى بلاد الغربة ومحل النأي عن موطن رحله وموضع رجله ومسقط رأسه ومأنس نفسه إرادة منه لإعزاز دينك واستنصاراً على أهل الكفر بك حتى استتب له ما حاول في أعدائك واستتم له ما دبر في أوليائك).

 فإذان، المبدأ الحاكم على رسول الله صلى الله عليه وآله، والذي ينبغي أن يحكم من يتأسى بالنبي ومن يجعل نفسه، بكل فخر واعتزاز، منتسباً إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، في دينه ومبدئه، فهذه سيرة رسول الله، وهذه مبادئ رسول الله وهذا هو تاريخ رسول الله وهذه هي المبادئ التي حكمت رسول الله وينبغي أن تحكم من يتبع النبي صلى الله عليه وآله وسلم في هذا الصدد.

ثم يذكر الإمام صلوات الله وسلامه عليه، بعض التبعات التي ترتبت على هذا الباب، في مقطع أختم به حديثي، قال [الإمام السجاد] صلوات الله وسلامه عليه(فنهد إليك مستفتحاً بعونك) النبي صلى الله عليه وآله وسلم ما هي الأدوات التي استعملها في هذا السبيل؟

كل هذه الأدوات، كانت تتصل بالله عز وجل بسبب، لم يكن جهداً ذاتياً بحتاً، وإنما كان جهداً ذاتياً مسدداً بعون من الله عز وجل، استعان به طلب الخير من الله فأعانه الحق سبحانه وتعالى (ومتقوياً على ضعفه بنصرك فغزاهم في عقر ديارهم وهجم عليهم في بحبوحة قرارهم حتى ظهر أمرك وعلت كلمتك ولو كره المشركون اللهم فارفعه بما كدح فيك إلى الدرجة العليا من جنتك حتى لا يساوى في منزلة ولا يكافئ في مرتبة ولا يوازيه لديك ملك مقرب ولا نبي مرسل وعرفه في أهله الطاهرين).

 التعريف هنا إما التطييب، أو الإبراز والإظهار والإعلام بمقامه صلوات الله وسلامه عليه في أقربائه ومن يعرفه (وعرفه في أهله الطاهرين وأمته المؤمنين من حسن الشفاعة أجلّ ما وعدته) فإن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعده الله عز وجل بالشفاعة الكبرى، الشفاعة التي إذا استظل من استظل فإن النجاة مضمونة له، بل إن الذهاب إلى رسول الله وإتيان رسول الله وزيارة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والاستغفار عنده كفيلة بأن يغفر الله عز وجل لمن أتى رسول الله. بلغنا الله عز وجل زيارته والاستغفار في محضره من بعد ومن قرب.

"يا نافذ العدة يا وافي القول يا مبدل السيئات بأضعافها من الحسنات، إنك ذو الفضل العظيم" جعلنا الله وإياكم ممن يستمع القول فيتبع أحسنه.

 اللهم صل على محمد وآل محمد، اللهم كن لوليك الحجة ابن الحسن صلواتك عليه وعلى آبائه في هذه الساعة وفي كل ساعة وليا وحافظا وقائدا وناصرا ودليلا وعينا، حتى تسكنه أرضك طوعا وتمتعه فيها طويلا.

اللهم انصر الاسلام والمسلمين واخذل الكفار والمنافقين، اللهم اشفي مرضانا وارحم موتانا وأغن فقرائنا وأصلح ما فسد من أمر ديننا ودنيانا، وبارك لنا في هذه الذكرى العطرة والمجيدة واجعلنا أقرب إلى رسول الله وأقرب إليك برسول الله وبآله واجعلنا ممن يتأسّى به وباله الكرام الذين أذهبت عنهم الرجس وطهرتهم تطهيرا.

 وصلى الله على محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين.