شارك

خطبة يوم الجمعة بعنوان "نورٌ لا يطفئ"

 

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

 بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد الخلق و أشرف الأنبياء والمرسلين محمد بن عبد الله وعلى آله الطيبين الطاهرين

 رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي

 عباد الله، أوصيكم ونفسي بتقوى الله.

 في أجواء ذكرى المولد النبوي الشريف ومولد إمامنا أبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق عليه أفضل الصلاة والسلام، حيث أن من المتفق عليه بين المسلمين أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولد في شهر ربيع وإن اختلفوا في تحديد اليوم الذي ولد فيه على أقوال عدة، أشهرها قولان، أنه الثاني عشر أو السابع عشر من شهر ربيع، وهذا ما تبنته مدرسة أهل البيت عليهم أفضل الصلاة والسلام.

 فإذن، هذه الأيام هي مناسبة لاستذكار هذا النور الذي قضت حكمة الله ومشيئته أن يكون باقيا خالدا لا يطفئ، وذلك أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، على المستوى الشخصي وعلى المستوى الفكري والوظيفي، يمثل الحق والله عز وجل يقول }قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ ۚ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا{.

ومن ينشد الحق ويطلبه لا مناص له من اللجوء الى رسول الله والايمان به، لأن من آمن به آمن بالله ومن أطاعه أطاع الله ومن عصاه عصى الله، وهذا ما جاء تقريره كحقائق ثابته في القرآن الكريم بصيغ متعددة. وبالتالي، ليس مستغربا من المسلمين والمؤمنين أن يصروا على استذكار النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ليس في ذكرى مولده ووفاته ورحلته، بل في كل يوم، فإن الله عز وجل يقول }إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا{.

بل جُعل ذكر رسول الله مقرونا بذكر الله، حتى إذا أراد الانسان أن يكون موحدا حقيقيا ومسلما حقا، عملا بقول الله  عز وجل }إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ{ لا يمكن إلاّ أن يذكر معه محمدا صلى الله عليه وآله وسلم، وفي هذا السياق جاءت هذه الآية المباركة التي تلوناها وشنفنا مسامعنا وإياكم بها، بل إن الله عز وجل ذكر رسوله مقرونا به في الصلاة التي هي عمود الدين وعماد الدين يعني لا يمكن للإنسان أن يصلي بين يدي الله عز وجل الصلاة المفروضة إلاّ ويذكر النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

وبالتالي، لسنا في حاجة لإكثار الأدلة والاستدلال على أن إحياء مولد النبي هو سنة مشروعة أو ليس سنة مشروعة، هذه كافية، وآيات كثيرة فإن الله عز وجل في القرآن الكريم يخاطب نبيه موسى قائلا }وَذَكِّرْهُم بِأَيَّامِ اللَّهِ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ {.

أيام الله عز وجل هي الأيام التي من الله عز وجل فيها بالعطاءات والنعم وكذلك بالابتلاءات والامتحانات، هذه وتلك هي أيام الله، لا ينبغي للإنسان أن يقطع فيها صلته بالله.

 الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم ذكر النبي صلى الله عليه وآله وسلم، بصنوف من الذكر تجعل الانسان يحرص أشد الحرص على أن يذكر النبي صلى الله عليه وآله، ليجعل ذكره مقدمة للتعرف عليه وللزيادة في محبته، وقد روى الفريقان أن المؤمن لا يكون مؤمنا حتى يكون النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أحب اليه من نفسه، وهذا يحتاج إلى ترويض من جهه وتحتاج الى تثقيف وتعليم من جهة ثانية، لأنه ليس كل من عَلم عمل، كثير من الناس قد يتاح له أن يكون عالما، لكنه ينسلخ مما آتاه الله عز وجل من العلم.

كيف نجمع ونؤازر بين العلم والعمل؟ هذا يحتاج الى أن يُلح الانسان على الله عز وجل، أن يوفقه الى أن يقرن بين هذين الامرين، ليجعلهما توأما وجناحين يطير بهما إليه سبحانه، وكما قال أمير المؤمنين في رُوي عنه (العلم يهتف بالعمل فان أجابه وإلّا ارتحل) وقد تقول هل يُتصور أن إنسانا ما الانسان يعلم ولا يعمل؟!

الجواب: نعم، الآيات القرآنية تشير الى هذا، لكن أذكّر ببعض كلمات أمير المؤمنين في ما يتعلق بشخصيه النبي ثم أُورد شاهدا واحدا على أن الانسان قد يعلم، لكنه لا يعمل ولا يذعن للحق، لأن للإذعان للحق ضريبة، بل لا يكفي للإنسان أن يذعن للحق للمرة الأولى، بل ينبغي ويجب عليه أن يسأل الله الثبات }فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ{.

 يقول أمير المؤمنين عليه أفضل الصلاة والسلام، عن النبي في سياق حديثه عن نفسه وكيف أن الله عز وجل اصطفاه على غيره في هذا السياق، يقول (ولقد قرن الله به) أي النبي صلى الله عليه وآله (من لدن أن كان فطيما اعظم ملك من ملائكته يسلك به طريق المكارم ومحاسن أخلاق العالم ليله ونهاره) يعني هذا التسديد والتأييد من الله عز وجل، جاء للنبي، لأن الله عز وجل، إدّخره لمهمة عظمى، طهره ونقّاه في أصلاب آبائه وأرحام أمهاته ولما جاء إلى عالم الدنيا ظل محفوظا ومسددا، لأن المهمة التي يُراد أن يتحملها ثقيلة }إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلا ثَقِيلا{ النبي وكل نبي وعلى رأسهم رسول الله الذي هو خاتمهم وسيدهم، ليس حاملا لمجموعة من الاوراق استلمها من الوحي ليبلغها الناس كسعاة البريد، لا، المسألة أخطر من هذا، وانما يقول }يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ{ هذه المهمة والوظائف الثلاث، ليست مسألة معلم ومتعلمين وليست ساعي بريد الى من يُحمل إليه هذه الأمانة، لا الأمر أخطر من هذا بكثير بكثير، لذلك يحتاج إلى هذا التأهيلز

ويقول في موضع آخرعليه أفضل الصلاة والسلام، يقول (حتى أفضت كرامة الله سبحانه وتعالى إلى محمد صلى الله عليه وآله) يعني النبوات (فأخرجه من أفضل المعادن منبتا وأعز الأرومات مغرسا من الشجرة التي صدع منها أنبيائه وانتجب منها أمنائه عترته خير العتر وأسرته خير الأسر وشجرته خير الشجر نبتت في حرم وبسقت في كرم لها فروع طوال وثمر لا يُنال فهو إمام من اتقى وبصيرة من اهتدى) هذه النتائج – أنه إمام من اهتدى وبصيرة من اتقى- هذه نتيجة لتلك المقدمات التي ذكرها (فهو إمام من اتقى وبصيرة من اهتدى سراج لمع ضوئه وشهاب سطع نوره وزند برق لمعه سيرته القصد وسنته الرشد وكلامه فصل وحكمه العدل).

فإذن، الله سبحانه وتعالى حينما يقول  العدل }وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ{ نعم الله كثيرة، لكن بالتأكيد يأتي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، والوحي الذي أنزله الله إليه، يأتي في طليعة هذه النعم الذي ينبغي أن تذكر.

(البخاري) يذكر في صحيحه حوارا جرى بين (هرقل) وبين (أبي سفيان) حتى نعرف كيف أن من علم ليس بالضرورة يعمل، قد تحجبه الحجب، العلمية والعقلية والنفسية والروحية والأمراض الكثيرة التي يكون الانسان دائما في معرضها، إن لم يعتصم بحبل الله عز وجل ولم يتمسك به، فيهتدي البعيد ويضل القريب.

في هذا الحوار يرُوى عن عبدالله بن عباس قال " أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ أَخْبَرَهُ ، أَنَّ هِرَقْلَ أَرْسَلَ إِلَيْهِ فِي رَكْبٍ مِنْ قُرَيْشٍ، وَكَانُوا تِجَارًا بِالشَّأْمِ" يعني ذهبوا للتجارة في الشام " فِي الْمُدَّةِ الَّتِي كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ -وآله- وَسَلَّمَ " وآله مني "مَادَّ فِيهَا أَبَا سُفْيَانَ وَكُفَّارَ قُرَيْشٍ" يعني الهدنة التي وقعت بعد صلح الحديبية والتي جاء في القرآن وصفها }إنا فتحنا لك فتحا مبينا{ في هذه الفترة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، تنفيذا لمشروعه الذي عرقله كفار قريش، تواصل مع بقية الناس، الأقربين في جزيرة العرب والأبعدين، عظيم الأقباط، وهرقل الروم، قال: "فَأَتَوْهُ وَهُمْ بِإِيلِيَاءَ، فَدَعَاهُمْ فِي مَجْلِسِهِ وَحَوْلَهُ عُظَمَاءُ الرُّومِ، ثُمَّ دَعَاهُمْ، وَدَعَا بِتَرْجُمَانِهِ فَقَالَ : أَيُّكُمْ أَقْرَبُ "يسأل الوفد هذا القريشي " قالَ : أَيُّكُمْ أَقْرَبُ نَسَبًا بِهَذَا الرَّجُلِ " يعني القرابة، الرحم" الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ ؟ فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ : فَقُلْتُ : أَنَا أَقْرَبُهُمْ نَسَبًا" لم يكن أحد أقرب نسبيا منه في هذا الوفد المكي والقرشي" فَقَالَ : أَدْنُوهُ مِنِّي، وَقَرِّبُوا أَصْحَابَهُ، فَاجْعَلُوهُمْ عِنْدَ ظَهْرِهِ" يعني خلفه" ثُمَّ قَالَ لِتَرْجُمَانِهِ : قُلْ لَهُمْ إِنِّي سَائِلٌ هَذَا عَنْ هَذَا الرَّجُلِ "الذي يزعم أنه نبي" فَإِنْ كَذَبَنِي "هذا المجيب، المسؤول " فَإِنْ كَذَبَنِي فَكَذِّبُوهُ، فَوَاللَّهِ" يقول أبوسفيان" فَوَاللَّهِ لَوْلَا الْحَيَاءُ مِنْ أَنْ يَأْثِرُوا عَلَيَّ كَذِبًا لَكَذَبْتُ عَنْهُ" يعني يقول كنت أن أكذب، لكن الأجواء ما كانت تسمح لي أن أكذب، فبالتالي، قد يعلم الانسان بالحق، لكنه يتمنى أن لا يكون الأمر كذلك " ثُمَّ كَانَ أَوَّلَ مَا سَأَلَنِي عَنْهُ أَنْ قَالَ : كَيْفَ نَسَبُهُ فِيكُمْ ؟ قُلْتُ : هُوَ فِينَا ذُو نَسَبٍ" ليس ذا نسب وضيعو وإنما هو في علية القومو يعني ذو نسب فخم" قَالَ : فَهَلْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ مِنْكُمْ أَحَدٌ قَطُّ قَبْلَهُ ؟ قُلْتُ : لَا." أي أزعم أحد قبله أنه نبي" قُلْتُ : لَا. قَالَ : فَهَلْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مِنْ مَلِكٍ ؟" حتى يصير مدعاة ليدعي النبوة " قُلْتُ : لَا. قَالَ : فَأَشْرَافُ النَّاسِ يَتَّبِعُونَهُ أَمْ ضُعَفَاؤُهُمْ ؟ فَقُلْتُ : بَلْ ضُعَفَاؤُهُمْ. قَالَ : أَيَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ ؟ قُلْتُ : بَلْ يَزِيدُونَ. قَالَ : فَهَلْ يَرْتَدُّ أَحَدٌ مِنْهُمْ سَخْطَةً لِدِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ ؟ قُلْتُ : لَا. قَالَ : فَهَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالْكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ ؟ قُلْتُ : لَا. قَالَ : فَهَلْ يَغْدِرُ ؟ قُلْتُ : لَا، وَنَحْنُ مِنْهُ "الآن يعني" فِي مُدَّةٍ لَا نَدْرِي مَا هُوَ فَاعِلٌ فِيهَا." كأنه وجد ثغرة، قال نحن إلى الآن لم نجد منه غدرا، لكن، هل يستمر على هذا أو لا يستمرن يقول هذ المقدار الذي أتيح

 لي أن أتسلل منه " قَالَ : وَلَمْ " يقول أبوسفيان" وَلَمْ تُمْكِنِّي كَلِمَةٌ أُدْخِلُ فِيهَا شَيْئًا غَيْرُ هَذِهِ الْكَلِمَةِ. " لأن هناك شرطا اشترطه هرقل أن لا يكذب عليه " قَالَ : فَهَلْ قَاتَلْتُمُوهُ ؟ قُلْتُ : نَعَمْ. قَالَ : فَكَيْفَ كَانَ قِتَالُكُمْ إِيَّاهُ ؟ قُلْتُ : الْحَرْبُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ سِجَالٌ ؛ يَنَالُ مِنَّا وَنَنَالُ مِنْهُ. " طبعا هي مرة واحدة نالوا منه بعد أن خالفه المسلمون، وإلّا كان النبي صلى الله عليه وآله هو الذي يغلب دائما" قَالَ : مَاذَا يَأْمُرُكُمْ ؟ "لاحظوا أسئلة (هرقل) أسئلة دقيقة، هو يريرد أن يستكشف طبيعة هذه الشخصية وطبيعة هذا المشروع، هل هو مشروع دنيوي، سياسي، اجتماعي، يطلب الدنيا، مبدأي؟ لأن الذين لا يكونون على مبدأ، يساومون، يتراجعون، يتقهقرون، يتخلفون، ينكصون، لكنه أراد أن يتعرف على طبيعة هذه الشخصية ويستكشف منهم هم، ليبين لهم أن ما وصلت أنا إليه وما أريد أن أصل إليه كان يجب أن تتوصلوا أنتم إليه، لكن ليس بالضرورة أن من يعلم يعمل أو يدرك ويفقه " قَالَ : مَاذَا يَأْمُرُكُمْ ؟  قُلْتُ : يَقُولُ : اعْبُدُوا اللَّهَ وَحْدَهُ، وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَاتْرُكُوا مَا يَقُولُ آبَاؤُكُمْ، وَيَأْمُرُنَا بِالصَّلَاةِ، وَالصِّدْقِ، وَالْعَفَافِ، وَالصِّلَةِ. فَقَالَ لِلتَّرْجُمَانِ : قُلْ لَهُ سَأَلْتُكَ عَنْ نَسَبِهِ " الآن يريد هو أن يعلق" فَذَكَرْتَ أَنَّهُ فِيكُمْ ذُو نَسَبٍ، فَكَذَلِكَ الرُّسُلُ تُبْعَثُ فِي نَسَبِ قَوْمِهَا" يعني لا يختارونه من البيوت الوضيعة، وإنما من البيوت الرفيعة }في بيوت أذن الله أن ترفع{ "وَسَأَلْتُكَ : هَلْ قَالَ أَحَدٌ مِنْكُمْ هَذَا الْقَوْلَ ؟ فَذَكَرْتَ أَنْ لَا، فَقُلْتُ : لَوْ كَانَ أَحَدٌ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ قَبْلَهُ، لَقُلْتُ : رَجُلٌ يَأْتَسِي بِقَوْلٍ قِيلَ قَبْلَهُ، " يقلّد السابقين" وَسَأَلْتُكَ : هَلْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مِنْ مَلِكٍ ؟ فَذَكَرْتَ أَنْ لَا، قُلْتُ : فَلَوْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مِنْ مَلِكٍ قُلْتُ : رَجُلٌ يَطْلُبُ مُلْكَ أَبِيهِ، وَسَأَلْتُكَ : هَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالْكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ ؟ فَذَكَرْتَ أَنْ لَا، فَقَدْ أَعْرِفُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِيَذَرَ الْكَذِبَ عَلَى النَّاسِ، وَيَكْذِبَ عَلَى اللَّهِ. " يعني من يكون صادقا في أقواله بين الناس، هو أولى بالصدق أن يكون كذلك مع الله عز وجل" وَسَأَلْتُكَ : أَشْرَافُ النَّاسِ اتَّبَعُوهُ أَمْ ضُعَفَاؤُهُمْ ؟ فَذَكَرْتَ أَنَّ ضُعَفَاءَهُمُ اتَّبَعُوهُ، وَهُمْ أَتْبَاعُ الرُّسُلِ" العادة أن الرسل يتبعهم الضعفاء، لأن هؤلاء طينتهم، فطرتهم أكثر زكاءا، عكس علية القوم من ذوي المصالح، هم الذين يشاكسون ويكايدونز

"وَسَأَلْتُكَ : أَيَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ ؟ فَذَكَرْتَ أَنَّهُمْ يَزِيدُونَ، وَكَذَلِكَ أَمْرُ الْإِيمَانِ حَتَّى يَتِمَّ، وَسَأَلْتُكَ : أَيَرْتَدُّ أَحَدٌ سَخْطَةً لِدِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ ؟ فَذَكَرْتَ أَنْ لَا، وَكَذَلِكَ الْإِيمَانُ حِينَ تُخَالِطُ بَشَاشَتُهُ الْقُلُوبَ، وَسَأَلْتُكَ : هَلْ يَغْدِرُ ؟ فَذَكَرْتَ أَنْ لَا، وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ لَا تَغْدِرُ، وَسَأَلْتُكَ : بِمَا يَأْمُرُكُمْ ؟ فَذَكَرْتَ أَنَّهُ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَيَنْهَاكُمْ عَنْ عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ، وَيَأْمُرُكُمْ بِالصَّلَاةِ، وَالصِّدْقِ، وَالْعَفَافِ. فَإِنْ كَانَ مَا تَقُولُ حَقًّا" وهو حق، لأنه قرره وأخذ عليه عهدا " فَإِنْ كَانَ مَا تَقُولُ حَقًّا فَسَيَمْلِكُ مَوْضِعَ قَدَمَيَّ هَاتَيْنِ ، وَقَدْ كُنْتُ أَعْلَمُ أَنَّهُ خَارِجٌ" أنا مسبوق، أنا أعرف أن هناك نبيا سيخرج، وأنا أريد أن أتحقق ان هذا النبي الذي هو عندكم هو هذا؟ يقول كل هذه الخصال متوفرة في صلى الله عليه وآله " لَمْ أَكُنْ أَظُنُّ أَنَّهُ مِنْكُمْ " يعني كنت أتوقع أن يكون من غيركم، لأن العرب في نظر أهل الروم، مجموعة من البداة والرعاة المتخلفين، لا يُتوقع أن يكون النبي في أوساط هؤلاء، لأسباب عديدة "فَلَوْ أَنِّي أَعْلَمُ أَنِّي أَخْلُصُ إِلَيْهِ لَتَجَشَّمْتُ لِقَاءَهُ ، وَلَوْ كُنْتُ عِنْدَهُ لَغَسَلْتُ عَنْ قَدَمِهِ . ثُمَّ دَعَا بِكِتَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي بَعَثَ بِهِ دِحْيَةُ " الكلبي" إِلَى عَظِيمِ بُصْرَى ، فَدَفَعَهُ إِلَى هِرَقْلَ ، فَقَرَأَهُ فَإِذَا فِيهِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، مِنْ مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ : سَلاَمٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الهُدَى ، أَمَّا بَعْدُ ، فَإِنِّي أَدْعُوكَ بِدِعَايَةِ الإِسْلاَمِ ، أَسْلِمْ تَسْلَمْ ، يُؤْتِكَ اللَّهُ أَجْرَكَ مَرَّتَيْنِ ، فَإِنْ تَوَلَّيْتَ فَإِنَّ عَلَيْكَ إِثْمَ الأَرِيسِيِّينَ وَ {يَا أَهْلَ الكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَنْ لاَ نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} انتهت الرواية.

فإذن، هذا علم عرفه (أبوسفيان) ولم يكن من (هرقل) إلاّ أن قرره بهذه الحقائق و(هرقل) مجرد أن سمع هذه الصفات، عرف أنه نبي، كيف لم يعرفها (أبوسفيان) الذي في بعض الروايات – ولم ينقلها البخاري- ]قال أبوسفيان[ لما سمعت هذا الكلام، - يعبر في الرواية الأخرى التي يرويها (مسلم) وغيره- أن أمر ابن أبي كبشة فد أُمرـ يعني قد تم- فدخل عليّ الإسلام وأنا كاره" يعني المسألة ليست قناعة، وإنما هو فرضت عليه الظروف أن يؤمن وأن يسلم.

النبي صلى الله عليه وآله وسلم، في مجموع دعوته، كان الله عز وجل قد أهله أن يكون فيصلا وفاروقا أعظما بين الحق والباطل ليهتدي من طلب الهداية ويهلك من هلك عن بينه ويحيى من حيي عن بينه.

لذلك جدير بنا أن نحيي وجدير بهذه الأمة جميعا أن تحيي ذكرى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، في كل يوم وبالخصوص في يوم مولده وذكرى مولد، نسأ الله عر وجل، أن يؤلف قلوب المسلمين جميعا، على محبته وعلى طاعته وأن يجنبهم الفتن وأن يدافعوا عنه بالحق لا بالباطل وبالعدل لا بالإرهاب ولا بالإجرام ولنعلم أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، لن يكف المعتدون عن الإساءة إليه وإيذائه، لكن هذا لا ينبغي أن يسمح أو يتيح لأحد أن يتصور أن الدفاع عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، يتم بمثل ما وقع في فرنسا -للأسف الشديد- من هذا الفعل الاجرامي الذي هو رد فعل لفعل إجرامي، ويكذبون حينما يقولون "نحن نؤمن بحرية التعبير" لكنهم يمنعون من ذكر أمور كثيرة، فمن يمنع تلك الأمور باسم القانون، فليمنع الإساءة إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، باسم القانون، وإلاّ ستكون الكرّة تكرّ، مرة بعد أخرى، فعل إجرامي يقابله فعل إجرامي، يُراد تحميله الى المسلمين جميعا.

نسأل الله عز وجل، أن ينصر الاسلام والمسلمين ويخذل الكفار والمنافقين.

 اللهم صل على محمد وآل محمد، اللهم كن لوليك الحجه ابن الحسن، صلواتك عليه وعلى آبائه في هذه الساعة، وليا وحافظا وناصرا ودليلا وعينا، حتى تسكنه ارضك طوعا وتمتعه فيها طويلا.

اللهم انصر الإسلام والمسلمين واخذل الكفار والمنافقين، اللهم اشف مرضانا وارحم موتانا وأغن فقرائنا وأصلح ما فسد من أمر ديننا ودنيانا ولا تخرجنا من هذه الدنيا حتى ترضى عنا يا كريم وصلى الله على محمد وعلى اله الطيبين