شارك

«الأسئلة المشروعة، والأخرى المغرِضة»

 

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد الخلق وأشرف الأنبياء والمرسلين محمد بن عبدالله وعلى آله الطيبين الطاهرين.

رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي.

عباد الله، أوصيكم ونفسي بتقوى الله.

 الشريعه الإسلامية حينما تهتم كغيرها من الديانات السماوية النازلة من عند الله عز وجل بأمر التقوى، تهدف تحقيق غرض مهم يسكن إليه كل انسان سوي وعاقل، وهي أن يكون الانسان كما أراده الله عز وجل، أن يكون، فقط الأتقياء هم الذين يحققون هذا المعنى، كل حسب ما وفقه الله عز وجل إلى ذلك، في القول وفي الفعل، في الدائرة الخاصة، في الدائرة العامة، مع الأبعدين يا ومع الأقربين، مع من نحب ومع من لا نحب.

ولذلك، الذين يوفقون الى تحقيق هذا المعنى هم قلة، حتى ورد في بعض الأخبار الشريفة أن المؤمن بهذا المعنى كالكبريت الأحمر، يعني في ندرته.

ولذلك، أصل قرآني جاء في قول الله عز وجل }وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ{ هذه تحتاج الى توفيق، تحتاج الى جهد جهيد، وقد وعد الله، وهو الصادق في وعده، سيكون إلى جانب هؤلاء، حيث يقول عز وجل }وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا{.

من الوسائل التي تعين الانسان على أن يكون من أهل التقوى، ولا غنى له عنها، أن يكون متعلما وعالما ومتفقها وفقيها، ليس بالمعنى الذي هو دارج في أوساط الجامعات والحوزات، لا، قد يكون الإنسان طوى مشوارا طويلا في الحوزات، في ما يُعرف بالجامعات والحوزات، لكن يكون مصداقه مثل ما أشار الله عز وجل الى ذلك الذي }آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا{ المهم ليس أن نحصل على العلم، بمعنى المفاهيم، وإنما أن نحصل على العلم والمعرفة من أجل أن تمتزج بنفوسنا فنطبق مقتضيات هذا العلم، فإذا عرفنا الحق وأهله، انحزنا إليه، وإذا عرفنا الباطل وأهله انزحنا عنه ولم نمل إليه، قدر استطاعتنا، يقول الله عز وجل }وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ{ والظلم مراتب.

من أشكال ظلم الانسان لنفسه أن لا يتعلم، ومن وسائل التعلّم السؤال، والسؤال صنفان، سؤال مشروع وسؤال مغرض، والسؤال شكل من أشكال التواصل بين طرفين، حيث يصدر السؤال ممن يُفترض به أنه لا يعلم نحو من يُفترض به أنه يعلم، من أجل أن ينتقل العلم من العالم الى الجاهل، والله عز وجل يقول }فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ{ إذا كان غرضك أمن تتعلم فابحث عن العالم الموثوق والجهة الأمينة في المعرفة وفي إيصال المعرفة واسألوها، وكان هذا شعار الأنبياء والأولياء، حتى أن أمير المؤمنين عليه أفضل الصلاة والسلام، لطالما قال بلسانه الشريف (سلوني قبل ان تفقدوني) فالمفروض بالإنسان أن يبادر، بل قد ورد في الأخبار الشريفة أنه (إنما يهلك الناس لأنهم لا يسألون).

يعني إذا تصور الانسان في نفسه وقد خلقه الله عز وجل خاليا من العلم، أنه لن يحتاج الى الآخرين، هذه بذرة كِبْر نمت في نفسه حتى يشعر بأنه يستطيع أن يصل الى ما يحتاجه من العلم دون السؤال.!

 الله عز وجل يقول }أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا{.

لذلك، موقف الشريعة الاسلامية فيما يتعلق بالسؤال، السؤال عن أي شيء يرتبط في الشريعة، لا سقف له ولا حدود له، لكن عندنا أمران يجب أن نضعهما بعين الاعتبار، هو أن يكون السؤال مشروعا وأن لا يكون مغرضا، بين هذين الحدين، سل عما شئت وسل من شئت، سل الله عز وجل وسل رسول الله وسل الأئمة وسل العلماء، ليس هناك خطا أحمرا للسؤال، لكن هناك أسئلة لا تليق بالسائل أن تصدر منه.

مثلا، ورد عندنا في الأخبار الشريفة (سل تفقها ولا تسأل تعنتا).

سؤال التعنت سؤال غير مشروع، صحيح أنه في الظاهر هذا السؤال يشبه هذا السؤال، لكن يختلف عنه في أمرين أساسيين:

الأمر الأول في السؤال غير المشروع، الدواعي والبواعث لا تكون شرعية ولا تكون مناسبة ومتوافقة ومتوائمة مع الحق والهدى والرشاد.

والأمر الآخر هذا الذي تتفاوت فيه، الغاية، فالغايات غير شرعية، غير نظيفة، وعندنا في ثقافتنا الغاية لا تبرر الوسيلة، يعني ليس من حقي ولا من حقك ولا من حق أي أحد أن نسأل بعض الأسئلة إذا كانت ترتبط بخصوصيات الانسان الشخصية، الخصوصيات الشخصية ليس مفتوحا ]لها[ حق السؤال، بعض الأسئلة تكون محرمة، لا يجوز لك ان تسأل الانسان عن ما يصدق عليه أنه من عوراته وأسراره، ليس هذا من حقنا أن نسأل، وكذلك إذا كنا نسأل شخصا نعرف أنه لا يملك المعلومة، كأن نسأل إنسان أن يعلمنا شيئا من الغيب الذي نعرف مسبقا أنه لا يعلمه، سيكون أيضا هذا السؤال سؤالا غير مشروع، سؤال يخدش في السائل ويضر ويعيب المسؤول الذي يوجه إليه هذا السؤال.

بين هذين السقفين، ننبه إلى ما يثيره البعض من أن المتدينين ومن أهل الايمان وأهل الاسلام لا يسمحون بالأسئلة الحرة..!

لا، لا، من قال بأن الاسلام لا يسمح بالأسئلة الحرة.؟!

بل إن الله عز وجل في القرآن الكريم والروايات الواردة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعن الأئمة وسلوكياتهم، سلوكياتهم كل هذا يؤكد على أن الأسئلة مفتوحة.

لكن، هناك القرآن الكريم ينبه الى ما أشرنا إليه، هناك أسئلة مغرضة لا يُاد منها طلب الحق.

أنبه إلى خمس مقدمات ثم نشير-لاحقا إن شاء الله في خطبة لاحقة- إلى نموذج من النماذج التي تتناسب مع كيف نميّز بين السؤال المشروع والسؤال المغرض، وكيف أن السؤال الشرعي وإن كان حرجا، لكن ينتهي بصاحبه إلى العلم، السؤال المغرض يزيد المريض مرضا ويزيد صاحب الهوى فتكا بنفسه وبالآخرين.

 

المقدمة الأولى:

أصلا، التواصل بين الناس فيه أشياء ثلاثة، هناك مرسل، وهناك مستقبل، وهناك رسالة بين المرسل والمستقبل، وأنت لما تتكلم مع أحد أو يتكلم معك أحد أو تكتب الى أحد أو يكتب إليك أحد، هناك ثلاثة أطراف، الكاتب والمكتوب له، ومادة الكتابة، المتكلم والمخاطب ومادة الخطاب، هل يصح أو هل يكون هناك تناسب بين هذه الأطراف الثلاثة؟

 في كثير من الأحيان، السؤال لا يكون موفقا، إذا لم يكن هناك تناسب بين هذه الأطراف الثلاثة.

لاحظوا، الأنبياء، ما بعث الله عز وجل نبيا وأمره أن يكلم الناس على قدر عقله، النبي يكلم الناس على قدر عقولهم، ولذلك، يتخيّر الجملة والمفردة والتوقيت والطريقة، لأن كل هذا يؤثر.

الكبير في السن يُخاطب بطريقة، الصغير في السن يُخاطب بطريقة، بل نحن العرب، عندنا نفرّق بين أن نخاطب امرأة ونخاطب رجلا، نخاطب ذكرا تقول (أنتَ) تخاطب امرأة تقول (أنتِ) في لغات أخرى قد لا يميّزون، لكن نحن في هذه اللغة التي منّ الله بها علينا وشرفنا وشرّف هذه الأمة بأن أنزل القرآن بها، ثمة فروق دقيقة حتى ألّف المؤلفون علما، هناك علم يسمّى "فقه اللغة" وفقه اللغة ليس علم اللغة وليس القواميس والمعاجم، لا.

فقه اللغة يفرق لك بين (المجيء) و(القدوم) بين (الجلوس) و(القعود) ثمة فوارق بين هذين، لعل العُرف العام لا يستطيع التمييز والتفرقة، ما هو الفرق بين المشيئة والإرادة؟ هذا يحتاج إلى (فقه اللغة).

ولذلك، الذين لا يتقنون اللغة العربية -وهذا تخصص واسع له أهله- ولا يتقنون (فقه اللغة) كما سنشير إليه إن شاء الله في النموذج التطبيقي في خطبة لاحقة- الانسان قد ينفتح عليه باب الأوهام وسوء الفهم، نتيجة أنه لم ينطلق في سؤاله انطلاقة صحيحة، ولا نعني هنا  بالسؤال أن تسأل شخصا قائما، لا، قد تسأل وترجع للكتب، مراجعتك للكتب سؤال، لكن أنت تسأل هذا المؤلف من خلال الكتاب، سواء كان كاتبا حيا أو كاتبا ميتا، لكن أنت تسائله من خلال ما تقرأه إياه، لكن هل تملك القدرة على أن تفهم ما يقول؟ بعض الناس يقول كلنا عرب وكلنا عندنا عقول؟!

نعم، كلنا عرب، نحن الذين نتحدث بالعربية، كلنا عرب باللسان وكلنا نفهم، عقلاء، ولكن هل كلنا يفتح كتب الطب ويفقهها؟!

إذا لم يملك التأهيل الكافي للتعامل مع هذه المعلومة الطبية التي تحتاج الى مقدمات طويلة في الطب، وكذلك الحال في الهندسة وكذلك الحال في كل علم من العلوم بما فيها العلوم الشرعية، ويعض الناس وقع في شبهة، لأنه لم يسأل بطريقة صحيحة، يقول الدين من الله عز وجل نزل للجميع، وبالتالي، كلنا نستطيع أن نتعامل مع القرآن الكريم..!

سنبين من خلال النموذج التطبيقي -إن شاء الله- أن ثمة وَهْما وإبهاما وقع فيه هذا الصنف من الناس، بحيث حسبوا أن النبي لم يكن دوره إلّا أن يتلقى القرآن من جبرائيل عليه أفضل الصلاة والسلام، أشبه ما يتلقى الواحد منا الكتاب ثم يسلمه إلى الناس ويتخلى النبي عن هذا الدور..!

هل هذا هو دور النبي؟ لا، دور النبي أعظم من هذا، الله عز وجل حينما أنزل القرآن على قلب النبي صلى الله عليه وآله وسلم، لم يُنزل ألفاظا فقط، وإنما أنزل حقائق جاءت هذه الألفاظ لتعبر عن هذه الحقائق، لذلك، قد يصل إلينا اللفظ، لكننا لا نستطيع أن نتوصل الى المعنى، فإذن، هذا ما نشير إليه.

 

المقدمة الثانية:

نحن لدينا وثوقيه مطلقة بمادة الوحي التي جاءت من عند الله عز وجل، والقرآن يأتي في صدارة ما أوحاه الله عز وجل على النبي والسنة النبوية وسنة المعصومين جاءت فرعا مباركا وطيبا عن هذا الوحي.

 ونتكلم عن ما صدر منهم، وأما ما نقله الرواة  فنغربله، نغربله حتى نتثبت من أن هذا الكلام الذي صدر أو هذا الذي رواه فلان أو فلان من الناس عن فلان عن فلان عن فلان إلى رسول الله أو الأئمة، هل صح هذا النقل أو لم يصح؟

لكن لو اختلفنا في السنة، لا نختلف في القرآن الكريم، لكن هل يستطيع أحد اليوم يقول – حتى العلماء الذين نسألهم- يقول أنا عندي إحاطة كاملة بالقرآن الكريم؟ لا يجرؤ، العالم الذي يحترم نفسه، لا يجرؤ أن يدّعي هذه الدعوة، لأن هذه دعوى تقف عند من عصمه الله عز وجل، وآتاه علم التنزيل والتأويل.

أما عامة الناس، ونعني بالعامة هنا، غير النبي والأئمة عليهم الصلاة والسلام، يتفاوتون في العلم، نطمئن يأن هذا جاء من عند الله عز وجل، لكن لا نستغني عن كلام يصدر من رسول الله تبيانا للقرآن الكريم أو كلام يصدر من أمير المؤمنين عليه أفضل الصلاة والسلام الذي وصفه رسول الله في قوله المشهور (أنا مدينة العلم وعلي بابها) لو كان الأمر متاحا يُفترض علي عليه عليه الصلاة والسلام يساويه كل الصحابة الذين عاصروه وعاشوا معه مثل ما عاش مع النبي، لماذا لم يقل عنهم النبي صلى الله عليه وآله " أنا مدينة العلم وكل الصحابة أبواب"؟!.

لا، الصحابة يقرّون، الصحابة يقرّون حتى أن كبارهم يقولون " لا أبقانا الله لمعضلة ليس لها أبوالحسن".

لو كانت المسألة مسألة معاصرة فقط، وسماع، ما كنا بحاجة لهذا، فلدينا وثوقية مطلقة في الوحي وبهذا وصف الله عز وجل القرآن الكريم، فمثلا، يقول في سورة النساء }يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا{.

القرآن هذا الذي جاء من عند الله، وصفه الله عز وجل، بوصفين أساسيين:

الوصف الأول أنه برهان، يعني مميز ودليل علي أن هذا حق وأن هذا باطل.

والوصف الثاني، أنه نور مبين، يعني يبدد الظلمة التي يعيش فيها الناس.

الآية الثانية، قول الله عز وجل، في سوره النساء، أيضا }أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ ۚ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا{ ما يصدر من البشر، ما لم يعصمهم الله ع وجل، من البشر الله عز وجل، لا بد أن يكون فيه اختلاف، بل لا بد أن يكون فيه اختلاف كثير، والله عز وجل يقول عن القرآن الكريم لا اختلاف فيه، لا قليلا ولا كثيرا، تدبروا في القرآن وستجدون أن القرآن لا اختلاف فيه.

وفي النموذج التطبيقي سنبين كيف أن الانسان إذا التفت إلى بغض القرآن وغفل عن بعضه الآخر، سيتوهم أن في القرآن اختلافا، لأنه لم يتبين البرهانية في القرآن ولم يتعرف على النورية في القرآن الكريم.

الآية الرابعة:

 قول الله عز وجل في سورة (فصّلت) عن القرآن الكريم {وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ * لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ{ ات القرآن الكريم والوحي عموما، لكن القرآن هو طليعة هذا الوحي لأنه تنزيل من حكيم حميد، تتجلى فيه حكمه الله عز وجل وجلاله وجماله، بحيث يستحق الله عز وجل، أن يّحمد من قبلنا على ما أنزله الله علينا من هذا الكتاب العزيز، والعزيز [أي] الرفيع الذي لا يناله الناس.

 الآية الأخرى، قول الله عز وجل في سورة (فصلت) أيضا }حم* تنـزِيلٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ* كِتابٌ فُصِّلَت آياتُهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ* بَشِيراً وَنَذِيراً فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ{ هل  يقصد لا يسمعون، يعني أبوجهل ما كان يسمع القرآن؟ لا، يسمع بأذنه، لكنه ما كان يسمع بعقله، ما كان يسمع بقلبه }يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ{.

لذلك، بعض الأسئلة التي لا تصدر عن العقل السليم النظيف والقلب السليم، ليس سؤالا، يمكن أن يجاب عنه وقد يكون سؤال لا يستحق أن يوقف عنده ولا أن يجاب عليه، ليس لأنه لا جواب له، لكن لأن السائل لبس سائلا يستحق أن يجاب سؤاله.

}بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ * وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ{ طبعا قالوا أما بلسان القول أو بلسان الحال، يعني عمليا هم يتعاملون هكذا، ينزل الله عز وجل إليهم علما لو فتحوا أبصارهم وبصائرهم وأسماعهم لاستفادوا منه، لكن منطقهم، حالهم..!

 }وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ{ يعني مستوره محجوبه }فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ{ مهما تأتينا به من آيه، لن نصدقك ولن نحسن التعامل معك.

 

المقدمة الثالثة:

هو أن كثير من الناس -نعوذ بالله ان يكون واياكم منهم- تعاملهم يكون يدور بين حالتين، الحالة الأولى تكون حالة من التشكيك والارتياب، يسمع الكلام، لكنه لأنه لم يتعامل معه تعاملا صحيحا، لا يدرك حقانيته ولا صحته ليس لأن الكلام غير صحيح، لكن الكلام لا يوافق هواه.

النبي صلى الله عليه وآله وسلم، كان إذا صدر منه الكلام الذي لا يناسب بعض من كان يحضر، يكثر اللغط والضجيج والصراخ مع أن القرآن كان  الله الصلاة كان يؤدبهم  {لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} ويأمرهم أن يخفضوا صوتهم {لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ} هذا يكون مدعاة أن تحبط أعمالكم، لكن مع ذلك، يقول "أصمنيها عنه الناس"  قال النبي كلاما، لكن أصمه الناس، ارتفعت أصواتهم، لماذا ترتفع الأصوات؟!

لأن النبي صدر منه أو سيصدر منه بالمقدمات التي صدرت منه ما يعرف السامعون والمستمعون بأنه سيصدر منه كلام لا يريدونه، فيحدث منهم الصراخ والضجيج بحيث يشوشون هذا التشويش.

لاجظوا القرآن ماذا يقول عن هذه الفئة من الناس قال {بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ }.

الانسان إذا ظلم نفسه وظلم الحق، لا يحسن التعامل مع الحقيقة والحق، لا يريد أن يسمعها، لأنه لا يريد أن  يتفاعل معها التي تضطره أن يلتزم بلوازمها، والحق مر ثقيل، ليست كل النفوس مستعدة أن تتعامل بطريقة حسنة مع هذا الباب.

لاحظوا ما يقول الله عز وجل، عن فرعون، حتى تتوفر الأجواء الصحيحة {اذْهَبَآ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى* فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى} الله سبحانه وتعالى يتلطف بالناس لكن حتى على مستوى فرعون، لكن فرعون، هل كان يريد الحق؟

تلطف معه موسى، تكلم معه بكلام ليّن، لكن هو ما كان يريد أن يخشى {سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى}.

هذه الظروف الأخلاقية والنفسية اذا لم تتوفر عليها، الأسئلة لا تكون أسئلة منتجة وتفتح بابا للتشويش ويترتب عليه الكثير من المخاطر، نسأل الله عز وجل أن يجنبنا وإياكم.

نشير لاحقا إلى نموذج من نماذج الأسئلة التي يمكن أن نجعلها أسئلة مشروعة إذا تعاملنا معها بشكل صحيح وقد تكون أسئلة معرضة تؤدي بنا إلى الهلاك، نسأل الله عز وجل أن يجنبنا وإياكم ذلك.

اللهم صل على محمد وآل محمد، اللهم كن لوليك الحجه ابن الحسن، صلواتك عليه وعلى آبائه في هذه الساعة، وليا وحافظا وناصرا ودليلا وعينا، حتى تسكنه ارضك طوعا وتمتعه فيها طويلا.

اللهم انصر الإسلام والمسلمين واخذل الكفار والمنافقين، اللهم اشف مرضانا وارحم موتانا وأغن فقرائنا وأصلح ما فسد من أمر ديننا ودنيانا ولا تخرجنا من هذه الدنيا حتى ترضى عنا يا كريم وصلى الله على محمد وعلى آله الطيبين.