شارك

«العلم تفعيلة وتعطيله»

 

 

 

 

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد الخلق وأشرف الأنبياء والمرسلين محمد بن عبدالله وعلى آله الطيبين الطاهرين.

رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي.

عباد الله، أوصيكم ونفسي بتقوى الله.

وإن من أهم شروط التقوى أن يكون الانسان على علم، ولذلك فإن الله عز وجل، لا يسوي بين الذين يعلمون والذين لا يعلمون، كما أن الله عز وجل يفاضل بين الناس على أساس التقوى، فقال عز وجل {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ}.

هل يمكن للإنسان أن يكون من المتقين والعالمين دون أن يكون من العاملين؟ الجواب: كلا.

 ومرت علينا ذكرى جليلة هي ذكرى مولد الإمام العسكري عليه أفضل الصلاة والسلام، وبهذه المناسبة نقف عند عدد من الكلمات الطيبات التي رُويت عنه صلوات الله وسلامه عليه، فيما يتعلق بالعلم في تفعيله وتعطيله.

 قد يوفق الانسان في تحصيل العلم، لكنه لا يفعّله، بل يعطّله..!

أقدم بين يدي الحديث، الذي أرجو أن يكون موجزا، مقدمتين:

 

المقدمة الأولى:

هي أن العلم ليست محفوظات مجردة، حتى لا يظن أحدٌ أن الانسان إذا أراد أن يكون عالما يكفي أن يقرأ عددا من الكتب أو يستمع عددا من المحاضرات والدروس أو يتذاكر ذلك في هذا المجلس أو ذاك، فيكون من أهل العلم..!

قد ينفع هذا في بعض العلوم، لكن هناك علوما لا يمكن أن يسمى العالم فيها عالما ما لم يفعّل هذا العلم، كالكيميائي والفيزيائي، يحتاج إلى مختبر، وكذلك الطبيب يحتاج أن يمارس عملية الطبابة وإلّا سيكون علمه عما نظريا لا فائدة منه.

العلم لما كان واسعا، نحن لا نتحدث عن كل صنوف العلم وحقول العلم والمعرفة، وإنما نتكلم عن العلم الذي يرتبط بمحاور ثلاثة، نذكرها إن شاء الله، ترتبط كلها بعنوان "التكامل" كيف يكون الانسان كاملا؟ بلغتنا الشرعية، كيف يكون مؤمنا متقيا وكيف يكون من أهل الجنة؟

ورد في الحديث الشريف أن (من كان له عقل كان له دين ومن كان له دين دخل الجنة) الله سبحانه وتعالى يقول {وَأَنْ لَيْسَ لِلإنْسَانِ إِلا مَا سَعَى} هذه قاعدة عامة، تريد مال؟ اسعى، تريد الدين؟ اسعى، تريد الدنيا؟ اسعى.

كل شيء من مجالات الحياة يحتاج إلى سعي، كذلك الجنة، إذا اردت أن تكون من أهلها تحتاج الى سعي، لكن في أي الاتجاهات تسعى، في كل اتجاه؟

الجواب: لا، { اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ } يحتاج أن نعرفه ونعرف ملامحه ومعالمه ويحتاج أن نعرف السير ومدة السير فيه، يعني إذا كانت المسافة طويلة، لا يصح منك أن تسير سيرا وئيدا وبطيئا، وانما عليك أن تستعجل، ذلك القرآن يحثنا في بعض الأحيان يقول { وَسَارِعُوا إلى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ }.

ليس من حق الانسان أن يسوّف في التوبة، إذا وقع منه الخطأ الذي لا يرضاه الله عز وجل، يستطيع ان يسوّف، لكن ماذا لو حل به الأجل المحتوم وهو بعد لم يرجع إلى الله عز وجل؟ لا تنفعه التوبة.

"فرعون" بعد أن حل به ما حل من عذاب الله عز وجل، قال "الآن تبت" الآن لا ينفع، الآن لا قيمة لهذه التوبة.

 فالعلم في ما نحن بصدد الحديث عنه، ليس محفوظات مجردة.

أمير المؤمنين عليه السلام، يقول (العلم يهتف بالعمل فإن أجابه وإلّا ارتحل).

 

المقدمة الثانية:

الانسان، كل إنسان، لا يعيش في عزلة ولا في جزيرة منفصلة، انت تعيش في محيطك الأسري القريب والمحيط الأبعد قليلا والأشد بعدا، تعيش مع الأرض، تعيش مع السماء، تعيش مع النباتات، تعيش مع الحيوانات، تعيش مع من تحب ومع من لا تحب، تعيش مع من تستطيع أن تعمل معهم ومع من لا تستطيع أن تعمل معهم.

كيف تنظم هذه العاقات كلها؟ ثمّة منظومة من القيم والأحكام والقوانين.

 

بعد هاتين المقدمتين، أدخل في محاور ثلاثة بإيجاز شديد:

 

المحور الأول فيما يتعلق ببناء ذاتك:

الأهداف في شريعة الإسلام، مثل أي حقل من حقول النشاط البشري، هناك أهداف قريبة وهناك أهداف بعيدة وهناك أهداف متوسطة، وتخطيطك في حياتك، يجب أن تُلاحظ هذه المسائل كلها.

أحيانا أنت تخطط لمأكلك اليوم، وأحيانا تخطط لميزانيتك الأسبوعية والشهرية والسنوية والعمرية، التخطيط للأول غير الثاني والثاني غير الثالث والثالث والرابع وهكذا، ينبغي للإنسان أن يضع في حسبانه كل هذه الأشياء.

لا تستطيع أن تتعامل مع الله وتحسن التعامل مع الله سبحانه وتعالى -وهو المحور الثالث- ما لم  تنظم علاقتك بنفسك، ولذلك ورد في الحديث (من عرف نفسه فقد عرف ربه) من لا يعرف نفسه لا يعرف الله عز وجل.

أحد شروح وتطبيقات معاني هذا التلازم، ما هو وجه التلازم بين معرفة النفس ومعرفة الله؟ من لا يعرف نفسه بالعبودية لم يعرف الله عز وجل بالربوبية.

متى يلزمك أن تطيع الله عز وجل، اذا اعتقدت أنه الخالق والمالك والسيد واعتقدت في نفسك أنك المخلوق والمربوب والمولى من الله عز و جل، وبالتالي له سلطان عليك، لذلك في بعض الأحيان حتى تخطيطك في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإصلاح، قد تلح على شخص أن يصلي -إذا كان لا يصلي أعاذنا الله وإياكم- وأنت غافل عن أن له سببا في عدم الصلاة، أصلا هو لا يعترف بالله، لا في وجوده ولا يصدّق بتوحيده، وبالتالي حديثك معه عن الصلاة سيكون حديثا عبثيا، وهذا له حكم، والانسان الذي يعتقد بالله ربا وبمحمد صلى الله عليه وآله وسلم نبياً وبالفقه وإلزاميه الأحكام، سيكون منحى الحديث معه في الصلاة يختلف عن منحى الحديث عن الصلاة مع شخص لا يؤمن بالله عز وجل، أو لا يؤمن برسالة الإسلام، فيحتاج الانسان أن يعرف نفسه، وبالتالي على ضوئه يترتب الحديث  في المحور الثاني والثالث.

يقول عليه أفضل الصلاة والسلام، أذكر ثلاثة عناوين:

 

العنوان الأول – في ما يتعلق بنفسك، انت بأمس الحاجة الى أن تكون نافذ البصيرة.

كيف نافذ البصيرة؟ لاحظوا الإمام ماذا يقول  يقول عليه أفضل الصلاة والسلام، يقول (حسن الصورة جمال ظاهر وحسن العقل جمال باطن) كلنا نهتم بالجمال وبالحسن، لكن الإمام العسكري عليه أفضل الصلاة والسلام ينبهنا إلى شيء، أن لا تختلط علينا الأمور فنغلب البسيط على حساب المعقد والأهم – سيأتي بند بعنوان مراعاة الأولويات- تهتم ببدنك، هذا أمر مطلوب في شريعة الإسلام، لكن الأهم من هذا وجهك الآخر، كل هذا العالم  فيه ملك ظاهر وفيه ملكوت، فيه واقع.

قد يأتي لك شخص ويظهر أمامك كل صور الجمال والكمال، الملابس ممتازة والشعر جميل، والرائحة طيبة، لكن بمجرد أن تتحدث معه تجده يفوح بالكراهية والحقد والبغضاء والعقد، وإذا تعاملت معه سيتعامل معك بناء على ما يعتقده، لا بناءا على ملابسه، فلذلك الإمام ينبهنا الى أن هذا ]الظاهر[ مهم، وهناك ما هو أهم، وهو الباطن.

 

[العنوان] الثاني –  يقول عليه أفضل الصلاة والسلام، لتأكيد عنوان نفاذ البصيرة، لاحظوا، حينما نزور سيدنا أبا الفضل العباس عليه أفضل الصلاة والسلام نقرأ في سيرته الشريفة، الإمام الصادق في ما يُروى عنه يقول (رحم الله عمي العباس لقد كان نافذ البصيرة).

"نافذ البصيرة" يعني العباس عليه أفضل الصلاة والسلام، عُرض عليه الأمان عُرضت عليه الدنيا، لكنه لم يقبل شيئا من ذلك، لأنه لما وازن بين الحسين وبين الدنيا وما فيها، وجد أن الطريق الى الله يقتصر وينحصر في توليه ونصرته للإمام الخسين عليه أفضل الصلاة والسلام، فاختار حسن الباطن على حسن الظاهر.

الثاني، ماذا يقول الإمام عليه أفضل الصلاة والسلام (الجهل خصم والحلم حكم) حكم يعني حكمة، الحلم يعني التعقل والتوازن.

لو أن ابتلي بالجهل لا يعرف ما له وما عليه، لا يعرف حدوده وحدود الله، لا يعرف حدوده وحدود الناس، يريد

أن يفعل ما يحلو له، ولو أن الآخرين فعلوا ما يحلو لهم، لما قبل هو، لأننا لو تركنا لكل من هب ودب أن يفعل ما يحلو له سيعتدي عليك، سيأخذ شيئا من حقوقك، القليلة أو الكثيرة، ولذلك لا ينبغي للإنسان أن لا يحسن النظر والتخطيط بشكل جيد.

 

السمة الثانية -  التوازن.

التوازن أمر مهم، فيه شيء من العدل والانصاف والحكمة، يقول عليه أفضل الصلاة والسلام (إن للسخاء مقدارا فإن زاد عليه فهو سرف وللحزم مقدارا) الحزم ليس هو ما يفهمه بعض الناس - الشدة والغلظة والقوه- لا، الحزم يعني العقل والشجاعة والثبات (.....فان زاد عليه فهو جُبْن) يصير الانسان يتلكأ (.... وللإقتصاد مقدارا فإن زاد عليه فهو بخل وللشجاعة مقدارا فإن زاد عليه فهو تهور).

هذه العناوين كلها فضائل مطلوبة، كلنا يتمنى أن يكون سخيا وشجاعا وجوادا وحازما، لكن الإمام عليه أفضل الصلاة والسلام، يقول لا تبالغ في التعامل مع الأشياء بحيث تتجاوز ما يجب أن نقف عنده من الحدود، لأن الشيء قد ينقلب الى ضده، لذلك يحتاج أن نتعرف على هذه الأمور فنتوازن.

 

السمة الثالثة - مراعاة الأولويات وتقديم الأهم علي المهم والمهم على غير المهم، حتى في الدعاء، حتى في ما نطلبه من الله عز وجل، ثمة أشياء يجب أن يكون لها أولوية في حياتك، يقول عليه أفضل الصلاة والسلام، في دعاء له (يا اسمع السامعين ولا ابصر المبصرين ويا أنظر الناظرين ويا أسرع الحاسبين و يا أرحم الراحمين ويا أحكم الحاكمين صل على محمد وآل محمد وأوسع لي في رزقي ومد لي في عمري وامنن على برحمتك واجعلني ممن تنتصر به لدينك ولا تستبدل بي غيري) بعد أن قدم عددا من الصفات التي فيها ثناء على الله عز وجل ثناء ينحصر فيه ويتقدم عز وجل بما لا يقاس على غيره من مخلوقاته، فالخير كله والحسن كله فيه ومن عنده، يقول عليه أفضل الصلاة والسلام، يطلب مطالبا كلنا نريدها، المد في العمر والسعه في الرزق وأمثال ذلك، مطلوبة، لكن يقول عليه السلام (واجعلني ممن تنتصر به لدينك ولا تستبدل بي غيري).

 

لو أن الله عز وجل مد في عمر إنسان، لكن بعيدا عن دينه وتديّنه ولم ينتصر به الله عز وجل لدينه ولا لتديّنه، ماذا ينفعه رزقه الواسع؟!.

"قارون" كان غنيا غناءا تمتد إليه الأعناق، لكن، أين صار "قارون" وأين انتهى وأل إليه حاله؟ إلى ما لا يتمناه أحد من الناس.

 

المحور الثاني:

 إذا وفق الانسان في بناء ذاته في ظل ما جاء من عند الله عز وجل، وعلى ألسنة الأنبياء والأئمة عليهم جميعا  أفضل اصلوات المصلين، وما ذكرنا ليس سوى شذرات وإلّا فإن الباب واسع، يحتاج أن ينتقل الى التعامل مع الواقع ونعني بالتعامل مع الواقع، الآخرين، الناس، بل حتى الجمادات والحيوانات أيضا هذا من الواقع، يحتاج الانسان ان يحسن التعامل معه.

يقول عليه أفضل الصلاة والسلام، ننتقي سمات ثلاثا تقسيم:

 

السمة الأولى -  الإنصاف.

الإنصاف والقسط والعدل واحد من أهم مقاصد التشريع الاسلامي { إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ} من لا يوفق الى أن يكون من أهل العدل والاحسان لا يُرجى خيره ولا يؤمن شره على القريب والبعيد، لذلك، الإمام عليه السلام يعطينا سمة، يقول تريد أن تكون على درجه جيدة من فهم الآخرين وأن يفهمك الآخرون المنصفون بطريقه حسنة ويحسن تعامل بعضكم مع بعض، تستفيد منه ويستفيد منك، يقول عليه السلام (كفاك أدبا تجنبك ما تكره من غيرك).

ما تحتاج دروسا كثيرة في الأدب والأخلاق، والحقيقة ما يقوم به المؤدِبون في هذا الباب ليس سوى التذكير والتنبيه، لأن الانسان يبني ثم تأتي عوامل الهدم، يحتاج أن يبني من جديد، مثل سيارتك، منزلك، يعتلي عليه الغبار والوسخ، أنت حينما تغسل ملابسك وتغسل بدنك وتغسل بيتك وسيارتك أنت لا تحدث بيتا جديدا، وإنما تعيد البيت الى ما كان عليه من الجمال الظاهر المطلوب، كذلك هنا، إذا وجدت في غيرك عيبا تأباه بنفسك وتشمئز منه سلامتك وفطرتك، إجعل هذا درسا تستفيد منهز

وجدت فلانا مقصّرا، لا تكن مثله، وجدت فلانا يحسن شيئا استفد منه هذه الفائدة (كفاك أدبا تجنبك ما تكره من غيرك) حتى لا يكون عندنا موازين غير حسنة، نذم الآخرين على أفعال، بينما نحن مرتكسون في نفس هذه الأفعال، نعيب على فلان لأنه يقصر في الأمر المشروع الفلاني، لكننا إذا كنا مبتلين بنفس التقصير، لا معنى للومنا لفلان أو فلان من الناس، أنه يقصر في الشيء الفلاني.

 

السمة الثانية -  الحذر.

يحتاج الانسان إذا أراد أن يكون عاقلا وتقيا ومؤمنا وعالما بحق، أن يكون شديد الحذر، وشدة الحذر تعني أن تكون دقيق الملاحظه وأن تقرأ الأمور ولا تكون ساذجا في النظر اليها.

يقول عليه أفضل الصلاة والسلام، ثلاث كلمات انتقيتها من كلماته الشريفة (احذر كل ذكي ساكن الطرف).

ساكن الطرف، أحيانا الانسان الآخر الذي تتعامل معه، لا ينبغي أن تضع الناس كلهم او تتعامل معهم بمسطرة واحدة في ما تخاف منه أو ترجو خيره.

هناك من هو قوي جدا، التعامل معه يختلف عن التعامل مع الضعيف جدا، هناك من هو بسيط وهناك من هو دقيق وهناك من هو واسع الحيلة، وهكذا.

الإمام عليه أفضل الصلاة والسلام، يقول اذا كان لك عدو، لكن هذا العدو واسع الحيلة كيف تتعامل معه، قد لا يبدي  ردة فعل لو أنك آذيته، لكن الإمام يقول عليه السلام (احذر كل ذكي ساكن الطرف) يعني حسب الظاهر هو لا يقوم بشيء، ردة فعل يُخشى منها عاجلا، لكن هذا لا يعفيك من أن تتوقع ان يلحق بك الأذى لو كان عدوا.

 ثانيا، في كلمة أخرى يقول (أضعف الأعداء كيدا من أظهر عداوته) لأن العدو الذي يظهر عداوته أنت تعرف حجمه، تعرف قدراته، تعرف إمكاناته، وهو يفصح عما يريد أن يفعله بك ويلحقه بك من الأذى، لكنه إذا كان يتكتم على عداوته ويظهر أنه صديق سيكون الأذى منه، أشد من الأذى من العدو الظاهر.

لذلك، تجد بعض الناس أحيانا يُسقط في يده ويتأذى، ليش ]لماذا[ ؟ قال ما توقعت من فلان، ما توقعت من فلان لأنه ما كان يظهر عداوته..!

لذلك تجد بعض الناس أحياناً يُسقَط في يده،  يتأذى، ليش؟! قال ما تَوقعتُ من فُلان لأنه ما كان يُظهِر عداوته، فيحتاج الإنسان أن يكون نافِذ البصيرة و أن يكون حذِراً.

 

كلمةٌ ثالثة، يقول عليه أفضل الصلاة و السلام (اللحاقِ بمن ترجو خير من المُقامِ مع من لا تَأمنُ شرّه) طبعاً الحَذر لهُ تطبيقات كثيرة، لكن الإنسان الحذِر عليه أن يضع كلَ خطرٍ في الحدود الذي يجبُ أن يوصفَ ذلك الخطر به.

فلو تطلب الأمر ألّا يكون في هذا المكان عليك ألا تكون في هذا المقام وإلا لن تكون من أهل حُسن التعامل في الواقع، الحق بمن ترجو خيره لأن الإنسان بطبعهِ طالبٌ للخير.

 

السمة الثالثة الواقعية، نحن لا نتكلم حينما نريد أن نقول عن الإنسان أن يبنيَ نفسهُ بنفسه في خيالات ومثاليات لا واقع لها وإنما ننطلق من واقع نعيشه.

يقول عليه أفضل الصلاة و السلام(لو عقلَ أهل الدنيا خرِبَت) ليش؟.

تصوروا لو أن كل الناس أهل حكمة، لو أن الناس كلهم أهل حكمة و ساووا يعني اقتربوا من الأنبياء والأئمة في التعامل، ستجد أنهم يتنافسون على الأهم ويتركون ليس غير المهم، بل حتى المهم مع أن الحياة لا تستقيم إلا بمن يكون طموحه بسيط، فيقبل العمل البسيط والكسب البسيط.

وبالتالي، الله سبحانه و تعالى يجعل هؤلاء مسخرين لهؤلاء، فلا ينبغي أن نتوقع بأن نكون كل الناس عقلاء، وإنما فيهم حكماء وعقلاء جداً وهناك متوسطون وهناك من هم دون ذلك، لكن هل نعادي هذا الواقع أم نستثمره؟ ينبغي أن نستثمر و نُحسِن التعامل معه.

 

المحور الثالث والأخير، أذكر فيه سمتين:

 السمه الأولى - المعرفةُ بالله عز وجل، وذكرنا فيما يتعلق بمراعاة الأولويات كيف يجب أن نتعامل مع الله، كيف يجب أن نحسن معرفتهُ قدر استطاعتنا ،لا نستطيع أن نحيط به سبحانه وتعالى علما، حاشا اللامتناهي أن يحيط به المتناهي أمثالنا، مهما أوتينا من العلم، وهو قليل والله سبحانه و تعالى لا يُدرك، ذاته لا تُدرك، بل نهينا عن أن نتفكر في ذاته سبحانه وتعالى، لكن المهم أن نسعى في معرفته، لننتهي الى أننا فقراء الى الله { يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ } وأخطر ما يُبتلى به الإنسان أن يشعر بأنه في غنىً عن الله، تقول له: حكم الله عز وجل في حقك، قال يعني أنا ما أفهم"؟!  سبحان الله، نتكلم لك عن حكم الله تقول لك تفهم؟! إيه ]نعم[ تريد الكلام الحق المر؟ أنت مع الله لا تفهم، أنت مع الله لا سلطان لك، أنت مع الله لا إرادةَ لك {وما تشاؤون إلا أن يشاء الله} فمثل هذا الكلام ومثل هذا السلوك لا يصدر مع إنسانٍ يعرف الله عز وجل.

لذلك الشعار الأول و البند الأول في إسلام المسلم ( قولوا لا إله إلا الله تُفلِحوا) لكن الشيطان أيضاً له حيل، الشيطان يقول ما الذي يطلبه منك النبي قول لا إله إلا الله؟! قُل لا إله إلا الله!. النبي كان يعاند المشركين ويدعو المشركين الى أن يتلفظوا بلا إله إلا الله؟ لا، أن يعيشوا لا إله إلا الله  إذا عاش الإنسان لا إله إلا الله أسقَط هُبل،  أسقَط مناة، أسقَط اللات، أسقط العُزى وجعل الكبرياء لله عز وجل وحده فيكون { إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّـهِ }.

 

السمه الثانية والأخيرة التي سنذكرها هنا -التجلد و الصبر.

 الله سبحانه و تعالى يحب الصابرين ويجزي الشاكرين، بل إن الله عز و جل يؤكد لنا في آيات كثيرة جداً، أن الصابرين يدخلون الجنة بلا حساب ليش [لماذا] التأكيد على هذه الصفة؟

لأن المضادات و الخصومات والعداوات والعقبات التي يعيشها الإنسان والمؤمن وكل إنسان مكافح في نيل مطالبه لا يمكن إلا أن يواجه عقبات، اللذين يعيشون الضعف والخمول، فلا يتجلدون، لا يمكن أن يطبقوا خططهم، مهما كانت جيده، مهما كانت خريطة الإيمان والإسلام حسنه ويراها كذلك، لكن مالم يثبت عليها ويستقيم، لن يُوفَق الى شيءٍ من هذا، فنسلّم بما حكم الله عز وجل به، نستسلم لما أمر به، ننتهي عمّا نهى عنه، وبالتالي لا نرجو شيئاً لا يُنال.

لاحظوا ماذا يقول عليه أفضل الصلاة و السلام (إذا كان المقضيُ كائناً فالضراعةُ لماذا).

نجيب [نذكر] مثال على هذا:

هل من العقل والإيمان والإسلام، وأنت تحب الله حباً كثيراً، أتقول يا ربِ أبعِد عني الموت؟! الله عز وجل يقول {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ}هذا ليس من مجالات الأدعية أن يقول يا ربِ لا تُمتني، لا، قل اللهم أرزقني حُسن العاقِبة، قل اللهم الطف بي، قل اللهم اختم لي بخير، اللهم لا تُمتني على معصيتك، أما أن تتضرع الى الله عز وجل في طلب شيءٍ لا يُنال، هذا لا مجال للضراعةِ فيه، تسأل الله عز وجل أن يجعلك نبياً وقد ختم الله عز وجل النبوات، هذا لا معنى له، إذا عرِف الإنسان الخربطة التي ينبغي أن يسير فيها وكان من أهل العلم وفعّلهُ ولم يعطلهُ كان من أهل الكمال، نسال الله عز و جل ان يجعلنا وأياكم من أهل ذلك.

 

اللهم صل على محمد وآل محمد، اللهم كن لوليك الحجة ابن الحسن، صلواتك عليه وعلى آبائه في هذه الساعة وفي كل ساعة، وليا وحافظا وناصرا ودليلا وعينا، حتى تسكنه أرضك طوعا وتمتعه فيها طويلا.

اللهم انصر الإسلام والمسلمين واخذل الكفار والمنافقين، اللهم اشف مرضانا وارحم موتانا وأغن فقرائنا وأصلح ما فسد من أمر ديننا ودنيانا ولا تخرجنا من هذه الدنيا حتى ترضى عنا يا كريم وصلى الله على محمد وعلى آله الطيبين.