شارك

«وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه -3»

نص الخطبة التي ألقاها سماحة العلاّمة السيد حسن النمر الموسوي بعنوان «وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه -3» يوم الجمعة 10 جمادى الثاني 1442 هجري في جامع الحمزة بن عبدالمطلب بمدينة سيهات:

 

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين.

رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي.

عباد الله، أوصيكم ونفسي بتقوى الله.

{وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ}

 

تقدم معنا بعض الحديث عن الصراط المستقيم الذي أمرنا الله عز وجل أن نتبعه وأن ندعو أنفسنا إليه، وأن هذا الصراط المستقيم قد بينت ملامحه ومعالمه وينابيعه ومصادره كما بيّن الله عز وجل بالتفصيل - إلى جانب الإجمال - كل ما يحتاج طالب الصراط المستقيم أن يطلع عليه فيما يتعلق بدنياه وآخرته. وذكرنا أن هناك ٥ أمور يجب أن توضع بعين الاعتبار دائماً وهي أن الله عز وجل فطرنا وغرز فينا غريزة هي أن نتجنب الضرر، ليس فينا أحد يقبل أن يلحق فينا الضرر ما دام قادر على أن يدفع الضرر عن نفسه، بل إننا نحرص على دفع الضرر اليسير فضلاً عن الضرر الخطير في الدنيا والآخرة على حد سواء.

 

الأمر الثاني، أن الإنسان مغروز على طلب الفلاح. كلنا يحب أن ينجح وأن يفوز وأن يحقق مراعاته التي رسمها لنفسه أو رسمة له من قبل جماعة يرتضيها أن تحدد له المسار والهدف المنشود.

الأمر الثالث هو أن الإنسان لا يكفي أن يتجنب الضرر ولا أن يكون طالباً للفلاح وإنما يجب أن يهتدي إلى هذا، نظرياً وعملياً.

الأمر الرابع هو أن يستقيم، لسنا نتحدث عن أمر ترفي، يعني نتحدث به في المجالس ونتفكه به ويستعرض كل واحد منا عضلاته العلمية والنظرية والفكرية. الأمر ليس من هذا القبيل، وإنما هي دروس عملية يجب أن تطبق في القول والفعل.

الأمر الخامس هو أن الله عز وجل زودنا في بيان هذه الأمور الأربعة بواقع تاريخي سحيق، بدءاً من أبينا آدم قبل أن ينزل إلى هذه الأرض وإنتهاءاً إلى ما سيؤول إليه أحوال الناس في المستقبل حتى نربط بين الماضي والمستقبل. في هذا السياق، هناك عدد من النقاط - إن شاء الله - نستعرضها نتابعاً، لكن باعتبار أننا مقبلون في الأيام الآتية القريبة على ذكرى شهادة سيدتنا ومولاتنا فاطمة الزهراء (عليها أفضل الصلاة والسلام) التي ورد وصف رسول الله إياها بأنها (بضعته) وأن ما (يرضيها يرضيه) وأن ما (يغضبها يغضبه) وفي لفظ آخر (أن رضاها، رضا الله وغضبها غضب الله) فقد زودنا الله عز وجل وامتن علينا بهذا الوجود المبارك الذي يجسد المشروع الآلهي حتى لا يظل الناس ولا يتيهوا، ولا يقول أحد، صحيح أننا وجدنا أنزل الله عز وجل علينا دستوراً، كتاباً يتلى آناء الليل وأطراف النهار (لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه). لكننا لم نجد تجسيد عملياً له، بل إن الله عز وجل بيننا أن رسول الله هو قرآن حي قرآن ناطق، ومن بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) آله، الذين جعلهم رسول الله وهو الذي (لا ينطق عن الهوى)، جعلهم عدل القرآن وشهد لهم وهو الشاهد الصادق أنهما لن يتفرقا أو يفترقا حتى يردا عليه (صلى الله عليه وآله وسلم) الحوض. هذه السيدة (صلوات الله وسلامه عليها) امتحنها الله عز وجل وابتلاها وابتلى الأمة بها بأن وقع الإخفاق في التعامل معها بمجرد أن توفي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم). وجاء الإمتحان الأول بعد الإمامة، امتحان تفصيلي قد يستهين به بعض الناس هو أن السيدة الزهراء (عليها السلام) طالبت بإرثها من أبيها فحصل إشكال ولغطٌ، هل تستحق أو لا تستحق، هل أن الأنبياء يورثون أو لا يورثون، احتجت عليها (أفضل الصلاة والسلام) بسلسلة من الاحتجاجات والاستدلالات لم تقبل منها حتى أنها - بما يشهده الفريقان، كل فرق المسلمين - السيدة الزهراء )عليها أفضل الصلاة والسلام) خرجت من هذه الدنيا وهي واجدة، غير راضية، حتى أنها أرادت عن تعبر عن عدم الرضا هذا بأن أوصت أمير المؤمنين (عليه أفضل الصلاة والسلام) أن تدفن ليلاً، كتعبير وإعلان لهذا الرأب ولهذا السخط الذي حذر منه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).

في هذا السياق أذكر نصاً جاءت به في خطبة شهيرة لها (عليها أفضل الصلاة والسلام) بيّنت فيه ثلاثة أمور لا يستغني عنها الطالبون للصراط المستقيم:

الأمر الأول، ما يتعلق بعوامل الفعل والإنفعال. نحن في عالم الدنيا نمارس أشياء وندع أشياء، المسلم يعتقد بأنه ليس حراً في أن يفعل ما يشاء ولا أن يترك ما يشاء بل إنه عبدٌ مخلوقٌ لله عز وجل، أنزل الله عز وجل عليه أوامر و نواهي. بهذا يكون مسلماً مؤمناً، دون هذا لن ينطبق عليه هذا العنوان إما كلياً أو جزئياً. في هذا السياق هناك ثلاث مجالات يجب أن يلاحظها الإنسان.

المجال الأول، نحن مع الله، كيف يجب أن نكون؟! هناك سلسلة، مجموعة من الضوابط ومجموعة من القواعد والأحكام يجب أن تراعى مع الله عز وجل.

الأمر الثاني، مع الآخرين سواء كانوا مؤالفين (مئالفين) لك في دينك، في مذهبك، في مجتمعك، أو مخالفين لك، في كل هذا.

المجال الثاني، هو في علاقتك بنفسك. الإنسان إنما تسوء علاقته مع الله وتسوء علاقته مع الناس أو تحسن علاقته مع الله ومع الناس، بقدر ما يكون قد أحسن أو أساء العلاقة مع نفسه. وهناك أثر شهير مضمونه مقبول بين أهل العلم، هو أن (من عرف نفسه فقد عرف ربه). الإنسان لو جهل نفسه من حيث القيمة والمكانة والوظيفة والمهمة، سيسري هذا الجهل على علاقته مع الله عز وجل.

الأمر الآخر هو المحركات والمنظمات، يعني هل علاقتنا مع الله عز وجل السلبية - أعاذنا الله وإياكم منها، أو الإيجابية - نسأل الله لنا ولكم ذلك - هل هي تأتي إعتباطاً، ليس هناك ما يحركها وينظمها، الجواب، بلى هناك ما يحركها وينظمها وبقدر ما نعلم هذه المحركات والمنظمات التي سنذكر ما جاء عن السيدة الزهراء (عليها السلام) بإختصار، تحدد لنا هذا الأمر.

الأمر الثاني، في هذا الباب، هناك أفكار و رؤى. يستهين بعض الناس في الأفكار والرؤى التي ترد على ذهنه أو تخطر على باله ويغفل على أن هذه الأفكار والرؤى هو ما يصوغ مشاعرك. أنت إذا أحببت أو إذا كرهت، لا تفعل ذلك اعتباطا، وإنما تتشكل في ذهنك صور إيجابية حسنة عن مجموعة من الناس، مجموعة من الأفعال، مجموعة من السلوكيات، فتميل إليها. نفسك ترتبط بها عاطفياً أو تعزف عنها، يترجم هذا الشعور والمشاعر في سلوكيات، فإذاً أفكارك وآرائك مرتبطة في مشاعرك، هذا وهذا هو ما يصنع لك سلوكياتك، من خلال السلوك نتعرف على مشاعر هذا الإنسان أو ذاك. هذه أيضاً، لها ينابيع ومصادر تستقى منها. هذه الينابع والمصادر هي ما عرف عندنا - نحن المسلمين بشكل خاص - بالعلوم والمعارف. العلوم والمعارف كلها هي ما ينظم لك أفكارك ورؤاك، هذه العلوم الإعتقادية - في الحقيقة هي تشكل ذهنك، متى تحكم على أن هذا حقٌ وأن هذا باطل وأن هذا صواب وأن هذا خطأ، هذا أمر مهم حتى لا نسير كما تسير الناقة التي توصف بالعشواء. يقولون، يخبط خبط عشواء. الناقة إذا أصيب بصرها بالخلل أو الضرر لا تسير سيراً مستقيماً ولا سيراً صحيحاً وإنما تجدها تذهب يميناً وتذهب يساراً على غير هدى. الإنسان لا ينبغي بهذه الطريقة، يرضى حيث لا يجب أن يرضى، يسخط حيث لا يجب أن يسخط، مثل هذا الإنسان مشوش. كيف يرسم لنفسه هذا المسار؟ يحتاج إلى علم. علوم الاعتقاد والمعارف هي التي تحدد لك أن تصف هذا بأنه مصيب وأن هذا مخطئ وأن هذا يجب إتباعه وأن هذا لا يجب إتباعه، أيضاً ليس هذا أمر ترفياً.

الأمر الثالث، العلم الثاني، الشعبة الثانية من العلوم، العلوم الروحية والعلوم الأخلاقية والتربوية. هي التي تحدد لك مشاعرك، أيضاً حتى لا تسترسل وراء مجال تترك فيه عواطفك تذهب يميناً ويسارك. اليوم عالم الإعلام، هو الذي يتحكم في الناس، تجدون أن الناس يميلون إلى أن يشتروا السلعة الفلانية ذات الإستهلاك في الإتجاه الفلاني، هم يعبثون في الحقيقة ويتلاعبون في مشاعرك وعواطفك من خلال هذه الصور المتتابعة التي تفاجئك بأن ولدك أو بنتك أو أختك، قريبك، كبيرك، أو هذا الذي يتابع هذا الإعلام، صغيراً كان أو كبيراً، كيف تبنى هذه المقولة؟ تتبع مالذي يتابعه ومالذي يقرأه، ستجد أن أفكاره هذه أعيد صياغتها، وبالتالي ميوله أصبح يحب ما تجد أنت كراشد وعاقل وكبير. كيف صار عنده هذه الميول؟ مشاعره تغيرت. السلوكيات أيضاً، كيف نحددها؟ هناك العلوم التشريعية، هي التي تحدد لنا ما يجب أن نفعله على المستوى الخارجي، جوارحك وجوانحك، كيف نحددها؟ البعد القانوني، يعني علم الحلال والحرام. تصلي أو لا تصلي؟ في هذا الوقت أو في ذاك الوقت؟ متى تصوم؟ متى تحج؟ متى تترك؟ متى تجري هذه المعاملة؟ أيضاً، هذه سلسلة من الأمور تحددها.

لاحظ السيدة الزهراء (عليها أفضل الصلاة والسلام) في خطبتها الشهيرة، أثنت على الله عز وجل، ثناءاً طويلاً - يستحقه هو أهله عز وجل - ثم عرجت على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأشادت به وأثنت عليه وصلت عليه (صلى الله عليه وآله وسلم) ثم بينت المسلمين الذين خاطبتهم من أجل أن تحركهم حتى يحقوا الحق ويرجعوه إلى أهله. ثم انعطفت (عليها أفضل الصلاة والسلام) وبيّنت معالم الشريعة التي لو أن الناس التفتوا إليها لم حصل ما حصل ولن يحصل ما يُتوقع حصوله من السوء وسترجع الأمور إلى نصابها الصحيح. اليوم في علم يسمى، علم المقاصد الشرعية، يعني الفقهيات تتابع كفروع و أحياناً تتابع كأمهات - المسائل الأم - يسمونه (علم المقاصد). لعل أول من تحدث فيه بهذا الإسهاب هو سيدتنا الزهراء (عليها أفضل الصلاة والسلام)، لنقرأها بشكل موجز، الأمر يستدعي حديثاً طويلاً:

(فجعل الله الإيمان تطهيراً لكم من الشرك)، لا يجوز للإنسان أن يتلوث بالشرك فإذاً الإيمان يعني أن تجعل الله واحداً أحداً لا شريك له لا آمر ولا نهي إلا هو سبحانه.

(والصلاة تنزيهاً لكم عن الكبر) وهنا في هذه المحطات، السيدة الزهراء، عالجت لنا كل ما ذكرناه، العلوم الروحية والتشريعية والاعتقادية والفعل والانفعال، علاقاتنا مع الله، علاقتنا مع النفس، علاقتنا مع الناس.

(والزكاة تزكية للنفس ونماءً في الرزق، والصيام تثبيتاً للإخلاص، والحج تشييداً للدين، والعدل تنسيقاً للقلوب، وطاعتنا نظاماً للملّة، وإمامتنا أماناً من الفرقة، والجهاد عزّاً للإسلام (وذلاً لأهل الكفر والنفاق)، والصبر معونة على استيجاب الأجر، والأمر بالمعروف مصلحة للعامة، وبرّ الوالدين وقاية من السخط، وصلة الأرحام منسأة في العمر ومنماة للعدد، والقصاص حقناً للدماء، والوفاء بالنذر تعريضاً للمغفرة، وتوفية المكاييل والموازين تغييراً للبخس، والنهي عن شرب الخمر تنزيهاً عن الرجس، واجتناب القذف حجاباً عن اللعنة، وترك السرقة إيجاباً للعفّة، وحرّم الله الشرك إخلاصاً له بالربوبية، فاتقوا الله حق تقاته) هنا السيدة الزهراء (عليها أفضل الصلاة والسلام) أرادت أن تبين لنا أن هذه التشريعات لم يشرعها الله عز وجل لنا ويلزمنا بها اعطباطاً ولا عبثاً - وحاشاه الله عز وجل أن يقع في هذا كله - فهو الحكيم المطلق والكامل المطلق. كيف تترجمونه؟ التقوى هي ترجمة هذه الأمور.

(ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، وأطيعوا الله في ما أمركم به وما نهاكم عنه، فإنه إنما يخشى الله من عباده العلماءُ.) فالإنسان إذا اشترى فيه الجهل، صار يختار غير ما اختاره الله عز وجل، يرفض ما يريده الله عز وجل وبالتالي يتخبط ويقع في أمور بسيطة تودي به إلى الهلاك.

نسأل الله عز وجل أن يعظم أجرنا وأجركم - إن شاء الله - في مصابها، وأن يرزقنا وإياكم زيارتها وشفاعتها، وأن يفرج عنا وعنكم وعن جميع المؤمنين والمسلمين.

اللهم صل على محمد وآل محمد، اللهم كن لوليك الحجةِ بن الحسن صلواتك عليه وعلى آبائه في هذه الساعة وفي كل ساعة ولياً وحافظا وقائداً وناصرا ودليلاً وعينا، حتى تسكنه أرضك طوعا وتمتعه فيها طويلا.

اللهم انصر الإسلام والمسلمين واخذل الكفار والمنافقين اللهم اشف مرضانا وارحم موتانا واغن فقرائنا وأصلح ما فسد من أمر ديننا ودنيانا ولا تخرجنا من الدنيا حتى ترضى عنا يا كريم وصلى الله على محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين.