شارك

«وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه -٨»

نص الخطبة التي ألقاها سماحة العلاّمة السيد حسن النمر الموسوي بعنوان «وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه -٨» يوم الجمعة ١٥ جمادى الثاني ١٤٤٢ هجري في جامع الحمزة بن عبدالمطلب بمدينة سيهات.

 

 

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد بن عبدالله وعلى آله الطيبين الطاهرين.

رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي.

عباد الله، أوصيكم ونفسي بتقوى الله.

كنا نتحدث عن الصراط المستقيم الذي أمرنا الله عز وجل، أن نتبعه بعد أن شخّصه وحدد لنا معالمه وبيّن لنا في القرآن الكريم أن ثمة مخاطر تحدق بهذا الانسان، فردا كان أو جماعة، من داخله ومن خارجه، يجب أن يعرفها ويتعرّف على ملامح ومقدمات ونتائج هذه المخاطر، حتى يقي نفسه، إن كان يستطيع أن يفعل ذلك بنفسه وجب عليه وإن كان يحتاج إلى معونة من الخارج ممن يجتمع وإياهم في ملة واحدة وقيم مشتركة، يجب عليه أن يفعل ذلك، ولا يستطيع الانسان أن يعيش منعزلا.

وبالتالي، هذه المخاطر الداخلية والخارجية والثبات على الصراط المستقيم، وقبل ذلك التعرّف عليه، لا يُستغنى فيه عن منظومة اجتماعية، وهي ما نسمّيه بالمجتمع أو الأمة والتي تبدأ من الأسرة الصغيرة ثم تتسع لتشمل كل من نشترك معه في قول "لا إله إلّا الله محمد رسول الله" وبعد ذلك في دائرة الإنسانية، لأن ثمة حقوقا وواجبات يجب أن تُراعى وتُلحظ، مع من يشتركون معنا في المعتقد الاسلامي الحق وحتى في من لا يشترك معنا، لأن هذه القيم تحكم الجميع، بل ويتبناها الجميع، لذلك لا بد من التعرّف عليها.

أول هذه المنظومات، النواة الأولى لتشكيل المجتمع هي الأسرة، والأسرة تتشكل من أبوين وأبناء، فإذا اختلت العلاقة بين الانسان وبين الله، وقد حذرنا الله عز وجل، حيث قال عز وجل {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ ۖ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا} إذا استطعنا أن نحافظ على هذا البعد وهذه القيمة الأخلاقية والفكرية والوجدانية، ينتقل بنا الحديث عن التحذير والتنبيه إلى ما يجب أن يراعي في دائرة الأسرة الصغيرة، لأن من يخفق في مراعاة حقوق أبيه وأمه، من جهة، أو إذا أخفق الأبوان في رعاية حق الأبناء، لا يُتوقع من مثل هؤلاء أن يحسنوا التعامل مع الدائرة الأوسع وهي دائرة الأمة.

ولذلك، فإن الله عزوجل، مع أنه غرز فينا - كل البشر- يعيشون حالة من الرفق والتعاطف والرحمة والمحبة والمودة بين الآباء والأبناء، يشترك في هذا المسلم وغير المسلم، إلّا من شذ، الغالب أن هناك رحمة وتعاطف، نجده ونلحظه، كلٌ بأسبابه، يعني كل بأسبابه الإضافية، لكن هناك سبب مشترك بسبب هذه الغريزة {الَّذِي أَعْطَىٰ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ} هذا البعد الأخلاقي الذي قال بعض فلاسفة الغرب أن هذا أحد أهم اثباتات وجود الله، الدليل الأخلاقي -لا نريد أن نناقشه - لكن لأهميته.

الله سبحانه وتعالى، لما خلق في الانسان هذه الغريزة، هذه الغريزة لم تترك هملا، بل دعّمت وعززت، حتى لا يجتهدن أحد في أن أنا أحدد ما الذي يجب عليّ تجاه والدَيّ والوالدان يحددان ما يجب عليهما تجاه أبنائهما.

نعم، هناك شيء فطري يُتنبه له، لكن هناك أطُر وقيم يجب أن تُوضع فيها النقاط على الحروف، مثلا الله سبحانه وتعالى في هذه الآية يقول {وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانا}.

قلنا إن منظومة القيم والحق والباطل بُيّنت في هذه الآية بصيغة التحريم، أي المنع، أو بصيغة التحريم الترك، يعني تحريم الفعل من جهة فيما هو حرام، وتحريم الترك فيما هو واجب، فالله عز وجل، قال {أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا} أولا، ثانيا {وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا}.

 

الوالدان في الاطلاق الأول:

 هو من يكون سببا لوجودك في هذه الحياة، طبعا نتكلم عن الوالد الشرعي، لأن هناك والد بيولوجي، مثل الأولاد الذين يُنجبون خارج نطاق العائلة الشرعية، الناشئة من العلاقات المحرمة- أجارنا الله وإياكم- هذا لا يُسمّى "والد شرعي" هذا له حقوق، لكن ليست حقوق الأبوة التي نعرفها، الإرث وغيره، لا، له حقوق أخرى، حقوق إنسانية عامة، حقوق إسلامية إن كان مسلما، إن كان مسلما وإن كان أخطأ، لكن ليس هذا هو" الوالد الشرعي" وليست الأم هذه هي" الأم الشرعية" بحيث يترتب عليها كل الأحكام، بعض الأحكام يترتب عليها، حتى وإن كان الولد حراما.

نعم، فمثلا، الابن الذي وُلد نتيجة علاقة محرّمة، ليس له أن يتزوج أمه، باعتبار أن هذه الأم من الناحية الشرعية ليست أما له، لا، هي أم بهذا المعنى، بحيث يحرم عليه أن يتزوجها، لكن يرث منها أو لا يرث؟ لا، لا يرث.

تفصيل يذكره الفقهاء في محله، وكذلك بالنسبة لأبيه، أخواته، بنات أبيه الذي تسبب في وجوده في هذا العالم وإن كانت من علاقة محرمة، لكن لا يجوز أن يتزوج بهذه البنات، بنات الأب الذب تسبب في ولادته من علاقة شرعية. التفصيل في محله، لكن، نتكلم هنا عن الوالدين الشرعيين.

 

الإطلاق الثاني للوالدين:

الوالدان المعنويان، في الرواية ورد (الآباء ثلاثة: أبٌ ولدك وأبٌ علّمك وأبٌ زوّجك).

أبوك هو الذي خرجت النطفة من صلبه ووقعت في رَحم أمك وحملتك الأم وخرجتَ نتيجة هذا العلاقة الشرعية، هذا يُسمى أب، تنسب إليه، ترث منه، يرثك، بالتفاصيل والأحكام المعروفة.

هذا له حقوق، بل إن القرآن الكريم، نجد أن التأكيد على أهمية هذا الحكم جعله تالي تلو "التوحيد" {أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} والترتيب قد لا يعطينا بالمطلق أن هذا الذي عطفنا عليه المعطوف على المعطوف عليه، ليس بالضرورة بنحو مطلق، لكن فيه إشارة إلى أهميته دون ما سواه.

الله سبحانه وتعالى، تقريبا في موضعين في القرآن الكريم، ذكر هنا وفي سورة "الإسراء" ذكر حق الأبوين بعد الله في سورة "الاسراء" قال {وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً} هنا في سورة" الأنعام" يقول {أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ۖ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا}.

فإذن، هل يجوز العقوق للأبوين؟ لا، لا يجوز العقوق، تفاصيل العقوق، مصاديق العقوق، نرجع فيها إلى الشريعة المقدسة، بعضها يُرجع فيها إلى العُرف، هل يجب عليك أن تزور أباك كل يوم؟ كل أسبوع؟ كل شهر؟ تنفق عليه أو لا تنفق؟ هل هذا يُعد من قطيعة الرحم وقطيعة العلاقة مع الأب والأم؟ هذا تفصيل، بعضه يحدد عُرفا ويمضيه الشارع المقدس وبعضه لا.

الشارع المقدس حدد، قال {فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ} والمفسرون يقولون لو كان هناك كلمة، يعني سوء تصرف مع الوالدين أقل من هذا التأفف لذكره الله عز وجل، هذا منتهى أدنى مراتب العقوق التي نهي عنها الشرع، هي حالة التأفف، كأن يطلب منك أبوك شيئا لا تستحبه، لا تميل إليه، وكذلك أمك، فتبدي التذمر والتبرم، لا، لا يجوز للإنسان أن يبدي التذمر، فليعتذر ويردهما، إن كان غير قادر أو غير مريد أو يرى المصلحة في غير ذلك، أن يردهما ردا جميلا، حتى لو لم يشاركانه في الدين {قُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً} هذه هي العلاقة.

فالله سبحانه وتعالى، يأمرنا بالإحسان إلى الوالدين، تأتي الأدلة الشرعية وتوسع دائرة الاحسان إلى الوالدين والبر بهما لتشملهما بعد الممات كما لو كانا حيين، حتى لو أن الإنسان قصّر في حق الأبوين، في حالة الحياة، بإمكانه أن يستدرك شيئا من ذلك بعد الوفاة، بل يمتد هذا الحق في عنقك ما دمت حيّا، ولذلك لا ينبغي أن ينسى أبويه من الدعاء لهما، حتى بعد الوفاة، من التصدق عنهما، من أجل فعل البر بهما، أن يشركهما في الأعمال الصالحة، أن يذكرهما بالذكر الحسن، ولذلك فلسفة وغايات ونتائج مهمة جدا.

لاحظوا، لو أن الناس جميعا التزموا بهذا الحق، بعد أن آمن الأب والأم بالحق النازل من عند الله عز وجل، شخصان أسلما في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وصدّقا به نبيا من عند الله عز وجل، ثم وفقهما الله عز وجل، ومَنّ عليهما بأن رزقهما ذرية وهذه الذرية صارت طيبة، هل نحتاج إلى كلفة ومؤنة زائدة في حفظ منظومة القيم مع الأجيال الآتية؟

الجواب: لا نحتاج في كثير من الأحيان الى أكثر من البر بالأبوين، لو أن الانسان أبر أبويه، الأبوان ما داما مسلمَين مؤمنيَن ويجب عليهما مراعاة مصلحة هذا الولد وهذه البنت، بشكل تلقائي، منظومة القيم ستنتقل من الآباء الى الأبناء، في الجيل الأول ثم الجيل الثاني ثم الجيل الثالث ثم الجيل الرابع، لأن الأبوين المفروض أنهما راعيان (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته) لأن الأب يراعي هذا الولد، سيعطيه حقه من التربية والتوجيه، ولأن الولد يراعي حق الأبوين، سيحفظ لهما الذكر الطيب، وبهذه الطريقة سينتقل منظومة القيم والرعاية والحقوق والاحسان من الجيل الاول إلى الثاني إلى الثالث إلى ما شاء الله، لكن، لو حصل خلل في هذه السلسلة، نتيجة عقوق هذا الولد لأبويه أو تقصير الأبوين في حق الأبناء، هنا نحتاج إلى ترميم ونحتاج الى إعادة بناء لهذه العلاقة.

 

 

فالآية تقول {وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} هناك في سورة "الإسراء"  قال {وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ} طبعا هذا لا يعني أن نقول لهما "أف" إذا كانا شابين، لا، عادة الأبوان إذا كبُرا تضعف قواهما وتكون حاجتهما إلى الأبناء أكثر، يمكن الأب في حالة الشباب يستغني عن الولد، يقوم بنفسه، يقعد، يؤدي أعماله وينجزها بنفسه، لا يحتاج، وكذلك الأم، قد لا تحتاج إلى البنت والولد في فترة الشباب والقوة، لكن إذا كبُرا وإذا ضعفت قواهما، بالتأكيد هما يحتاجان إلى المعونة، بعض الناس-نعوذ بالله- نتيجة العقوق والتقصير- لا يجد أنه ملزم، مع أن هناك إلزاما شرعيا، ولا يجد نفسه أنه ملزم أخلاقيا برعاية هذا الأب وهذه الأم، تعبت الأم، تعب الولد، يبحث له عن دار من دور المسنين، ويقول أنا ليس عندي مزاج، ليس عندي قدرة..!

الأبوان ماذا فعلا حينما كنت صغيرا؟

ألم يقوما بما لا تستطيع أن تخجل من نفسك أنت أن تقوم به في حق نفسك؟

الأم تستمتع بأن تخدم هذا الولد بأشفار عينيها، هذا جزائها أن تذهب بها دار المسنين؟!

نعم، تذهب بها إلى دار المسنين والعجزة إذا كنت عاجزا عن رعايتهما، كما إذا كان بحاجة الى رعاية خاصة، طبية، صحية، أنت عاجز عن أداء هذه المهمة، لمرض، لعدم قدرة مالية، أو لأي سبب من الأسباب المعقولة.

أما نتيجة وجود التأفف، هذا يدخل تحت قوله {فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ} لا، ينبغي أن يتزاحم، بل أن يبذل الولد جهده في هذا الباب.

ومن لطائف ما ذكر في الفترة الأخيرة، أن ولدين تشاكيا وتداعيا وذهبا إلى إحدى المحاكم الرسمية، يتخاصمان في أيهما أحق بالبر بأمهما، هذا تخاصم حسن، إذا بلغ بالإنسان أن يخاصم أخاه إلى القاضي من أجل أنه يطالب أخاه بأن يكون له هو حق الأولوية، هذا نِعْمَ التخاصم.

نسأل الله عز وجل، أن يوفقنا وإياكم الى البر بآبائنا وأمهاتنا في الحياة وفي الممات.

قال {إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً}.

العِدْل الثاني هو حق الأولاد.

ليس في شريعة الاسلام حالة من اللا توازن، بحيث نطالب الأولاد برعاية حق الآباء والأمهات، لكن لا نطالب الآباء بحقوق الأبناء، وقد يكون سبب عقوق الأبناء للآباء، الآباء والأمهات أنفسهم.

إذا أساء الوالد والوالدة رعاية الأبناء وقصّرا في حقهم، عليهما ألا يتصورا ولا يتوقعا أن الولد سيكون بارا بهما، إلّا من عصم الله ورحم، وإلّا فإن الأب إذا قصّر والأم إذا قصّرت، سينعكس ذلك على الأولاد بأن يكونا سببا في وقوعهما في حالة العقوق، يجب عليك أن تراعي حق الأبناء، ثم بيد الأبناء ومسؤولية الأبناء أن يراعوا هذا الحق.

 

القرآن ماذا يقول هنا، في ضمن منظومة الصراط المستقيم، لأن الله عز وجل يقول {وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا} يعني هذه البنود التي ذكرناها هي هذا الصراط المستقيم؟

قال {وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ} القتل هنا في الاطلاق الأول المقصود به الذي كان يقع فيه بعض الآباء بوأد البنات بالخصوص، لأن البنت، خصوصا أيام العرب السابقين، كانت ثقافتهم ثقافة السلب والنهب، ما كانوا يعتاشون على الزراعة والصناعة، قبيلة تغير على قبيلة، من الذي يتولى عمليه الإغارة؟ المقاتلون، من هم المقاتلون؟ الأبناء الذكور، وبالتالي إذا ولد للأب بنات لا يرتاح، بل قد ينزعج، بل قد يستحي ويخجل ويتجاوز ذلك بعضهم إلى أن يأد البنت، أي يدفنها حية..!

والقرآن يقص هذا المعنى مع أن البعض يحاول أن يشكك، لكن كلام الله أصدق قيلا، فلآية ماذا تقول؟

{وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ} يعني بسبب الإملاق، الإملاق يعني الفقر الشديد، كان بعضهم يقول "مسؤولية، ما أستطيع أن أربي هؤلاء الأبناء".! إذا ما كنت تستطيع لا تنجب هؤلاء الأبناء، إذا ما كنت تستطيع لا تتزوج، أما أن تتزوج، والنتيجة الطبيعية في الوضع الطبيعي لعمليه التزاوج هي الإنجاب، فإن هناك مسؤولية، أن تقوم أنت بواجب هذه المسؤولية.

ثم إن المغني والمعطي والوهاب والرزاق هو الله {مَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا} الرزق ليس بيد الأب، الأب هو سبب من أسباب الرزق، يجب عليه أن يعمل، ثم إذا تعلقت مشيئة الله عز وجل، أن يُرزق هذا العامل والكاسب شيئا من الرزق، سيناله قليلا أو كثيرا، وما أكثر من يعمل ولا يُرزق وما أكثر من يُحرم من الرزق، مع أنه كما ذكرت يعمل، وبعضهم يكاد يصل إليه الرزق وهو شبه يعمل، وليس يعمل، لأن معادلة الرزق جانب منها جانب خفي جدا، لكن، هل يجوز للإنسان أن يتسبب في قتل الولد خشية الإملاق؟ هذا أمر محرم، لا تجيزه شريعة الإسلام.

وهناك معنى آخر لقتل الأولاد، ومعنى ثاني وثالث، المعنى الثاني:

هو أن يكون الإنسان سبب في إجهاض هذا الولد قبل أن يخرج الى الحياة، وهذه فيها مرحلتان، هناك من يجهضه بعد أن تحل فيه الروح أو يكون سببا في إجهاضه قبل أن تحل فيه الروح، وكلاهما فعل محرم، وتترتب عليه آثار شرعية، كل هذا عملية قتل، لا تجوز في شريعة الإسلام، هناك دية، هناك عقوبة، هذا كله لا يجوز.

بالعكس، النبي صلى الله عليه وآله وسلم، يُروى عنه قوله (تكاثروا تناسلوا فإنني أباهي بكم الأمم)

اليوم، أحد أهم معادلات قوة المجتمعات والأمم الكثافة السكانية، لأنه كلما تكون هناك كثافة سكانية تتوفر فرص عمل وإنتاج أكثر مما لو كان هذا المجتمع قليل العدد، هذه نعمة من النعم.

نعم، لو أن الانسان، نتيجة هذه الكثافة السكانية لم يحسن إدارة الموارد التي آتاه الله عز وجل، العيب فيه وليس في التكاثر العددي، التكاثر العددي نعمة من النعم.

المعنى الثالث لقتل الأولاد، هو القتل المعنوي، الأب والأم إذا لم يحسنا تربية الأبناء، هما في الحقيقة يمارسان عملية قتل معنوي لهؤلاء الأبناء.

يجب على الوالدين بعد أن يرزقهم الله عز وجل، الولد، أن يحسنا تربية هذا الولد، ومن حقوق الولد على الوالد أن يعلّمه، بل قبل أن يعلّمه، أصلا أن يختار له الحضن الصالح (تخيروا لنطفكم).

الإنسان إذا أراد أن يتزوج، يتزوج أي امرأة؟

لا، في الغالب لا يتزوج أي امرأة، مثل ما أنه لا يشتري أي بيت، لا يشتري أي سيارة، لا يشتري أي هاتف، لا يشتري أي جهاز من الأجهزة، إلّا بعد أن يتعرّف على أن هذا الجهاز يخدمه، يحقق منه الغرض، الولد أهم من كل هذا، إذا أردت أن تتزوج فابحث لك عن الحضن الطاهر، كما أن البنت، الأهل إذا أرادوا أن يزوجوا بناتهم عليهم أن يحسنوا الاختيار.

 لاحظوا الرواية ماذا تقول عن النبي (إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه) الدين والخلق، والظاهر أن الخلق المقصود منه هنا "الطبع".

هناك من هو ديّن، لكن خلقه ليس خلقا حسنا، حاد المزاج، كسول، تديّنه أمر حسن، لكن أنا إن أردت أن أعطيه ابنتي، هناك مسؤولية، إذا لم يكن كفئا لتحمل هذه المسؤولية، فليبحث عن بنت أخرى، ابنتي لن أعطيه إياها وهو لا يحسن التعامل، بل قد نجد بعض الأبناء الكسالى يسأل، ومرة سألني واحد، هنا في هذا المسجد، قبل فترة وزعلت عليه شوي، قال لي أنا أريد أن أتزوج امرأة "موظفة"..!

قلت له "عيب".

قلت كيف يعني تتزوج امرأة" موظفة"؟!

لأنه عاطل عن العمل، يريد من المرأة أن تكفله.!

عيب، الرجل هو من المفترض أن يكفل المرأة، لا أن يعتمد على المرأة، وإن كانت موظفة.

أولا، إذا توظفت وعملت وكسبت، فإن مالها لها، لا يجوز للزوج أن يتحكم في ريال واحد من هذه الأموال التي تكسبها، ثم إن هذا الأمر -كما قلنا- يعيب بالرجل أن يعتمد على امرأته، ولو أن الرجل لم ينفق على زوجته، كان إنفاقها عليه دَيناً في ذمته، يجب عليه أن يؤديه إذا تمكن، وإلّا سيتحول إلى الإرث.

فإذن، هناك مسؤوليات متبادلة، البنت عليها مسؤولية، الولد عليه مسؤولية، والوالدان عليهما مسؤولية، حتى لا يتسببان في موت المجتمع موتا ماديا أو موتا معنويا.

 بهذه الطريقة لو عملنا بهذه البنود وما يتلوها وما يأتي بعدها- إن شاء الله- وما سبقها وما لحق وما يأتي إن شاء الله، سنكون من أهل الصراط المستقيم.

جعلنا الله وإياكم ممن يستمع القول فيتبع أحسنه.

اللهم صل على محمد وآل محمد، اللهم كن لوليك الحجةِ بن الحسن صلواتك عليه وعلى آبائه في هذه الساعة وفي كل ساعة ولياً وحافظا وقائداً وناصرا ودليلاً وعينا، حتى تسكنه أرضك طوعا وتمتعه فيها طويلا.

اللهم انصر الإسلام والمسلمين واخذل الكفار والمنافقين اللهم اشف مرضانا وارحم موتانا واغن فقرائنا وأصلح ما فسد من أمر ديننا ودنيانا ولا تخرجنا من الدنيا حتى ترضى عنا يا كريم وصلى الله على محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين.