شارك

«وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه -٩»

نص الخطبة التي ألقاها سماحة العلاّمة السيد حسن النمر الموسوي بعنوان «وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه -٩» يوم الجمعة ٢٢ جمادى الثاني ١٤٤٢هجري في جامع الحمزة بن عبدالمطلب بمدينة سيهات.

 

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد الخلق وأشرف الأنبياء والمرسلين محمد بن عبدالله وعلى آله الطيبين الطاهرين.

رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي.

عباد الله، أوصيكم ونفسي بتقوى الله.

يقول الله عز وجل، في كتابه الكريم {وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ}

هذا المقطع الشريفي يمثل توجيها آخرا ‏من التوجيهات التي جاءت في الصورة التي كنا نتحدث عنها فيما يتعلق بالصراط المستقيم الذي حدد الله عز وجل معالمها وشخصها وأمرنا أن نلتزم بمضامينها فعلا وتركا.

ذلك أن الاسلام كما قدمنا، ليست مجموعة من التعاليم الفكرية النظرية البحتة التي لا انعكاس لها على سلوك الانسان في أفعاله وفي أقواله، في إحجامه وفي إقدامه وإنما يجب على المسلم وبقدر ذلك يكون إسلامه ويترقى وفي إيمانه أو لا سمح الله يتهاوى، بقدر ما يلتزم يكون مسلما، وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قوله (المسلم من سلم الناس من يده ولسانه).

يعني لو أن إنسانا كان مشاغبا ومشاكسا للناس، يؤذي هذا ويزعج هذا ويعتدي على هذا، هل نحكم بارتداده؟

لا، والنبي صلى الله عليه وآله وسلم، لا يريد أن يشخّص أن هذا الانسان الذي لم يسلم الناس من يده ولسانه، قد خرج من ربقة الإسلام، وإنما يريد أن يقول أن الاسلام مراتب.

أول هذه المراتب التي يُحقن بها الدم ويدخل الانسان في دائرة الإسلام هي أن ينطق بالشهادتين، فاذا نطق الانسان بالشهادتين، له ما للمسلمين وعليه ما على المسلمين، من كل الأحكام الظاهرة، لكن، فيما يتعلق بالقرب من الله عز وجل، كلما التزم الانسان مضمونا من مضامين الاسلام والتزم توجيها وتعليما من تعليماته وتوجهاته، كلما ارتقى في اسلامه ويرتقي في إيمانه، لأن الإيمان مراتب والاسلام أيضا مراتب.

الآية ماذا تريد أن تقول في هذا المقطع؟

قال {وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ}

الفواحش كما عُرّفت في اللغة: كل خصلة قبيحة تُعد من الفواحش، جمع فاحشة.

والفاحشة أما أن يقال كما "ابن منظور" في كتابه "لسان العرب" يقول كل خصلة قبيحة هي من الفواحش، وقد يقال بأنها لا، ليست كل خصلة قبيحة، وإنما كل خصلة تجاوز القبح فيها الحد الأدنى إلى الحد المتوسط والحد الأعلى.

وقد ورد فيما رُوي عن أهل البيت عليهم أفضل الصلاة والسلام، تشخيص {وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ} بالزنا والسرقة وبنكاح الآباء للأمهات كما كان جاريا عند بعض الجاهليين.

أيا كان، الآية لا تريد أن تشخّص مصداقا واحدا، وإنما تريد أن تعطينا قاعدة عامة وكلية، يجب أن يلتزم بها الانسان أن كل شيء يدخل تحت عنوان الفواحش، إذا شخّصه الشارع المقدّس بأنه من الفواحش، بأن سمّاه كالكبائر، الكبائر من الفواحش، الزنا -أجلكم الله- اللواط – أجلكم الله- السرقة، هذه فواحش بالتأكيد.

لكن، هناك فواحش قد لا تكون سُميّت، في نظر العرف قد لا تكون من الفواحش، الشارع المقدس إذا نص عليها فهي من الفواحش، وقد لا يكون الشارع المقدس نص عليها في الكتاب الله الكريم ولا في السنة المطهرة، لكن ترك أمر تشخيصها إلى العرف السوي من الناس.

إذا كان العقلاء عبر التاريخ، سابقا ولاحقا، يعدون هذا من الفواحش، هذا أيضا يدخل تحت المحرمات وإن لم يأت له نص شرعي ما لم ينه عنه أو يبينه الشارع المقدس، لأن هناك مساحة مشتركة بين ما هو مقر عند العقلاء وما يمضيه الشارع المقدس، ما جرى التعارف عليه بين العقلاء، كالكذب مثلا:

الكذب، كل العقلاء يقولون إن الكذب قبيح، هل نحتاج إلى نص شرعي لأن نقول بأن الكذب قبيح؟

الفقهاء والعلماء يقولون لسنا في حاجة إلى ذلك، الفطرة البشرية التي نجد مصاديقها عند القاصي والداني، المشرقي والمغربي، من الدين الفلاني والدين الفلاني، اتفقت كلمتهم على أن الكذب قبيح، يقال هذا قبيح شرعا، وهو ما يعرف بالمستقلات العقلية، يعني ما يستقل عقل الانسان بالحكم عليه، بالسلب أو الإيجاب، بالحسن أو بالقبيح، والبحث في أطراف هذا المجال طويل جدا، لا يعنينا الدخول فيه.

لكن من أخطر ما يتعرض له الانسان، هو أن تلوث فطرته، مثلا:

فعل الفواحش التي جاءت المؤكدات في كل شرائع الإسلام، قبح الزنا وحرمته، قبح اللواط وحرمته، السرقة وحرمتها، الظلم وحرمته، ما الذي يريد بعض الأطراف فعله؟ يقول دعوا للناس أن يفعلوا ما يشاؤون، الحرية الشخصية يجب أن نكفلها...!

من قال بأن هناك فئة من البشر ودولة من الدول ونظام سياسي أو اجتماعي من الأنظمة السياسية والاجتماعية تقول أن كل الناس لهم أن يفعلوا؟ لا يمكن، لو تركنا هذا لكنا أشبه، بل أسوْ حالا من الحيوانات في الغابات.

الحيوانات في الغابات، الله عز وجل، ترك تنظيمها إلى فطرتها، الكواسر والجوارح هي تفترس، لكن في أي حدود؟ في حدود ما تؤمن لقمة العيش، فإذا أكل الأسد والفهد والنمر، وأمثالها مما يفترس الحيوانات الأخرى، بمجرد أن يشبع، يكف.

لكن الانسان، إذا اخرجناه من دائرة الفطرة، هل يكتفى بالسرقة لو كان سارقا، الى أن يسرق حتى يأكل؟

في الغالب لا، هو يسرق ليأكل وليتسلط وليتجبّر ويفعل كل الفواحش التي يرتكبها، كما يدعي إليه عند بعض الجهات ويُراد ترويجه في أوساط الناس جميعا، لهذا، لأن يفعل كل ما يحلو له، وبالتالي، سيسود الهرج والمرج.

من أهم تعاليم الاسلام هو محاصرة الانسان وتسييجه في داخل دائرة الكمال والترقي والإنسانية، حتى أن ما عدّه الشارع المقدس، عماد الدين وهو الصلاة، بماذا وصفها الله عز وجل؟ قال {إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ}

يعني من أهم منافع وأهداف الصلاة التي فرض الله عز وجل، على المسلمين أن يؤدوها خمس مرات في اليوم، هي أن المصلي إذا أدى صلاته، كما يريد الله عز وجل، لن يرتكب المنكر ولن يرتكب الفحشاء ولن يقع في هذه وفي أشباهها، فإن وقع في شيء من هذا وذاك، فليعد النظر في صلاته، فهي ليست الصلاة التي أرادها الله عزوجل.

إذا فُرّغت الصلاة من مضمونها ومن محتواها، سيكبّر الانسان دون أن يعي معنى التكبير، وسيتشهد دون أن يعي معنى التشهد، وسيسبح ويحمد ويركع ويسجد ويفعل كل أفعال الصلاة، لكن بشكل روتيني، آلي، مفرّغ، من المحتوى، مثل هذه الصلاة، قد تسقط عن الانسان العقوبة في مجال، لكن لن تنفعه في مجالات كثيرة أخرى، وهذا أمر مهم.

لذلك، الآية ماذا قالت؟ ما قالت لا ترتكبوا الفواحش، قالت لا، الفواحش لا يقع فيها الانسان دفعة واحدة، وإنما للفواحش أجواء ومقدمات وسياقات معينة، إذا دخل الانسان الحمى، سيقع فيه، فالآية قالت {وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ} يعني ابتعدوا عنها قدر ما تستطيعون، مثل {وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا ۖ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَساءَ سَبِيلا} لا تقربوا الزنا ليس هو نهي عن فعل الزنا حاشاكم، ولكن هو نهي عن كل ما يؤدي بالإنسان الى الزنا حتى النظرة المحرمة الى المرأة الأجنبية، لأنها ستحرك في الانسان دواعي الشهوة والميل والاندفاع، بحيث تخور قوى الانسان ولا يستطيع أن يتحكم فيها، وقس على هذا كل ما من شأنه أن يجر الانسان الى ارتكاب المحرمات.

فيقول عز وجل {وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ} الفواحش والمنكرات ليست على نسق واحد، فيها ما فحشه بيّن وفيها ما فحشه غير بيّن، فيها ما يرتكب في العلن وفيها ما يرتكب في السر، الله عز وجل، يقول تريد أن تكون مسلما، كما أريد -أي الله عزوجل- تريد أن ترتقي عندي أو تصل الى المقامات العليا؟ كن تقيا {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ}.

أن تكون تقيا، أن يستوي الحالان عندك، سرك وعلانيتك، لا فرق عند المؤمن بين ظاهره وباطنه ولا بين سره وعلنه، هو مع الله عز وجل، ولا يريد إلّا وجهه، في حالات الضعف والقوة والفقر والغنى والصحة والسلامة والبغضاء والكراهية، يقول الله عز وجل، يؤكد على عدم العدوان على الناس {وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى}.

حتى مع العدو، يجب أن يكون الانسان منصفا، فلا ينسب إليه شيئا لم يثبت عنده بالبينات الشرعية والقانونية أنه قد فعله.

لا تقبل أنت أن تتهم بشيء لم ترتكبه، ولو اتُهمت لكان من حقك أن تطالب بالبينة والإثبات، فإذن، لماذا تفعل هذا مع شخص آخر، حتى لو كان عدوك؟ لا يجوز لأحد أن ينسب شيئا قبيحا إلى عدوه، فضلا عن صديقه، إلّا أن يكون لديه الاثبات والبينات الشرعية.

فيقول عز وجل {وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ} لاحظوا في سورة "النور" وهي من السور المهمة جدا في تربية العفة وتحصين المجتمع، يقول عز وجل {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ۚ وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ} الله لا يأمر بالفحشاء، الأنبياء لا يأمرون بالفحشاء، الأولياء والكمّل من الناس لا يأمرون بالفحشاء، فلو وجدت أحدا يأمر بالفحشاء والمنكر، لا تصنفه على أنه من الله عز وجل ولا تنسب إلى الله عز وجل، أنه يبيح لأحد أن يرتكب فحشاء أو منكرا، لذلك، ماذا يفعل الشيطان وأولياء الشيطان؟ يعبثون بالمفاهيم، يحاول أن يزلزل قناعتك بأن الله أمر بهذا ونهى عن هذا، يحاول أن يزلزل قناعتك بأنه من قال بأن القرآن نص على هذا أو لم ينص..!

طبعا هو لا يأتي مباشرة، قد يأتي الى السنة المطهرة ويأتي الى فتاوى الفقهاء، ليتدرج معك، من قال بأننا ملزمون بفتاوى الفقهاء؟!

فإذا تقدم خطوة في هذا الباب، من قال أن النبي صلى الله عليه وآله، أوصي بهذا أو نهى عنه؟!

ثم يترقى مرتبة ثالثة، من قال بأن مراد الله عز وجل، بالفحشاء والمنكر هو الزنا واللواط؟! هذا أمر شخصي، ليس هذا من الفحشاء والمنكر..! ثم لا يبقى حجر على حجر.

فالله عز وجل {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ۚ وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ} ثم يضيف {وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} الآية ترشد وتبيّن للناس أن أحدا لو أراد أن يكون من الأزكياء والمزكين، فإن هذا ليس جدا بشريا مستقلا، بل لا بد أن يستعان فيه بالله عز وجل {يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ}.

فقر الانسان إلى الله، يلزمه بأن يجعل أذنه مفتوحة إلى الله عز وجل، فإذا أمرنا بالصلاة ووصف الله عز وجل، الصلاة بأنها تنهى عن الفحشاء والمنكر، وجب علينا أن نستمع الى الله عز وجل، ونحسن الاستماع ونطمئن بأن بأن الله صادق في قوله.

ولذلك، تجدون أن الذين يقعون في الفحشاء والمنكر، يرتكبون ماذا؟ من أول ما يقعون فيه، الإخلال بالصلاة، لا يهتمون بالصلاة، لا يجد نفسه ملزما بالصلاة، فإذا انحلت عرى علاقته بالله عز وجل، بالصلاة، سهل على الشيطان أن يستوي عليه، سهل على الانسان أن يغشه ويخدعه، والشيطان قد يسول للإنسان ويزين له في أول الأمر، ثم إذا وقع في الفتنة والفحشاء والمنكر، أسلمه الى مصيره، يقول {إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ} بعد أن ورطه فيما ورطه.

نسأل الله عز وجل، أن نكون وإياكم ممن يستمع القول فيتبع أحسنه.

نؤكد على ما سيأتي في الخطبة اللاحقة-إن شاء الله- إن أبقانا الله وإياكم في خير، أن حفظ الأنفس من أهم ما يجب على المسلم أن يراعيه، وفي أوقات الوباء، كالوقت الذي نعيشه، نسأل الله عز وجل، السلامة للجميع، من أهم ما يلزم على الناس أن يراعوه، الاحترازات التي من شأنها أن يحافظ بها ومن خلالها على نفسه وعلى الآخرين.

ليس هذا أمرا يصح شرعا ولا يجوز شرعا أن يتهاون فيه، لا في المساجد ولا في الحسينيات ولا في التجمعات العائلية والبشرية خاصة، وقد بدا أن هناك بعضا من التسيب، بعض التخفف من هذه الاحترازات، فارتفع منسوب الإصابات، نسأل الله عز وجل، لجميع المرضى الشفاء والعافية.

اللهم صل على محمد وآل محمد، اللهم كن لوليك الحجةِ بن الحسن صلواتك عليه وعلى آبائه في هذه الساعة وفي كل ساعة ولياً وحافظا وقائداً وناصرا ودليلاً وعينا، حتى تسكنه أرضك طوعا وتمتعه فيها طويلا.

اللهم انصر الإسلام والمسلمين واخذل الكفار والمنافقين اللهم اشف مرضانا وارحم موتانا واغن فقرائنا وأصلح ما فسد من أمر ديننا ودنيانا ولا تخرجنا من الدنيا حتى ترضى عنا يا كريم وصلى الله على محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين.